مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 16991
دیروز : 40352
افراد آنلاین : 69
همه : 4385825

فن الإلقاء المؤثر من الكتاب والسنة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إنَّ مِمَّا يلفت الانتباه هذه الأيام - ولله الحمد والمنَّة - هو كثرة الدُّعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وتنوُّع أساليبهم في الدَّعوة إليه، إلاَّ أن إلقاء المحاضرات والدروس والخطب والكلمات يبقى من أكثر الأساليب استخدامًا، ولقد لمستُ حاجة هؤلاء الدُّعاة إلى الإلمام بفنِّ الإلقاء وطرقه وأساليبه؛ ليكون إلقاؤهم أكثر جاذبية، وتكون كلماتهم أوْقَع في القلوب، فتؤتِي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها، لذا؛ فقد أحببت أن أساهم بمحاولة متواضعة لسدِّ جزءٍ من هذه الحاجة، وقد وفَّقني الله تعالى لإعداد هذه الرِّسالة المقتَضبة جدًّا؛ لتكون نواة لعمل آخَر يكون أكثر إسهابًا وتفصيلاً، فما كان فيها من صوابٍ فمن الله وحده، وما كان فيها من خطأٍ فمن نفسي والشيطان، واللهَ أسألُ أن ينفع بها كاتبها وقارئها، وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم.

تمهيد

 

تعريف الإلقاء وأنواعه:

 

تعتبر كل محادثة بين اثنين فأكثر نوعٌ من أنواع الإلقاء، ولقد صُنِّفَ الإلقاء إلى ثلاثة أنواع:

1- فرديٌّ؛ أي: تتحدَّث مع شخص واحد فقط.

2- لمجموعة صغيرة، كما هو الحال في الدُّروس المنهجيَّة في المدارس والمساجد ونحوها.

3- لمجموعة كبيرة، كما هو الحال في الخطب والمحاضرات العامة ونحوها.

ولعل ما يهمُّنا في هذه الرسالة هو النوع الثاني والثالث؛ لكونهما يمثِّلان جلَّ مجالات الإلقاء المنظَّم، ولأنَّ القصور - غالبًا - ما يقع فيهما دون سواهما.

مجالات الإلقاء:

 

إن مجالات الإلقاء كثيرةٌ جدًّا ويصعب حصرها، ولعل من أبرز أمثلتها: خطبة الجمعة، والدروس المنهجيَّة؛ سواء في المدارس أو في المساجد، والمحاضرات العامة على تنوُّع موضوعاتها، والمواعظ، والمناسبات العامة، والاحتفالات، والمؤتمرات، والبرامج الإذاعيَّة والتِّلفازيَّة... وغيرها.

عناصر الإلقاء: 

 

كل عملية إلقاء لابدَّ لها من ستة عناصر أو أركان، ينبغي مراعاتها إذا ما أُريدَ لها النجاح، وهذه العناصر هي:-

 

1- المصدر: وهو المُلقِي، فلابدَّ أن يُلِمَّ بقواعد الإلقاء؛ ليكون إلقاؤه مؤثِّرًا.

2- المُستقبِل: وهو المستمع؛ فلابدَّ من التعرُّف على صفاته الشخصية؛ كعمره، ومستواه العلمي، ومستواه المعيشي، وعاداته وتقاليده وغيرها، وذلك لاختيار ما يناسبه من المواضيع، ومن طرق ووسائل وأساليب الإلقاء.

3- الرِّسالة: وهي الموضوع؛ فلابد من إتقان تحضيره، ومراعاة كوْنه مناسبًا للمستمعين وضمن دائرة اهتماماتهم.

4- القناة: وهي وسائل وأساليب الإلقاء، وأعني بها: الطبق الذي سيُقدَّم به الإلقاء، فقد يكون عن طريق إلقاء محاضرة من جانب واحد فقط، وقد يكون على شكل حَلْقَة نقاش، يشارك فيها المستمعون بآرائهم ومقترحاتهم وأسئلتهم، وقد تُستَخدم فيه (السَّبورة) أو عارضة الشرائح أو الشفافيات أو (الفيديو)، أو غيرها، وذلك لضمان فاعلية الإلقاء واستفادة المستمعين.
5- استِجابة الجمهور: وأعني بِها مدى استفادة الجمهور من الموضوع الذي أُلقِيَ عليهم، إذ إن العناصر السابقة مهما كان الاهتمام بِها ومَهْما رُوعِيَت؛ فإنه لا يكون لها أدنى فائدة إذا لم يَنْتُجْ عنها استفادة المستمعين، لذا كان لابدَّ من التأكُّد من استجابة الجمهور، وذلك عن طريق فتح المجال لأسئلتهم، وإلقاء الأسئلة عليهم، واستِقْبال أجوبتهم، أو عن طريق الأسئلة المكتوبة؛ كالاختبار في نهاية الدرس أو بعد مجموعة من الدروس أو المحاضرات ... ونحو ذلك.

6- المؤثِّرات الخارجية: كضِيق المكان، وحرارة الجوِّ، وضعف الإضاءة، وكثرة الضَّوضاء الخارجيَّة ... ونحوه، فلو أنَّ جميع العناصر السابقة قد رُوعِيَتْ بدقَّةٍ إلاَّ أن مكان الدرس أو المحاضرة كان شديد الحرارة لتعطُّل أجهزة التكييف – مثلاً - فإنَّ المتوقَّع هو عدم استفادة المستمعين، لذا كان من المهمِّ جدًّا التأكُّد من عدم وجود أي مؤثِّرات خارجية تؤثِّر سَلْبًا على عملية الإلقاء.

وسنعرض في هذه الرسالة للعنصر الأول بشيءٍ من التفصيل، ولبقية العناصر بشكلٍ مُجْمَل. 

أهداف الإلقاء:

 

لابدَّ لكلِّ عملٍ من هدف وإلا كان هذا العمل فاشلاً، يتخبَّط فيه صاحبه يَمنَةً ويَسْرَةً ولا يصل إلى شيء، ولابدَّ لهذا الهدف من أن يكون واضحًا يمكن تحقيقه.

وبشكل عام؛ فإن أهداف الإلقاء لا تخرج عن هذه الأهداف العامة التالية:-

1- زيادة العلم والمعرفة: مثال ذلك أن تُلقِي محاضرةً للتَّعريف ببلد معيَّن أو إنسان معين أو مبدأ معين ... أو نحو ذلك.

2- تعزيز وجهات النَّظر السليمة: مثال ذلك أن تُلقِي محاضرة على جمع من المسلمين المصلِّين عن فضائل الصَّلاة؛ لتزيدهم محبَّةً للصَّلاة وتمسُّكًا بها.

3- تغيير وجهات النَّظر الخاطئة: مثال ذلك أن تلقي محاضرة على جمع من الناس يعتقدون بجواز تطبيق القوانين الوضعيَّة في ديار الإسلام؛ لإقناعهم بعدم جواز ذلك.

4- تعزيز السُّلوك العَمَلِي السليم: مثال ذلك أن تُلقِي محاضرةً على جَمْعٍ من المحافِظين على صلاة الجماعة، عن فضل المحافظة عليها؛ لتعزِّز فيهم هذا المَسْلَك.

5- تغيير السلوك العملي الخاطئ، وتبنِّي السلوك السليم: مثال ذلك أن تُلقِي محاضرةً على جَمْعٍ من المدخِّنين، عن حُرْمَة التدخين وأضراره؛ ليكفُّوا عنه.

والحقيقة أنه بالرغم من أهمية جميع الأهداف المذكورة إلاَّ أن الهدف الأخير يعتبر من أهمها ومن أصعبها تحقيقًا، ذلك لأنه يتطلَّب تَرْكَ ما اعتاده الإنسان لزمن طويل، وما يكون قد ورثه عن آبائه وأجداده، فيعزُّ عليه تَرْكُه، كما أن السلوك الخاطئ - غالبًا - ما يكون موافقًا للهوى والشهوة، وفي تغييره وتبنِّي السلوك السليم مشقَّةٌ وتَبِعاتٌ ثقيلة، ولقد أخبر الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ذلك؛ حيث قال: ((حُفَّتِ النار بالشَّهوات، وحُفَّتِ الجنة بالمكارِه))؛ (صحيح الجامع: 3142).

لذا فسوف نتحدَّث في الفصل القادم عن مراحل التغيير، التي غالبًا ما يتنقَّل فيها كل مَنْ أراد أن يغير سلوكًا خاطئًا إلى آخَر سليم.

مراحل التغيير:

 

إن تغيير السلوك الخاطئ إلى آخَر صحيح لا يمكن أن يتحقَّق إلا إذا شاء الله ذلك وأراده؛ حيث يقول سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيَّه محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم -: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].

ويقول في موضعٍ آخَر على لسان نبيِّه نوح - عليه السَّلام -: {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34].

إن هذا التغيير لا يأتي في الغالب فجأةً بدون مقدِّمات، ولا دفعةً واحدةً بدون تدرُّج؛ بل لابدَّ للإنسان من الانتقال عبر عدَّة مراحل حتى يبلغ حدَّ التغيير؛ لذا كان لزامًا على المُلقِي أن يراعي جميع هذه المراحل قبل إلقائه وأثنائه وبعده.

وهذه المراحل غالبًا ما تكون مُرَتَّبة على النحو التالي:-

 

1- العلم والإدراك:

إنَّ أوَّل مرحلة - وأهم مرحلة - من مراحل التغيير هي مرحلة العلم والإدراك؛ فإن الإنسان عدوُّ ما يجهل، ومَنْ أراد أن يجيد صنعةً فلابد أن يتعلَّمها، وإلاَّ ذهب يتخبَّط فلا يهتدي إلى شيء.

لذا فإنه من أهم واجبات الدَّاعية إلى الله سبحانه هو تعليم الناس العلم النافع الذي يُثمِر - بإذن الله - عملاً صالحًا؛ يقول تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]، ويقول سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، فإن الله قد بعث رسوله إلى الناس تاليًا لآياته عليهم، مبلِّغًا إيَّاهم ما بعثه الله به من الهدى، ومعلِّمًا إياهم العلم الإلهي النافع، وبعد ذلك هم يختارون إما الاتِّباع وإما الإعراض والامتناع.

ويقول - جلَّ مِنْ قائل - في موضع آخر: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 24]؛ أي إنهم لو علِموا الحقَّ لكان أحْرَى بِهم أن يتَّبعوه، ويقول تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19]، وهذا يعني العلم أولاً ثم العمل.

وفي الآية الأخرى يقول تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39]؛ فهذه الآية تبيِّن أن سبب التكذيب هو عدم كمال العلم بالمكذَّب به، وبالتالي فإنه يُفهم منها بأن كمال العلم بالشيء شرطٌ لقبوله والأخذ به.


 لذا فإننا نجد آياتٍ وأحاديثَ كثيرةً تحثُّ على تبليغ العلم للناس؛ لأنَّ ذلك هو نقطة البدء والانطلاق للتغيير.

ومن هذه الآيات قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104].

ومن الأحاديث قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: ((بلِّغوا عنِّي ولو آية))؛ "صحيح الجامع" (2834)، ويقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خيركم مَنْ تعلَّم القرآن وعلَّمه))؛ "صحيح الجامع" (3314)، ويقول - عليه الصَّلاة والسَّلام- أيضًا: ((إن الله وملائكته، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر - لَيُصَلُّون على معلِّم الناس الخير))؛ "صحيح الجامع" (1834).
إن تبليغ العلم إلى الناس له وسائل كثيرة ومتنوِّعة، ولعل من أهمها وأكثرها استعمالاً هو توصيل العلم عبر الكلمة المسموعة، أو بمعنى آخر: عن طريق الإلقاء، لذا كان لزامًا على كل داعية أن يجيد فنَّ الإلقاء.

2- محبة ما عَلِمه والاهتمام به:

 

إذ إن الإنسان إذا بلغه علمٌ معيَّنٌ ينبئه بأنَّ السلوك الذي يمارسه خطأٌ وفيه ضرر عليه؛ فإنه ليس بالضرورة أن يبادِر بتَرْك ذلك السلوك الخاطئ، وإنما يكون حاله بين أمرَيْن اثنين لا ثالث لهما: فإما أن يحبَّ ذلك الأمر، ويهتمَّ به، ويبحث فيه، ومن ثَمَّ يتدرَّج إلى تَرْك ذلك السلوك الخاطئ، وإما أن يكره ذلك الأمر الذي أُبْلِغ به ولا يقبله، وذلك لأسباب عديدة، ولعلَّ منها عدم فهمه لذلك الأمر أو عدم قناعته به، أو محبته لِما كان يُمارِسه من سلوك خاطئ وتعوُّده عليه، ونحو ذلك؛ فتكون النتيجة أن يَمكث على سلوكه الخاطئ ولا يغيِّره.

يقول تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]، فبالرغم من صدق ما بلَّغهم به المرسلون - عليهم السَّلام - وأنَّ الخير كلَّ الخير فيه، إلا أنَّ أنفسهم لم تهوَ ما بُلِّغوا به؛ فكانت النتيجة أن كذَّبوهم ولم يقبلوا ما جاؤوا به؛ بل قتلوهم - قاتلهم الله.

وفي موضعٍ آخَر يقول الله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113-114]؛ فإن شياطين الإنس والجن عندما أوحى بعضهم إلى بعضٍ القولَ الباطل المزخرَف المزيَّن، كان من نتيجة ذلك أن تميل إليه قلوب الكافرين بالآخِرة، ويستقبلونه بالمحبة والرِّضا، ومن ثَمَّ يُسْفِر ذلك عن العمل والسلوك الفاسد، وذلك بأن يقترفوا ما هم مقترفون، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] .

وفي موضعٍ آخَر يقول الله - جلَّ مِنْ قائل -: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7]، وكفى بهذه الآيات دليلاً على أهمية هذه المرحلة من مراحل التغيير.

وهكذا فإنَّ على المُلقِي ألاَّ يدَّخر وُسْعًا في تحبيب موضوع إلقائه للمستمعين؛ ليضمن انتقال المستمع من مرحلة العلم والإدراك إلى هذه المرحلة إذا شاء الله لهذا المستمع هدايةً وتوفيقًا.


3- التَّقييم و الموازنة الفكرية:

 

فإن الإنسان إذا علم شيئًا وأدرك أنه الحقُّ، ثم أحبَّه واهتمَّ به؛ فإنه ليس بالضرورة أن يتبنَّى السلوك الذي يدعو إليه ذلك العلم؛ بل لابدَّ له وأن يَخْضَع لمرحلة الموازنة بين المصالح والخسائر التي سيجنيها من وراء تَبَنِّيه لذلك السلوك، سواء أكانت أُخْرَوِيَّة أم دنيويَّة، فإن ترجَّح لديه جانب المصلحة عمل بذلك السلوك، وإلاَّ تركه.

والناس يتفاوتون في ذلك تفاوتًا عظيمًا؛ فمنهم من يُقَدِّم المصلحة الأُخرويَّة الآجِلة على الدُّنيويَّة العاجلة، مهما كانت خسائره المادية، ومنهم مَنْ يفعل العكس؛ فيُقَدِّم المصلحة الدُّنيويَّة الفانية على الأُخرويَّة الباقية.

ففي كتاب الله آياتٌ كثيرةٌ تتحدَّث عن حال الناس في هذه المرحلة، منها قول الله تعالى عن أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20]، ومنها قوله - جلَّ وعلا - في حقِّ آل فرعون: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 13-14].

ولعل من أمثلة ذلك في السنَّة الشريفة: قصة أبي طالب عمِّ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث إنه ناصَر دعوة ابن أخيه محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأقرَّ بصحَّة دين الإسلام؛ حيث قال مُنشِدًا: 

وَاللهِ  لَنْ  يَصِلُوا  إِلَيْكَ  بِجَمْعِهِمْ        حَتَّى  أُوَسَّدَ  فِي   التُّرَابِ   دَفِينَا
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ        أَبْشِرْ  وَقَرَّ   بِذَاكَ   مِنْكَ   عُيُونَا
وَدَعَوْتَنِي وَعَرَفْتُ أَنَّكَ  نَاصِحِي        وَلَقَدْ  صَدَقْتَ  وَكُنْتَ  ثَمَّ   أَمِينَا
وَعَرَضْتَ  دِينًا  قَدْ  عَرَفْتُ  بِأَنَّهُ        مِنْ   خَيْرِ   أَدْيَانِ   البَرِيَّةِ    دِينَا
لَوْلا   المَلامَةَ   أَوْ   حِذَارَ   مَسَبَّةٍ        لَوَجَدْتَنِي   سَمْحًا   بِذَاكَ   مُبِينًا

فبالرغم من ذلك لم يُسلم، حتى وهو على فراش الموت، ومات وهو يقول: "على ملَّة عبد المطَّلب"، والنبيُّ الدَّاعية الأعظم - صلَّى الله عليه وسلَّم - بين يديه ويقول له: ((يا عمِّ، قُلْ: لا إله إلاَّ الله، كلمة أشفع لكَ بها عند الله))؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ.

ومثال آخَر من السُّنة: هو ما رواه البخاريُّ في "صحيحه" عن الزهري قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، أنَّ عبدالله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب – رضي الله عنهم جميعًا – أخبره: أن هِرَقْل أرسل إليه في ركبٍ من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدَّة – أي: صلح الحديبية - التي كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيُّكم أقرب نَسَبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ:  أنا أقربهم نَسَبًا؛ فقال: أدنوه منِّي، وقرِّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائلٌ هذا الرجل؛ فإن كذَبني فكذِّبوه، فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليَّ كذبًا لكذبتُ عنده.

ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نَسَبُهُ فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذو نَسَبٍ.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطُّ قبله؟ قلتُ: لا.

قال: فهل كان من آبائه من مَلِكٍ؟ قلتُ: لا.

قال: فأشرافُ الناس يتَّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلتُ: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلتُ: بل يزيدون.

قال: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سَخْطَةً لِدينِه بعد أن يدخل فيه؟ قلتُ: لا.

قال: فهل كنتم تتَّهِمُونَه بِالكَذِب قبل أن يقول ما قال؟ قلتُ: لا.

قال: فهل يغدر؟ قلتُ: لا، ونحن في مدَّةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها.

قال – أي: أبو سفيان - ولم تُمكِنِّي كلمة أُدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة.

قال: فهل قاتلتموه؟ قلتُ: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيَّاه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجالٌ، ينال منَّا وننال منه.

قال: ماذا يأمركم؟ قلتُ: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصَّلاة والصِّدق والعفاف والصِّلَة.

فقال للترجمان: قل له:

سألتك عن نسبه فذكرتَ أنه فيكم ذو نَسَبٍ؛ فكذلك الرُّسل تُرسَل في نَسَبِ قومها.

وسألتك: هل قال أحدٌ منكم هذا القول؟ فذكرتَ أن لا، فقلتُ: لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله لقلتُ: رجلٌ يأتي بقولٍ قيل قبله.

وسألتكَ: هل كان من آبائه من مَلِك؟ فذكرتَ أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من مَلِكٍ قلتُ رجلٌ يطلب مُلْكَ أبيه.

وسألتكَ: هل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أن لا؛ فقد أعرف أنه لم يكن ليَذَرَ الكذب على الناس ويكذب على الله.

وسألتكَ: أشرافُ الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أنَّ ضعفاءهم اتَّبعوه، وهم أتباع الرُّسل.

وسألتكَ: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمَّ.

وسألتكَ: أيرتدُّ أحدٌ سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

وسألتكَ: هل يغدر؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الرُّسل لا تغدر.

وسألتُك: بم يأمركم؟ فذكرتَ أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصَّلاة والصِّدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا؛ فسيملِك موضع قدميَّ هاتين!! وقد كنتُ أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أعلم أني أَخْلُصُ إليه لتجشَّمْتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه!!.

ثم دعا بكتاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي بعث به دِحْيَةَ إلى عظيم بُصْرَى، فدفعه إلى هِرَقْل، فقرأه، فإذا فيه:

"بسم الله الرحمن الرحيم،،

من محمد عبد الله ورسوله إلى هِرَقْل عظيم الروم،،،

سلامٌ على مَنِ اتَّبع الهدى، أمَّا بعد:

فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِم تَسْلَم، يؤتِكَ الله أجركَ مرَّتين، فإن تولَّيْت فإنَّ عليك إثم الأريسيين.

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]".

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كَثُرَ عنده الصَّخَب، وارتفعت الأصوات، وأُخرجنا؛ فقلت لأصحابي حين أخرجنا: "لقد أَمِرَ أَمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر"، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.

"وكان ابن الناطور- صاحب إيلياء - وهِرَقْل أسْقَفَه على نصارى الشام، يحدِّث أن هِرَقْل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس؛ فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك - قال ابن الناطور: وكان هِرَقْل حزَّاءً؛ أي: كاهنًا ينظر في النجوم - فقال لهم حين سألوه: إني رأيتُ الليلة حين نظرت في النجوم ملَكَ الخِتان قد ظهر، فمَنْ يَخْتَتِنُ من هذه الأمَّة؟ قالوا: ليس يَخْتَتِنُ إلاَّ اليهود؛ فلا يُهِمَّنَّك شأنهم، واكتب إلى مدائن مُلْكِكَ فيقتلوا مَنْ فيهم من اليهود.

فبينما هم على أمرهم؛ أُتِي هِرَقْل برجلٍ أرسل به ملك غسَّان يُخبِر عن خبر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما استخبره هِرَقْل قال: اذهبوا فانظروا: أَمُخْتَتِنٌ هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مُخْتَتِنٌ، وسأله عن العرب فقال: هم يَخْتَتِنُون؛ فقال هِرَقْل: هذا مَلِك هذه الأمَّة قد ظهر.

ثم كتب هِرَقْل إلى صاحب له بروميَّة، وكان نظيره في العلم، وسار هِرَقْل إلى حِمْص، فلم يرِمْ حِمْصَ حتى أتاه كتابٌ من صاحبه يوافق رأي هِرَقْل على خروج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنه نبيٌّ.

فأذن هِرَقْل لعظماء الروم في دَسْكَرَةٍ – أي: قصرٍ - له بحِمْص، ثم أمر بأبوابها فغُلِّقَت، ثم اطَّلَعَ فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبُت مُلْكُكم فتُبايعوا هذا النبيَّ؟ فحاصوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْش إلى الأبواب، فوجدوها قد غُلِّقَت، فلما رأى هِرَقْل نَفْرَتَهم وأَيِسَ من الإيمان قال: ردُّوهم عليَّ، وقال: إني قلتُ مقالتي آنفًا أختبر بها شدَّتكم على دينكم؛ فقد رأيتُ.

فسجدوا له ورضوا عنه؛ فكان ذلك آخِر شأنَ هِرَقْل".

رواه صالح بن كَيْسان ويونس ومَعْمَر عن الزُّهري؛ رواه البخاريُّ.

4- التَّجرِبة و المحاولة العملية:

 

بعد الموازنة الفكرية وترجيح المصالح على الخسائر، والاقتناع بهَجْر السلوك الخاطئ وتبنِّي السلوك الصحيح، تبرز مرحلة مهمة من مراحل التغيير، ألا وهي مرحلة التجربة العملية لممارسة السلوك الصحيح.

وهذه المرحلة تعتبر من أخطر المراحل؛ حيث إن العلم النظري شيءٌ والتطبيق العملي شيءٌ آخَر، وقد تواجه الإنسان في هذه المرحلة صعوبات كثيرة لم يكن يحسب لها حسابًا؛ فقد تكون ممارسة السلوك القويم أمرٌ شاقٌّ ومكلِّفٌ، وبالذات لشخص لم يتعوَّد عليه، كما أن انتقادات المنحرفين ممَّن حوله له وسخريتهم به قد تشكِّل عائقًا دون ثباته على ذلك السلوك؛ لذا كان واجبًا على الدَّاعية أن يبصِّر مَنْ يدعوهم إلى خطورة هذه المرحلة وكيفية التغلُّب على مصاعبها، كما وعليه أن يكتنف مَنْ يعيش هذه المرحلة ويؤازره حتى يثبت على السلوك القويم، ولا يكتفي فقط بإلقاء المحاضرة أو الدرس ثم الخلود إلى الراحة.

إن آيات القرآن التي تبصِّر الرسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصَحْبَه الكرام بما سَيَعْرِضُ لهم من مشاقَّ وصعابٍ في مسيرة الدَّعوة كثيرةٌ ولا تُحصى، فما قَصَص الأنبياء في القرآن إلا من هذا القبيل؛ حيث يقول جلَّ مِنْ قائلٍ في أواخر سورة هود، بعد أن قصَّ على نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قصصَ الأمم السابقة وتكذيبهم لأنبيائهم وما نزل بهم من العذاب: {وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].

ومن الأحاديث ذات الدلالة على تثبيت الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأصحابه حديث خَبَّاب بن الأَرَتِّ في "صحيح البخاري"؛ حيث قال: شكونا إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو متوسِّدٌ بُرْدَةً له في ظلِّ الكعبة، قلنا له: ألا تستنصرْ لنا، ألا تدعو لنا؟ قال: ((كان الرجل قبلكم يؤخَذ فيُحفَر له في الأرض فيجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشقُّ باثنتَيْن، وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويمُشْطَ بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عَصَبٍ، وما يصدُّه ذلك عن دينه! والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الرَّاكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون))؛ (صحيح الجامع: 4326).

5- تبنِّي السُّلوك القويم و الثَّبات عليه:

 

إن هذه المرحلة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المرحلة السابقة، فهي نتيجة متوقَّعة لتجاوز المرحلة السابقة، ومع ذلك فإن الثبات على السلوك الصحيح يحتاج إلى مزيد من المتابعة والتَّعزيز من قِبَل الدَّاعية؛ فإنه لا يؤمَن على الإنسان من الكسل والفتور، والمتأمِّل في كتاب الله تعالى يجد أن آيات الله لم تَكُفَّ عن دعوة المؤمنين للإيمان وتحذيرهم من الشِّرك ومن المعاصي، وذلك بعد أن حقَّقوا الإيمان في أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم، وبعد أن جادوا بأرواحهم رخيصةً في سبيل الله.

ففي سورة الحديد يخاطب الله المؤمنين وهم في دار الهجرة، بعد أكثر من ثلاث عشرة سنة من البَعثة، وبعد أن خاضوا غزوةَ بدرٍ الكبرى، يقول لهم: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16].

وفي سورة الحشر يأمر الله المؤمنين بالتقوى؛ فيقول جلَّ مِنْ قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 18-19] .

وفي سورة النساء يقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا} [النساء: 136].

كيف يكون إلقاؤك مؤثرًا؟

أولاً:- أسسٌ لابدَّ منها:-

1-الإخلاص لله تعالى:

يقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، ويقول - جلَّ مِنْ قائل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا} [الأحزاب: 70]، فأمر سبحانه بتقواه أولاً، ثم القول السَّديد المستقيم الموافِق لهَدْي المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمَنْ كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ رواه البخاريُّ.

فما كان الله ليبارك في عملٍ لم يُرِدْ به صاحبه وجه الله؛ ففي الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: ((أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، مَنْ عمل عملاً أشرك معي فيه غيري؛ تركتُه وشركه))؛ (صححه الألباني في صحيح الجامع برقم 4189).

وروى مسلم أيضًا في "صحيحه" حديث الثلاثة الذين هم أوَّل مَنْ تُسَعَّر بهم النار: ((المقاتل ليُقال جريءٌ، والمعلِّم ليُقال عالمٌ، والمتصدِّق ليُقال جوادٌ))؛ (رواه مسلم: 6/47).

وكما أُثِرَ عن سلفنا الصالح أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه تعالى وموافقا لسنَّة نبيِّه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

2- اتِّباع هدي النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كلامه وخطبه وأحاديثه:

 

هذا هو الشرط الثاني من شروط قبول العمل، ولا ريب أن عملاً لا يقبله الله لا يمكن أن يكون مؤثِّرًا في الناس تأثيرًا يرضاه الله، كما أن الله قد علَّم نبيَّه أفضل الطرائق والأساليب لدعوة الناس إلى دين الإسلام؛ فهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - خير متبوعٍ في هذا الأمر وفي كل أمر.

يقول الله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، ويقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، ويقول جلَّ وعلا: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52-53]، ويقول النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تركتُ فيكم شيئَيْن لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنَّتي))؛ صحَّحه الألبانيُّ في "صحيح الجامع" برقم2934، ويقول: ((إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، وشرُّ الأمور محدثاتها))؛ "صحيح الجامع" برقم 1365، ويقول أيضًا: ((مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ))؛ "صحيح الجامع" 6274.

3- القدوة:

 

إن كلامك لن يكون مقبولاً إلا إذا صدَّق فعلُك قولَك، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]، ويقول سبحانه على لسان شعيب - عليه السَّلام -: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]، ويقول أيضًا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] .

وتقول عائشة - رضي الله عنها - عندما سُئلت عن خُلُق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كان خُلُقُه القرآن))؛ "صحيح الجامع" 4687.

فلقد كان - صلوات ربِّي وسلامه عليه - يدعو الناس للعمل بالقرآن وكان هو أوَّل من يتخلَّق بأخلاق القرآن، فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه الدُّعاة المخلِصون.

4-وضوح اللغة:

 

يجب أن يكون الإلقاء باللغة التي تناسب المستمعين فبالنسبة لنا نحن العرب يجب أن يكون إلقاؤنا باللغة العربية الفصحى، مع ضرورة تجنب اللَّهجات الدَّارجة إلا في أضيق الحدود.

يقول الله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، ويقول: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195]، ويقول جلَّ مِنْ قائل: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 44].

إن مراعاة النُّطق السليم وقواعد اللغة له أكبر الأثر في تقبُّل الجمهور لما يُلقَى إليهم، كما أنَّ استخدام المحسِّنات البديعيَّة دونَما مُبالغةٍ يُضفِي على الإلقاء جمالاً وقَبولاً لدى المستمعين.

5- التوقيت المناسب:

 

يقول ابن مسعود - رضي الله عنه -:  كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا))؛ أي: كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، كما نقله ابن حجر - رحمه الله - في "الفتح" عن الخطَّابي "فتح الباري" (1/68).

فهذا يتضمَّن اختيار الوقت المناسب للمحاضرة ابتداءً، كما يتضمَّن عدم الإكثار في عدد مرات الإلقاء، ومراعاة الفارق الزمني بين كلِّ محاضرةٍ وأخرى.

أما بالنسبة لطول المحاضرة؛ فهو أمرٌ في منتهى الأهميَّة؛ حيث ينبغي مراعاة الحال سواء بالنسبة لنوعية الإلقاء أو نوعية المكان أو نوعية المستمعين.

وعلى كلِّ حالٍ؛ فإن الأصل هو عدم الإطالة والالتزام بوقت محدد، مما يضمن عدم تسرُّب الملل إلى المستمعين، ولعل المتخصِّصين في مجال التربية والتعليم يحبِّذون ألاَّ تطول المحاضرة أو الدرس أكثر من (45) دقيقة. 

6- الوسائل المناسبة:

 

السبورة - الشفافيات - الشرائح – (الفيديو) – الحاسب الآلي ... الخ، مما يساعد على توضيح المعاني، ويؤدِّي إلى جذب انتباه المستمعين.

ولعلَّ لاستخدام هذه الوسائل التعليمية أصلاً في الشريعة؛ حيث ثبت في "صحيح البخاري" أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - خطَّ خطًّا مربَّعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُطُطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: ((هذا الإنسان؛ وهذا أَجَلُه محيطٌ به – أو: قد أحاط به - وهذا الذي هو خارجٌ أمله، وهذه الخُطُط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وان أخطأه هذا نهشه هذا))؛ "فتح الباري" (11/ 6417).


7- تنويع الأساليب:

 

كالتقرير والاستفهام والتعجُّب، وكضرب الأمثال وقَصِّ القَصص، وغيرها مما يكثر استعماله في القرآن والسنَّة المطهرة.

كما أن من أعظم الأساليب المؤثِّرة في المستمعين هو الاستدلال على أقوالك بنصوص القرآن وأحاديث المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

8- مراعاة حاجة المستمعين للموضوع:

 

فهذا هو القرآن يتنزَّل في مكة ثلاث عشرة سنة، لا يحدِّثهم - في الأعمِّ الأغلب - إلا في موضوع العقيدة؛ لحاجة المسلمين الجُدُد لهذا الموضوع دونما سواه، كما أن القرآن كان يتنزَّل طيلة حياة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعالج المواقف والوقائع التي كانت تقع آنذاك، وهذا هو الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغل وقوع الحوادث والمناسبات ليحدِّثهم عنها، كما حدث عند كسوف الشمس في عهده، وعند خوض نفرٍ من المسلمين في حادثة الإفك، وغير ذلك كثيرٌ.

9- مشاركة الجمهور:

 

وذلك عن طريق إلقاء الأسئلة عليهم واستقبالها منهم؛ ففي خطبة الوداع يسأل الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصحابه فيقول: ((أتدرون أيُّ يومٍ هذا؟ ...)) الخ الحديث؛ "فتح الباري" (1/67).

ويسألهم في حديث آخَر فيقول: ((أتدرون مَنِ المُفْلِس؟ ...)) الخ الحديث "ترتيب أحاديث صحيح الجامع" (3/117).

كما كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستقبل الأسئلة منهم؛ حيث ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قاربوا وسدِّدوا وأبشروا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله))، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ))؛ "صحيح الجامع" (4173).

وفي الحديث الآخر المتَّفق عليه، يقول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بينما رجل يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثَّرى من العطش! فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ منِّي، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رَقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله، له فغفر له))، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: ((في كلِّ كبدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ))؛ "صحيح الجامع" (2870). 

10- ابدأ بالمعلوم ثم انتقل للمجهول: 

 

من ذلك ضرب الأمثلة، وهو كثيرٌ في القرآن والسنَّة؛ ففي القرآن يقول تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].

أما من السُّنة؛ ففي خطبة الوداع بدأ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتقرير حرمة اليوم والشهر والبلد، وهي أمورٌ معلومةٌ لأصحابه، ثم انتقل إلى ما قد يجهلونه، وهو أن دماءهم وأموالهم حرامٌ عليهم كحرمة هذه الأمور؛ "فتح الباري" (1/67).

11- تأكَّدْ من الإفهام:

 

بسؤالهم: هل فهموا؟ قال الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في آخر خطبة الوداع: ((ألا هل بلَّغْتُ)) ثلاثًا، حتى قالوا: نعم، فقال: ((اللهمَّ فاشهدْ))؛ "فتح الباري" (1/67).

كما أن توجيه الأسئلة إليهم عن موضوع الإلقاء، سواء شفويًّا أو تحريريًّا بعد نهاية الدرس أو المحاضرة، واستقبال أجوبتهم - ينبئُكَ عن مدى فهمهم للموضوع.

12- تعزيز الفَهْم و التَّحفيز:

 

بالتكرار، والأسئلة فيما سبق طرحه، والحوافز المادية والمعنوية، والتَّنويع في الوسيلة والأسلوب.


13- التعليم بالتطبيق العملي: 

 

صعِد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - المنبر لتعليم أصحابه الصلاة، وقال – صلوات الله وسلامه عليه -: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي))؛ "إرواء الغليل" (262)، وقال كذلك في الحج: ((خذوا عنِّي مناسككم))، ((لتأخذوا عنِّي مناسككم)) الخ الحديث "ترتيب أحاديث صحيح الجامع الصغير وزياداته" (1/3).

14- مبدأ البذرة والأرض والساقي:

 

يصوِّر ذلك تصويرًا جميلاً قول المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغَيْث الكثير أصاب أرضًا؛ فكان منها نقيَّة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصابت منها طائفةٌ أخرى إنما هي قيعان، لا تُمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقِهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومَثَلُ مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلْتُ به))؛ "فتح الباري" (1/79).

وهذا يعني أنه لابدَّ من اختيار الأرض الخصبة التي تتقبَّل البذرة وتُنبت بإذن ربها، كما أنه لابدَّ من المتابعة والسَّقي المستمر والصبر على ذلك مهما طال الزمن، وإلا قد تجدب الأرض وتموت البذرة ولا تُثمر الجهود.

15- الرِّفق والرَّحمة والخُلُق الحَسَن:

 

يقول الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، ويقول: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ويقول سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((ما كان الرِّفق في شيءٍ إلاَّ زانه، وما نزع من شيءٍ إلا شانه))؛ رواه مسلم.

وعندما بال الأعرابي في المسجد لم يزجره النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يعنِّفه، وإنما قال له – صلوات ربي وسلامه عليه -: ((إنما جُعِلَ المسجد للصلاة وذِكْر الله، ولا يصلح لمثل فِعْلِكَ))، وعندما عطس رجلٌ في الصَّفِّ والصحابة يصلُّون خلف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال له معاوية بن الحكم - رضي الله عنه -: يرحمك الله بصوتٍ عالٍ؛ فرماه الصحابة بأبصارهم؛ فقال معاوية: واثَكَلَ أُمِّيَاهُ، فأخذوا يضربون على أفخاذهم ليُسكِتوه، وعندما سلم الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - من صلاته لم ينهَرْهُ ولم يعنِّفه، وإنما قال له: ((إن هذه الصلاة لا يحلُّ فيها شيءٌ من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))؛ "صحيح سنن أبي داود" (1/823).

16- كن قياديًّا:

 

أحسِن السيطرة على المستمعين لكيلا يُفلِت منكَ زمام المحاضرة؛ فقد يوجد بينهم مَنْ يُثير الشَّغب أو مَنْ يحبُّ الضحك والمزاح، أو مَنْ يهوى إحراج المحاضِرين!.

ولعله يحضرني في هذا المقام قصة طريفة لأحد الدُّعاة، عندما كان يحاضر في جمعٍ من النساء عن تعدُّد الزَّوجات في الإسلام، وأفاض في الحديث بموضوعيَّة وإتقان واستيعاب، واستعان بالأرقام والإحصاءات، وأورد الحجج العقلية والنَّقلية لإثبات فوائد تعدُّد الزوجات، إلا أن عددًا من الحاضرات لم يقتنِعْنَ وأخذنَ في اللِّجاج والجدل العقيم؛ فرأى المحاضر أن يسكتهنَّ بطريقةٍ أخرى؛ فقال لهنَّ: في الحقيقة أن المسؤول الحقيقي عن تعدُّد الزوجات هو المرأة لا الرجل.

فلمَّا استغربن ذلك وأنْكَرْنَ عليْهِ قال لهنَّ: لو أنَّ كل امرأة رفضت أن تكون زوجة ثانية لرجلٍ؛ لما كان هناك تعدُّد زوجات!!.

ثانيا:- المواصفات الكلامية:- 

 

1-     معدل سرعة الكلام:

 

لا يكن كلامك سريعًا لا يُفهَم ولا بطيئًا فيُمَلَّ، وإنما ابتغِ بين ذلك سبيلاً.

عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسرد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلَّم بكلام بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه مَنْ جلس إليه"؛ "مختصر الشمائل المحمدية" (191).

وثبت عن أم سلمه – رضي الله عنها - أنها قالت: "كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -  يقطع قراءته؛ يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، ثم يقف ثم يقول {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]، ثم يقف وكان يقرأ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]" الخ الحديث "الشمائل المحمدية" (720).

2-     التَّكرار للمعلومة المهمَّة:

 

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعيد الكلمة ثلاثًا لتُعقَل عنه"؛ "الشمائل المحمدية" (192)، وقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ويلٌ للأعقاب من النار)) مرتين أو ثلاثًا؛ "صحيح الجامع" (7009).

ويقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألا أحدِّثكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدَيْن))، وجلس - وكان متَّكئًا - فقال: ((وشهادة الزُّور))، قال: فما زال يقولها حتى قلنا: ليته سكتَ؛ "مختصر الشمائل المحمدية" (104).


3- السَّكتة الخفيفة قبل

امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۴۵ ] [ مشاوره مديريت ]
  رأي في الخطابة   ما جرت بي عادتي أن أعتلي المنابر، أو أتكلَّم بين حشود الناس، أو أقوم خطيبًا في مناسبة، ولايغرَّنَّكم مني بضاعةٌ مزجاة في علوم العربية وما إليها، فهذا شأن، واعتلاء المنابر شأن آخر، إنه شأن يحتاج إلى تمرُّس وتدريب، وطول معاناة وخبرة وتجريب، وإلى ذلك كله لسان فصيح، وجَنان قوي، وبديهة مواتية، وحس مرهف، وفقه بقضايا العصر ومشكلات المجتمع، وإلا فما فائدة الكلام في أمور نجترُّها في كل وقت وحين، وتلوكها بعضُ الألسنة معادةً مكرورة دون أن تمس حاجةً من حوائج الناس، أو مشكلةً من مشاكلهم، أو معاناة مما يعاني منه مجتمعُهم.   إن الخطيب كالشاعر؛ يهتزُّ لحادثٍ حدث، أو طارئٍ طرأ، فيهز الناسَ من حوله، يحسُّ بما يعاني الناس من خطوب الدهر، وما يواجهون من أخطار، وما يحيق بهم من مكرٍ، فيتلمس لكل ذلك الحلولَ الناجعة، ويبثُّ في صفوف الناسِ الأملَ المشرق، ويحذر من الأخطار المحدقة، ويتصدَّى للأفكار الملوثة، إنه يحلل أدواءَ المجتمع وآفاتِه وأمراضَه ويشخصها؛ ليحاول معالجتها، واصفًا أنجعَ الأدوية للخلاص منها.   إنه عند التبصُّر والتدبُّر لسانُ أمَّتِه، المعبِّرُ عن آلامها، الماسحُ لأحزانها، المنبِّهُ على أي خطر يحدق بها، والساعي إلى مواجهة كلِّ خطْبٍ يلمُّ بها.   وإلا فما فائدة الخطيب إذا لم يفتح فكرًا، أو يضمد جرحًا، أو يرقأ دمعة، أو يطهر قلبًا، أو يكشف زيفًا، أو يَبْنِ صرحًا.   ولعمري إن هذا لا يتأتَّى لكل خطيب، حتى يكون له من ورائه عقلٌ واعٍ، وفكرٌ سديد، واطِّلاعٌ واسع، وثقافةٌ متطاولة متقادمة ترفده في كل أمر يتصدى له، دَعْ عنك سلامة اللغة، ونصاعة العبارة، واستحضار الشواهد، وحسن التمثيل، وعلو البيان، وجودة الإلقاء، إنه كما قال الشاعر:
طَبِيبٌ بِدَاءِ  فُنُونِ  الكَلاَ        مِ لَمْ يَعْيَ يَوْمًا وَلَمْ  يَهْذِرِ
فَإِنْ هُوَ أَطْنَبَ فِي خُطْبَةٍ        قَضَى لِلمُطِيلِ عَلَى المُنْزِرِ
       وَإِنْ هُوَ أَوْجَزَ فِي  خُطْبَةٍ        قَضَى لِلمُقِلِّ عَلَى المُكْثِرِ[1] على أني لا أرى الإطناب والإكثار والتطويل لائقًا بخطيب مهما بلغ من أمره؛ لأنه مدعاةٌ للملل، وإلى انصراف السامع وانشغال فكره، ولأن الكلام الطويل يُنسي آخرُه أولَه، ويعجز المرءُ عن استيعاب مجمله، فضلاً عن تفصيلاته ودقائقه، وما أحسنَ هديَ رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول فيما رواه عنه ابن مسعود في هذا: ((إنَّ طُول الصَّلاةِ وقِصرَ الخُطْبة مَئِنَّةٌ من فِقه الرَّجُل))[2].   قال الجاحظ: مَئِنَّة كقولك: مَخْلقةٌ ومَجْدَرة ومَحْراة، قال الأصمعيُّ: مَئِنَّة: علامة.   وقد اتَّبع الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - هديَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا، جاء في صحيح مسلم: قال أبو وائل: خطبَنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغتَ وأوجزتَ، فلو كنت تنفَّستَ (أي: أطلت)، قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن طُول الصلاةِ وقِصرَ الخُطْبة مَئِنَّةٌ من فِقهه؛ فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا))[3].   وأنت لا تكاد تقف على خطبة من خطب البلغاء والفصحاء والأبْيِنَاء، تتجاوز الصفحات ذوات العدد؛ بل إن كثيرًا من الخطب العصماء التي اشتهرت في دنيا الخطابة، لا تتجاوز الصفحة الواحدة، مع أنها اشتملتْ على معانٍ وقيمٍ وشمائلَ وحِكَمٍ، صلَح عليها أمرُ الناس، وأصبحتْ مضرِبَ المثل في البلاغة والفصاحة والبيان.   ودونك "جمهرة خطب العرب"، و"نهج البلاغة"، و"البيان والتبيين" وقد جمع فيه الجاحظ أجملَ الخطب وأبدعها، وأفصحَها وأبينها، وأوجزَها وأقصرها.   بل هاك خطبَ رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ولعل أشهرها خطبة الوداع، وهي التي جمعتْ أحكام الدين، وقضايا الإسلام الكبرى، ووصايا الرسول الكريم في الحرمات، والنساء، وعلاقات الناس وتفاضلهم، وفي العقيدة، والتوحيد، والميراث، ثم لم تبلغ مع ذلك كلِّه تمامَ الصفحات الثلاث[4].   وهاك أيضًا خطبَ الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين من بعده، فأين نحن من هذا كله؟   اقرأ معي إن شئتَ خطبة أبي بكر - رضي الله عنه - حينما ولِي الخلافة: "أيها الناس، إني قد وليتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطلٍ فسدِّدوني، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذَ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم"[5].   واقرأ معي تلك الخطبةَ الرائعة الموجزة التي خطبها أبو طالب يوم عقد قران ابن أخيه محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - على خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها وأرضاها -: "الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرْع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحكام على الناس.   وإن محمدَ بنَ عبدالله، ابن أخي، لا يوازن به فتًى من قريش إلا رجح به، بركةً وفضلاً وعدلاً، ومجدًا ونبلاً، وإن كان في المال مقلاًّ؛ فإن المال عاريةٌ مسترجعة، وظلٌّ زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبةٌ، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعليَّ"[6].   تجد بلاغةً في القول، وإيجازًا في الكلم، وسموًّا في البيان، مع ما اشتملت عليه الخطبةُ من ثناء جليٍّ، وفخر عليٍّ، وحكمة بالغة، وعرضٍ لأهم قضايا عقد النكاح من مهرٍ وإيجابٍ وقبول.   إنها الفصاحة في أبهى صورها، وهي لعمري تذكِّر بتلك العبارة الجامعة التي قالها شبة بن عقال التميمي للخليفة المنصور، تعليقًا على خطبة سمعها في مجلسه: "لله درُّ خطيبٍ قام عندك يا أمير المؤمنين: ما أفصحَ لسانَه، وأحسنَ بيانَه، وأمضى جنانه، وأبلَّ ريقه، وأسهل طريقه!".   إن الخطابة فنٌّ وعلم، موهبة واكتساب، سليقة ومهارة، وإن لها أصولاً ينبغي أن تُتَّبع، وشروطًا يجب أن تتوفر، ولعل خير من أوجز تلك الأصول الجاحظ فيما نقله في "بيانه وتبيينه" عن أبي داود بن حريز؛ حيث قال: "رأس الخَطابة الطبْع، وعَمُودُها الدُّربة، وجناحاها رواية الكلام، وحَلْيُها الإعراب، وبهاؤُها تَخيُّر الألفاظ، والمحبَّة مقرونةٌ بقلَّة الاستكراه"[7].   على أن أسوأ ما منيتْ به الخطابةُ في أيامنا هذه كثرةُ اللحن، واللحنُ قبيح مستنكَر، حتى لو جاء عرَضًا، فكيف إذا فشا وانتشر؟! إنه يحيل الخطبةَ إلى ضربٍ من العقوبة يستعجل السامع انقضاءها، ويتنفس الصعداء عند انتهائها، فقل لي بربِّك: أليس عدمها خيرًا منها، ومن تتبُّع أخطائها؟!   إن الخطيب الحق هو الذي يأسر سامعَه بسلامة لغته، وعلوِّ بيانه، وجمالِ أدائه، وتناغم صوته مع مضمون كلامه، يعلو فيه ويجهر في مواضع الإنذار والوعيد حتى كأنه هدير الفحل، أو هزير الريح، أو هزيم الرعد، ويلين في مواضع اللين والتبشير حتى يمتزج بأجزاء النفس لطافةً، وبالهواء رقَّةً، وبالماء عذوبةً، وبالطيب أريجًا، وبالنغم إيقاعًا وجرسًا.   ولعمر الله، إن من كانت هذه صفاته لَتهفو إليه النفوس، وتشتاقُه الأرواح، وتشنف بسماعه الآذان، وتسعى إليه المنابرُ، ولسان حالها يردِّد: 
 

 ـــــــــــــــــــــــ

[1] "زهر الآداب"، للحصري القيرواني، 1/147. [2] صحيح مسلم، الحديث رقم 2046، 3/12. [3] صحيح مسلم 3/12، وانظر فيه أيضًا: "البيان والتبيين" 1/303. [4] "البيان والتبيين"، 2/31 - 33. [5] "جمهرة خطب العرب"، أحمد زكي صفوت، 1/180. [6] "إعجاز القرآن"، للباقلاني، 153. [7] "البيان والتبيين" 1/44. [8] قالهما أبو عبدالله بن القيسراني الشاعر لهارون بن أحمد بن عبدالواحد (ت 537) عندما ولي خطابة حلب؛ "معجم الأدباء" لياقوت الحموي، 5/581.   نوشته : د . محمد حسان الطيان
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۴۳ ] [ مشاوره مديريت ]

 

مجمل تاريخ الخطابة

حالها قبل الجاهلية - أول من دون قواعدها

قد عرفت أن الخطابة قديمة العهد، وأن الاستعداد لها مخلوق مع الإنسان الذي لا غنى له عن الإبانة لغيره عمَّا في ضميره، وعنْ إقْناعِه بصدق مقاله وسداد رأيه، وتعرف للأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيها الحظ الأوفى، والمقام الأعلى في سبيل الدعوة إلى طاعة الله وتوحيده، وإرشاد الناس إلى الصراط السوي؛ كما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه الحكيم، وقد بقي من آثارها على طول الأمد خطب التوراة التي قام بها الأنبياء - عليهم السلام - إلى بني إسرائيل ليحملوهم بها على الاستقامة، ويردوهم عن الشرور والغواية؛ كذلك عثر في كتابة الآشوريين المسمارية، وآثار قدماء المصريين الهيروغليفية على خطب تأدبية جاءت غالبًا على ألسنة آلهتهم وملوكهم.

ولقد تحسنت الخطابة في عهد قدماء اليونان والرومان، ففي اليونان ظهرت في دولهم الأولى، ومنازعاتِهم السياسيَّة وحروبهم، وهي من أهم البواعث على تحريك لسان الخطابة، وفي إلياذة هوميروس خطب كثيرة أوردها على ألسنة الآلهة والأبطال في القرن العاشر قبل الميلاد، ثم لبست ثوبًا أحسن مما قبله في أواخر القرن الخامس في عهد برقليس زعيم أثينا، وأحد خطبائها المحبوبين لدى الشعب اليوناني، وبعده بقليل ظهر خطباء منهم إيسوقراطيس في القول التثبيتي، وديمستينيس وكان قبل أن يعرفه أهل أثينا رجلاً خاملاً ضعيف البنية خافت الصوت، ليست لحركته لباقة، ولا في لسانه طلاقة؛ فلما اعتزم الخطابة أخذ يقوي رئتيه وحنجرته بالصياح فوق رؤوس الجبال وعلى شواطئ البحار برفع صوته فوق صخب الأمواج، وتغلب على عاهة النطق بممارسة الكلام وفي فيه حصى، وتعلم أصول اللباقة ورشاقة الحركة (الحذق، ولطف الحركة) بالوقوف أمام المرآة، وهو يخطب حتى صار كبير الخطباء في كل فنون الخطابة.

وأول من دون قواعدها ثلاثة من فلاسفة اليونان في أواخر القرن الخامس، وأوائل الرابع قبل الميلاد: بروديكوس، وبرتاغوراس معاصره، ثم غروجياس سنة 380 ق م، وفي أواخر القرن الرابع سنة 322 ق م ظهر أرسطو زعيم فلاسفة اليونان، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة من أصول هذا الفن إلا دونه، ونشره في كتابه "الخطابة"، ومن هذا الحين صارت الخطابة فنًّا مدونًا.

ولم تظهر الخطابة في الرومان إلا بعد اليونان بأمد بعيد لاشتغالهم بالحرب، ومن أشهر خطبائهم كاتون المعروف بالنقاد في القرن الثاني قبل الميلاد في خطبه على قرطاجنة، ثم يوليوس قيصر القائد الروماني الشهير، ثم شيشرون إمام الخطابة اللاتينية، وكان عفيفًا نزيهًا في حياته الخطابية، وكلاهما ظهر في القرن الأول قبل المسيح، وبعد وفاته عليه السلام كان كبار الخطباء من الحواريين، ثم بقيت بعدهم في رجال الدين من القسيسين والأساقفة وكبار الساسة.

الخطابة في الجاهلية :
مدة عصر الجاهلية قرن ونصف وينتهي بظهور الإسلام، ولقد اشتهرت الخطابة الأدبية في ذلك العصر لما كان عليه العرب من النعرة[1] والحمية، وشن الغارات في المدافعة عن النفس والمال والعرض والمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب، وقوة العصبية وشرف الخصال من الشجاعة والكرم، والنجدة وحماية الجار، وإباءة الضيم، وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول، فكانت الخطابة فيهم فطرية ولهم ضرورية مع ما فيهم من زلاقة اللسان، وقوة البيان قضت بها طبيعتها المعيشية، ودعت إليها حالتها الاجتماعية، فتفتقت بها ألسنة أبنائها صيانة لعزها، وحفاظا لمجدها، وتخليدًا لمآثرها، وتأييدًا لمفاخرها، ولا عجب في أن يكون في العرب قبل الإسلام تلك الخطابة الممتازة، فإن الخطابة أثر انفعالات تنشأ عن حوادث تمس الجماعات، ونوازل تعرض للأمم والشعوب، ولم تخل الأمة العربية في جاهليتها من حوادث على هذا النحو، فتثور بينهم لذلك محاورات شديدة، وجدال عنيف، وكانت الحرب بينهم لا تكاد تضع أوزارها، وكانت لهم مع هذا مجامع يعرضون فيها مصنوعات قرائحهم؛ ليباهوا بما فيها من بلاغة وحكمة، وإذا كان في القوم قوة بلاغة، وفي نفوسهم طموح إلى السيادة، وفي ألسنتهم قوة على الجدل وشدة في المحاورة، وفي أيمانهم سيوف تتجافى عن أغمادها، وفي بلادهم أسواق بضاعتها من بديع أفكارهم، فلا عجب أيضًا أن يلدوا خطباء نجباء يقرعون الأسماع بذكر مفاخرهم، ويثيرون العواطف إلى الدفاع عن كرامتهم وأنفسهم، وأموالهم وأعراضهم.

ولعنايتهم قديمًا بالشعر دون الخطابة لصعوبة حفظ النثر لم يصل إلينا أحوال خطبائهم الأوائل عند التأدية، ولا شيء من خطبهم، ولم تعن الرواة بنقل أخبار الخطباء وخطبهم إلا بعد أن وصلت الخطابة إلى منزلة أسمى من الشعر؛ لابتذاله بتعاطي العامة والسفهاء له، واتخاذهم له وسيلة للعيش والطعن على الحرم والخوض في الأعراض، فعلا بذلك شأن الخطابة، واشتهر بها الأشراف، وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر يحفظ عليهم مآثرهم، ويفخم من شأنهم، ويهول على عدوهم؛ بل كان كل واحد منهم في نفسه خطيبًا.

وأكثر استعمالها عندهم في مواضع التحريض على القتال، والتحكيم في الخصومات، وتحمل الديات، وإصلاح ذات البين، والمنافرات، والوصايا، والوفادة على الملوك والأمراء، وحيث كان القصد منها امتلاك القلوب واستمالة النفوس كما هو الشأن في الشعر؛ كان الاعتماد فيها على الأقوال الخطابية المحركة للعواطف المؤثرة في النفوس، ممثلة في صور العبارات الرائعة، والأساليب المتينة والألفاظ العذبة لتستولي على النفوس، وتأخذ بمجامع القلوب، وكثرت فيها الفواصل والأسجاع لحسن، وقعها إلى ما فيها من استرواح الخطيب وسهولة تدارك المعاني.

وخطب العرب ضربان:

 طوال وافية، وقصار كافية، ولكل مقام يليق به قيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم؛ ليسمع منهم، فقيل له: وهل كانت توجز؟ قال: نعم؛ ليحفظ عنهم، وقد مدحوا الإطالة في مكانها كما مدحوا الإيجاز في مكانه، فكانوا يستحسنون الإطالة في خطب الصلح، يروى أن قيس بن خارجة بن سنان قيل له في شأن الصلح بين عبس وذبيان: ما عندك في هذه؟ فقال: قرى كل نازل، ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل، وأنهى عن التقاطع، قالوا: فخطب يومًا إلى الليل فما أعاد في خطبته معنى، وكانوا إلى القصار أميل لانطباعهم على الإيجاز؛ ولأنها إلى الحفظ أسرع، وفي البقاع أشيع، وكانت لهم عناية بسرد كثير من الحكم والنصائح والأمثال، وخصوصًا في القصار منها.

أما صفة الخطيب عند التأدية:
فكان من عادتهم في غير خطب التزويج أن يخطب قائمًا على منبر أو رباوة[2]، أو ظهر راحلة لإبعاد مدى صوته، والتأثير بشخصه، وإظهار ملامح وجهه، وحركات جوارحه، أما خطبة الزواج فإنهم كانوا يلقونها من جلوس، إذ ليس من شأنها أن تحتوي معاني تدعو الحاجة إلى أن يسمعها جميع الحاضرين، والتأثر بشخصه، وكان من عادة الخطيب أن يقوم معتصبًا عمامة، معتمدًا على مخصرة[3]، أو عصا أو قناة أو قوس؛ وربما أشار بإحداها أو بيده تأييدًا للكثير من مقاصده، وكانوا يستحسنون من الخطيب أن يكون رابط الجأش قليل اللحظ، جهير الصوت متخير اللفظ، قوي الحجة، نظيف الثياب، كريم الأصل صادق اللهجة، أسرع الناس عملاً بما يقول، ولا يخفى أن من هذه الأحوال ما ليس جوهريًّا، ولا يفيد في مقصود الخطابة شيئًا يذكر؛ ولكن لم يصل إلينا من أحوال الخطباء في الجاهلية سواها.

ومن أشهر خطبائهم كعب بن لؤي، وذو الإصبع العدواني، وقيس بن خارجة بن سنان، وخويلد بن عمرو الغطفاني، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وقس بن ساعدة الأيادي، وأكثم بن صيفي، وقد أجمع علماء الأدب على متانة قس وأكثم، وأنهما أرعى للحق، وأبر بالمكارم، خصوصًا وأن في خطبهما كلامًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحوال الآخرة، وإن كانا في باب الأدب أدخل منهما في باب الدين، إلا أن الخطيب الديني يلزم أن يكون أديبًا قبل كل شيء.

الخطابة في الإسلام:

لما كان مبدأ كل انقلاب عظيم في أية أمة إما دعوة دينية أو سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها، وألسنة من خصومها لإدحاضها والصد عنها، وذلك لا يكون إلا بمخاطبة الجماعات، وذوي النجدات في المحافل والمنتديات، والحج والمواسم، والأسواق ومواطن الزحف، ومقدم الوفود، ونحو ذلك، كان ظهور الإسلام وبعثة الرسول بالأمر الجلل، والشأن الخطير، والدعوة العظمى التي لم يعهد لها مثيل في العالم، من أهم الحوادث، وأعظم البواعث التي أطلقت الألسنة من عقالها، وأثارت الخطابة من مكمنها، وأغرت العقول بإحكامها، والتفنن فيها، واختلاب الألباب بسحر بيانها فوق ما كانت عليه في جاهليتها.

وابتدأ طور الخطابة الإسلامية بظهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا غير شاعر، وأول موقف وقفه للخطابة كان يوم نزل: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94]، فدعا قومه وهو على الصفا، ثم قال: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد))، فكان ما كان، ولما نزل {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، جمعهم - عليه الصلاة والسلام - ثم قال: ((إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا أو نار أبدًا))، فكان العمل الأكبر لصاحب هذه الدعوة العظمى - صلوات الله وسلامه عليه - بادي أمره غير تبليغ القرآن واردًا من طريق الخطابة، ثم ورثها من بعده - صلى الله عليه وسلم - خلفاؤه الراشدون، وهم أركان البلاغة، وسادات الفصاحة فمن بعدهم من ملوك بني أمية وعمالهم إلا قليلاً ممن أترفوا فعجزوا عنها، وكانوا يستخلفون فيها.

ولأمر ما جعلها الشارع شعار كل إمام في حفل ديني أو سياسي؛ كالجمعة والعيدين وموسم الحج الأكبر، وعند أخذ العدة للجهاد، وفي كل أمر جامع لنشر فضيلة، أو نهي عن رذيلة، أو إعلان نصر، أو تأكيد وصية عامة أو خاصة، إلى غير ذلك من الأمور ذوات البال، ولذلك كان سعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورسله إلى الملوك وأمراء جيوشه وسراياه، ثم خلفاؤه من بعده وعمالهم كلهم خطباء، مصاقع ولسنًا مقاول، أعانهم على ذلك أنهم يخطبون عربًا مثلهم، للبلاغة عندهم هزة في النفس، وروعة في القلب، وأن الشرع الشريف صرفهم عن الشعر الذي لا ينهض بأعباء الخطابة ولا سيما الدينية لشرحها الحقائق، وقرعها الأسماع بالحجج العقلية والنقليَّة، وترغيبها في الثواب وترهيبها من العقاب، وإطلاقها من قيود الوزن والقافية؛ ولأنها تؤدى بعبارات تناسب الخاصة والعامة.

وكان لهم من القرآن الكريم والسنة المحمدية والاقتباس منهما دائمًا مدد لا ينفد، ومعين لا ينضب، وعندما قامت الفتنة الشعواء بمقتل عثمان - رضي الله عنه - وهو أول حادث تصدع له بناء الجامعة الإسلامية، انقسم لأجله المسلمون إلى فرقتين عظيمتين: عراقية وعلى رأسها إمام الخطباء وأمير البلغاء علي - رضي الله عنه - وكرم الله وجهه، وشامية وعلى رأسها سيدنا معاوية رضي الله عنه، وكان لكلٍّ دعوة يؤيدها، ووجهة يناضل عنها، ظهر في تينك الطائفتين خطباء لا يحصى عددهم، ولا يشق غبارهم، وبعد انقضاء الشجار بين هاتين الطائفتين انقسمت كل طائفة منهما إلى أقسام متعددة، لكل قسم خطباء كثيرون يؤيدون مذاهبهم، ويدافعون عن نزعاتهم الدينية والسياسية بما أوتوا من بلاغة في البيان، وفصاحة في اللسان.

والفضل في ارتقاء الخطابة وتهذيبها يعود إلى الكتاب الحكيم، والحديث الشريف، فقد أخذت اللغة العربية عند ظهور الإسلام صيغة دينية من القيام بالدعوة والنصح والإرشاد، وتبيين العقائد الصحيحة، وقواعد الإسلام وأصوله المحكمة، وأحكامه العادلة، وحكمه البالغة، وآدابه العالية، وإنك لترى في كلام الصدر الأول من الإسلام الحث على اتباع الدين القويم، والتمسك به، وإعلاء كلمة الحق والعمل للآخرة، والأخذ من الدنيا بنصيب لا يشغل عنها، والتحذير من الاسترسال في اللذات والشهوات من النظر إلى خير الأقاليم، التي فتحها المجاهدون، والتطلع إليها خوف الافتتان بها، والوقوع في الزلل، فترى خطب هذا العصر المنير ورسائله ترجع إلى الكتاب والسنة، حاثة على الفضيلة، منفرة من النقيصة، وكلها جاء فيه اللفظ تابعًا للمعنى، صادرة عن شعور حي، ووجدان صادق.

ولذا نفذت إلى سويداء القلوب، وأصابت مواقع الوجدان، وإذا كان القول صادرًا عن قلب حي سليم، فإنه يؤثر في القلوب ويحركها نحو الغاية المقصودة، بخلاف ما إذا كان صادرًا عن اللسان فإنه لا أثر له ولا خير فيه، قال عامر بن عبدالقيس: إذا خرجت الكلمة من القلب دخلت القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وقد قضت هذه الخطب بما فيها من الحكم البالغة والمواعظ المؤثرة، والنصائح الخالصة الغالية على دولة الأوهام والرذائل - شأن الباطل أمام قوة الحق - وفسحت للحقائق والفضائل، فصادفت أهلاً، وحلت مكانًا سهلاً فتحلت بها النفوس، وتغذت بها العقول، وقويت العزائم، وعلت الهمم، فساد المسلمون يومئذ جميع الأمم، وخضعت لهم رقاب الجبابرة، وذلت لهم مقاليد الفراعنة.

وبالجملة فقد كانت الخطابة في الصدر الأول من الإسلام في أسمى طبقات الفصاحة والبلاغة آخذة أسلوبًا حيًّا متينًا مؤثرًا مع إحكام في الصنعة، وحسن افتتاح، وجودة اختتام كما ترى ذلك في خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - كمعاوية، وزياد بن أبيه، وعبدالملك، والحجاج، وقطري بن الفجاءة، وأبي حمزة الشاري، وستأتي خطبهم إن شاء الله تعالى.

وإن الفضل في ارتقاء الخطابة في بلاغتها وتأثيرها في عهد الصحابة والتابعين يرجع إلى الكتاب المبين والدين القويم من وجوه:

منها: أن القرآن الكريم - وإن نزل بلغة القوم التي بها يتخاطبون، وبفصاحتها يتفاخرون - بتراكيبه العالية، وأساليبه المتينة التي أعجزت بلغاءهم وخطباءهم، وأخذت بمجامع قلوبهم، قد أكسبتهم ملكة من البلاغة في انتقاء المعاني، وتخير الأساليب السامية، غيرت ملكتهم الأولى، وأطلقت ألسنتهم من عقال الوحشية والتقعر، الذي كان ديدن كثير من خطبائهم فصاروا يقتفون أثره، وينسجون على منواله، ويزينون كلامهم في رسائلهم وخطبهم بذكر آي منه، حتى إنهم كانوا يعيبون الخطيب المصقع إذا خلا كلامه عن آي القرآن الحكيم؛ فقد روى الجاحظ عن الهيثم بن عدي عن عمران بن حطان أنه قال: خطبت خطبة عند زياد أو ابن زياد، فأعجب بها زياد وشهدها عمي وأبي، ثم إني مررت ببعض المجالس فسمعت رجلاً يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن، روي عن الهيثم أيضًا أن العرب كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن فإنه مما يورث الكلام البهاء والوقار، وحسن الموقع.

ومنها: أن ما جاء في القرآن الحكيم من الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد على الأسلوب البالغ حد الإعجاز، وما كان له من التأثير في القلوب، والأخذ بشكائم النفوس أعانهم على التفنن في أساليب الوعظ الخطابي عند حلول الأزمات، أو الحاجة إلى تأليف قلوب الجماعات، حتى لقد كان الخطيب البليغ منهم يدفع بالخطبة الواحدة من الملمات، ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ويملك من قلوب الرجال ما لا يملك بالبدر والأموال؛ كما صنع أبو بكر - رضي الله عنه - في خطبته يوم السقيفة التي امتلك بها قلوب المهاجرين والأنصار، وصرف عن الأمة تلك الفتن الكبار، وكما صنع الحجاج في أول خطبة له في أهل العراق يوم قلبوا للدولة المروانية ظهر المجن، واثاقلوا عن الخروج لقتال الخوارج، فإنهم ما طرق مسامعهم داعي الأمير إلى المسجد حتى أخذوا يفدون إليه أفواجًا يلتقطون من أرضه الحصى، يريدون رجمه بها وهو على المنبر استصغارًا لشأنه، واحتقارًا لمولاه، ولم يلبثوا أن طرقت أسماعهم زواجره واخترقت أسوار قلوبهم صوادع كلمه، حتى تناثرت من أيدهم الحصى وخشعت منهم النفوس، وطأطأ الرقاب رهبة منه وإجلالاً له، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.

ومنها: أن الإسلام بما هذب من أخلاقهم، وألان من جفاء طباعهم، وعدل من شيمهم، أدخل من الرقة على عواطفهم ما رق به كلامهم وكثر للمعاني المؤثرة في النفوس اختيارهم في خطبهم ومخاطباتهم.

ومنها: أن الدين الحنيف بما مهد لهم من سبل الفتح، ومخالطة الأمم، وبما منحهم من سعة السلطان والسيادة على شعوب، وفر لهم الأسباب الداعية إلى التوسع في الخطابة، بما تدعو إليه حاجة التوسع في الملك والعمران، وتقتضيه عادات الأمم المحكومة وأخلاقها، قال ابن خلدون: إن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة من كلام الجاهلية في منثورهم ومنظومهم، فإنا نجد شعر حسان بن ثابت، وعمر بن أبي ربيعة، والحطيئة، وجرير، والفرزدق، ونصيب، وغيلان ذي الرمة، والأحوص، وبشار، وأمثالهم ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية، وصدر الدولة العباسية في ترسلهم وخطبهم، ومحاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة، وعنترة، وعمرو بن كلثوم، وزهير، وعلقمة بن عبدة، وطرفة بن العبد، ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاوراتهم، والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في الحديث الشريف والقرآن الكريم، الذي أعجز البشر عن الإتيان بمثله؛ لكونها ولجت في قلوبهم، ونشأت على أساليبها نفوسهم، ونهضت طباعهم، وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية، ممن لم يسمع هذه الطبقة، ولا نشأ عليها فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقًا من أولئك، وأرصف مبنى، وأعدل تثقيفًا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة. ا هـ.

هكذا كان شأن الخطابة في صدر الإسلام، ومبلغ تبريز القوم فيها، وتسلطهم على النفوس الجافية بقوة سلطانها، وقوي برهانها، فلقد كان الخلفاء والأمراء من أنبغ الناس فيها وأكثرهم حرصًا عليها، وكانوا يقربون الخطباء، ويجزلون لهم العطاء، ويستعينون بهم في استنهاض الهمم، وإطفاء نار الفتن، وتلك كانت منزلة الخطابة إلى أول دولة بني أمية، ثم بدأ يعروها الوهن، ويحفها الفساد من أواسط الدولة المروانية، حيث كان استحكم الفساد باللغة العربية بمعاشرتهم للأعاجم، ودب في نفوس الخلفاء داء العظمة والكبرياء، فأقلوا من الظهور للعامة، وترفعوا عن الوقوف موقف المخاطب للناس.

وقد كان الخلفاء في صدر الإسلام يخطبون الناس عند طروء كل حادث جلل، بلا تقييد بوقت ولا تكلف لقول، فكانوا يجمعون المسلمين إلى المسجد تارة لإعلان خبر، وتارة لاستشارتهم ووقتًا لتحذيرهم، وآخر لوعظهم وتذكيرهم، وأنى لمن اتخذوها بعد كسروية أن يقفوا للناس هذا الموقف، وهم يرون أن الرأي سلطان لا يتعداهم، وأن الناس بالنسبة إليهم همل لا ينبغي لعصا القوة والجبروت أن تتخطاهم.

ما أعظم مكانة الخطيب في النفوس، وأنفذ كلامه في القلوب، وأشد إثارته للعواطف، إذا كان ذلك الخطيب أمير القوم الذي تتجه نحوه أنظارهم، وتحدق به أبصارهم، وتلتف حوله قلوبهم، وتترامى إليه آمالهم، يستلينهم بالقول إذا قسوا، ويستخضعهم به إذا عصوا، ويمتلك نفوسهم بالرغبة تارة، وبالرهبة أخرى، وينفخ فيهم وقت الحاجة روح الحماس، فيقذف بهم الجبال فيدكونها بين يديه، ويلين لهم بالقول؛ فإذا استوهبهم الأموال بل الأرواح وهبوها له، تالله إنها لمكانة سامية انحط عنها الأمراء على غير علن السياسية، وفشت الخطابة على عهد توفيق باشا بين شبان مصر، وولدت رجال الثورة العرابية، ومن أشهر خطبائهم السيد عبدالله النديم، وكان رحِمه الله لا يُدانِيهِ أحد في البديهة، وشدة العارضة، وقوة التأثير في السامعين، وكان يجيد الخطابة بالعربية الفصحى والعامية، والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وغيرهما، ولما أقيمت الجمعيات العمومية والنوادي الأدبية، وتعدَّدت الأحزاب السياسية بمصر أخذت الخطابة مكانة سامية في الحياة السياسية والأدبية، وأصبحت في عصرنا هذا على حال زاهية لا تقل كثيرًا عمَّا كانت عليه في أطوارها الأولى أيَّام الدول العربيَّة، وبالتَّأمُّل في أطوار الخطابة يعلم أنها قد ارتقت في ثلاثة أحوال: في أواخر عصر الجاهلية، وفي صدر الإسلام، وفي أيَّام النهضة الأخيرة.

ومن الحالة الأولى: نَعْلَمُ أنَّ من دواعي رُقِيِّها بعد فصاحة اللغة، حياة الأمة في بيئةٍ حُرَّة مُستَقِلَّة، وشعورها بأنَّها ذاتُ سؤدد، وفخار وكثرة خوضِها غِمارَ الحَرْبِ لِلذَّوْدِ عن حِياضِها، والذَّبِّ عن كرامتها.

ومنَ الحالة الثانية: نعلم أنَّ مِنْ دَواعِي رُقِيِّ الخطابة اعتناقَ الأُمَّة دينًا تحملها الغيرة والعاطفة على التفانِي في المحافظة عليه، والجهاد في سبيله، ونَشْرِ تعاليمِه، وبثِّ نَصائِحِه بِما تَمْلِكُ من قُوَّة.

ومن الحالة الثالثة: أنَّ مِنْ عَوامِلِ رُقِيِّها شعورَ الأُمَّة بِالحاجة إلى أن تَحيا حياةً شريفة، وأن تسلك الحالة الاجتماعيَّة السياسية سبيلاً أهْدَى من سبيلِها، وطريقًا أقوم من طريقها.

[1]   بوزن الشعرة صوت في الخيشوم.

[2]   الرباوة: الرابية: وهي ما ارتفع من الأرض.

[3]   المخصرة: ما يتوكأ عليها كالعصا ونحوها.

 

منبع : كتاب "فن الخطابة" / الشيخ علي محفوظ


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۴۲ ] [ مشاوره مديريت ]
  ما كل موضوع أو حديث صحيح تحدَّث به العامة   قال القاسمي في كتابه "قواعد التحديث" ما نصُّه: "الثمرة التاسعة: ما كلُّ حديث صحيح تحدَّث به العامة، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن معاذ - رضي الله عنه - قال: كنتُ رِدْفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حمار، فقال: ((يا معاذ، هل تدري ما حقُّ الله على عباده، وما حقُّ العباد على الله؟))؛ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّ حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله أن لا يعذب مَنْ لا يشرك به شيئًا))؛ قلتُ: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ به الناس؟ قال: ((لا تبشِّرهم فيتَّكِلوا!)).

وفي روايةٍ لهما عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ وهو رِدْفِه: ((ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه - إلا حرَّمه الله على النار)). قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذًا يتَّكِلوا)). فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا.

وروى البخاري عن عليٍّ - رضي الله عنه -: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يكذَّب الله ورسوله؟!". ومثله قول ابن مسعود: "ما أنت محدِّثٌ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم - إلا كان لبعضهم فتنة"[1].

قال الحافظ ابن حجر: "وممن كره التحديث ببعضٍ دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على الأمير، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب؛ ومن قبلهم أبو هريرة كما روى عنه في الجرابين[2]، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن: أنه أنكر تحديث أنس للحُجَّاج بقصة العُرَنِيِّين[3]؛ لأنه اتخذها وسيلةً إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي؛ وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد؛ فالإمساك عنه عند مَنْ يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوبٌ"؛ انتهى.

ولما كان النهي للمصلحة لا للتحريم؛ أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ.

قال بعضهم: النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبشِّرهم" مخصوصٌ ببعض الناس، وبه احتجَّ البخاري على أن للعالِم أن يخصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ؛ كراهة ألاَّ يفهموا، وقد يُتخذ أمثال هذه الأحاديث البَطَلَة [4] والإباحية ذريعةً إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام، وذلك يُفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى، وأين هؤلاء ممَّن إذا بُشِّروا زادوا جِدًّا في العبادة؟! وقد قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أتقوم الليل وقد غَفَرَ اللهُ لكَ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))"[5]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]   رواه مسلم.  [2]   في مسند أحمد أن أبا هريرة قال: "حفظت ثلاثة أجربة، بثثت منها جرابين". وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم".  [3]   العُرَنِيُّون: نفر قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا، فاجتوو المدينة، فأمرهم أن يأتوا الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحُّوا، فارتدوا وقتلوا رعاتها، واستقوا الإبل؛ فبعث في آثارهم، فأُتي بهم؛ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. والحديث في "الصحيحين" وغيرهما؛ راجع "فتح الباري": (جـ12، ص98).  [4]   يقال أبطل: إذا جاء الباطل: والبَطَلَة: السحرة والشياطين، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أُمامة: ((إقرؤا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة))؛ وأخرجه مسلم في الصلاة.  [5]   أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن شعبة.    منبع :   كتاب كيف تكون خطيبًا "التيسير في الخطب والوعظ والتذكير".
الشيخ سعيد عبدالعظيم
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۴۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  خُطب الجمعة   كان وفد من العلماء يزور واحدًا من كبار أولي الأمر من عهد قريب، يشكو إليه فساد الأخلاق، وانتشار المعاصي، وهذه المنكرات البادية، فقال لهم: "أنا أعجب من أمركم؛ عندكم هذه المنابر التي تستطيعون أن تصلحوا بها كل فاسد، وتقوِّموا كلَّ معوجٍّ، ثم تَشْكُون إليَّ ما تجدون!!". وهي كلمة أجراها الله على لسانه لتقوم بها الحجة علينا مرتين: مرة لأنها كلمة حق، لا ينازع في صحتها منازع، ومرة لأنها جاءت موعظة منه هو لمن يتصدُّون لوعظ الناس!! ولو كان عُشْر هذه المنابر في أيدي جماعة من الجماعات العاملة المنظمة؛ لصنعت بها العجائب؛ فما بالنا وهي في أيدينا لا نصنع بها شيئًا؟!

وما أذهبُ في الاستدلال إلى عرض أوجه الاحتمال، وعندي الواقع الذي ليس فيه جدال، هو منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه المنابر.. كان للرسول - صلوات الله عليه - منبر واحد: درجات من الخشب، ليس فيها براعة النقش، ولا فيها روعة الفن، ليس عليها قُبَّة، ولا لها باب، دعا منها فلبَّت الدنيا واستجاب العالم، وترك بها على الأرض أعظم أثرٍ عرفه تاريخ الأرض، وعندنا اليوم مائة ألف منبر، مبثوثة ما بين آخر أندونيسيا وآخر المغرب، كلها مزخرفٌ منقوشٌ، استنفد جَهْد أهل العمارة وعبقرية أهل الفن، وفيها المكبرات والإذاعات تحمل الصوت منها إلى آفاق الأرض؛ فيُسمع خطباؤها الملايين، ولا نرى لها مع ذلك أثرًا في إصلاحٍ ولا عملاً في نهضة؛ فما هو السر في تلك القوة، وفي هذا الضعف؟

تعالوا نفكر في ذلك جميعًا، نعرض أحوال هذه الخُطَب، ونفتِّش عن حالها، ولا يغضب مني أحدٌ، فما أريد الفضيحة ولا التشهير؛ إن أريد إلا الإصلاح، وأنا بعدُ واحدٌ من الخطباء، لستُ غريبًا عنهم ولا مبرَّأ من عيوبهم، وما يُقال فيهم يُقال مثله فيَّ أنا، ومن أجراكَ مجرى نفسه ما ظلمكَ.

ولو سألت مَنْ شئت من المصلين عن هذه الخُطَب؛ لسمعت منه طرفًا من عيوبها:
فمن عيوبها: هذا التطويل وهذا الإسهاب، حتى لتزيد الخطبة الواحدة - أحيانًا - إلى نصف ساعة، مع أنَّ السنَّة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة، وألا تزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصَّل؛ أي على صفحتين اثنتين فقط.
وهذه خطب الرسول المأثورة، وخطب الصحابة، منها ما هو صفحة واحدة أو أقل من ذلك، ويا ليت دائرة الإفتاء أو الأوقاف تُلزم الخطباء بألا تزيد أطول خطبة يلقونها عن ربع ساعة.
وأنا أخطب في مسجد جامعة دمشق؛ فلا تمرُّ ثُلُث ساعة، أو خمس وعشرون دقيقة على أذان الظهر - حتى تكون قد انتهت الخطبة والصلاة، ذلك لأننا تركنا هذه البدع التي تكون قبل الخطبة؛ فلا نقرأ ما يسمَّى (الصمديَّة)، ولا يجهر المؤذن بهذه الصلوات؛ بل نسمع أذان الظهر فنصلِّي السنَّة، ويصعد الخطيب المنبر فورًا.
وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا خير فيما لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

ومن عيوبها: أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين؛ بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء، وينتقل من موضوع إلى موضوع، فلا يوفِّي موضوعًا منها حقَّه من البحث، فإذا جاء الجمعة الثانية عاد إلى مثل ما كان منه في الجمعة الأولى؛ فتكون الخطب كلها متشابهة متماثلة، وكلها لا ثمرة له، ولا يخرج السامع له بنتيجة عمليَّة، ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد - جلَّ أو دَقَّ، كَبُرَ أو صغر - فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره؛ لكان لخطبته معنى، ولأخذ السامع منها عبرة، وحصَّل منها فائدة.

ومن عيوبها: أن الخطيب - أعني بعض مَنْ يخطب - يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة، فلا يخاطب الناس قَدْرَ عقولهم، ولا يكلِّمهم على مقتضى أحوالهم، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوةً خطوة؛ بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محالٌ.

ومن عيوبها: أنها صارت (كليشات) معيَّنة، ألفاظ تُردَّد وتُعاد، لا سيَّما في الخطبة الثانية، مع أن الخطبة الثانية لا تختلف في أصل السنَّة عن الأولى، وما يلتزمه الخطباء فيها من الصلاة الإبراهيمية، والترضِّي على الخلفاء والتابعين بأسمائهم - لم يلتزمه أحدٌ من السلف.

وخطبة الجمعة عند الحنفية لا يُشترط لصحَّتها إلاَّ أن تكون دينية، وأن يكون فيها تذكيرٌ بالشَّرع، وهذه (الكليشات) كلها ليست من شروط الخطبة.

والدعاء الذي يكون في آخر الخطبة ليس شرطًا، ولا كان السلف يواظبون عليه.

والدعاء مطلوبٌ، وهو مخُّ العبادة وروحها، ولكنَّ الدعاء المطلوب هو الذي يكون عن قلبٍ حاضر، ومراقبة الله، وثقةٍ بالإجابة، فإن كان الدعاء بالمأثور كان أحسن، أما أن يكون الغرض منه إظهار سَعَة الحفظ وبلاغة اللفظ؛ فلا.

والدعاء للسلاطين بأسمائهم بدعة، وقد نصَّ الحنفية على أنه مكروهٌ إن ذُكِرَ السلطان بالتعظيم، فإن قال عنه ما ليس فيه - كما كان بعض الخطباء في مصر يقولون عن فاروق - فكذبٌ وافتراءٌ.

وآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] التي يلتزمها الخطباء في آخر الخطبة، ويظنها العامَّة من شرائط الخطبة - ليست شرطًا فيها، فإن تلاها أو تلا غيرها، أو لم يتل في ختام الخطبة شيئًا - لم يكن عليه شيءٌ.

وكونهما خطبتَيْن والقعود بينهما سنَّة؛ فإن جعلها خطبةً واحدةً – ولو جملاً معدودات – فقالها ونزل - لا شيء عليه عند الحنفية.

ولما ولي عثمان الخلافة؛ صعد المنبر ليخطب أول جمعة فأُرْتِجَ[1] عليه ولم يستطع الكلام؛ فقال: "إنَّ مَنْ كان قبلي كان يُعِدُّ لهذا المقام كلامًا، وأنا إن أَعِشْ فستأتيكم الخطب على وجهها - إن شاء الله"، ونزل! وكانت هذه هي الخطبة ولم يعترض عليها أحدٌ من الصحابة.

ومن عيوبها: هذا التكلُّف في الإلقاء، وهذا التشدُّق في اللفظ، وهذه اللهجة الغريبة، وخير الإلقاء ما كان طبيعيًّا لا تكلُّف فيه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كره المتشدِّقين وذمَّهم.

ومن أعظم عيوب الخطبة في أيامنا: أن الخطيب ينسى أن يقوم مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتكلَّم بلسان الشَّرع، وأنَّ عليه أن يبيِّن حكم الله فقط لا آراءه هو وخطرات ذهنه، ويحرِّض على رضا الله وحده لا على رضا الناس، فلا يتزلَّف إلى أحد، ولا يجعل الخطبة وسيلةً إلى الدنيا، وسببًا للقبول عند أهلها.

ومن عيوبها: أن من الخطباء مَنْ يأتي بأحكام غير محقَّقة ولا مسلَّمة عند أهل العلم، يُفتي بها على المنبر، ويأمر الناس بها، ولو اقتصر على المسائل المتَّفق عليها وأمر بها العامَّة، وترك الخلافيَّات لمجالس العلماء - لكان أحسن.

ومنهم - وهذا كثير - من يأتي بالأحاديث الموضوعة أو الضعيفة المتروكة، مع أنه لا يجوز لأحد أن يُسنِد حديثًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتوثَّق من صحَّته، بأن يصحِّحه أحد المحدِّثين الموثوق بهم؛ كأصحاب الكتب الستة - على اختلاف شروطهم في تصحيح الأحاديث - أو يعتمده فقهاء مذهب من المذاهب الأربعة، ويتفقوا على الأخذ به. ومَنْ أخذ كل حديث يجده في كتاب، أو يسمعه من فم إنسان، فنسبه على المنبر إلى الرسول من غير أن يعرف درجته من الصحة، ومن غير أن يبحث عن مخرجه وراويه - أوشك أن يكون داخلاً تحت حديث: ((مَنْ كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوَّأ مقعده من النار)). فليتنبَّه الخطباء إلى هذا؛ فإنه لمن أهمِّ المهمَّات.

ويا ليت خطيب كل مسجد يُعِدُّ لخطب الشهر برنامجًا يعلقه على باب المسجد، أو يبيِّن للناس على الأقل أن خطبة الجمعة القادمة موضوعها كذا، ومدتها كذا؛ ليكون المصلِّي على بيِّنة من أمره، ويجعل الخطبة الثانية مطلقةً، يتكلم فيها عمَّا يجد بعد إعلان موضوع الخطبة الأولى، أو يجعلها موعظة عمليَّة.

وأن يكون منهج الخطيب: أن يعمل لإصلاح الأفراد أولاً، ثم يتكلم عن إصلاح الأُسَر والبيوت، ثم يبحث في الإصلاح العام، وأن يبدأ بما بدأ به الشَّرع؛ فيصحِّح التوحيد أولاً، ثم يأمر باجتناب المحرَّمات، ويعددها، ويجعل لكل منها خطبةً: من آفات اللسان (كالكذب والغيبة والنميمة)، إلى السرقة، والزنا، والغشّ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور وأمثالها. ثم يأمر بالفرائض، ويجعل لكلٍّ منها خطبةً يبيِّن فيها أحكامها، لا بيان الفقيه الذي يعدِّد الشروط والأركان والسنن والمكروهات؛ بل بيان المُرْشِد الذي يبيِّن الأعمال، ويدل على طريق الإخلاص فيها، فيتكلم عن الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، وما إلى ذلك.

وعلى السامعين أن يعلموا أن سماع الخطبة ليس للبركة فقط؛ بل للاتعاظ بها، والعمل بما يتعلَّمه منها، والعاقل منهم مَن استفاد من صحة القول ولو شكَّ في حال القائل، والحكمة ضالَّةُ المؤمن؛ يأخذها من حيث وجدها.

هذه خواطرٌ في الموضوع، لم أقصد فيه لمَّ جوانبه، وجمع أطرافه، واستيفاء القول فيه؛ لأن الكلام فيه طويل، والمجال قليل، والقصد التنبيه. [1]  أي: انسد عليه باب الكلام، والإرْتاجُ: الإغلاق، ومنه رتاج الباب.    منبع : كتاب فصول اسلاميه /  الشيخ علي الطنطاوي
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۴۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  مفاهيم خاطئة     - هل لابد من تخصُّص وشهادة علميَّة شرعيَّة للقيام بالخطابة والوعظ؟ - لا يشترط كمال الحال في الخطيب والواعظ. - هجر الخطابة والتفريط في الوعظ بزعم خوف الرِّياء! - عليكم أنفسكم ليس معناها ترك الوعظ والتَّذْكير.

- هل لابد من تخصُّص وشهادة علميَّة شرعيَّة للقيام بالخطابة والوعظ؟ اتفقت الأمَّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذهب الجمهور إلى أنه فرض على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإذا لم يقم البعض بذلك أَثِمَ القادرون عليه، وذهب الشاطبي إلى أن الكل يأثم بشيءٍ من التجوُّز؛ وذلك لأن غير القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده مقدرة من نوع آخر، وهي إقامة القادر في هذا الفرض.

ومعنى قيام الفرض: أي حصول المأمور به في عالم الواقع؛ بحيث يصبح المعروف معروفًا والمنكر منكرًا، ومن هنا تدرك لماذا قال الإمام النووي – رحمه الله – عن هذا الفرض أنه ضُيِّعَ عبر أزمان متطاولة؛ بحيث لم يَبْقَ إلا رسمه، وهذا على زمنه هو؛ فكيف بزمننا نحن؟!

فالواجب على الأمة أن تنهض لإقامة هذا الواجب، وإعداد الكفاءات والتخصُّصات اللازمة لذلك، فإذا تخلَّف البعض عن دوره ومهمَّته فإن هذا لا يعفي الآخرين عن القيام لله بحقِّه نصحًا وبيانًا؛ ليحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك أيضًا عن بينة.

ودائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تسع عموم الأمَّة، ويجب الأمر على مَنْ رأى المنكر وعنده المقدرة على تغييره، ولم يقم أحدٌ بذلك؛ فحينئذٍ يلزمه الإنكار لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))[1].

ومن علم مسألةً فهو بها عالم، ولا يشترط تحصيل أدوات الاجتهاد والنظر المباشر في الكتاب والسنَّة؛ إذ يكتفي العالِم بما سيأمر به وينهي عنه؛ بل العالِم إذا جهل مسألةً فليس له أن يتكلم فيها.

فاتضح بذلك أن الأمر مداره على العلم، والعلم يتجزَّأ، وقد كان الناس عبر عصورهم المتطاوِلة يخطبون ويعِظون ويذكِّرون دون تحصيل شهادات علمية أو تخصُّصات شرعية، فالمطلوب هو العلم والإتقان، وإلا لَحَرُمَ الأمر؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

- لا يشترط كمال الحال في الخطيب والواعظ: العدالة ليست شرطًا في الآمِر النَّاهي؛ ولذلك قالوا: "حقًّا على شارِبَي الكؤوس أن يتناصَحا، وإذا لم يتناصَحا فالذنب ذنبان، والإثم إثمان، إثم شرب الخمر، وإثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وما من إنسان إلا تجوز عليه المعصية، وكل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون، أما الأنبياء فهم معصومون فيما يبلِّغونه عن الله - جلَّ وعلا.

وهذا لا يمنع من مجاهدة النفس حتى يتوافق القول مع الفعل والعلم، حتى تكون الدعوة أوقع في النفوس؛ إذ الدعوة بالسلوك أبلغ من الدعوة بالقول، وقد قال تعالى: {
فمعنى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}: أن احفظوا أنفسكم من المعاصي، وقال سعيد بن المسيّب: "معنى الآية {لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}: بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وقال ابن خُوَيْز مِنْداد: "تضمَّنت الآية انشغال الإنسان بخاصَّة نفسه، وتركه التعرُّض لمعائب الناس والبحث عن أحوالهم؛ فإنهم لا يسألون عن حاله، فلا يسأل عن حالهم، وهذا كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]".

وعن قيسٍ قال: خطبنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال: "إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأوَّلونها على غير تأويلها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يعمَّهم الله بعذابٍ من عنده))"[5].

وفي حديث أبي ثعلبة الخُشَنِي: ((بل ائتمروا بالمعروف وتَناهَوْا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأىٍ برأيه، ورأيتَ أمرًا لا يَدانِ لك به؛ فعليك نَفْسَكَ، ودَعْ عنك أمرَ العامَّة))[6].

وعن ابن مسعود أنه قال: "ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قُبِلَ منكم، فإذا رُدَّ عليكم فعليكم أنفسكم".

وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركتَ القول في هذه الآية فلم تأمر ولم تَنْه؟ قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: ليبلغ الشاهد الغائب، ونحن شهدنا، فيلزمنا أن نبلِّغكم، وسيأتي زمانٌ إذا قيل فيه الحق لم يُقبَل"، وفي روايةٍ لابن عمر: "ولكن هذه الآية لأقوامٍ يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يُقْبَل منهم".

وقال ابن المبارك: "قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} خطابٌ لجميع المؤمنين؛ أي: عليكم أهل دينكم، كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]؛ فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضًا، وليَنْه بعضكم بعضًا، لهو دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضرّكم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وهذا لأن الأمر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما ورد عن سعيد بن جُبَيْر".

ويجوز أن يكون أُريد به الزمان الذي يتعذَّر فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينكر بقلبه، ويشغل بإصلاح نفسه.

ولا زالت بقيةٌ من خيرٍ وصلاحٍ وقبولٍ للدَّعوة، فلا يصح ترك الوعظ بالكليَّة تعميمًا لبعض النصوص، وتطبيقًا لها في غير موضعها؛ فالأمر يتفاوت زمانًا ومكانًا وشخصًا.

وفي حديث حذيفة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تَدْعُونَه فلا يُستجاب لكم))[7].

ولما سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ))[8].

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتَّقِ الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحلُّ لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله؛ فلا يمنعه ذلك أن يكون أَكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض))! ثم قال: (({لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ     وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة 78-81]))، ثم قال: ((كلاَّ والله، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولَتأخُذُنَّ على يَدِ الظَّالم، ولَتَأطِرُنَّهُ على الحق أطْرًا، أو لَتَقْصُرُنَّهُ على الحقِّ قَصْرًا، أو ليَضْربنَّ اللهُ بقُلوب بعضكم بعضًا، ثم لَيَلْعنَنَّكُم كما لَعَنهم))[9]. ــــــــــــــــــــــــــــ [1]     رواه مسلم. [2]     أي كما لا يستقر المطر على السطح الأملس. [3]     رواه مسلم. [4]     رواه أحمد وابن حبان وصححه الألباني. [5]     رواه أبو داود والترمذي قال: حسن صحيح. [6]     رواه أبو داود والترمذي. [7]     رواه الترمذي قال: حديث حسن. [8]     رواه النسائي بإسناد صحيح. [9]     رواه أبو داود والترمذي قال: حديث حسن واللفظ لأبي داود.   نوشته : الشيخ سعيد عبدالعظيم
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۴۰ ] [ مشاوره مديريت ]
  ابن تيمية واعظًا وخطيبًا     لم يرتقِ الإمام ابن تيمية - رحمه الله - المنبر على الأرْجح، يلقي من خلاله خطبة الجمعة، خلافًا لما ذكره الرحَّالة ابن بطوطة في مذكراته[1].

وإن كان الشَّيخ قد دخل الدَّعوة من جميع جوانبها، وشتَّى مجالاتها، وربَّما لو رقي الشَّيخ المنبر لسطر ذلك من جملة مآثره، وسجّل له في سيرته العطِرة، ولدوِّنت مواعظُه وخطبُه في مصنَّف، وأصبحت زادًا للخطباء في مجال وعظهم وإرشادهم؛ لما يمتلك الشَّيخ من قوَّة الحجَّة ووضوحها، ولما له من الأسلوب البياني الرائع، والعلم الغزير في جَميع الفنون والعلوم، شهِد له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء[2]، ولكان قد أضيفت تلك الخطب والمواعظ إلى تراث الشَّيخ ضِمْن ما ألَّفه وصنَّفه في بيان المنهج الصَّحيح في العقيدة والسلوك، كما نقل إليْنا تلامذته رسائله ومؤلَّفاته، علمًا أنَّ الشَّيخ جلس للوعْظ والتَّدريس وعُمره تسعَ عشرة سنة.

وكانت دروسه ومواعظه موضع اهتمام وإكبار من أهل العلم قاطبة[3]؛ لكثرة ما تضمَّنت دروسه من فوائد ودُرر، وكان - رحمه الله - "يتكلَّم في الجوامع على المنابر - مواعظ لا خطب - بتفْسير القرآن وغيره، من بعد صلاة الجمُعة إلى العصر"[4]، وبحضور جهابِذة من علماء عصْره، والسَّبب في كوْن الشَّيخ لم يلتزِمْ هذا النَّوع من الوعْظ في رأيي يَرجع إلى ما يلي:
1- لَم يتقيَّد الشَّيخ بهذا النَّوع من التَّبليغ والوعظ، رغْم أهميَّته وكونه وسيلةً مؤثِّرة في التوجيه؛ بسبَب ما لقِيه من تضْييق وإيذاء طوال مسيرته العلميَّة، ومن قبل بعض علماء عصرِه، ووزراء دولته؛ ممَّا أدَّى إلى صدور مرسوم المنْع في حقِّه من إلْقاء الدروس والفتيا لعدَّة مرَّات، ممَّا كان يصعب - والحال تلك - من ممارسة وظيفة التَّعليم والتَّوجيه في المسجِد وخارجه، فكيْف من ارتِقاء المنبر وإلقاء الخطب؟! ومع ذلك فالشَّيخ لم يمتنِع من التَّوجيه والتَّربية حتَّى وهو في داخل محبسِه، كما سيأتي توضيحُه.

2- كرَّس الشيخ - رحمه الله - حياته كلَّها في سبيل الدِّفاع عن قضايا الأمَّة، وتحمَّل من أجْل ذلك المتاعب والمصائب، وحمل راية الإصْلاح والتَّوجيه والتَّربية في السلْم والحرْب، والسرَّاء والضرَّاء، ودخل إلى معترك حياة النَّاس الاجتماعية يوجِّه ويعلم، ويربِّي وينقُد ويصحِّح، ممَّا أغْناه ذلك عن الاقتِصار على هذا النَّوع من أنواع القول والتَّبليغ، وهو الخطابة.

3- برز دور الشَّيخ كواعظٍ وخطيب وبقوَّة في مجالات عدَّة؛ لما يمتلِك من أسلوب بياني، وحجَّة قاهرة تُزلزل الباطل وتقهره وتقمعه، وشجاعة نادِرة وقوَّة إيمان عميق، وثقة بالله لا حدودَ لها، أعطتْه الجراءة في مواقف كان الكثير من علماء عصره - على جلالةِ قدرهم وعلوّ كعبِهم - يُحجم عن الإقدام عليها[5]، بل تسبَّبت - تلك الجراءة - في بعْض الأحيان إلى تخلِّي بعض الأصحاب والأحباب عنه، فكان لا يعتدّ ولا يهتم لما يقال ويُشاع عنْه بذلك لقوَّة تمسُّكه بالحق، وثباته عليه، ومن هذه المواقف التي برز فيها الشَّيخ كواعظٍ وخطيب مفوّه ما يلي:
أوَّلاً: مواعظه للملوك:
ومن ذلك تصدِّيه للملك التَّتري قازان، هذا الملك الذي تنخلِع القلوب من أماكنِها عند رؤيتِه، وترتعِد الفرائص خوفًا من بطشِه وجبروته، فكان لمواعظ الشَّيخ التي اتَّسمتْ بقوَّة الحجَّة وأسلوب بياني رائع، وبعبارات قاسيةٍ أحيانًا، لكنَّها صادرة من قلبٍ امتلأ يقينًا وخوفًا من الله، كسَرَ بِموعظتِه وبصوتِه الجهْوري شهوة قازان المادّيَّة الظَّالمة، وكبح جماح هواه، وكان لها أبْلغ الأثر في نصْرة الإسلام وأهله، ودفْع شرور عظيمة عن أمَّة الإسلام، ويذكر البزار: أنَّه لما ظهر الملك التتري على دمشْق قام الشَّيخ من فورِه، وشجَّع المسلمين، وألْهب حماسَهم في خطبة وموعظة لم تكن من فوق أعواد المنبر، بل كان في مُجتمع النَّاس وناديهم، ووعدهم بالنَّصر والظَّفر، وتلا عليهم الآيات والأحاديث المتضمّنة للجهاد، أمَّا هو فانتدب ومَن معه لملاقاة الملِك نفسِه، وما أن رآه حتَّى أوْقع الله في قلْب الملك الهيبة، وأدْناه وأجلسه بجنبِه، يقول الحافظ ابن كثير في تصوير مشهد لقاء الشَّيخ بالملك: "ولقد قال أحد الَّذين شاهدوا اللقاء: كنت حاضرًا مع الشَّيخ، فجعل يحدِّث السُّلْطان بقول الله ورسولِه في العدل، ويرفع صوته ويقرب منْه ... والسلطان مع ذلك مقبلٌ عليْه مصغٍ لما يقول، شاخص إليْه لا يُعْرِض عنه، وإنَّ السلطان من شدَّة ما أوْقع الله في قلبه من الهيْبة، والمحبَّة، سأل: مَن هذا الشَّيخ؟ إنِّي لَم أر مثله ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوْقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتُني أعظم انقيادًا لأحد منه، فأُخْبِر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل".

وممَّا خاطبه به في هذه المقابلة وعن طريق الترجمان: "قُل لقازان: أنت تزعُم أنَّك مسلم، ومعك قاض وإمام، وشيخ ومؤذِّنون على ما بلغنا، وأبوك وجدّك كانا كافرَين، وما عمِلا الَّذي عمِلت؛ عاهدا فوَفَيا، وأنت عاهدت فغدرْت، وقُلتَ فما وفيت، وجُرت، ثمَّ خرج بعد هذا القوْل من عنده معزَّزًا مكرَّمًا"[6].

وكان لتلك الخطبة - لما حوتْه من أسلوب رادع، وحجَّة قوية، ودعاء مؤثر في آخِرِها عليْه - والموعظة المؤثرة التي أوْقعت في قلب قازان الخوف والرهبة - أثرُها في تخليص أسْرى المسلمين من بطْش ذلك الجبَّار العنيد.

ثانيًا: مواعظه لولاة الأمر:
فقدِ اتَّسمت بالرحمة والحكمة؛ لعلم الشيخ بما يجب لولاة أمر المسلمين من الحقوق، والواجبات الشرعيَّة من النصح بالرفق، والتعامُل معهم بالحسنى وفق منهج السَّلف، "وألا يشهِّر بهم علانية، فيتَّخذ من أخطائهم سبيلاً لإثارة الفتن؛ لأنَّ ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدث من الشر والفتنة[7] ما لا يعلمه إلاَّ الله"، ففي رسالة يوجِّهها للسلطان، ينصحُه فيها بإقامة شعائر الإسلام وتنفيذها، يقول: "من أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ووليِّ أمر المؤمنين، نائب رسول الله في أمَّته بإقامة فرْض الدين وسنَّته، أيَّده الله تأييدًا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظَّاهرة ...".

ثم يقول: "وقد استجاب الله الدعاء في السلطان فجعل فيه الخير الَّذي شهدت به قلوب الأمَّة، ما فضَّله به على غيره، والله المسؤول أن يعينَه؛ فإنَّه أفقر خلْق الله إلى معونة الله وتأييده"[8].

تأمَّل ما تحت تلك الكلمات، من اللُّطف في القول، والحرْص على إقامة شرع الله بأسلوب حكيم، ومن تلك المواعظ قولُه لسلطان مصر لما وجده قد دخل القاهرة، وتفرَّق الجند عنْه بعد سماعهم أنَّ السلطان خارج لملاقاة التَّتر، فقال له: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمْنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن.... إلى أن قال: لو قدّر أنَّكم لستم حكَّامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم"[9]، ثم حث الأمراء والسلطان بالخروج بالجيش إلى ملاقاة العدو.

ثالثًا: مواعظه في مجامع النَّاس العامة:
وتشمل مجالات عدَّة من حياة الناس، مثل المحافل الشعبية والمناسبات الاجتماعية والنَّوادي الثقافية، انطلاقًا من قوْل الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((الذي يخالط الناس ...))، فلم يكُن ينتظر ليأتيَ إليه الناس يستفْتونه، ويسألونه فيعِظهم ويوجِّههم، بل كان يخرج بنفسه، وأحيانًا مع بعض الأصحاب وبقوَّة إلى حياة النَّاس الاجتماعية، ينصح ويحثّ، ويوجِّه ويدعو، ويأمُر بالتَّمسُّك بالمنهج السَّليم في كلِّ مناحي الحياة، وبما يناسب المقام، مع سداد الرَّأي، وقوَّة الأسلوب ووضوح الحجَّة، يقول البزار: "كان - رضي الله عنْه - من أشْجع النَّاس وأقواهم قلبًا، ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناءً في جهاد العدوِّ منه، كان يُجاهد في سبيل الله بقلبِه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم"[10].

"وأخبر غير واحد أنَّ الشَّيخ - رضي الله عنْه - كان إذا حضر مع عسْكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم، وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضِهم هلعًا أو رقَّة أو جبانة، شجَّعه، وثبَّته وبشَّره، ووعدَه بالنَّصر والظفر والغنيمة، وبيَّن له فضْل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السَّكينة".

بل كان واعظًا وخطيبًا حتَّى وهو في محبسه، فقد دخل الحبس ووجد المحابيس مشتغِلين بأنواع من اللعب، يلتهون بها عمَّا هم فيه، كالشطْرنج والنرْد ونحو ذلك من تضْييع الصَّلوات، فأنكر الشَّيخ عليهم ذلك أشدَّ الإنكار وأمرهم - من خلال خطبةٍ مؤثرة - بملازمة الصَّلاة، والتوجُّه إلى الله بالأعمال الصَّالحة، والتَّسبيح والاستِغْفار، والدّعاء، وعلَّمهم من السنَّة ما يحتاجون إليْه، ورغَّبهم في أعمال الخير، وحضَّهم على ذلك، حتَّى صار الحبْس بما فيه من الاشتِغال بالعلم والدين خيرًا من الزَّوايا والربُط والخوانق والمدارس"[11].

أي موعظة بليغة تلك التي تجعل من السجن - بالرغْم ممَّا يحيط به من ظروف - خيرًا من المدارس والزَّوايا؟!

وللشَّيخ مواقف عديدة في موعظة النَّاس وتذكيرهم، شملت مجالات عدَّة من حياة النَّاس، لا يسَع البحث لسردِها كلها، وقد تميَّزت تلك المواعظ المؤثرة بجملة ميزات جعلتها القمَّة في التأْثير والقبول، ولنبدأ ببيان صفة وعظِه، وطريقة إرشاده، وبما كان يستفتح دروسه، ثمَّ نتبع ذلك بمميزات الوعظ:
صفة مجالس وعظه:
أفضل مَن نقل إليْنا صفة وعظِه وإرشاده تلامذتُه وأصحابه، يقول البزَّار: "وأمَّا ذكْر دروسه، فقد كنت في حال إقامتي بدمشْق لا أفوِّتُها، وكان لا يهيِّئ شيئًا من العلم ليلقيَه ويُورده، بل يجلس بعد أن يصلِّي ركعتَين، فيحمد الله ويثني عليْه، ويصلِّي على رسوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على صفة مستحْسَنة مستعذبة لم أسمعها من غيره، ثم يَشْرع فيفتح الله عليْه إيراد علوم، وغوامض ولطائف، ودقائق وفنون، ونقول، واستدلالات بآيات وأحاديث، وأقوال العلماء، ونصْر بعضها وتبْيين صحَّته، أو تزييف بعضِها وإيضاح حجَّته، واستشهاد بأشعار العرب، وربَّما ذكر اسم ناظمها، وهو مع ذلك يَجري كما يجري السيل، ويفيض كما يفيض البحْر، ويصير منذ يتكلَّم إلى أن يفرغ كالغائِب عن الحاضرين مغمضًا عينيْه، وذلك كله مع عدم فكر فيه أو رويَّة، من غير تعجرُف ولا توقُّف، ولا لحْن بل فيض إلَهي، حتَّى يبهر كلَّ سامع وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يصمت، وكنت أراه حينئذ كأنَّه قد صار بحضرة مَن يشغله عن غيره، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب، ويُحيِّر الأبصار والعقول، وكان لا يذكُر رسولَ الله قطّ إلا ويصلِّي ويسلِّم عليه، ولا - والله - ما رأيت أحدًا أشدَّ تعظيمًا لرسول الله، ولا أحرص على اتّباعه ونصر ما جاء به منْه، حتَّى إذا كان ورد شيءٌ من حديثه في مسألة ويرى أنَّه لم ينسخْه شيء غيره من حديثِه يعمل به ويَقضي ويُفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا مَن كان، وقال - رضي الله عنه -: "كلّ قائل إنَّما يحتجّ لقولِه لا به إلاَّ الله ورسوله"[12].

أمَّا تواضُعه مع المدعوين، فيقول:
"وكان لا يسأَم ممَّن يستفْتيه، أو يسأله، بل يُقبل عليْه ببشاشة وجْه ولين عريكة، ويقِف معه حتَّى يكون هو الَّذي يفارقه، كبيرًا كان أو صغيرًا، رجُلا أو امرأة، حرًّا أو عبدًا، عالمًا أو عاميًّا، حاضرًا أو باديًا، ولا يجبنه، ولا يحرجه، ولا ينفِّره بكلام يُوحشه، بل يجيبه ويفهمه، ويعرفه الخطأ من الصَّواب بلُطْف وانبساط".

وأمَّا صفة خاتمة دروسه فيقول أيضًا:
"وكان إذا فرغ من درْسه يفتح عينيْه، ويقبل على النَّاس بوجه طلق بشيش، وخلق دمث كأنَّه قد لقِيهم حينئذ، وربَّما اعتذر إلى بعضِهم من التَّقصير في المقال مع ذلك الحال، ولقد كان درْسه الَّذي يورده حينئذٍ قدْر عدَّة كراريس، وهذا الَّذي ذكرته من أحوال درْسه أمر مشهور يوافقُني عليه كلُّ حاضر بها، وهم بِحمْد الله خلق كثير لَم يحصر عددهم، علماء ورؤساء وفضلاء، من القرَّاء والمحدّثين، والفقهاء والأدباء، وغيرهم من عوامّ المسلمين"[13].
أمَّا ما تميَّزت به مواعظه من ميزات ومقوِّمات، فهي:
1- التَّأكيد على معاني العقيدة:
وهو الذي جاهد الشَّيخ طيلة حياته من أجل توضيحها، وغرس معانيها في النفوس، والتَّحذير من وسائل الشرك المضادَّة لها، وشدّ النَّاس إلى غاية عظيمة وهي ابتغاء مرضاة الله، وتقْديم رضاه على رضا المخلوقين، والتطلُّع إلى ما عند الله من النَّعيم، ومن تلك المواعظ المؤثرة أنَّه:
كان مرَّة عند بعض أمراء التَّتر بالمشرِق، وكان له صنم يعبده، قال: فقال لي: هذا الصَّنم يأكُل من هذا الطَّعام كلَّ يوم، ويبقى أثر الأكْلِ في الطَّعام بيِّنًا يُرى فيه، فأنكرتُ ذلك، فقال لي: إنْ كان يأكل أنت تَموت؟ فقلت: نعم.

فأقمتُ عنده إلى نصْف النَّهار ولم يظهر في الطَّعام أثر، فاستعظمَ التَّتريُّ ذلك، وأقسم بأيمان مغلَّظة أنَّه كلَّ يوم يرى فيه أثرَ الأكل لكن اليوم بحضورِك لم يظهر ذلك، فقلتُ لهذا الشَّيخ - تأمَّل موعظة الشَّيخ وأسلوبه في الإقناع -: أنا أبيِّن لك سبب ذلك، ذلك التَّتري كافر مشرك، ولصنمِه شيطان يُغْويه بما يظهرُه من الأثَر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأْييد الله تعالى ما أوْجب انصراف الشَّيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتَّتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتَّتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض، فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا.

وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا: تريد أن نظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن عمِلْتموها بحضور مَن ليس من أهل الشَّأن من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة، أو جمهور المتفقهة والمتفقِّرة والمتصوفة - لم يحسب لكم ذلك، فمن معه ذهَب، فليأتِ به إلى سوق الصَّرف إلى عند الجهابذة الَّذين يعرفون الذَّهَب الخالص من المغشوش من الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهْل بذلك، فقالوا لي: لا نعمل هذا إلاَّ أن تكون همَّتك معنا، فقلت: همَّتي ليست معكم بل أنا معارض لكم مانع لكُم؛ لأنَّكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -  فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا، فانقلبوا صاغرين"[14].

2- اتباع افة والنعومة ما نحمد معه ذلك التَّخشين، وتعلمون أنَّا جميعًا متعاوِنون على البرّ والتَّقوى، واجب عليْنا"[20].

6- الوضوح التام الَّذي لا لبس فيها ولا غموض:
فمواعظ الشَّيخ خالية من الألفاظ المعقَّدة، تجمع بين العقل والعاطفة، بعيدًا عن ترَّهات وخزعبلات الصوفيَّة، وتعقيدات الفلاسفة؛ لأنَّ الغرض هو إيصال المعاني المطْلوبة إلى النَّاس ليفهموها، ويطبِّقوها حتَّى يسعدوا في حياتِهم وبعد مماتهم، فكانت تتضمَّن الآيات القرآنيَّة، والاستدلال بالأحاديث الصَّحيحة، ففي القرآن والسنَّة الوعظ التَّامّ والشفاء، والتَّرغيب في الجنَّة ونعيمها، والتَّخويف والتَّرهيب من الشَّرّ وموجباته، وكانت مجالس الوعظ تضمّ من مختلف الشَّرائح من الجند والفلاحين، والصنَّاع، والعمَّال والعُلماء، والمتفقِّهة، والصوفيَّة والمرابطين، يقول البزار: "وكان مجلسه عامًّا للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحرّ والعبد، والذَّكر والأنثى، قد وسع على كلّ مَن يرد عليه من الناس، يرى كلٌّ منهم في نفسِه أن لم يكرم أحدًا بقدره"[21].

والكلّ يفهم ما يتحدَّث به الشيخ، فليس في مجالس الشَّيخ ألغاز أو أسرار، أو باطن أو ظاهر، أو ما هو خاصّ للخاصَّة أو خاصَّة الخاصَّة دون العامَّة، فالشَّيخ يؤمن كمال الإيمان أنَّ الله أتمَّ الدين، وأكمل النعمة، ووضَّح لجميع الخلق الشرع والدين، يقول الشَّيخ - رحمه الله - في ردِّه على من ادَّعى أنَّ في مواعظ ابن عربي سرًّا لا يعلمه إلاَّ الخواصّ: "ومَن قال: إنَّ لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطن حق، وأنَّه من الحقائق التي لا يطّلع عليها إلا خواصّ خواص الخلق - فهو أحد رجلين: إمَّا أن يكون من كبار الزَّنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال؛ فالزنديق يجب قتلُه، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتِقاد الباطل بعد قيام الحجَّة عليه، وجب قتلُه"[22].

الخلاصة: يُستفاد مما تقدم:
أنَّ الشيخ كان واعظًا وخطيبًا، حمل راية الإصلاح والتوجيه، والتَّربية على معاني الإسلام، في شتَّى الميادين، حيث كانت عمليَّة الوعظ عند الشَّيخ تسدّ أكثر الثغرات في المجتمع الإسلامي؛ لما يملك من أسلوب حكيم، وجراءة على قوْل الحقّ، وعلم راسخ، وحجَّة داحضة للشُّبهات، ومهابة في قلوب الخلق، وكانت مواعظُه تعالج معظم الانحرافات التي ابتُلي بها عصره، من بِدَع وخرافات، وأمراض اجتماعيَّة، وقد قام بها كلّها أحسن قيام، لما تمتَّع به من مزايا وصفات، ذكرنا طرفًا منها، ومن هنا نقول: إنَّ عمليَّة الوعظ والخطابة لا تقتصِر على نوع معين كالخُطبة يوم الجمعة - مع أهميَّتها - بل تتَّسع الدائرة لتشمل أنواعًا أخرى لها الدَّور والتأثير الأكبر في الإصلاح والتربية، مثل التَّوجيه والخطابة في الميادين العامَّة الجامعة للنَّاس، والنَّوادي الثقافيَّة، وفي وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة؛ لأنَّ مَن يأتون إلى المسجد هم صِنف معيَّن من شرائح المجتمع المختلفة، وعلى المؤسَّسات والهيْئات المسؤوليَّة في إعداد خطباء ووعَّاظ في تذْكير النَّاس في مختلف مرافق المجتمع، تتوفَّر فيهم الصِّفات المطلوبة من أجْل توعية المجتمع على مبادئ الإسلام وتعاليمه.

والموضوع - مواعظ شيخ الإسلام ابن تيمية ودوْرها في التربية - يحتاج إلى أُطروحة أو رسالة، ووفق خطَّة واضحة المعايير[23]، تتوفَّر فيها كلُّ المتطلَّبات، تتناول الموضوع من جميع جوانبِه، والحديث عمَّا يمكن للدَّاعية أن يستفيد من دُروس وتجارب في مجال عمله؛ لتكون زادًا علميًّا غنيًّا يكون موضع اهتمام الخطيب والواعظ وطلبة العلم؛ للتعرف على منهج الشيخ في وعظه ودروسه للأخذ بها والاستفادة منها ثانيًا، وبالله التوفيق.   وصلَّى الله على عبْدِه ونبيِّه محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.  


ـــــــــــــــــــــــ
[1] زعم الرحالة ابن بطوطة أنَّه شاهد ابن تيمية - رحمه الله - على منبر الجامع بدمشْق يعظ الناس، ويشبّه نزول الله إلى السَّماء الدنيا بنزوله هو من درجة المنبر.
وقد ذكر العلماء أنَّ تلك الرواية لا قيمة لها، ولا وزْنَ في الميزان العلمي والبحْثي، وتناولوا رحلة ابن بطوطة بالتَّحليل والنقد، وتوصَّلوا إلى أنَّ الرواية لا سند لها، بل هي مختَلَقة لأدلَّة لا مَجال لذكرِها هنا، وممَّن فنَّد القصَّة الشَّيخ العلاَّمة أحمد بن حجر آل بو طامي - رحمه الله - في كتابه "نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيّين" ص 42، وفنَّدها قبله علامة العراق نعمان الآلوسي في كتابه "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" للآلوسي ص88، طبع مؤسَّسة الرسالة، ورسالة للمحقّق محمد بهجت البيطار بعنوان "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" تحت عنوان: دفع فرية عن ابن تيمية.
[2] انظر مكانة الشيخ العلمية، وثناء العلماء عليه في "العقود الدرية" لابن عبدالهادي ص6 وص23، وكتاب "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية" للبزار ص18 و19، وانظر "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير 14 /134.
[3] ذكر الحافظ في "البداية والنهاية" من حضر درس الشيخ من العلماء، وعمره إذ ذاك اثنان وعشرون سنة، وكان درسًا هائلاً كتبه الشَّيخ تاج الدين الفزازي بخطِّه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنَه الحاضرون.
انظر من الكتاب 13 /303، والعقود الدرية ص4 وما بعدها.
[4] الأعلام العلية، الفصل الثاني: في بيان غزارة علمه، وممَّن نقل ما تضمَّنته دروس الشَّيخ: العلامة مرْعي الكرمي في "الكواكب الدرية" ص156.
[5] انظر بعض المواقف العصيبة التي كان الشَّيخ يقدم عليْها برباطة جأش دون خوف في "الأعلام العلية" ص45، 46، وما موقفه الجريء من الملك قازان إلاَّ دليل على شجاعتِه، وقوَّة قلبه، انظر "الأعلام العلية" ص71 74، ويذكر البزار أنَّه اجتمع عليْه خلق كثير وتفرَّق عنه النَّاس خوفًا، فقال: إنْ هم إلاَّ كالذّباب، ورفَع كفَّه إلى فيه ونفخ فيه، قال - أحد أصحابه -: وقام وقمنا معه حتى خرجنا، فأتي بحصان فركبه ويختل بذؤابته، فلم أر أحدًا أقوى قلبًا، ولا أشدَّ بأسًا منه، انظر "العقود الدرية" ص285.
[6] انظر تفصيل الحادث في "الأعلام العلية" ص71 - 74، وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" 14 /89 عند ذكر ترجمة الشَّيخ البالسي، قال الحافظ ابن كثير: وقد سمِعْت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد قال له قاضي القضاة ابن صصري: كدت تهلكنا وتهلك نفسك! والله لا نصحبك من هنا، فقال له الشَّيخ: وأنا والله لا أصحبُكم، أمَّا الشَّيخ فما وصل إلى دمشق إلاَّ في نحو ثلاثمائة، وأمَّا مَن رفض صحبتَه فخرج عليهم التتر!
[7] من كتاب "مقاصد الإسلام" للشيخ صالح العثيمين ص393، وكتاب "حقوق الراعي والرعية" للشيخ محمد صالح العثيمين - رحمه الله - وانظر مجموع كلام العلماء في "الدرر السنية" 9 /199.
[8] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 28 /241 - 243.
[9] دار هذا الحوار قبل أحداث موقعة شقحب الشَّهيرة في مواجهة جند التتر، وقد ذكر الحادثة بالتفصيل ابن كثير في "البداية والنهاية" ج17 /735، ومن خلال تحليل موضوعي رائع ذكر ابن عبدالهادي دروس الرسالة والحادثة وما يستفاد منها في 52 صفحة، وقد ربط الإمام الشَّيخ حادثة معركة شقحب بغزوة الأحزاب، وما رافقها وصاحبها من ظروف وملابسات، وتفاصيل دقيقة، انظر "العقود الدرية" من ص120 لغاية ص 175.
[10] الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، ص69 و70.
[11] سجن الشيخ مرَّات عديدة، منها: سجنه في سجْن القضاة في مصر سنة 707، وسجن أيضًا في سجن الإسكندرية سنة 709، وسجن في قلعة دمشق مرَّات كان آخرها سنة 726 هجرية، فكان دخوله للسجْن عبارة عن دخول واعظ مصلح، يرشِد ويعلِّم السُّجَناء، ويجعلهم أداةً للإصْلاح والسلوك الجيّد، على أنَّ بعض مؤلَّفات الشَّيخ سطرت في غيابات السجون، وكانت ترْسَل إليه الفتاوى من الأمصار ليجيبَ عليها، وهو فرح مسرور بما قسم الله له، منشرح الصدر، جنته في صدره، وانظر "العقود الدرية" ص286.
[12] الأعلام العلية، ص13 الفصل الثاني: في غزارة علومه ومؤلَّفاته ومصنفاته.
[13] ينظر في كتاب "الأعلام العلية" الفصل الثاني، ففيه تفصيل عن صفة مجلس الوعظ الذي كان الشَّيخ يلقي دروسه ومواعظه فيه.
[14] مناظرة الشَّيخ للبطحائية أو الرفاعية، وتأمَّل أسلوب الشيخ في الموعظة، حيث تمكَّن من إقناع قوْم من المتعصِّبين المحترقين للتصوُّف؛ لما يمتلك من أسلوب وحجَّة قويَّة، كم نحتاج اليوم من الدُّعاة مَن يمتلكون مثل هذه المقوِّمات في الدَّعوة، وانظر تفاصيل الخبر في "البداية والنهاية" 14 /36.
[15] العقود الدرية ص283 وما بعدها، حيث تبتدئ معاناة الشَّيخ من علماء عصره، وما لفَّقوا عليه من تُهم وأباطيل، جعلتْه ينتقل من سجن لآخر، حتَّى كانت وفاته في سجن القلْعة الشهير صابرًا محتسبًا، رحمه الله تعالى.
[16] الأعلام العلية ص6 وما بعدها، وكانت غالب مواعظِه في تفسير كتاب الله، حتى قيل إنَّه شرع في جمع تفسير لو أتمَّه لبلغ خمسين مجلدًا.
[17] العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ص302، في رابع شهْر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة، والعجيب أنَّ الشَّيخ كان يلتمس لهم المعاذير، وهم مُجتمِعون ومجمعون على قتله!
[18] ابن كثير في "البداية والنهاية" ج17 /735، العقود الدريَّة من ص120 إلى ص175.
[19] المصدر السابق.
[20] العقود الدرية 279 رسالة بعثَ بها الشَّيخ إلى أهلِه وإخوانه في دمشق، تضمَّنت قواعد عظيمة في التعامُل مع المخالفين، وبيان عفو الشيخ وصفحه عمَّن آذوه وظلموه.
[21] الأعلام العلية في بيان ذكْر دروسه ومن كان يحضرها، ص13وما بعدها.
[22] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (2 /378 - 379).
[23] حسب اطلاعي المتواضع لم أر مَن تناول هذا الموضوع الهام في رسالة مستقلَّة، فضلا عن رسالة ماجستير أو دكتوراه، وإنَّما معلومات متناثرة في صفحات الكتب والرسائل.   نوشته : مرشد الحيالي
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۹ ] [ مشاوره مديريت ]
  هيبة المنبر   سمعت بعض الخطباء يقول: "إنني برغم مدتي الطويلة في الخطابة إلا أنني أشعر بتهيّب بالغ له، وباحترام كبير، وأخشى نقد الناقدين، وتعقب المتعقبين" أو كلمة نحوها.
كذا فليكن الاهتمام والاستعظام لأمر المنبر! إنه موضع مَهيب، ومنزل موقَّر، يشحن المتقي الزكي بنفسية الهم والجد والاهتمام، فلا يغدو لمسجده إلا وهو خائف وَجِل، مهتم حريص، مستعد بصير، يخشى الخطأ، ويرتعب التقصير، وبقدر الهم يكبر العزم.
ليس الخوف من المنبر هو نقد الناقدين وتهكم الناقمين فحسب... كلا! بل هو شرفُ هذه المهنة، واستعلاؤها في قلوب المسلمين ومدى جاذبيتها في الأذهان والأبصار {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ}.
إن هيبة منبر الجمعة تكمن في علائه الديني، وسموه الأدبي، وإجلال الناس له، واصطفاء النخبة لأدائه، وكونه مشعل الأسبوع الوضاء، وكلمته المتجددة، وأمانته الناصحة، وموعظته البليغة، التي هي بإذكاء الهم أجدر، وبإيقاد البذل أحكم وأوفر.
وبقدر الجد والهم والاعتبار، تكون فاعلية الخطبة وتأخذ حجمها التأثيري والتوجيهي والتربوي في حياة الناس والمتلقين. إن المساحة واسعة بين خطبة مرقعة هزيلة، وأخرى منظمة محضرة، محكمة، والناس شهود الله في الأرض! من أحسن فله الحسنى، ومن أساء فعليها، وقد عبر عن مستوى عقله، وحدّه، ومدى اهتمامه الشرعي وحسه الإسلامي، وحِراكه الدعوي، فليستكثر أو ليستقل!
أيها الخطيب المقدام، ازرع الهيبة في نفسك من هيبة المنبر، ومحله الرفيع في قلبك، وتذكر أمانته الخطيرة، ومسئوليته الجسيمة، التي تجعلك تتوخى بتوجيهه مكامن الإفادة والإحسان والإتقان، المخضوبة برياحين الإخلاص والرهبة والإخبات، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
  • مواضع الهيبة في المنبر:
  • الإحساس الشرعي بأهميته وعلوه، وأنه من أزكى الطاعات وأعلا المقامات.
  • مخافة الزلل فيه، والتقصير في أدائه، وخشية التغافل عنه. 
  • إجلال الجماهير له، واحترامهم لمرتاديه والمتسنمين ذروته وقامته. 
  • انفصام العمل عن ثرثرة القول، وطول المواعظ الغاصة، والنصائح المتوالية! وهذه زلة شنيعة، ومزلق قبيح. قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]. 
  • صعود الفضلاء له من الأنبياء وأتباعهم من العلماء المصلحين والمؤثرين، وليس كل من اشتهاه ارتقاه! 
  • توالي التبعات بالكلمات المرصوفة، والحجج الدامغة على نفسية الخطيب، لأنه من أكثر الناس نصحاً، ومن أوائلهم باستحقاق التبعة، وإقامة الحجة. قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ   وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ   وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. [البقرة: 44] 
  • الانبهار بمجيديه ومتقنيه، وكثرة ثناء الناس عليهم، مما يخشى فساد النية، والتحول إلى مثوى الغرور والعجب. 
  • كشف المستوى العلمي والفكري لدى الخطيب، حيث إنه يعرض عقله كل جمعة، ويقدم بضاعته كل أسبوع، مما يمكن الناس من معرفة قدراته، والإحاطة بمحاسنه ومساوئه. 
  • محك اختبار المنطق وسيلانه، أو تعقده وانقباضه كما قد حصل لغير واحد، انشلت قدراته الكلامية، وتعطلت مداركه الفكرية.
  • كما قد نقل عن بعض أمراء خُراسان واسمه ثابت قطنه. أنه صعد المنبر فارتج عليه، فنزل وقال: فَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُم خَطِيبًا فَإِنَّنِي        بِسَيْفِي إِذَا جَدَّ الْوَغَى لَخَطِيْبُ فقال له الناس: " لو قلتها على المنبر لكنت أخطب الناس".   نوشته : حمزة بن فايع الفتحي
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۸ ] [ مشاوره مديريت ]
      خطبة الجمعة: الواقع والمأمول   على الرغم منَ التَّطَوُّر المُذْهِل الذي لحق بوسائل الاتِّصال وتكنولوجيا المعلومات، وما نتج عن ذلك من دخول وسائل اتصالات جماهيرية جديدة؛ كالإنترنت، والفضائيات، ومِن قَبْلها الإذاعة، لعبت ولا تزال تلعب دورًا مهمًّا في حياة الناس، وفي تشكيل أفكارهم، والتأثير على سُلُوكيَّاتهم وأفعالهم - إلا أنَّ دورَ المنبر وخطيب الجمعة يظل الأقوى فاعليةً في نفوس الناس، والأقرب إلى قلوبهم ووجدانهم، والأعظم تأثيرًا في المجتمع ربما من جيوش حاشدة؛ وذلك لكونِه وسيلة إعلامية يُقْبل عليها الناسُ أداءً لفريضة دينيَّة، الأمر الذي يُضفي عليها صيغة القَدَاسة، بخلاف أيَّة أداة إعلاميَّة أخرى، مما يجعل المُتَلَقِّي أكثر استعدادًا للقَبُول والاقتناع.

    فإذا كان منَ المستحيل أن تجبرَ أي سلطة - مهما بلغتْ من القوة والجبروت - الناس على قراءة صحيفة، أو مجلة، أو مشاهدة برنامج تلفزيوني ما، فإن جميع فئات المجتمع على تنوعها؛ رجالاً ونساءً، أطفالاً وشبابًا وكهولاً - تجتمع على صلاة الجمعة، كما تلتقي شرائح المجتمع على اختلاف ثقافاتها ومشاربها؛ قادة وسياسيين، وعلماء وأدباء، وأطباء ومهندسين، وكذلك العمَّال والزُّراع، والصناع والتجار، أغنياء وفقراء، جميعهم إلى المنبر، تَشْرئب أنظارُهم، ولكلمات الخطيب تصغي آذانُهم في سكينة ووقار، وقد ملأ الرضا قلوبهم، وتشوقت جوارحهم إلى ما عنده، راغبين طائعين.

    وفي الوقت الذي يتعَيَّن على جموع الحاضرين بعد انقضاء الجمعة الحديث عن فائدة ألَمّوا بها، أو مسألة فقهيَّة تعلَّموها، أو موعظة أثَّرت في نفوسهم، يكون الحديث غالبًا عنْ خطيبهم الذي أطال، متأفِّفينَ ضَجرينَ، في حين يكون الآخرونَ على النقيض متباهين مفتخرينَ َمسرورين؛ لأن خطيبهم حطَّمَ الأرقام القياسية في قِصَر الخطبة.

    وما بين هؤلاءِ وهولاءِ تكمُن المأساة، وتقع اللائمة على كثير منَ الخطباء، الذين لم يدركوا المقاصد الجليلة السامية من خطبة الجُمُعة، ولم يستشعروا عظمة المهمَّة التي أُسندتْ إليهم، فلم يقتدوا بما كان عليه إمام الخطباء، وخاتم الأنبياء والمرسلينَ، نبيُّنا صلوات ربي وسلامه عليه، ومن بعده الخلفاء الراشدون، ومَن تَبِعَهم.

    فنُلاحظ أنَّ كثيرًا منَ الخُطَباء يطيل الخطبة؛ لدرجة أن يملَّها الحاضرون ويسأموها، فتجد الكثير منهم يَتَثَاءبون، وربما ثقلت رؤوسهم، وأدركهم النعاس، وشعروا بالضَّجر تجاه خطيبهم، وانشغلوا بالتذمُّر والتأفُّف والضِّيق عن سماع خطبته، وإطالة الخطبة على هذا النحو مخالف لهدْيه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: ((إِنَّ طول صلاة الرجل، وقصَر خطبته مَئِنَّة – أي: علامة - من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإِنَّ منَ البيان لسحْرًا))؛ رواه مسلم. فالواجبُ على الخُطَباء مراعاة أحوال المأمومينَ على اختلافهم؛ ففيهم الشيخ المُسِن الهرم والمريض، والصغير والضعيف، وصاحب الحاجة، ومن يُطمَع في تأليف قلبه للطاعة والعبادة، وقصرُ الخطبة لا يعني بحال الإخلال بها، فتخرج مفتَقرة للهدف الذي جُعلتْ من أجله، كما يفعل البعض الآخر على النقيض،
    كذلك منَ الأمور التي يجب مراعاتها لدى الخطيب - تنوُّع موضوعات خُطَبِه، وملاءمتها لواقع أمته ومجتمعه، فالخطيبُ الناجح لا بدَّ وأن يكون معايشًا لإخوانه في همومهم، وأفراحهم وأتراحهم، يشاركهم ويوجههم، ويرشدهم ويُذَكِّرهم.

    وممَّا يحزُّ في النفس أن تجد خطيبًا قدِ اجتمع عنده الناس راغبينَ طائعينَ لله، غير مُجْبَرين، ولا راهبين، وهو مع ذلك يوبِّخهم ويحذِّرهم في فظاظةٍ وغلظة، بصوت مرتفع، ونبرة نشاز، وكأنهم قد أساؤوا الأدب معه، أو خالفوه في أمر ما، وهذا الفعل مع ما فيه من مُخَالفةِ هدي الكتاب والسنة، فهو مدعاة للتَّنفير منه، وعدم الاقتناع بما يدعو إليه، وهو أيضًا سبيل العاجز؛ والله - تعالى - يقول : {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 158، 159].

    ما سبق ليس هجومًا على الخطباء، ولا تنقُّصًا منهم؛ بل هو محاولة لرصد الأخطاء وعلاجها، ودعوة للتصدِّي لقلَّة قليلة لا تعي خطورة وعظمة الدور المناط بها.

    وإذا كان مِن عتب ولوْم، فإنه يقع في المقام الأول على كاهِل الجهات المعنيَّة في الدول الإسلامية، مِن وَزَارات الشؤون الإسلامية، ومِن قَبْلها الجامعات، خاصة الكليات المعنية - كليات أصول الدين، والشريعة، وغيرها - التي لم تساهمْ في إعداد الخطيب على الوجه الأمثل، وكيف لها أن تفعلَ، وهي في الغالب لا تضم إلا ضعاف الطلبة، وأقلهم مجموعًا دون تمييز؟!

    ومنَ المعلوم أنَّ الخطابة في الأساس موهبة، فمهما درس الدارس وتعلَّم، فلن نستطيع أن نصنعَ من العَيِيِّ خطيبًا، ولا من معقود اللسان فصيحًا طلقًا، فالكُتُب والمناهج والدراسات إنما هي كالسراج، يضئ في العتمة، ومعلوم أنَّ السراج المنير لا يستفيد منه سوى المبصر، فلا بد أن يكونَ هناك اختيار دقيق وعناية في اختيار الطلاب والراغبين في دراسة العلوم الشرعيَّة؛ سيما الخطابة والوعظ والإرشاد، كذلك يجب أن يكونَ هناك تدريب عملي على الخطابة والوعظ للخطيب وللدارس في الكليات المعنية - أصول الدين، الشريعة، وغيرها - طوال فترات دراسته، مثلما يحدث في نظيراتها منَ الكلِّيات الأخرى؛ كالطب، والهندسة، وفي رأيي أن الخطيب والواعظ والداعية حاجته إلى التدريب وحُسن الإعداد أحوج من غيره، فبكلماته تَتَشَكَّل العقول، وتوقظ القلوب الميتة، وبسببه - بإذن الله - يُبْصر الغافلون، ويرجع التائِهون، وتنهض الأمة.   نوشته : عمر غازي
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۷ ] [ مشاوره مديريت ]
      هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبه   خطب - صلوات الله وسلامه عليه - على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة، وكان قبل اتخاذ المنبر يخطب إلى جذع يستند إليه، ثم صنع له المنبر من طرفاء الغابة، وكان ذا ثلاث درجات.

    وكان إذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتَدَّ غضبه؛ كأنَّهُ مُنذِرُ جيش يقول: ((صبَّحكم ومسَّاكم))، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))؛ ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: ((أمَّا بعد؛ فإنَّ خَيْرَ الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة)).

    وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وأمَّا قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير، فليس معهم فيه سُنَّة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألبتة، وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله، وهو أحد الوجوه الثلاثة للإمام أحمد، وهو اختيار الحافظ ابن تيميَّة - رحمه الله - وكان يخطب قائمًا.

    وكان إذا صعِدَ على المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: ((السلام عليكم))، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك، وكان في خطبته يتشهد بعد الحمد والثناء، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم، وصح عنه أنه قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)) - المقطوعة - وكان يقول بعد الثناء والتَّشهُّد: ((أمَّا بعد))، وكان يَخْتِمُ خُطبَتَهُ بِالاستغفار.

    وكان كثيرًا ما يَخطُب بالقُرآن، وفي صحيح مُسلم عن أمِّ هِشام بنت حارثة قالتْ: "ما أخذْتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقْرَؤُها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس ".

    وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار، والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، وكان يقول في خطبه: ((أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أُمِرْتُم به؛ ولكن سدِّدُوا وأبْشِروا))، وكان يخطب في كلِّ وقْتٍ بِما تقتضيه حاجة المُخاطبين ومصلحتهم.

    وكان إذا عرض له في خُطْبَتِه عارض اشتَغَلَ به، ثم رجع إلى خطبته؛ جاء سليك الغطفاني، وهو يخطُب، فجلس فقال له: ((قم يا سليك فاركع ركعتين، وتجوز فيهما))، ثم قال وهو على المنبر: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّزْ فيهما))، ونَهى المتخطِّي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس، وكان يدعو الرجل في خطبته،  تعال اجلس يا فلان، وكان يأمر الناس بالدنو منه، والإنصات، ويخبرهم أن الرجل إذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغا - عدل عن الصواب - واللغو الساقط من القول، وكل ما لا فائدة فيه، ويقول: ((من لغا فلا خطبة له)).

    وكان يأمر بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها.

    وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده من غير شاوش يصيح بين يديه إذا خرج من حجرته، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعِد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلَّم عليهم، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان فقط، ولم يَقُلْ شيْئًا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فإذا أَخَذَ في الخُطْبَة لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ صوتَهُ بِشَيءٍ ألبتة، لا مؤذن ولا غيره.

    وكان إذا قام ليَخْطُبَ أخذ عصًا فتوكَّأ عَلَيْهَا، وهُوَ على المِنْبَرِ، كذا ذكره عنه أبو داود عنِ ابْنِ شهاب، وكان الخلفاءُ الثلاثة بعدَهُ يَفعلونَ ذلك، وكان أحيانًا يتوكَّأ على قَوْسٍ، ولَم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف ألبتة، وما يظنه بعض الناس أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، فهو جهل قبيح من وجهين: أحدهما: أن المحفوظ أنه - صلى الله عليه وسلم - توكأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي والحجة والبرهان، وأمَّا السيف فلِمَحْقِ أهل الضلال والشرك والقضاء على الفتنة؛ ومدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كان يخطب فيها إنَّما فُتِحَتْ بِالقُرآنِ، ولَم تُفْتَحْ بِالسَّيف.

    وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة.

    وكان يَخطب لِلنِّساء على حِدَةٍ في الأعياد، ويحرضهن على الصدقة.

    وكان يخطب في الجمعة قائمًا ووجهه قِبَل الناس، وكان بعد خطبته الأولى يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب الثانية فإذا فرغ أخذ بلال في الإقامة.

    وكان في العيدين يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي أولاً، ثم يقوم مقابل الناس وهم جلوس على صفوفِهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، وينهاهم، وإن كان يريد أن يقطع جيشًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به.

    ولم يكن هناك منبرٌ يرقى عليه، وإنَّما كان يَخْطُبهم قائمًا على الأرْضِ خارِجَ المدينة.

    وكان يَستسْقِي بِهم إذا قحط المطر في خطبته.

    وكانَتْ خُطَبُه - صلوات الله وسلامه عليه - بيانًا لأصول الإسلام، وأمهات الدين من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وذكر الجنة والنار، ولقاء الله تعالى، وما أعده لأوليائه، وأهل طاعته، وما توعد به أعداءه، وأهل معصيته، فيملأ القلوب بخطبته إيمانًا وتوحيدًا ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي لا تفيد إلا أمورًا مشتركة بين الناس؛ كالنوح على الحياة والتخويف بالموت، فهذا لا يحصل في القلوب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا ولا معرفة خاصَّة، ولا تذكيرًا بآياته، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا سوى أنَّهم يَموتون وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۶ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    فن اختيار الوقت في الموعظة

    يُشكِّل اختيارُ الوقت ومناسبته للحال عاملاً مهمًّا في نجاح الواعِظ في دروسه مِن نواحٍ عدَّة، منها:

    1- اختيار الوقت المناسِب للوعْظ والإرشاد، فليس كلُّ وقت يصلح لوعْظ الناس وإرشادهم.

    2- ومِن ناحية الموضوع ومناسبته للحال، فليس كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كلُّ ما يُقال يناسِب الحال.

    3- ومِن ناحية استعداد المدعُوِّين نفسيًّا لسماع ما يُلقَى عليهم مِن دروسٍ ومواعظَ، لا بدَّ مِن مراعاة ذلك، مِن خلال التفرُّس في وجوه مَن يَحضُرون الدرس.

    ولهذا سنبيِّن - أولاً - منهجَ الرسول الداعي الأوَّل - صلَّى الله عليه وسلَّم - في استغلاله لعامِل الوقْت في الدعْوة إلى الله في مناسبات عِدَّة، تتعلَّق بمعاش العِباد، وأمور حياتهم ومعادهم، وما كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتَّبعه مِن أساليبَ في إيصال الحقِّ إلى الناس، ثم نبيِّن ما على الداعي إلى الحقِّ من أساليبَ ناجحة، تُمكِّنه من أن يؤثِّر فيمن يدعوهم ويعلِّمهم، ومِن الله التوفيق والسداد.

    منهج الرسول في اختياره للوقت في الدعوة:

    ويكمن ذلك المنهج السديد في نِقاط عدَّة، منها:

    1- عدم إطالة الموعِظة؛ خشيةَ الملل والسآمة:

    وهو ممَّا كان يحرِص عليه الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: "إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏- صلَّى الله عليه وسلَّم - ‏كانَ ‏يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ؛ كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا"[1]، ولم يكن مِن هديه إعطاءُ دروسٍ في جميع الأيام؛ ذلك لأنَّ دعوته تأخذ أشكالاً مختلفة، تارةً بالقول، وأخْرى بالسلوك والقُدوة الحسنة.

    2- استغلال الحَدَث والموقِف في التعليم والتربية:

    فقد جاء في الحديثِ عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: "خرجْنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهَيْنا إلى القبر، فجلَس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجلسْنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يدِه عُودٌ ينكت به في الأرض، فرفَع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله مِن عذاب القبر..))[2]، والموعظة عندَ القبر كان يفعلُها - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحيانًا.

    وجاء في حديث قدوم تجَّار البحرين، حيث رأى مِن حرْصهم، فاستغلَّ الموقف في توجيساعة من الزَّمان، هذا لم يكن مِن عمل السلف الصالح - رضي الله عنهم - هذا مِن جهة.

    ومِن جهة أخرى، فمن المعلوم لدَى علماء المسلمين قاطبةً أنَّ هناك أحاديثَ صحيحةً تأمُر المسلمين بالتبكير للحضور إلى المسْجد الجامع يومَ الجمعة، كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قَرَّب بقَرةً...، وهكذا حتى ذكَر الكبش والدجاجة والبيضة))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ حَضَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسلمين على التبكير في الرواح يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع ليس هو لسماعِ الدَّرْس وإلْقائه، وإنَّما هو للتفرُّغِ في هذا اليوم لعبادة الله - عزَّ وجلَّ - ولذِكْـره، وتلاوة كتابه، وبخاصَّة منه سورة الكـهف، والجلوس للصـلاة على النبـيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحقيقًا لقوله في الحديث الصحيح، والمروي في السُّنن وغيرها ألاَ وهو قوله - عليه السلام -: ((أكْثِروا عليَّ مِن الصلاة يومَ الجمعة؛ فإنَّ صلاتَكم تبلُغني))، قالوا: كيف ذلك وقد أَرِمْت؟! قال: ((إنَّ الله حَرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء.....)).

    أما بعْدَ الصلاة، فقد قال - رحمه الله تعالى -: "إنْ كان أحدٌ يريد أن يُدرِّس فبعْدَ الصلاة؛ حيث يتفرَّغ الناس لسماع مَن شاء منهم، ومَن شاء القضاء، أمَّا أن ينتصبَ المدرس قبلَ صلاة الجمعة فيَفْرِض نفسه على الناس فرضًا، وفيهم المصلِّي والتالي والذاكر، فهذا هو الإيذاءُ للمؤمنين، فلا يجوز"[10].

    أمثلة على ما مَرَّ:

    الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وعلى الداعي أنْ يتعود تدبر سيرة المصطفى والأحوال والظروف التي مر بها[11]، وهديه في موعظة الناس وإرشادهم؛ ليكون على بصيرة من دعوته.

    ثم الاستفادة من تجارب الآخرين؛ ليضيف إلى رصيده في الدعوة إلى الله، وهذه أمثلة عامة تناسب أحوال عامة:

    1- في بداية شهر رمضان يناسب إلقاء موعظة عن أحكام الشهر الفضيل، وما يَجوز وما ينبغي تجنبه، وفي شهر ذي الحجة ما يتعلق بأحكام الحج وأركانه، والترغيب فيه، وفي ليلة العيد - الأضحى والفطر - ما ينبغي فعله للمسلم من سنن وأعمال صالحة من صِلَةِ رحم وغير ذلك، مع تقديم الدروس مقرونة بالترغيب والترهيب، وفي ليلة الجمعة ما ينبغي على المسلم عمله للحصول على أجر وثواب الجمعة.

    2- يناسب في أيام الأفراح والأعراس التحدُّث عن الترغيب في الزواج، وبيان فضائله، وشكر نعمة الله على نعمة العِفَّة والإحصان، وفضل إدخال السُّرور على قلب المسلم، والصلح بين الإخوان.

    3- في يوم العزاء وفَقْد الأحبة الحث على الصبر، وتحمُّل المصائب، وثواب الصابرين، وما يترتب عليه من أجر وأهمية الإيمان بالقدر والقضاء، وأن الموت يَجري على كل نفس، وبيان عظم الجزاء للصابرين، والحذر من الجزع والتسخط، وأنَّه لا يأتي بنتيجة، بل يستوجب غضب الله ومقته، وبيان أهمية مواساة المسلم في المصيبة.

    4- في وقت حدوث نزاع أو قتال أهمية الصلح بين المسلمين، وأنَّه أفضل درجة من الصيام والقيام، وأن الساعي إليه من أفضل عباد الله، وأن المسلمين إخوة متحابون، وأن الساعي للفتنة من شر عباد الله، وخاصَّة الفتنة بين الزوجين والأحبة، والتفريق بينهما، وأنه من أقرب الناس للشيطان.

    5- في وقت احتلال بلاد الإسلام، وانتهاك دياره وحرماته، وسلب خيراته - الحث على الجهاد - النفس والعدو - وأنَّه عز المسلمين وسبب لنصرهم، وأنَّ التخاذُل يوجب تسلط الأعداء، والواجب على كل مسلم إعانة المجاهدين، ولو بالكلمة، وأن من لم يحدث بالغزو مات ميتة جاهلية، ويتم ذلك وَفْقَ مشورة أهل العلم والرأي الصائب؛ كي تؤتي ثمارها.

    6- في وقت انشغال الناس بالدنيا وملذاتها، وغفلتهم عن معاني الآخرة وأهوالها، والاستعداد لها - التذكير بأحوال الموتى، وما يلاقيه كل من المؤمن والكافر من نعيم أو عذاب في القبر، وربطه بمعاني التوحيد والعقيدة الإسلامية، وما بعد الموت من نعيم مقيم أو عذاب أليم، والحساب على الصغيرة والكبيرة وَفْقَ ميزانٍ دقيق لا يظلم فيه أحد من عباد الله، والاستشهاد الجيد بالآيات، والأحاديث، والتنوع ما بين حديث وآية وشعر، وقول مأثور، وحكمة جليلة.

    7- في وقت وقوع الزلازل والكوارث، ووقوع القتل والفتن، وتكالب الأعداء - الحث على الاعتصام بحبل الله والتوبة، والخروج من المظالم، والتضرع إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ما يقع هو بسبب ذنوب بني آدم وفسادهم، والواجب على كل مسلم التوبة والرُّجوع وعدم التسويف، بل المبادرة والإقلاع عن المعاصي.

    8- في وقت الحاجة والفقر، وانتشار العوز في بلاد الإسلام - الحث على الإنفاق في سبيل الله، وأنَّ المال هو وديعة بيد المسلم، وأنَّ الواجب تقديمُ الدعم المادي لإخوة الإسلام في أيِّ مكان مهما اختلفت أشكالُهم وألوانهم، وكذا في وقت نشر الأفكار الهدَّامة ودعمها من قبل المؤسسات الغربية، وغيرها، الواجب تذكير الأمة بأهمية التصدي للباطل، إما بالكلمة أو بالمال؛ لئلا يستشري الباطل، وتضل الأمة عن الطريق القويم، وأنَّ من لم يقم بواجبه فلا يَلومَنَّ إلا نفسه.

    9- في وقت خروج الفئات الباغية على شرع الله، ومنازعة أولي الأمر، وقيامهم بأعمال تضر بالمجتمع المسلم من قتل للأبرياء، وسَفْكٍ للدماء - الواجب التحذير منهم ومن أفعالهم، وبيان ما يعتقدونه من أفكار باطلة، وأنه الواجب طاعة أولي الأمر؛ لئلا ينفلت وتكون فوضى في بلاد الإسلام؛ مما يوجب العبث، وتسلُّط الكفرة على ديار المسلمين، ومثله التصدي لأفكار من ينتسب إلى الإسلام في الظاهر وهو يُخالفه في الاعتقاد كالرافضة، فالواجب بيان عقائدهم وضلالهم، وأنَّهم يستعملون التقيَّة في نشر الباطل، فالواجب الاعتصام بين المسلمين، والتصدي لترويج باطلهم وإفكهم.

    10- في وقت يرى فيه الداعية أنَّ المسلمين قد هجروا كتاب ربهم، وتدبر آياته، والعمل به - لا بُدَّ من بيان فضل تلاوته، وأنَّه حبل الله المتين، ونجاة المسلم في الدنيا والآخرة، وأنَّه يشفع لقارئه، وأنَّ هجرانه يعني ظلام القلوب والبيوت، والبُعد عن رحمة الله، وبيان فضائله من الآيات والأحاديث، وهذا مِمَّا ينبغي التذكير به في كل مناسبة. 

    جامع ينبغي التذكير به دومًا:

    ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأن نجاة المسلمين وسعادتهم في كل زمان ومكان تكمُن في تحقيق هذين الأمرين، وأي موعظة تخلو من التذكير بهذا الأصل القويم سيكون تأثيرها مؤقتًا، وتصل الموعظة إلى القلوب هامدة ميتة؛ ولهذا ينبغي التذكير بالهدف والغاية التي خلق من أجلها الخلق، ألاَ وهي عبادة الله وحدَه لا شريك له والعمل على مرضاته، وطاعة رسوله الكريم، والتطلع إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان، والسعادة الحَقَّة وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّ الله لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم، وقد أخبر الله أنَّ أهلَ طاعة الله وطاعة الرسول هُم من أهل الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: 72].

    وصَلَّى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ـــــــــــــــ [1] "صحيح البخاري"، (يتخول): يتعاهد، (السآمة): الملل والضجر.

    [2] أخرجه أبو داود وغيره مطوَّلاً ومختصرًا من حديث البراء - رضي الله عنه.

    وللأخ بلقسام عبدالدائم بحثٌ حول الموعظة عند القبر، وقد خلص إلى ما أشرْنا إليه، تجده على موقِع أهل الحديث.

    [3] حديث صحيح أخرجه الشيخان. ‏

    [4] رواه مسلم ح (2892).

    [5] أخرجه البخاري (5661).

    [6] متفق عليه.

    [7] العرباض بن سارية في سنن الترمذي - رقم (2676)، وهو حسن صحيح.

    [8] الحديث رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية للبيهقي: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).

    [9] مدارج السالكين (2/479).

    [10] من كتاب "الأنباء بأخطاء الخطباء" (ص: 60 - 78) بقلم سعود بن ملوح سلطان العنزي، قدَّم له الشيخ سُلَيم بن عيد الهلالي.

    [11] كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم، وكتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية من أفضل الكتب التي تفيد الواعظ، وتجعله مهتديًا مقتديًا بسنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

    نوشته : مرشدالحيالي


    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۵ ] [ مشاوره مديريت ]
        التعبير     وهو تصوير المعاني بالألفاظ، وشأنه في الخطابة عظيم؛ لأنه كساء الكلام به تنال الخطبة رونقها وبهاءها؛ كالثوب يزين لابسه ويكسبه حسنًا وجمالاً، فإذا لم يراع الخطيب حسن التعبير فلا أثر له في إرادة السامع، ولا سلطان له على قلبه؛ بل تبقى عواطفه نائمة لا حراك لها فلا يندفع إلى العمل بما يقصده منه.

    هذا؛ وإن التعبير يدخل في فن الإنشاء، ولما كان المنشئ والخطيب بمنزلة واحدة من حيث توجيه الكلام نحو الغير للإفهام - لم تكن للخطيب حاجة إلى قواعد خاصة لتأدية مراده أكثر مما هو معلوم في فن الإنشاء، وإنا نذكر لك الآن ما يهم الخطيب منه، وهو أمور:
    الأول: التفنُّن وهو أن يأخذ بأنواعٍ منَ الكلام وأفانينَ منَ القول، ويذهب فيه إلى طُرُقٍ شَتَّى، وأساليبَ مُتَنَوِّعة، فيلبس المعنى الواحد عدة أثواب، ويكسو غرضه حللاً مختلفة من الجمل والتراكيب، فيكون قد أتى بشيء يجذب النفوس إلى استماعه، فإنها ميالة إلى حب الجديد، بخلاف ما إذا التزم أسلوبًا واحدًا من الكلام، فإنه بذلك يوقع السامعين في الملل والسآمة، فقد جبل الإنسان على الملال من الاستمرار على شيء واحد، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره، وتجدَّدَ نشاطُه، وتَكامَلَ ذَوْقُه ولذَّتُه، وصار أقربَ إلى فهم معناه والعمل بِمُقتَضَاهُ، وكان كمنِ انْتَقَلَ من بلد إلى بلد، أو من بُستانٍ إلَى بُستان، أو فاكهةٍ لذيذةٍ إلَى أُخْرَى، وفي ذلك ما فيه من ترويح النفس وتنشيطها، قال أبو علي القالي: التفنن موجب لإيقاظ السامع وتحريكه للجد في الإصغاء، فإن تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم، ويستجلب مزيد رغبة فيه من المخاطب.

    والقرآن الكريم أعدل شاهد على التفنن مع متانة الأسلوب، وحسن السياق، وعذوبة الألفاظ، ودقة المعاني وبعدها عن مظنة التكرار، وذلك كما في قصة آدم - عليه السلام - وأكله من الشجرة، وهبوطه من الجنة، وكما في قصة إبراهيم - عليه السلام - مع ضيفه، ومع أبيه وقومه، وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، فإن هذه القصص ذكرت في القرآن الحكيم في عدة مواضع مع تفنن في العبارة مما يظنه الجاهل بأساليب البلاغة تكرارًا وليس به، بل هو غاية في الإبداع ونِهاية في الإعجاز، واعلم أنَّ التَّفنُّن المذكور غيرُ الافتنان الذي هو نوع من أنواع البديع، وهو ارتكابُ فنَّيْن من الكلام في سياق واحد عند ذكر ما يَقْتَضِيهِ كالجمع بين التعزية والتهنئة في قول عبدالله بن همام السلولي حين مات معاوية - رضي الله عنه - وتولَّى الخلافة بعده ابنه يزيد، وقد حار الناس فيما يقولون، أيعزون أم يهنئون؟ فدخل عليه وجمع بين التعزية والتهنئة حيث قال: آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت جسيمًا، ورزقت عظيمًا، فاشكر الله على ما رزقت، واصبر على ما رزئت فقد فُقِد الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلاً ووهبت جليلاً: اصْـبِـرْ يَـزِيـدُ فَـقَــدْ فَـارَقْــتَ ذَا مِـقَــةٍ        وَاشْـكُـرْ حِـبَـاءَ الَّـذِي بِـالـمُـلْـكِ أَصْـفَـاكَ
    لاَ رُزْءَ أَصْـبَــحَ فِــي  الأَقْــوَامِ  نَـعْـلَـمُــهُ        كَـمَـا رُزِئْــتَ وَلاَ عُـقْـبَــى كَـعُـقْـبَــاكَ
    وكالجمع بين الفخر والهجاء في قصيدة السموأل المشهورة، فقد جمع بين الفخر لنفسه وقومه، والهجاء لقبيلتي عامر وسلول في قوله: لَـنَـا جَـبَـلٌ يَـحْـتَـلُّـهُ مَـنْ نُـجِـيــرُهُ        مَـنِـيـعٌ يَـرُدُّ الـطَّـرْفَ وَهْــوَ كَـلِـيــلُ
    رَسَـا أَصْـلُـهُ تَـحْـتَ الـثَّـرَى وَسَـمَـا بِـهِ        إِلَـى الـنَّـجْـمِ فَـرْعٌ لاَ يُـنَــالُ  طَـوِيــلُ
    وَإِنَّـا لَـقَـوْمٌ مَـا نَـرَى الـقَـتْــلَ سُـبَّــةً        إِذَا مَــا رَأَتْـــهُ عَــامِــرٌ  وَسَــلُــولُ
    يُـقَـرِّبُ حُـبُّ الـمَـوْتِ آجَـالَـنَـا لَـنَــا        وَتَـكْـرَهُــهُ آجَـالُـهُــم  فَـتَــطُــولُ

    الثاني: متانة الأسلوب ومما ينبغي رعايته أن يعمد الخطيب بعد استحضار المعاني إلى الألفاظ التي يريد أداءها بها، فيفرغ المعنى في قالب يناسبه، فالمعاني الجزلة لا بد لها من جمل وتراكيب في غاية الضخامة والفخامة، والمعاني الرقيقة المستملحة لا بد لها من ألفاظ تناسبها رقة وسلاسة؛ ليحصل التشاكل بين النوعين، وتكون المعاني مع الألفاظ كالعروس المجلوَّة في الثوب القشيب، والحلي الفاخر، مع إعطاء كل موضوع حقه من شدة العبارة ولينها في النطق ليكون ذلك أدل على المعنى المقصود، كما سيأتي، وأصدق شاهد على ذلك ما تراه في قوارع القرآن الكريم من جزالة المعاني، وفخامة التراكيب عند ذكر مفارقة الدنيا والحساب والعذاب وأهوال يوم القيامة.

    وما تراه أيضًا عند ذكر الرحمة والمغفرة، وما يدل على البشارة والملاطفات في خطابات الأنبياء والمرسلين والتائبين والمنيبين من العباد، وغير ذلك مما استعمل فيه رقيق العبارة مع تمام الانسجام بين المعاني والألفاظ، فالأوَّل كقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}[1].
    هذه الآيات الكريمة المتضمنة ذكر المحشر على تفاصيل أحواله، وشديد أهواله وذكر النار والعذاب لا تجد فيها كلمة إلا وهي جزلة مستعذبة على ما فيها من الضخامة الملائمة لجزالة المعنى المقصود منها، وكذلك كل آية سيقت للإرهاب والتخويف، والإنذار والوعيد، تراها في منتهى الجزالة، وضخامة التراكيب، ومتانة الأساليب البالغة حد الإعجاز.

    والثاني: كقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}[2].
    فإنها لاشتمالها على دخول الجنة والتمتع بما فيها من النعيم المقيم، والحصول على ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قد اشتملت على رقيق الألفاظ ولطيف المعاني المسوقة للتشويق إلى نيل تلك المنزلة العالية والمرتبة السامية.

    وانظر إلى حسن الملاطفة ولطف الملاينة في أدق معانيها، وأرق مبانيها في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1 - 3]؛ فإنك تجدها تشفُّ عن تمام العطف عليه، والرضا عنه - صلوات الله وسلامه عليه - وانظر إلى تقديم العفو قبل العتاب في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}[3]، فإنها على وجازتها دلت على عدم المؤاخذة، وكمال الملاطفة، وتمام الرضا عنه - صلى الله عليه وسلم - وبالتأمل ترى سبيل القرآن الكريم في كلتا الحالتين من الجزالة والرقة على هذا الأسلوب الحكيم الذي أعجز أساطين البلاغة عن معارضته، والإتيان بأقصر سورة من مثله.

    الثالث: الاقتباس وهو أن يأخذ المتكلِّم شيئًا من كلام غيره فيدرجه في كلام نفسه بعد التمهيد له لتأكيد ما أتى به من المعنى، فإن كان قليلاً فهو إيداع، وإن كان كثيرًا فهو تضمين، وعلى كل فإنه يكون من كلام الله - عز وجل - أو من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من كلام البلغاء وغيرهم، وقد رخَّص بعض العلماء في تضمين بعض آيات القرآن في الخطب والمواعظ من غير إفراط حتى استعمله كثير من الناس ما لم يخرج القرآن في التضمين عن الغرض المسوق له، وكان يعطي الكلام حلاوة وطلاوة وإلا منع منه، فمن الجائز قول بعضهم: اغْتَنِمْ فَوْدَكَ الفَاحِمَ قَبْلَ أَنْ يَبْيَضّْ        فَإِنَّمَا الدُّنْيَا جِدَارٌ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّْ
    وقوله: رُبَّ بَـخِــيــلٍ لَـــوْ رَأَى سَــائِــلاً        لَـظَـنَّـهُ رُعْـبًــا رَسُــولَ الـمَـنُــونْ
    لا تَـطْـمَـعُـوا فِـي الـنَّـزْرِ مِـنْ نَـيْـلِـهِ        هَـيْـهَـاتَ هَـيْـهَـاتَ لِـمَـا  تُـوعَـدُونْ

    وقوله: أَيُّـهَــا الـسَّــائِــلُ  قَــوْمًــا        مَـا لَـهُـمْ فِـي الـخَـيْـرِ مَـذْهَـبْ
    اتْــرُكِ  الـنَّــاسَ  جَـمِـيــعًــا        وَإِلَـــى رَبِّـــكَ  فَــارْغَـــبْ
    وقول الآخر: اعْـبُـدِ الـلَّــهَ وَدَعْ  عَــنْـ        كَ الـتَّـوَانِـي  بِـالـهُـجُـودْ
    وَمِـنَ الـلَّـيْـلِ فَـسَـبِّـحْـهُ        وَإِدْبَـــارَ   الـسُّــجُــودْ

    وقول الحريري في صفة عبد أراد شراءه: "وقد لبس ثوبًا من الجمال وحلة من الكمال، فلما تأملت خلقه القويم، وخلقه الصميم، خلته من ولدان جنة النعيم، وقلت: ما هذا بشرًا، إن هذا إلا ملك كريم" وما إلى ذلك؛ مما لا إفراط فيه، ولا خروج عن الغرض المسوق له.

    ومن الممنوع: قول عبدالله بن طاهر لابن السري حين ملك مصر، وقد ردَّ رسوله وهديَّتَهُ إليه: لو قَبِلْتُ هديَّتَكَ نَهارًا لقبِلْتُها ليلاً، بل أنتم بهديتكم تفرحون، وقال لرسوله: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}[4].

    وكقول رجلٍ لآخر جاء في وقت حاجته إليه: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى}[5]، وكقول الحجاج لمن في سجنه، وقد طلبوا الإفراج عنهم، والرحمة بهم: {اخْسَؤوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[6]، وعلة المنع ما فيه من صرف كلام الله تعالى عن وجهه، وإخراجه عن المعنى الذي سيق لأجله، ولما فيه من الإخلال بإجلال كلام الله وتعظيمه.

    هذا؛ والتضمين لا غنى للخطابة عنه، لكن على الخطيب أن يكون فيه حكيمًا يضع كل شيء في محله، والله الهادي إلى سواء السبيل.
    الرابع: الأداء الخطابي تمهيد قال الفلاسفة: النفس شَيْءٌ واحد، وإن تعدَّد ما يصدر عنها، وأقلُّ قُواها الإدراك الحسي، ولا يتعدَّى صفة الشيء إلى جوهره، وفوقه قوة الحس المشترك، وهي التي تجمع الإدراكات من الحواسِّ، وتقرن بعضها ببعض، وفوقه قوة الخيال، وبِها تَجتمع صور الأشياء من غير شعور بأنَّها من إدراكات حِسِّيَّة سابقة، وأعلى منها القوة التي تحفظ الصور مدركة لها من إدراكات حسية ماضية وتعرف بالحافظة، ويَليها قوة خامسة هي الذاكرة، تستطيع أن تحضر ما في الحافظة من صورٍ أمامَ العقل باختيارها، وفوقها العقل وتعرف قدرته على التفكير قبل الفعل بالعقل القابل، فإن فكر بالفعل سمي عقلاً فاعلاً.

    والأداء الخطابِي هو إلقاء الخطبة بما يليق بها من حسن اللفظ وموافقة الصوت وحركات الجسم، وشأنه في الخطابة عظيم؛ لأنه بحسن الأداء ينقل إلى نفس السامع مشاعره ويحرك أهواءه ويجذبه إلى حيث يقصد من الغاية، وبحسن الأداء يجعل للخطابة فضلاً على قراءتها في صحيفة، فكم من خطبة يحسن الرجل إلقاءها فيجد الناس في سماعها من الارتياح وهزة الطرب فوق ما يجدون عندما يقرؤونها في صحيفة، أو يستمعون إلى مَن يَسردها عليهم سردًا متشابِهًا، فالخطبة دون جودة الأداء شجرةٌ غير مثمرة، وجسم لا روح فيه، ولا بد في الأداء من أشياء، الذاكرة وحسن اللفظ، والصوت، والإشارة؛ لأن جودة الأداء تستدعي أن يتذكر الخطيب للحال ما يريد بيانه من المعاني، وأن يوصلها إلى السامعين بالصوت الخاص ناطقًا بها، ولا غنى له معهما عن إشارات تؤيد الكلام، وتزيد المعاني وضوحًا، وبذلك يصل إلى المقصود من قلوب الحاضرين.

    فالذَّاكرة قُوَّة يُقتدر بِها على استحضار المعاني، والحافظة قوَّة بِها تتمكَّنُ النَّفْسُ من حفظ المعانِي التي يدركها العقل، وليس للخطيب غِنًى عن هذه القوة، وما أحوجه إلى ذاكرة سريعة؛ لأن الخطب عادة تلقى عن ظهر القلب، فإن خانته ذاكرته تلعثم واضطرب، أو أدركه الحصر فسقط من عيون السامعين، وإن ارتجل الخطبة وجب عليه بقدر الإمكان أن يحكم معناها ويرتِّب أقسامها؛ ليأمَنَ من الاضطراب والتكرار ويسلم من الخروج عن الموضوع وتنال الخطبة رونقها وبَهاءها، وينتفع بِها السَّامعون، وهذا لا يتيسَّر إلا بقوة الذاكرة، وأقرب وسيلة إلى تقويتها الممارسة بأن يستظهر الخطيب طرفا من نظم القدماء، وملحًا من أقوال البلغاء، ويجهد ذاكرته في حفظها ومراجعتها، والتمرين على تأديتها بصوت عال دون عي، ولا لكنة، ولا تمتمة، مع التأني والتؤدة، فإنَّ الذاكرة مثل الحمَّال يقوى بالتمرين على حمل الأثقال، وترتيب أقسام الخطبة فإن المعاني الحسنة التنسيق يدعو بعضها بعضًا؛ كسلسلة متصلة الحلقات، وإن صعب عليه ذلك في أوَّل أمره فقريبًا يصير سهلاً بالتعود والتدريب، ففي الحكم المأثورة: من وقف حيث يكره وقف حيث يحب.

    وللصوت في الخطابة التأثير الأكبر، لأنه المترجم عن مقاصد الخطيب، والكاشف عن أغراضه لمصاحبته للألفاظ؛ كالشارح لما أريد بها مما لا تستقل بالكشف عنه، ولأنه الطريق إلى قلب السامع والممثل لصورة المعاني أمامه.

    وطبقة الصوت واللفظ وهيئة الوجه وحركات الجسم كلها تتضافر على بيان ما في النفس، وتصوير ما بالخاطر، فعلى الخطيب أن يراعي من جهة الصوت حسن اللفظ واعتدال الصوت والتفنن فيه، والمراد بحسن اللفظ أن يُعْطِي كل حرف حقَّه من الوضع المتعارف بين الأدباء، ويخرجه من مخارجه الطبيعية مع اجتناب لهجة العامة المُبْتَذَلة، والمُحافظة على الإعراب والبناء، فإنَّ التزامَ اللُّغة العربيَّة الفُصحى في الخطابة ألذُّ على الأسْماع، وأشهى للنفوس، وأقرب إلى فهْمِ السَّامعين من أي طبقة كانوا، متى كان الخطيب فصيح اللسان حسن البيان يعبر عما في نفسه بعبارة بليغة بعيدة عن اللبس والخفاء، ولا بأس إن تكلم بين الدهماء أن يتقرب منهم ويخاطبهم بلغتهم دون ركة ووحشية إذا اقتضى الحال ذلك.

    واعتدال الصوت موافقته للأحوال والظروف، فإنه يختلف باختلاف الحضور والمكان فيحتاج المكان الرحب مع وفرة السامعين إلى صوت أدق وأجهر.

    والتفنن فيه: أن يجعله طبق المعاني التي يصورها بالألفاظ ويمثلها بالصوت بأن يعطي ألفاظ الاستفهام والتعجب، والتوبيخ واللوم، والتقريع والزجر، والتفخيم والتهويل، والتحزن والندم، والحيرة والوعد والوعيد، وما إلى ذلك حقها في النطق، فيكيف الصوت فيها بكيفيات خاصة وانفعالات تتناسب مع المعنى الذي يقصد، حتى يثير ذلك في نفس السامع الرغبة والرهبة والانزعاج والندم، ويحدث فيها هزة الفرح والارتياح والنشاط تبعًا لسير المعنى الذي يتكلم فيه، وأن يخفض صوته في موضع الخفض واللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتأفف في موضع التأفف، ويَتَطَامَنُ في موضع التطامن؛ كالدعاء والاستعطاف، والاسترحام واستنداء الأكف عند جمع المال للأعمال النافعة أو الإنفاق على بيوتات مَجد أخنَى عليها الدهر، وما إلى ذلك، وأن يشمخ بأنفه ويُظْهِرَ العِزَّة وعلو النفس في مواضع الفخر والحماسة، وذكر شرف العلم والتقوى، وأن يتأثر حتى يظهر أثر الانفعال المعتدل في صوته وإشارته، وملامح وجهه عند ذكر حادثة مؤلمة أو حكاية خطب فظيع، أو ندم على فوات مطلب عزيز، بحيث تكون لهجته في جميع ذلك لهجة خطابة لا لهجة تِلاوة، يُسرد فيها الكلام سردًا، أو لهجة ترنُّمية تخرجها عن المألوف إلى نوع من الأغاني.

    وعلى الجملة ينبغي للخطيب أن يعطي الموضع حقه من: 1 - حسن العبارة. 2 - وقربها من الأفهام. 3 - وجودة الإلقاء والتشخيص لمقامات الخطابة، حتى يبكي أو يتباكى عندما تدعو إلى ذلك حاجة، مراعيًا ما يناسب الخطب الدينية وغيره من غير أن يظهر عليه أثر التصنع أو التكلف، وإلا سقط من العيون وانصرفت عنه الأسماع، وظل موضع النقد والسخرية، كما يلزم أن يتجنب التزام السجع البارد الممقوت، والجناس المتكلف، وعليه أن يرسل الكلام إرسالاً من غير تقعر ولا تكلف، فإن أتَى السَّجع أو الجناس عفوًا قارًّا في موضعه غير نادٍّ عن الذوق، ولم تظهر عليه مسحة التكلف فذاك، وإلا أساءَ حيث أراد الإحسان.

    أمَّا الإشارة الخطابية: فهي حركات تبدو من جسم الخطيب ووجهه ورأسه وجوارحه من شأنِها تأييدُ الكلام الذي يتفوَّه به، وحسنها من تمام حسن البيان باللسان، وأفضل الإشارات الطبيعية اللطيفة المتوسطة بين غِلْظَةِ العامَّة ومُبالغة المتصنِّعين، ولها في الخطابة شأن عظيم؛ لأنَّها تشارك النطق في نقل الفكر وانفعالات الخطيب، متَّخذة البصر لها سبيلاً فهي اللغة العمومية التي يفهمها كل إنسان، وما يحدثه من التأثير لا تأتي بمثله لغات العالم، ولا يكاد صاحب حديث يستغني عنها، قال تمام بن أشرس: لو كان ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر بن يحيى عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة، فهي ضرورية للخطيب، وبها يحرك الانتباه ويصل إلى ما ينبغي من التأثير، والصوت وحده لا يكفي للإفادة والإقناع والتعبير عن معاني اللذة والألم والغضب والرضا، واليأس والرجاء، والاحتقار والتوقير، وما إلى ذلك ما لم تساعده حركات اليد، وملامح الوجه وبريق العينين وإشارة الطرف والحاجب.

    ففي الكلام العادي المعتدل كالوصف يجب الإقلال من الحركة، أما في الحماسة وغيرها من مثيرات العواطف، فالحركة الكبيرة الواسعة لازمة.

    أما الوقفة الموافقة للخطابة: فهي الطبيعية أيضًا دون توتر في الجسم ولا تخنث، بحيث يبعد الخطيب فيها عن عظمة المتجبر، واضطراب الطائش الأرعن، ويحسن بالرأس أن يحيد عن الانتصاب الزائد، والانحناء المفرط، وبالوجه والنظر أن يكون كمرآة للنفس في بيان عواطفها، وباليدين أن لا ترخيا مهملتين، ولا تمدا بإفراط أو تلصقا بالصدر، وإن تحركت اليمنى فلا بد أن تشير بإشارات أنيقة حسنة الدلالة موافقة للمعنى وسابقة عليه سريعة في أولها كلما كان الكلام حادًّا ملتهبًا.

    وصفوة القول: يجب على الخطيب أن يكون في وقوفه بعيدًا عن التكلف، والخروج عن المألوف في إشاراته وإلقائه، مُحافظًا ما أمكن على صوته الطبيعي، غير مقلد لغيره من الخطباء والوعاظ والممثلين مُجتنبًا التزام نبرة واحدة، وحركة واحدة، لئلاَّ يكون كالتلميذ في تلاوة درسه لا الخطيب في فَيضِ بَلاغَتِه، بعيدًا عن الإكثار من الإشارة، أو الإتيان بحركات مستهجنة، وعن التَّنَحْنُح والسُّعال وكل ما يدل على الضعف أو يورث الملل جاعلاً من تأثر نفسه في صوته وحركاته ليخلع على كلامه لباس الحياة، هذا؛ وإنَّ الارتياض مع مراقبة الخطباء البلغاء، وحسن الذوق أحسن معلم لهذا الفن.

    ومن آداب الأداء أن يتمهَّل قليلاً بعد الوقوف وقبل التكلم؛ ليتم له الإصغاء ويوجه إليه أنظار السامعين، ولا سيما إذا كان صعوده إلى المنبر بعد نزول خطيب آخر عنه، فإن هذا التريث يساعد على لفت نظرهم، وجمع انتباههم بعد أن يتباعد عنهم صوت الخطيب السابق، ويذهب صداه من آذانهم فيكون للكلام الجديد أثره في القلوب، وأن يفتح الخطبة بصوت متوسط لا خافت ولا جهير، إلى أن تدعوه الحالة إلى الجهر شيئًا فشيئًا.

    واعلم: أن أحسن الكلام ما كان قليله يغني عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله عز وجل قد كساه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفًا واللفظ بليغًا وكان صحيح الطبع بعيدًا من الاستكراه والاختلال، مصونًا عن التكلف صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمهما عقول الجهلة، وقد قال عامر بن عبدالقيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وبالله تعالى التوفيق.
    [1]   سورة الزمر: 68 – 72. [2]   سورة الزمر: 73 – 75. [3]   سورة براءة: 43. [4]   سورة النمل الآية: 37. [5]   سورة طه الآية: 40 [6]   سورة المؤمنون الآية: 108.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۴ ] [ مشاوره مديريت ]
      حال الخطب اليوم وما يجب أن تكون عليه   إذا تتبَّعْتَ تاريخ الإسلام بعد القرون المشهود لها بالخير؛ تَجِدُ الخُطب الدينية في كل دولة قد تَراجَعَتْ إلى الوراء، حتَّى صارتْ إلى ما هي عليْهِ الآنَ من التأخُّر والانْحِطاط، فإنَّها لَمَّا كانت بيد الملوك؛ كان أكبر همِّهم حثُّ الناس على السمع والطاعة لهم، والاستنهاض إلى مُحاربة الأعداء بحقٍّ أو بغير حق، وقلَّ مَنْ ينظُر منهم في أحوال الناس وأمراضهم النفسية، فيعظهم من ناحيتها، ولَمَّا تَركها المُلوكُ والأمراءُ لترفُّعهم أو لغيره، ووكلوا أمرها إلى أئِمَّة المساجد، ساروا فيها على أهواء الملوك والأمراء - إلا من رحِمَ الله - حتَّى سقطت في تلك المَهْواة، ووَقَعَتْ في أَيْدِي مَن لا يُجِيدها، ما عدا القليل من الخُطباء الذين لم يَبْلُغوا بِها درجتَها اللاَّئِقَة بِها، ولم يكونوا كافين لقِلَّتِهم في دَعْوَةِ النَّاس إلى الله، وإرشادهم إلى الحق.

    وأصبحت الخطب اليوم عبارة عن كلماتٍ تُحْفَظُ وتُلْقَى، ومعظَمُها يَدورُ حولَ الدنيا وذمِّها والتَّزْهِيدِ فيها، والأمر بِالمَعروف والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَر، بِعباراتٍ مُجملةٍ لا تُغْنِي من أمراض النفوس شيئًا، ولا تَصِلُ إلى أعماق القلوب، وبعضها يَخْلِطُ الأوامِرَ بالنَّواهِي، ويجمع بيْنَ أمورٍ كثيرةٍ لا يستوفي الكلام على واحدٍ مِنْها، فيحذر مِنْ تَرْكِ الصلاة، وشُرْبِ الخُمور، والزنا، والربا، وما إلى ذلك من المنْكَرات، كل ذلك في خطبة واحدة، وما يسمعه الناس من الخطيب اليوم يسمعونه غدًا، وما يلقى في هذا العام يدور في العام القابل، مع أنَّ الواجِبَ - كما عَرَفْتَ - مُراعاة الخطيب لمُقْتَضَى الحال، وإصلاح السامعين على قدر ما فيهم من الشَّرِّ والفساد، لا فَرْقَ بيْنَ مُتَعَلِّم وجاهل، وكبير وصغير، وأمير ومأمور، شأن الهداية بالقرآن وشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين.

    وحيث كان الغرض من الخطابة الدينية دعوة الناس إلى الهدى ودين الحق، وإحياء الفضيلة، وإماتة الرذيلة، وإصلاح فساد قلوبهم، وتطهيرهم من الأمراض النفسية والاجتماعية - تعلم أن الخطب المجملة لا تفيد الجمهور شيئًا؛ لأنَّها لم تَلْمَس مواضعَ الداء، ولم تَهْتَدِ إلى الدَّواء.

    فمَثَلُ مَن يقول: إنَّ المعاصِيَ تُزِيلُ النِّعم، وإنَّ التَّعلُّق بالدُّنيا مُبْعِدٌ من الله تعالى، وقدِ استَحَقَّ النَّاسُ العذابَ لِظُهورِ الفسادِ في البَرِّ والبَحْرِ، ولوِ اسْتَقَمْنا ما انتقمنا، ما للمساجد خرِبَتْ، وبيوت اللَّهْوِ والفسوق عمرت، ما للقلوب قست، ما للعيون لا تبكي، ما للقلوب لا تتألم، قد انتهكتم الحُرُمات، وتعدَّيْتُم الحُدُودَ، وأغضبْتُمُ الجبَّار، فإنَّا للَّه وإنَّا إليْهِ راجعونَ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما إلى ذلك من مُجْمَلات القول - مَثَلُ الطبيب الذي يَخْطُب الجُمهورَ فِي قواعد الصِّحَّة العامَّة، وفيهم المسلول، والمحموم، والمجذوم، والمبطون، وذو الرمد الصديديِّ، والبلهارسيا، والمصاب بالسيلان أو الزهري، وما شاكل ذلك من الأمراض المعدية، التي تحتاج إلى دواء خاص، وعلاج خاص، وحمية خاصة، ويقول: نظِّفوا غُرَفَ النَّوْمِ، وقلِّلوا من الغذاء، واحْتَرِسُوا من الرُّطوبة، ولا تأكلوا المغلظات، ولا تبصقوا في أماكن الاجتماع، وما شاكل ذلك أيضًا من الكليَّات العامة، التي تصلح للصحيح كما تصلح للمريض، فهم لا يلتفتون إليها؛ لأنَّها أصبحت لديهم في حكم المعلوم بالضرورة، لا تؤثر فيهم أدنى تأثير؛ لأنها لم تلمس موضع الألم فيحس المريض، ولم تصف دواء فيعلق عليه الأمل، وينشط في العمل.

    لذلك يجب على الخطيب الديني أن يتكلم على الموضوع الخاص، ويحلله تحليلاً دينيًّا أخلاقيًّا اجتماعيًّا، فيتكلم على الإشراك بالله مثلاً؛ مبيِّنًا أنه نتيجة البله والسقوط من مرتبة الإنسان الحق مهما كان صاحبه ذكيًّا مُخترعًا في الدنيا، وماهرًا فيها؛ لأن مَنْ لم يعقل هذه العوالم الكبيرة المنظمة والآثار البديعة المحكمة، ولم يهتد بالسنن الكونية إلى وجوب وحدة الصانع الحكيم يكون كالأنعام؛ بل هو أضل، وذلك سِرُّ كون الله تعالى لا يَغْفِرُ أن يُشْرَك به؛ لأنَّ المشْرِكَ قد عطَّل مواهبه، وكلَّ حواسِّه منَ النَّظَرَ في الكائنات، وانكبَّ في الشهوات على وجهه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[1]؛ {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً *أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}[2]؛ وإنما كانوا أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنَّها تنقاد لمَنْ يتعهَّدها وتحبه، وتميِّز مَنْ يحسن إليها ممَّن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتنفر مما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربِّهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون رضاه وهو أعظم المنافع، ولا يتقون غضبه وهو أشد المضارِّ، ولأن الأنعام إن لم تعتقد حقًّا ولم تكسب خيرًا - لم تعتقد باطلاً ولم تكسب شرًّا، بخلاف هؤلاء، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذنب لها، وهؤلاء مقصِّرون مستحقُّون أعظم العقاب على تقصيرهم؛ ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تُفضِي إلى إثارة الفتن، وصدِّ الناس عن الحق، وقال تعالى في وصف الكفار: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}[3]، وكانوا شرَّ الدواب لإبطالهم ما مُيِّزوا به وفُضِّلوا لأجله من نعمة العقل والتمييز.

    ثم إذا أراد أن يتكلَّم على الشِّرْكِ الخَفِيِّ الواقع في الناس؛ سواء جاء من طريق الرياء أوِ الاعتماد على الأسباب - يقول: إنَّ مِثْلَ هذا قد تغلَّب عليه الشَّيْطَانُ بِخَيْلِه ورجله، فأضاع عليه الوقت بضياع عمله؛ لأنَّ مَنْ يَعمل لغَيْرِه لا بد له من جزاءٍ إنْ كان عاقلاً؛ بل مَنْ يَعْمَلُ لنفسه لا بدَّ له من ثَمَرةٍ يتوخَّاها، والناس والأسباب المادِّيَّة لا تأثيرَ لَها، ولا تُجازى بثواب، وقدِ انْقَطَعَ مَدَدُ اللَّه عنه، فإنه لم يعمل له، وهذا هو الخسران المبين.. ثم يذكِّر آيات وأحاديث التحذير من الشرك بنوعَيْه، المنذرة بوخامة العاقبة وسوء المغبَّة.

    ويتكلَّم على قتل النفس ظلمًا؛ مبيِّنًا ما فيه من الأضرار المادية والاجتماعية؛ كتولُّد الأحقاد والضغائن، وبقائها بين الأُسَر، وتربُّص الدوائر من كلٍّ منها بالأخرى، وانتقال ذلك الشر من الأصول إلى الفروع، والإخلال بالأمن والراحة. هذا إلى ما في هذه من الجناية الشنيعة الأثيمة؛ من تعريض النفس للإعدام، والأموال للإتلاف، والأولاد للضياع، فضلاً عن غضب الله ومقته، ذاكرًا الآيات والأحاديث الواردة في التحذير من جناية القتل، ويقبِّح أيضًا جريمة الانتحار، مبيِّنًا أنه نتيجة السَّفَه، وقلَّة الإيمان، وعدم الثقة بالله تعالى والرضاء عنه في قضائه وقدره، وأن المنتحر قد باء بإثمه، ولقي الله وهو عليه غضبان، تاركًا وراءه الخزي والعار وقبيح الأحدوثة، ثم يأتي بما يناسب المقام من الأدلة الشرعية؛ محذِّرًا من هذه البدعة السيئة غاية التحذير.

    ومَنْ يخطب في الزنا؛ يذكر أضراره البدنية والأخلاقية والاجتماعية؛ من اختلاط الأنساب، وتفريق الوحدة، وأن زوج الزانية يضيع ماله على أولاد الأجانب، وأن الزانية والزاني قد هتكا حرمة الزوج، واعتديا على حقِّه الشُك بدينه، وإحياء سنَّته، والتحلِّي بآدابه، ولا يكفي ذكر نسبه الشريف مجرَّدًا عن ذكر مآثر آبائه، ولا ذكر أوصافه الجسمية؛ كما يفعله بعض الخطباء اليوم، فذلك لا يفي بالغاية المقصودة من ذكر حياته الشريفة - صلوات الله وسلامه عليه.

    وإذا تكلَّم على وفاته؛ فلا يذكرها مُجَرَّدةً عن بيان ما فيها من العبر؛ وإنما يتكلم عمَّا لاقاه من الشدائد في مرض الموت وسكراته مع الصبر والرضا، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان قد لقي مثل تلك الأهوال وهو المغفور له والمعصوم؛ فكيف بنا ونحن المذنبون، ولا ندري ما يُفعَل بنا؟!

    ثم ينبِّه العقول إلى الاحتفاظ بسيرته، وتعظيمه، ومحبته، والعمل على إحياء سنته، وإطعام الطعام شكرًا لله على نعمة وجوده العظمى، ويحثُّ الناس على إكثار الصلاة والسلام عليه؛ لتكون قلوبهم دائمًا معمورةً بمحبَّته - صلوات الله وسلامه عليه - ويبيِّن لهم أن المحبة دائمًا تقتضي الجري على ما يهوى المحبوب، وأن العاصي كاذبٌ في دعواه حبَّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويبيِّن أيضًا حقَّه على أمَّته، وأن هذا الخير العظيم، وتلك السعادة التي فيها العالم - كانت كلُّها على يديه - صلى الله عليه وسلم - ولذلك شُرِعَتْ الصلاة والسلام عليه؛ قيامًا له ببعض حقِّه على الناس.

    وهكذا يتكلم في كل وقت بما يناسبه مراعيًا حال السامعين، وأمراضهم، واستعدادهم.

    ويتكلَّم على القرآن الكريم؛ مبيِّنًا شيئًا من فضائله، وما يجب على التالي والسامع له، وأن القارئ إنما يتكلَّم بكلام الله كنائبٍ عنه في إسماع الناس ما شُرِعَ لهم فيه، وأنَّ مَنْ أعرض عن القارئ فقد أعرض عن الله، وأن من أَخَلَّ بالأدب عند سماعه فقد أَخَلَّ بالأدب بين يَدَيْ ملك الملوك، ويضرب لذلك الأمثال، ويذكر للناس إجمالاً ما في القرآن من المقاصد وأنواع الهداية، التي تكفل لمَنْ سلكها وتحلَّى بها سعادة الدين والدنيا، وأن تلاوته عبادة، وسماعه عبادة، عندها تتنزَّل الرحمات، وأنَّ الخُضُوعَ عند سَماعه والتأثُّر به خُضوعٌ لله ولجلاله، وآية الفلاح والهداية.

    وعلى الجملة؛ يحضُّ النَّاس على احترام مجلس القرآن، ويحذِّرهم من انتهاك حرمته بالتَّغنِّي به أو الإعراض عنه، ثم يلفت الناس إلى تعلُّمه وتدبُّره؛ لتتَّسع عقولهم وتستنير بصائرهم، ويحثُّ المسلمين على المحافظة عليه بحفظ طائفة كثيرة من أبنائهم له في كل عصر؛ محافظةً على ينبوع المِلَّة وأساس السَّعادة في العاجِل والآجِل.

    وقد علمتَ أن منهلك الصافي في هذا كله كتاب الله تعالى، وكتب السنَّة الصحيحة، لا سيَّما كتاب الإيمان والعلم والمغازى وفضائل القرآن، وشمائله - صلى الله عليه وسلم - وكتب حكمة التَّشريع، وإياك أن تذكر شيئًا من الآثار التي لم تثبت صحَّتها في مثل هذه المقامات، وإلا كنتَ هدفًا للطَّعن عليك في معلوماتك، والشكِّ في طريقك، وما أغناكَ عن هذا!!

    وصفوة القول: إنَّ أفْضَلَ الخطب الدينيَّة ما كان مُطابِقًا لِمُقْتَضَى الحال، ملائمًا لما تدعو إليه حاجة السامعين، وإنَّ مَنْ أَحَبَّ أن يكون نصحُه نافعًا وإرشاده مفيدًا؛ فلينظر إلى المنكرات الفاشية في الناس، والأمراض النفسيَّة المُنْتَشِرة فيهم، والحوادث الحاضرة الحديثة العهد بينهم، وليجعل شيئًا منها على حِدَّة موضوع خطابَتِه، ثُمَّ يُحْصِي ما في ذلك من الأضرار المالية والبدنية والخُلُقية والاجتماعية، ويعدُّها واحدًا واحدًا في ذهنه، ويدوِّنها بقلمه، ثم يستحضِر ما جاء في الموضوع من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة وآثار السلف وأقوال الحكماء، مجيدًا فَهْم ذلك، شارحًا منه ما تمسُّ الحاجة إلى شرحه، ثم يشرع في تدوين الخطبة إذا أراد ذلك مضمِّنًا لها أثار هذا المنكر، وما جاء فيه عن الشريعة الغرَّاء، مراعيًا في أسلوب الخطبة ما يلائم عقول السامعين.

    هذا إذا اقتضى الحال الترهيب من سيئة، أو التنفير من نقيصة، وإذا دعت الحاجة إلى الترغيب في نوعٍ من أنواع البرِّ، أو التحلي بفضيلة - فليجعل ما مَسَّت الحاجة إليه من أنواع الخير أو الفضائل موضوعَ الخطبة على حدةٍ، ثم يُفَكِّرُ في مزاياه ومنافعه العامَّة ويُحْصِيها عددًا، ثم يستحضر ما يلائم الموضوع من الكتاب والسنَّة، وما إلى ذلك من كلِّ ما يؤيِّده ويؤثر في نفوس السامعين من الدلائل الشرعية والعقلية والحسية، ثم إذا فرغ من تدوين الخطبة؛ فإن شاء استظهرها عن قلبه وألقاها، وإن شاء تكلَّم على مضمونها بما لا يخرج عنه إلا بمقدار ما يَعِنُّ له حالة الأداء ممَّا يَزِيدُ الموضوع بيانًا وجمالاً، والأحْسَنُ بِالمُرْشِد والخطيب الاجتماعي ألا يتقيَّد بعبارة خاصة؛ بل الأَلْيَق به بعد استحضار المعاني أن يؤدِّيَها بما يستطيع من العبارات والأساليب، وإذا اختار عدم تدوين الموضوع، واكتفى باستحضاره في ذهنه بعد التفكير فيه، ولم تَخُنْهُ ذاكرتَه عند الأداء - فذلك غاية الحسن ومنتهى الكمال.

    وقَدْ جَرَت العادة بالتزام صورةٍ واحدة في الخطبة الثانية للجمعة؛ سَمَّوْها (خطبة النعت)، وتلك عادة غَيْرُ معروفةٍ عن السلف الصالح؛ فهي مُحْدَثَة وغير لائقة بهذا الموقف العظيم الأسبوعي؛ بل اللائق به العناية بالخُطْبَة الثانية كالأولى، وباب الإرشاد واسعٌ وميدانه فسيح، وللناس حاجة إلى الإصلاح من وجوهٍ كثيرة، وفي الشرع الشريف أغذيةٌ للعامَّة وأدويةٌ للخاصَّة، فلا يصعب على الخطيب أن يستحضر للخطبة الثانية كل أسبوع من الآيات والأحاديث أو الآثار أو الحكم البليغة ما يناسب موضوع الخطبة؛ كما ترى هذا جليًّا في نماذج الخطب المنبرية في كتابنا "هداية المرشدين".

    هذا حال الخُطَب اليوم، وما يجب أن تكون عليه، وهذا داؤها ودواؤها كما هدتنا إليه التجربة وكثرة المران والممارسة، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. [1]   سورة الأعراف الآية: 179. [2]   سورة الفرقان الآية: 43، 44 [3]   سورة الأنفال الآية: 22.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۳ ] [ مشاوره مديريت ]
    [ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸ ][ ۱۴۹ ][ ۱۵۰ ][ ۱۵۱ ][ ۱۵۲ ][ ۱۵۳ ][ ۱۵۴ ][ ۱۵۵ ][ ۱۵۶ ][ ۱۵۷ ][ ۱۵۸ ][ ۱۵۹ ][ ۱۶۰ ][ ۱۶۱ ][ ۱۶۲ ][ ۱۶۳ ][ ۱۶۴ ][ ۱۶۵ ][ ۱۶۶ ][ ۱۶۷ ][ ۱۶۸ ][ ۱۶۹ ][ ۱۷۰ ][ ۱۷۱ ][ ۱۷۲ ][ ۱۷۳ ][ ۱۷۴ ][ ۱۷۵ ][ ۱۷۶ ][ ۱۷۷ ][ ۱۷۸ ][ ۱۷۹ ][ ۱۸۰ ][ ۱۸۱ ][ ۱۸۲ ][ ۱۸۳ ][ ۱۸۴ ][ ۱۸۵ ][ ۱۸۶ ][ ۱۸۷ ][ ۱۸۸ ][ ۱۸۹ ][ ۱۹۰ ][ ۱۹۱ ][ ۱۹۲ ][ ۱۹۳ ][ ۱۹۴ ][ ۱۹۵ ][ ۱۹۶ ][ ۱۹۷ ][ ۱۹۸ ][ ۱۹۹ ][ ۲۰۰ ][ ۲۰۱ ][ ۲۰۲ ][ ۲۰۳ ][ ۲۰۴ ][ ۲۰۵ ][ ۲۰۶ ][ ۲۰۷ ][ ۲۰۸ ][ ۲۰۹ ][ ۲۱۰ ][ ۲۱۱ ][ ۲۱۲ ][ ۲۱۳ ][ ۲۱۴ ][ ۲۱۵ ][ ۲۱۶ ][ ۲۱۷ ][ ۲۱۸ ][ ۲۱۹ ][ ۲۲۰ ][ ۲۲۱ ][ ۲۲۲ ][ ۲۲۳ ][ ۲۲۴ ][ ۲۲۵ ][ ۲۲۶ ][ ۲۲۷ ][ ۲۲۸ ][ ۲۲۹ ][ ۲۳۰ ][ ۲۳۱ ][ ۲۳۲ ][ ۲۳۳ ][ ۲۳۴ ][ ۲۳۵ ][ ۲۳۶ ][ ۲۳۷ ][ ۲۳۸ ][ ۲۳۹ ][ ۲۴۰ ][ ۲۴۱ ][ ۲۴۲ ][ ۲۴۳ ][ ۲۴۴ ][ ۲۴۵ ][ ۲۴۶ ][ ۲۴۷ ][ ۲۴۸ ][ ۲۴۹ ][ ۲۵۰ ][ ۲۵۱ ][ ۲۵۲ ][ ۲۵۳ ][ ۲۵۴ ][ ۲۵۵ ][ ۲۵۶ ][ ۲۵۷ ][ ۲۵۸ ][ ۲۵۹ ][ ۲۶۰ ][ ۲۶۱ ][ ۲۶۲ ][ ۲۶۳ ][ ۲۶۴ ][ ۲۶۵ ][ ۲۶۶ ][ ۲۶۷ ][ ۲۶۸ ][ ۲۶۹ ][ ۲۷۰ ][ ۲۷۱ ][ ۲۷۲ ][ ۲۷۳ ][ ۲۷۴ ][ ۲۷۵ ][ ۲۷۶ ][ ۲۷۷ ][ ۲۷۸ ][ ۲۷۹ ][ ۲۸۰ ][ ۲۸۱ ][ ۲۸۲ ][ ۲۸۳ ][ ۲۸۴ ][ ۲۸۵ ][ ۲۸۶ ][ ۲۸۷ ][ ۲۸۸ ][ ۲۸۹ ][ ۲۹۰ ][ ۲۹۱ ][ ۲۹۲ ][ ۲۹۳ ][ ۲۹۴ ][ ۲۹۵ ][ ۲۹۶ ][ ۲۹۷ ][ ۲۹۸ ][ ۲۹۹ ][ ۳۰۰ ][ ۳۰۱ ][ ۳۰۲ ][ ۳۰۳ ][ ۳۰۴ ][ ۳۰۵ ][ ۳۰۶ ][ ۳۰۷ ][ ۳۰۸ ][ ۳۰۹ ][ ۳۱۰ ][ ۳۱۱ ][ ۳۱۲ ][ ۳۱۳ ][ ۳۱۴ ][ ۳۱۵ ][ ۳۱۶ ][ ۳۱۷ ][ ۳۱۸ ][ ۳۱۹ ][ ۳۲۰ ][ ۳۲۱ ][ ۳۲۲ ][ ۳۲۳ ][ ۳۲۴ ][ ۳۲۵ ][ ۳۲۶ ][ ۳۲۷ ][ ۳۲۸ ][ ۳۲۹ ][ ۳۳۰ ][ ۳۳۱ ][ ۳۳۲ ][ ۳۳۳ ][ ۳۳۴ ][ ۳۳۵ ][ ۳۳۶ ][ ۳۳۷ ][ ۳۳۸ ][ ۳۳۹ ][ ۳۴۰ ][ ۳۴۱ ][ ۳۴۲ ][ ۳۴۳ ][ ۳۴۴ ][ ۳۴۵ ][ ۳۴۶ ][ ۳۴۷ ][ ۳۴۸ ][ ۳۴۹ ][ ۳۵۰ ][ ۳۵۱ ][ ۳۵۲ ][ ۳۵۳ ][ ۳۵۴ ][ ۳۵۵ ][ ۳۵۶ ][ ۳۵۷ ][ ۳۵۸ ][ ۳۵۹ ][ ۳۶۰ ][ ۳۶۱ ][ ۳۶۲ ][ ۳۶۳ ][ ۳۶۴ ][ ۳۶۵ ][ ۳۶۶ ][ ۳۶۷ ][ ۳۶۸ ][ ۳۶۹ ][ ۳۷۰ ][ ۳۷۱ ][ ۳۷۲ ][ ۳۷۳ ][ ۳۷۴ ][ ۳۷۵ ][ ۳۷۶ ][ ۳۷۷ ][ ۳۷۸ ][ ۳۷۹ ][ ۳۸۰ ][ ۳۸۱ ][ ۳۸۲ ][ ۳۸۳ ][ ۳۸۴ ][ ۳۸۵ ][ ۳۸۶ ][ ۳۸۷ ][ ۳۸۸ ][ ۳۸۹ ][ ۳۹۰ ][ ۳۹۱ ][ ۳۹۲ ][ ۳۹۳ ][ ۳۹۴ ][ ۳۹۵ ][ ۳۹۶ ][ ۳۹۷ ][ ۳۹۸ ][ ۳۹۹ ][ ۴۰۰ ][ ۴۰۱ ][ ۴۰۲ ][ ۴۰۳ ][ ۴۰۴ ][ ۴۰۵ ][ ۴۰۶ ][ ۴۰۷ ][ ۴۰۸ ][ ۴۰۹ ][ ۴۱۰ ][ ۴۱۱ ][ ۴۱۲ ][ ۴۱۳ ][ ۴۱۴ ][ ۴۱۵ ][ ۴۱۶ ][ ۴۱۷ ][ ۴۱۸ ][ ۴۱۹ ][ ۴۲۰ ][ ۴۲۱ ][ ۴۲۲ ][ ۴۲۳ ][ ۴۲۴ ][ ۴۲۵ ][ ۴۲۶ ][ ۴۲۷ ][ ۴۲۸ ][ ۴۲۹ ][ ۴۳۰ ][ ۴۳۱ ][ ۴۳۲ ][ ۴۳۳ ][ ۴۳۴ ][ ۴۳۵ ][ ۴۳۶ ][ ۴۳۷ ][ ۴۳۸ ][ ۴۳۹ ][ ۴۴۰ ][ ۴۴۱ ][ ۴۴۲ ][ ۴۴۳ ][ ۴۴۴ ][ ۴۴۵ ][ ۴۴۶ ][ ۴۴۷ ][ ۴۴۸ ][ ۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶۹ ][ ۴۷۰ ][ ۴۷۱ ][ ۴۷۲ ][ ۴۷۳ ][ ۴۷۴ ][ ۴۷۵ ][ ۴۷۶ ][ ۴۷۷ ][ ۴۷۸ ][ ۴۷۹ ][ ۴۸۰ ][ ۴۸۱ ][ ۴۸۲ ][ ۴۸۳ ][ ۴۸۴ ][ ۴۸۵ ][ ۴۸۶ ][ ۴۸۷ ][ ۴۸۸ ][ ۴۸۹ ][ ۴۹۰ ][ ۴۹۱ ][ ۴۹۲ ][ ۴۹۳ ][ ۴۹۴ ][ ۴۹۵ ][ ۴۹۶ ][ ۴۹۷ ][ ۴۹۸ ][ ۴۹۹ ][ ۵۰۰ ][ ۵۰۱ ][ ۵۰۲ ][ ۵۰۳ ][ ۵۰۴ ][ ۵۰۵ ][ ۵۰۶ ][ ۵۰۷ ][ ۵۰۸ ][ ۵۰۹ ][ ۵۱۰ ][ ۵۱۱ ][ ۵۱۲ ][ ۵۱۳ ][ ۵۱۴ ][ ۵۱۵ ][ ۵۱۶ ][ ۵۱۷ ][ ۵۱۸ ][ ۵۱۹ ][ ۵۲۰ ][ ۵۲۱ ][ ۵۲۲ ][ ۵۲۳ ][ ۵۲۴ ][ ۵۲۵ ][ ۵۲۶ ][ ۵۲۷ ][ ۵۲۸ ][ ۵۲۹ ][ ۵۳۰ ][ ۵۳۱ ][ ۵۳۲ ][ ۵۳۳ ][ ۵۳۴ ][ ۵۳۵ ][ ۵۳۶ ][ ۵۳۷ ][ ۵۳۸ ][ ۵۳۹ ][ ۵۴۰ ][ ۵۴۱ ][ ۵۴۲ ][ ۵۴۳ ][ ۵۴۴ ][ ۵۴۵ ][ ۵۴۶ ][ ۵۴۷ ][ ۵۴۸ ][ ۵۴۹ ][ ۵۵۰ ][ ۵۵۱ ][ ۵۵۲ ][ ۵۵۳ ][ ۵۵۴ ][ ۵۵۵ ][ ۵۵۶ ][ ۵۵۷ ][ ۵۵۸ ][ ۵۵۹ ][ ۵۶۰ ][ ۵۶۱ ][ ۵۶۲ ][ ۵۶۳ ][ ۵۶۴ ][ ۵۶۵ ][ ۵۶۶ ][ ۵۶۷ ][ ۵۶۸ ][ ۵۶۹ ][ ۵۷۰ ][ ۵۷۱ ][ ۵۷۲ ][ ۵۷۳ ][ ۵۷۴ ][ ۵۷۵ ][ ۵۷۶ ][ ۵۷۷ ][ ۵۷۸ ][ ۵۷۹ ][ ۵۸۰ ][ ۵۸۱ ][ ۵۸۲ ][ ۵۸۳ ][ ۵۸۴ ][ ۵۸۵ ][ ۵۸۶ ][ ۵۸۷ ][ ۵۸۸ ][ ۵۸۹ ][ ۵۹۰ ][ ۵۹۱ ][ ۵۹۲ ][ ۵۹۳ ][ ۵۹۴ ][ ۵۹۵ ][ ۵۹۶ ][ ۵۹۷ ][ ۵۹۸ ][ ۵۹۹ ][ ۶۰۰ ][ ۶۰۱ ][ ۶۰۲ ][ ۶۰۳ ][ ۶۰۴ ][ ۶۰۵ ][ ۶۰۶ ][ ۶۰۷ ][ ۶۰۸ ][ ۶۰۹ ][ ۶۱۰ ][ ۶۱۱ ][ ۶۱۲ ][ ۶۱۳ ][ ۶۱۴ ][ ۶۱۵ ][ ۶۱۶ ][ ۶۱۷ ][ ۶۱۸ ][ ۶۱۹ ][ ۶۲۰ ][ ۶۲۱ ][ ۶۲۲ ][ ۶۲۳ ][ ۶۲۴ ][ ۶۲۵ ][ ۶۲۶ ][ ۶۲۷ ][ ۶۲۸ ][ ۶۲۹ ][ ۶۳۰ ][ ۶۳۱ ][ ۶۳۲ ][ ۶۳۳ ][ ۶۳۴ ][ ۶۳۵ ][ ۶۳۶ ][ ۶۳۷ ][ ۶۳۸ ][ ۶۳۹ ][ ۶۴۰ ][ ۶۴۱ ][ ۶۴۲ ][ ۶۴۳ ][ ۶۴۴ ][ ۶۴۵ ][ ۶۴۶ ][ ۶۴۷ ][ ۶۴۸ ][ ۶۴۹ ][ ۶۵۰ ][ ۶۵۱ ][ ۶۵۲ ][ ۶۵۳ ][ ۶۵۴ ][ ۶۵۵ ][ ۶۵۶ ][ ۶۵۷ ][ ۶۵۸ ][ ۶۵۹ ][ ۶۶۰ ][ ۶۶۱ ][ ۶۶۲ ][ ۶۶۳ ][ ۶۶۴ ][ ۶۶۵ ][ ۶۶۶ ][ ۶۶۷ ][ ۶۶۸ ][ ۶۶۹ ][ ۶۷۰ ][ ۶۷۱ ][ ۶۷۲ ][ ۶۷۳ ][ ۶۷۴ ][ ۶۷۵ ][ ۶۷۶ ][ ۶۷۷ ][ ۶۷۸ ][ ۶۷۹ ][ ۶۸۰ ][ ۶۸۱ ][ ۶۸۲ ][ ۶۸۳ ][ ۶۸۴ ][ ۶۸۵ ][ ۶۸۶ ][ ۶۸۷ ][ ۶۸۸ ][ ۶۸۹ ][ ۶۹۰ ][ ۶۹۱ ][ ۶۹۲ ][ ۶۹۳ ][ ۶۹۴ ][ ۶۹۵ ][ ۶۹۶ ][ ۶۹۷ ][ ۶۹۸ ][ ۶۹۹ ][ ۷۰۰ ][ ۷۰۱ ][ ۷۰۲ ][ ۷۰۳ ][ ۷۰۴ ][ ۷۰۵ ][ ۷۰۶ ][ ۷۰۷ ][ ۷۰۸ ][ ۷۰۹ ][ ۷۱۰ ][ ۷۱۱ ][ ۷۱۲ ][ ۷۱۳ ][ ۷۱۴ ][ ۷۱۵ ][ ۷۱۶ ][ ۷۱۷ ][ ۷۱۸ ][ ۷۱۹ ][ ۷۲۰ ][ ۷۲۱ ][ ۷۲۲ ][ ۷۲۳ ][ ۷۲۴ ][ ۷۲۵ ][ ۷۲۶ ][ ۷۲۷ ][ ۷۲۸ ][ ۷۲۹ ][ ۷۳۰ ][ ۷۳۱ ][ ۷۳۲ ][ ۷۳۳ ][ ۷۳۴ ][ ۷۳۵ ][ ۷۳۶ ][ ۷۳۷ ][ ۷۳۸ ][ ۷۳۹ ][ ۷۴۰ ][ ۷۴۱ ][ ۷۴۲ ][ ۷۴۳ ][ ۷۴۴ ][ ۷۴۵ ][ ۷۴۶ ][ ۷۴۷ ][ ۷۴۸ ][ ۷۴۹ ][ ۷۵۰ ][ ۷۵۱ ][ ۷۵۲ ][ ۷۵۳ ][ ۷۵۴ ][ ۷۵۵ ][ ۷۵۶ ][ ۷۵۷ ][ ۷۵۸ ][ ۷۵۹ ][ ۷۶۰ ][ ۷۶۱ ][ ۷۶۲ ][ ۷۶۳ ][ ۷۶۴ ][ ۷۶۵ ][ ۷۶۶ ][ ۷۶۷ ][ ۷۶۸ ][ ۷۶۹ ][ ۷۷۰ ][ ۷۷۱ ][ ۷۷۲ ][ ۷۷۳ ][ ۷۷۴ ][ ۷۷۵ ][ ۷۷۶ ][ ۷۷۷ ][ ۷۷۸ ][ ۷۷۹ ][ ۷۸۰ ][ ۷۸۱ ][ ۷۸۲ ][ ۷۸۳ ][ ۷۸۴ ][ ۷۸۵ ][ ۷۸۶ ][ ۷۸۷ ][ ۷۸۸ ][ ۷۸۹ ][ ۷۹۰ ][ ۷۹۱ ][ ۷۹۲ ][ ۷۹۳ ][ ۷۹۴ ][ ۷۹۵ ][ ۷۹۶ ][ ۷۹۷ ][ ۷۹۸ ][ ۷۹۹ ][ ۸۰۰ ][ ۸۰۱ ][ ۸۰۲ ][ ۸۰۳ ][ ۸۰۴ ][ ۸۰۵ ][ ۸۰۶ ][ ۸۰۷ ][ ۸۰۸ ][ ۸۰۹ ][ ۸۱۰ ][ ۸۱۱ ][ ۸۱۲ ][ ۸۱۳ ][ ۸۱۴ ][ ۸۱۵ ][ ۸۱۶ ][ ۸۱۷ ][ ۸۱۸ ][ ۸۱۹ ][ ۸۲۰ ][ ۸۲۱ ][ ۸۲۲ ][ ۸۲۳ ][ ۸۲۴ ][ ۸۲۵ ][ ۸۲۶ ][ ۸۲۷ ][ ۸۲۸ ][ ۸۲۹ ][ ۸۳۰ ][ ۸۳۱ ][ ۸۳۲ ][ ۸۳۳ ][ ۸۳۴ ][ ۸۳۵ ][ ۸۳۶ ][ ۸۳۷ ][ ۸۳۸ ][ ۸۳۹ ][ ۸۴۰ ][ ۸۴۱ ][ ۸۴۲ ][ ۸۴۳ ][ ۸۴۴ ][ ۸۴۵ ][ ۸۴۶ ][ ۸۴۷ ][ ۸۴۸ ][ ۸۴۹ ][ ۸۵۰ ][ ۸۵۱ ][ ۸۵۲ ][ ۸۵۳ ][ ۸۵۴ ][ ۸۵۵ ][ ۸۵۶ ][ ۸۵۷ ][ ۸۵۸ ][ ۸۵۹ ][ ۸۶۰ ][ ۸۶۱ ][ ۸۶۲ ][ ۸۶۳ ][ ۸۶۴ ][ ۸۶۵ ][ ۸۶۶ ][ ۸۶۷ ][ ۸۶۸ ][ ۸۶۹ ][ ۸۷۰ ][ ۸۷۱ ][ ۸۷۲ ][ ۸۷۳ ][ ۸۷۴ ][ ۸۷۵ ][ ۸۷۶ ][ ۸۷۷ ][ ۸۷۸ ][ ۸۷۹ ][ ۸۸۰ ][ ۸۸۱ ][ ۸۸۲ ][ ۸۸۳ ][ ۸۸۴ ][ ۸۸۵ ][ ۸۸۶ ][ ۸۸۷ ][ ۸۸۸ ][ ۸۸۹ ][ ۸۹۰ ][ ۸۹۱ ][ ۸۹۲ ][ ۸۹۳ ][ ۸۹۴ ][ ۸۹۵ ][ ۸۹۶ ][ ۸۹۷ ][ ۸۹۸ ][ ۸۹۹ ][ ۹۰۰ ][ ۹۰۱ ][ ۹۰۲ ][ ۹۰۳ ][ ۹۰۴ ][ ۹۰۵ ][ ۹۰۶ ][ ۹۰۷ ][ ۹۰۸ ][ ۹۰۹ ][ ۹۱۰ ][ ۹۱۱ ][ ۹۱۲ ][ ۹۱۳ ][ ۹۱۴ ][ ۹۱۵ ][ ۹۱۶ ][ ۹۱۷ ][ ۹۱۸ ][ ۹۱۹ ][ ۹۲۰ ][ ۹۲۱ ][ ۹۲۲ ][ ۹۲۳ ][ ۹۲۴ ][ ۹۲۵ ][ ۹۲۶ ][ ۹۲۷ ][ ۹۲۸ ][ ۹۲۹ ][ ۹۳۰ ][ ۹۳۱ ][ ۹۳۲ ][ ۹۳۳ ][ ۹۳۴ ][ ۹۳۵ ][ ۹۳۶ ][ ۹۳۷ ][ ۹۳۸ ][ ۹۳۹ ][ ۹۴۰ ][ ۹۴۱ ][ ۹۴۲ ][ ۹۴۳ ][ ۹۴۴ ][ ۹۴۵ ][ ۹۴۶ ][ ۹۴۷ ][ ۹۴۸ ][ ۹۴۹ ][ ۹۵۰ ][ ۹۵۱ ][ ۹۵۲ ][ ۹۵۳ ][ ۹۵۴ ][ ۹۵۵ ][ ۹۵۶ ][ ۹۵۷ ][ ۹۵۸ ][ ۹۵۹ ][ ۹۶۰ ][ ۹۶۱ ][ ۹۶۲ ][ ۹۶۳ ][ ۹۶۴ ][ ۹۶۵ ][ ۹۶۶ ][ ۹۶۷ ][ ۹۶۸ ][ ۹۶۹ ][ ۹۷۰ ][ ۹۷۱ ][ ۹۷۲ ][ ۹۷۳ ][ ۹۷۴ ][ ۹۷۵ ][ ۹۷۶ ][ ۹۷۷ ][ ۹۷۸ ][ ۹۷۹ ][ ۹۸۰ ][ ۹۸۱ ][ ۹۸۲ ][ ۹۸۳ ][ ۹۸۴ ][ ۹۸۵ ][ ۹۸۶ ][ ۹۸۷ ][ ۹۸۸ ][ ۹۸۹ ][ ۹۹۰ ][ ۹۹۱ ][ ۹۹۲ ][ ۹۹۳ ][ ۹۹۴ ][ ۹۹۵ ][ ۹۹۶ ][ ۹۹۷ ][ ۹۹۸ ][ ۹۹۹ ][ ۱۰۰۰ ][ ۱۰۰۱ ][ ۱۰۰۲ ][ ۱۰۰۳ ][ ۱۰۰۴ ][ ۱۰۰۵ ][ ۱۰۰۶ ][ ۱۰۰۷ ][ ۱۰۰۸ ][ ۱۰۰۹ ][ ۱۰۱۰ ][ ۱۰۱۱ ][ ۱۰۱۲ ][ ۱۰۱۳ ][ ۱۰۱۴ ][ ۱۰۱۵ ][ ۱۰۱۶ ][ ۱۰۱۷ ][ ۱۰۱۸ ][ ۱۰۱۹ ][ ۱۰۲۰ ][ ۱۰۲۱ ][ ۱۰۲۲ ][ ۱۰۲۳ ][ ۱۰۲۴ ][ ۱۰۲۵ ][ ۱۰۲۶ ][ ۱۰۲۷ ][ ۱۰۲۸ ][ ۱۰۲۹ ][ ۱۰۳۰ ][ ۱۰۳۱ ][ ۱۰۳۲ ][ ۱۰۳۳ ][ ۱۰۳۴ ][ ۱۰۳۵ ][ ۱۰۳۶ ][ ۱۰۳۷ ][ ۱۰۳۸ ][ ۱۰۳۹ ][ ۱۰۴۰ ][ ۱۰۴۱ ][ ۱۰۴۲ ][ ۱۰۴۳ ][ ۱۰۴۴ ][ ۱۰۴۵ ][ ۱۰۴۶ ][ ۱۰۴۷ ][ ۱۰۴۸ ][ ۱۰۴۹ ][ ۱۰۵۰ ][ ۱۰۵۱ ][ ۱۰۵۲ ][ ۱۰۵۳ ][ ۱۰۵۴ ][ ۱۰۵۵ ][ ۱۰۵۶ ][ ۱۰۵۷ ][ ۱۰۵۸ ][ ۱۰۵۹ ][ ۱۰۶۰ ][ ۱۰۶۱ ][ ۱۰۶۲ ][ ۱۰۶۳ ][ ۱۰۶۴ ][ ۱۰۶۵ ][ ۱۰۶۶ ][ ۱۰۶۷ ][ ۱۰۶۸ ][ ۱۰۶۹ ][ ۱۰۷۰ ][ ۱۰۷۱ ][ ۱۰۷۲ ][ ۱۰۷۳ ][ ۱۰۷۴ ][ ۱۰۷۵ ][ ۱۰۷۶ ][ ۱۰۷۷ ][ ۱۰۷۸ ][ ۱۰۷۹ ][ ۱۰۸۰ ][ ۱۰۸۱ ][ ۱۰۸۲ ][ ۱۰۸۳ ][ ۱۰۸۴ ][ ۱۰۸۵ ][ ۱۰۸۶ ][ ۱۰۸۷ ][ ۱۰۸۸ ][ ۱۰۸۹ ][ ۱۰۹۰ ][ ۱۰۹۱ ][ ۱۰۹۲ ][ ۱۰۹۳ ][ ۱۰۹۴ ][ ۱۰۹۵ ][ ۱۰۹۶ ][ ۱۰۹۷ ]
    .: Weblog Themes By iranblag :.

    درباره وبلاگ

    تيم مشاوران مديريت ايران IranMCT ----------------- http://iranmct.com ---------------- Iran Management Consultants Team
    پنل کاربری
    نام کاربری :
    پسورد :
    لینک های تبادلی
    فاقد لینک
    تبادل لینک اتوماتیک
    لینک :
    خبرنامه
    عضویت   لغو عضویت
    امکانات وب
    شمارنده
    شرکت مشاوره مدیریتبازارسازی مدیریت بازاریابی. بازدید تحقیقات بازاریابیآموزش مدیریت MBAدلایل ترک تحقیقات بازاریابی تحقیقات مدیریت شرایط سخت بازارکارت امتیازی متوازنارزیابی عملکرد . نمونه مطالعات موردی.برند برندینگانواع برند معرفی 21 نوع متفاوت از برندبرندسازی branding marketing . برندسازی.تحقیقات بازاریابی انگیزه بخش http://marketingbranding.ir سبک مدیریت است مدیریت بازاربازاریابیتحقیقات بازاریابی ویژگی های .حرفه ای مشاوره اموزش مدیریت.شناسایی مشتریان .تحقیقات بازاریابی استفاده از تحقیقات بازار و بازاریابی http://marketingsales.irmarketing مدیریت برندینگ . Business Management ConsultantIran Business Management ConsultantManagement . بازاریابیانواع بازاریابی 127 نوع بازاریابیبازاریابی. بازاریابی MarketingMix آمیختهآمیزه بازاريابیمدیریت بازاریابی. اخبار مدیریت و تجارتمدیریت.مشاوره بازاریابی مدیریت آموزش تکنیک‌های فروشندگی حرفه‌ای فروشندگی. اخبار مدیریت و تجارتبازاریابی برندینگ. http://iranmct.com/news/page/12مدیریت. مدیریت مشاوره بازاریابیآموزش. بیزینس پلن طرح توجیهی طرح business plan. برنامه بازاریابی Marketing Planبازاریابی. مشاوره تبلیغات مشاور تبلیغات مشاور مدیریت management مشاوره مدیریت انواع بازاریابی بازاریابی. Business Planبیرینس پلن طرح توجیهیمدیریت. کلینیک کاشت موی طبیعی آسمان