مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 4407
دیروز : 16617
افراد آنلاین : 5
همه : 4259943

 

تنسيق الخطبة

وفيه ثلاثة مطالب:

وهو في اللغة: التنظيم والترتيب، وفي الاصطلاح: تنظيم معاني الخطبة وسياق أجزائها وذكر أدلتها، وهو من أعظم أركان البلاغة ووسائل التأثير؛ فإنه بمنزلة تنظيم صفوف الجند، فكما لا نصرة لجيش لم يراع فيه حسن النظام - كذلك لا قوة للخطبة ولا أثر لها إذا لم ترتب ترتيبًا حكيمًا؛ بحيث تكون أبين غرضًا، وأحسن في النفوس وقعًا، وأقسام الخطبة إجمالاً ترجع إلى ثلاثة أشياء: المقدمة، والإثبات، والخاتمة.

 
المطلب الأول

في المقدمة

وفيه مباحث:

المقدمة: هي فاتِحة الكلام ومرجع فحواه، ولما كانت بمثابة الأساس من البناء، والرأس من الأعضاء، وجب أن تكون محكمة الوضع، مناسبة مشوقة للسامعين إلى بسط الكلام فيما تشير إليه، فهي خطبة مُجملة.

المبحث الأول

في حسن الافتتاح

وهو أن يكون الابتداء لائقًا بموضوع الخطبة، بأن يأتي الخطيب في صدرها بما يدل على المقصود منها، وهو براعة الاستهلال.

قال أبو عثمان الجاحظ، نقلاً عن أبي علي القالي: "وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك؛ كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته - كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح - حتى يكون لكلٍّ من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناه، ولا يشير إلى مغزاه، ولا إلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت".

وجملة الأمر: أن المطلع هو أول ما يستأذن على السمع من الكلام، فإن كان حسنًا رائقًا ظريفًا مناسبًا للموضع؛ أُذِنَ له، وتقبلته النفوس، وتطلعت إلى ما يورده الخطيب بعد، وحثَّها الشوق إلى الآتي بإضافته إلى الماضي، وهذا هو سر حسن الافتتاح.

ويستهجن في الافتتاح أمور:

الأول: الإسهاب والاستطالة بما يمل السامع، منه ما دام في الإيجاز وفاءً بالغرض.

الثاني: أن يكون مبتذلاً مشاعًا، يصلح لكل خطبة.

الثالث: ألا يوافق الموضوع؛ فيكون قلقًا غير ملتئم معه.

وأنواع الافتتاح أربعة: السهل، والجزل، والبدهي، والملوح.

فالسَّهل: ما يبين فيه الموضوع بلا تكلف، ويسمَّى الساذج، وهو أحْرَى بالخُطَب العاديَّة، ومحافل الأدب، ومجالس العظات والتَّشاوُر.

والجَزْل: ما كان أنيق اللفظ، شريف المعنى، يزينه حسن التعبير ورونقه، ويصلح للأحوال الخارقة للعادة، والوقائع الشريفة، والنوازل الهامة، إذ يتوقع الجمهور ما يكشف عن عظام الأمور؛ كقول أبي بكر - رضي الله عنه - يومَ مَوْتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّها النَّاسُ، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلا الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]، وكقول أبي الحسن الأنباري في افتتاح قصيدته في رثاء الوزير أبي طاهر، لما صَلَبَهُ عضُد الدولة؛ حيث قال:

عُلُوٌّ فِي  الحَيَاةِ  وَفِي  المَمَاتِ        لَعَمْرِي تِلْكَ إِحْدَى المُعْجِزَاتِ
والبَدَهي: ما أصاب السامع على غير انتظار، وأبرز عن حَميم العواطف والقلوب المتألِّمة، ومقامه الوقائع الباغتة والطوارئ المفجعة.

والملوِّح - أو المعرِّض -: في اللغة: خلاف المصرِّح، وفي الاصطلاح: ما يخرج مخرج الكناية والتعريض، ويستعمل في سياسة النفوس النافرة، وترقيق القلوب العاتية المتكبرة الجبارة.

وكثير من خطباء هذا العصر يقلِّد خطباء أوربا في ترك هذه المقدمات رأسًا، مكتفين بمقدمة أجنبيَّة، فيها ثناء أو اعتذار أو تنويه بشأن الموضوع، وهو خروج عن الطريقة المألوفة في الخطابة عند الصدر الأول على ما عرفت.

المبحث الثاني

في بيان المقصد

هو أن يظهر الخطيب ما يبني عليه كلامه، بذكر ما سيلقي بعبارة جامعة جلية موجزة؛ لتكون كالعنوان للكتاب.

ولبيان المقصد عند العرب أسماء أخرى، وقد يسمونه بالسِّمَة، وهي عنوان الخطاب، ليكون عند السامع إجمال ما يفصِّله الخطيب بعدُ.

والصفات الملائمة لبيان المقصد ثلاث:

الأولى: أن يكون مترتبًا على قضية واحدة فقط؛ كما لو أردت الكلام على العدل؛ فإنك تقول: إن العدل أساس عمران الممالك - مثلاً.

الثانية: أن يكون واضحًا؛ لأن الغرض إذا كان خفيًّا بعيد المأخذ تبرَّم منه السامع، مثلاً: إذا كان الكلام على حسن الخُلُق قلتَ: "مَنْ حَسُنَ خُلُقُه وجبت محبته، ومَنْ ساء خُلُقُه تنكَّدت معيشته"، أو على شرف العقل قلتَ: "خير المواهب العقل، وشرُّ المصائب الجهل".

الثالثة: أن ينشط السامعين بابتكار صورته ولطيف مخرجه؛ كما تقول في كثرة خطوب الدهر: "الليل والنهار غرسان، يثمران للبرية صنوف البلية"، أو: "زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا"، أو التحذير من المعاصي قلتَ: "رأس الحكمة مخافة الله".


المبحث الثالث

في تقسيم الخطاب

التقسيم في اللغة: مصدر قسمت الشيء إذا جزَّأته، وفي اصطلاح الخطباء: هو تفصيل المقصد ببيان أجزائه بعد ذكره مجملاً، وله فوائد كثيرة منها ما يعود إلى نفس الخطيب من حيث إنه وقاية له من الهذر والخروج عن الموضوع، وتكرار المعاني، ومنها ما يعود على السامعين بتسهيل إدراك الموضوع، وترويح خاطرِهِم فينشطون لِلسماع بالانتقال من قسم إلى آخر، هذا إلى أن التقسيم يفيد الخطبة وضوحًا ويكسوها حسنًا وجمالاً، وصفات التقسيم الحسن أربع:

الأولى: أن تكون القسمة شاملة لكل أجزاء الموضوع لا يخرج عنها جزء من أجزائه.

الثانية: أن تكون الأقسام متباينة لا يدخل بعضها في بعض.

الثالثة: أن تكون واضحة يتلقاها عقل السامع بسهولة فترسخ في ذهنه.

الرابعة: أن تكون مبتكرة موجزة كقول بعضهم في دواعي المحبة: ثلاثة تورث المحبة: الأدب، والتواضع، والدين.

المطلب الثاني

في الإثبات

وفيه مبحثان:

هو في اللغة: التمكين، يقال: أثبت الأمر: جعله مكينًا، وفي الاصطلاح: تأييد القضية بالبرهان، وهو قطب الخطابة وعِمادُها، فإن كان معقولاً متين الدَّعائم، تلقَّاها الناس بالقبول، وإن كان ضعيفًا واهيًا سَقَطَتْ كما يسقط البناءُ القائِم على أساسٍ ضعيف، وهو نوعان:

إيجابِي: وهُو ما اشْتَمَل على تصديق القضيَّة وتعزيزِها بالأدِلَّة الواضحة، والحُجَجِ الدَّامِغة، ويُسمَّى التبيان.

وسلبي: يفند به الخطيب حجج الخصم، ويدحض مقاله، ويسمى التفنيد.

المبحث الأول

في بيان القضية

وطريق التبيان معرفة البحث والجدل على ما هو مبسوط في علمي المنطق وآداب البحث وأمرهما هين عليك إلا أن القياس المنطقي يختلف عن القياس الخطابي من وجهين:

الأول: أن المنطقي يتبع اليقينيات، أما الخطابي فيستند إلى المقبولات والمظنونات لكفايتها في الإقناع كما علمت.

الثاني: أن المنطقي عادة لا يتصرف في القياس بخلاف الخطابي، فإنه يتصرف في المقدمات بالتقديم والتأخير على ما يراه أقرب لغايته، وأوفق بمقصوده.

المبحث الثاني

في التفنيد

ويسمى أيضًا النقض، وهو في اللغة: التكذيب والتجهيل، وفي الاصطلاح: هو قسم من الخطابة يخطئ به المتكلم رأي خصمه ويرد على حججه، والمطلوب تفنيده في الخطابة أصناف ثلاثة:

الأول: ما يسبق إليه توهم السامع، والأولى أن يفنده الخطيب في صدر خطابه كما لو أراد حمل الجند على الجهاد، فإن توهم الجند الخوف من العدو فلا ينجح كلامه فيهم ما لم يبطل خوفهم منه في مبدأ كلامه ببيان تفوقهم عليه ولو من بعض الوجوه.

الثاني: ما يورده الخطيب على نفسه لكثرة علوقه بأذهان الناس ليبطله، ويبين خطأهم فيه كتفنيد حجج من يتهاون بالمعاصي اتكالاً على حلم الله وكرمه وسعة رحمته، أو من يرجئ التوبة رجاء أن ينيب إلى ربه في آخر حياته.

الثالث: ما يأتي به الدفاع أمام القضاء في المنازعات، وهذه المحاجة تقدم أو تؤخر بحسب مقتضيات الأحوال.

المطلب الثالث

في الختام

هو آخر ما ينتهي إلى آذان السامعين من كلام الخطيب، ويسمى حسن الانتهاء وحسن المقطع، وكما يجب التألُّق في المطلع تَجِبُ البراعة في المَقْطُعِ، إذْ هُوَ الأَثَرُ الباقي في نُفُوسِ السَّامعين بعد الإتمام، وآخر ما يتردَّدُ صداه في قلوبِهم، وبه تتم الفائدة، وأحسنه ما آذن بانتهاء الكلام بأن يشير المتكلم في كلامه إلى ما يشعر بانتهاء الغرض المقصود، وأمثلة حسن الختام كثيرة في القرآن الكريم، وخطب البلغاء.

انظر في خواتِمِ السُّوَرِ تَجِدُها غاية في الحسن، ونهاية في الإبداع، فقد جاءت متضمنة للمعاني البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام؛ حتى لا يبقى معه للنفوس تشوف إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا، وفرائض وتحميد، وتهليل ومواعظ، ووعد ووعيد، وما إلى ذلك كالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، والفرائض التي ختمت بها سورة النساء، وحسن الختام لما فيها من أحكام الموت الذي هو آخر أمر كل حي، والتبجيل والتعظيم الذي ختمت به سورة المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت به سورة الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذي ختمت به سورة الأعراف، والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذي ختم به سورة الأنفال، ووصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدحه، وتسليته، ووصيته بالثقة بالله تعالى، والتهليل بالتفويض إليه سبحانه الذي ختمت به سورة براءة، وتسليته - صلى الله عليه وسلم - التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة سورة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختم به سورة يوسف، والوعد والوعيد والرد على من كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ختم به سورة الرعد، ومِن أحسن ما آذن بالختام خاتمة سورة إبراهيم: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [إبراهيم: 52]، ومثلها خاتمة سورة الأحقاف، وكذا خاتمة سورة الحجر بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وهو مفسر بالموت فإنها غاية في البلاغة، وانظر إلى سورة الزلزلة كيف بدئت بأهوال القيامة، وختمت بقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8].

والغاية من حسن المقطع أمران: أن يتم إقناع السامعين حتى لا يبقى للنفوس بعده تطلع، وذا يكون بذكر مجمل ما أتى به مفصلاً، وأن يقوي فيهم الرغبة في العمل بما أذعنوا له، وذا يكون بإفراغ ما في الوسع في تحريك العواطف والمهارة في التأثير، وعلى الخطيب إذا لخص الخطبة أن يعمد إلى أهم ما جاء فيها من البيانات، فيبرزها في صورة جديدة وأسلوب رشيق لئلا تذهب طلاوتها، وحتى لا يكون إعادة أدلتها مثلاً من باب التكرار الممل المعيب.

منبع :

كتاب "فن الخطابة" / الشيخ علي محفوظ


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۲ ] [ مشاوره مديريت ]
  لفظ الخطبة     فصل   ينبغي أن تكون ألفاظ الخطبة مُبَيِّنَةً مرتَّبةً مرتَّلةً، بعبارةٍ يفهمها السامعون، لا يزدريها العلماء، ولا يجهلها العوامُّ، عذبة الإيراد، سهلةً على الأفهام؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولحسن اللفظ في هذا أثرٌ ظاهر. يُكره تكلُّف السجع فيها، وتحرِّي دقائق الإعراب ووحشيِّ اللغة.

وينبغي أن يقتصد فيها ولا يطوِّلها؛ لئلا يُضجر السامعين، وتذهب حلاوة السَّماع وجلالة المسموع من قلوبهم؛ خوفًا من أن يؤدِّي بهم إلى كراهة سماعها فيقعوا في المحذور، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوَّلهم بالموعظة كراهة السآمة عليهم، كما ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن مسعود.

وثبت في "صحيح مسلم" عن عمَّار بن ياسر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأَقْصِروا الخُطْبة)). وقوله: ((مَئنَّة))؛ أي: علامة دالة على فقهه.

وقال الزهري - رحمه الله -: "إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه نصيب".

وينبغي أن يحافظ على الإتيان بالشهادتين فيها مع الثناء على الله تعالى؛ فقد روى التِّرمذي حديثًا حسنًا من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ؛ فهي كاليد الجَذْماء))؛ رواه أبو داود أيضًا.

وينبغي أن يحافظ على الإتيان بقوله: "أما بعد" بعد الثناء وقبل الوصية بالتقوى؛ فهي سنَّةٌ ثابتةٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع خطبه في "الصحيحين" وغيرها.

وهي فصل الخطاب الذي أوتِيَه داود - عليه السلام - في قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20]  في قول جماعةٍ من المفسِّرين.

وينبغي أن يبيِّن كلامه ويوضِّحه؛ فقد روى البخاري في "صحيحه" عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا".

وقد خطب رجلٌ بين يَدَي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال في خطبته: "مَنْ يُطِعِ الله ورسوله فقد رَشَد، ومَنْ يَعْصِهِما فقد غَوى"؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بئس الخطيب أنت! قُلْ: ومَنْ يَعْصِ الله ورسوله فقد غَوى))، لمَّا أوْهَم ذلك التَّشريك في اللفظ - بِعَوْدِ الضَّمير إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لغير ذوي الأفهام، مع أنه مَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومَنْ عصى الرسول فقد عصى الله، ولا يلزم في الأدب أنَّ مَنْ أطاع الله فقد أطاع الرسول - قبَّح عليه ذلك من عَوْد الضمير إليهما، للإيهام في الاشتراك عند غير أهل الفهم؛ فقال له: ((بئس الخطيب أنت))؛ لأنه كان في مقامٍ عامٍّ، فأرشده بالتَّقبيح إلى الإيضاح الذي لا يوهم اشتراكًا على بُعْدٍ بعيد،، والله أعلم.

وينبغي للخطيب والواعظ والمدرِّس والمعلِّم ألاَّ يراقب مَنْ يسمعه أو يتعلَّم منه في شيءٍ ممَّا يلقيه ويتكلم به؛ بل يكون مراقِبًا لربه - سبحانه وتعالى - فيما أمره في تلك الحال من الإبلاغ والأداء والنَّفع للسَّامعين فيما يحتاجون إلى معرفته من أحكام دنياهم وآخرتهم، مُعْرِضًا عن مراقبة نفسه في هيئتها ومَنْ حَضَرَه من المستمعين وغيرهم،، والله أعلم.
فصل
وينبغي أن تكون الموعظة في كل وقت وزمان على حسب حاجة النَّاس إليها مما يجهلونه من الأحكام الشرعية، والتَّنزيهات الربَّانية، وما يَحْمِل على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قِصَر الأمل في الأمور الدنيويَّة دون الأخرويَّة، وما يحمل على الإيمان بالبَعْث والنُّشور، والجنة والنار، وعلى العمل والإخلاص فيه، وعلى التَّناصف والتَّواصل والتَّراحم، وترك التَّقاطع والتَّدابُر والتَّظالُم، وعلى التعاون على البرِّ والتقوى، ونصر المظلوم، ونصر الظالم بمنعه من الظلم، وحثِّ ولاة الأمر على العدل والإنصاف والإحسان، وتَرْك الجَوْر والإثم والعدوان، وحثِّ النَّاس على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي سببٌ لرفع البلاء، والنَّصر على الأعداء، وعدم تعميم العذاب، واستجابة الدعاء من ربِّ الأرباب، وإنزال البركات، وغفر الذنوب والتَّبِعات.

ويذكرُ فضل الأزمنة والشهور والأعوام، ويحثُّ على الصلاة والصيام، والحج وإقامة الشعائر والمناسك والقيام.

وهكذا ك">{lang: 'fa'}
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  سعة وشمول الخطبة الإسلامية   الخطبة الإسلامية تَتَّسع باتِّساع هذه الدعوة؛ لتشملَ كلَّ ناحية مِن نواحي الحياة؛ سواء كانتْ سياسيَّة، أم اقتصاديَّة، أم اجتماعيَّة، أم أخلاقيَّة، وسواء تعلَّقَتْ بالحرب أم بالسلم، بالمسجد أم بالسوق، بالحياة الخاصة أم العامة، وقد تحدَّثَ البعضُ في فُنُون الخطابة عن الخُطَب السياسيَّة، والخطب النيابيَّة، والخطب الانتخابيَّة، وخطب النوادي والمُجْتَمعات، وخطب المؤتَمَرات السياسية، كما تَكَلَّموا عن سمات الخطابة القضائيَّة، وخُطب الوعظ الدِّيني، والخطب العسكريَّة، والمحاضَرات العلميَّة العامَّة، وخُطَب التأبين، وخطب المَدْح والشُّكر، وقَسَّموا الخطابة العربيَّة من حيث تاريخُها إلى: خطابة في العصر الجاهلي، والخطابة عند المسلمين.

ويحلو للبعضِ تقسيم الخُطَب الإسلاميَّة إلى خُطب وعظيَّة، وخطب حكميَّة أو فقهيَّة، وخطب سياسية واقتصادية، وأحيانًا يَصِفُها البعضُ بأنها حماسيَّة، أو الغرض منها الإثارة والتهييج.

وقد يحدُث تفاوُت في التقييم، وتتداخل المعاني، فلِحَسْمِ ذلك لا بدَّ منَ الرُّجوع للكتاب والسنَّة، ومعرفة السُّنَن الشرعية، والسُّنَن الكونيَّة، وإلا فلا بُدَّ مِن صبغ جميع نواحي الحياة بشَرْع الله، ولا فصل بين السياسة والاقتصاد، والحرب والسلام، وبين دين الله - جل وعلا - وكما قال العلماء: الفصل بين الدِّين والسياسة أقصر طريق إلى الكفر؛ وقال تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِينًا} [المائدة: 3]، وقال: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163].

ومَن تَتَبَّع الخطب المأثورة عنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة مِن بعده، فلن يجدَ مثل هذه التقسيمات، التي أدَّتْ إلى فصل الدِّين عن الدُّنيا في جانب، وإلى استهانة ببعض صور الخطابة؛ كالخُطَب الوعظيَّة عند قطاع المسلمين في جانب آخر.

قد يغلب على الخطبة: إثارة بواعث الجِهاد في سبيل الله، أو تناوُل موضوع سياسِي أو اقتصادي، وهذا لا يمنع أبدًا منَ التذكير بمعاني التوحيد والاتِّباع، وربط الشرع بالواقع، والتخويف من عذاب الله، والتذكير بالجنة والنار، والموت والقبور والآخرة.

ومع حرص الخطيب على تجنُّب الفِتَن، والتباعُد عن الإثارة والتهييج، فاتِّهامه بذلك قد يكون بغير حقٍّ، ونتيجة اعتياد سماع الخطب النمطيَّة التي لا تحرِّك ساكنًا، وقد يتفاوَتُ الأمر زمانًا ومكانًا وشخصًا، ويبقى الغرض منَ الخطبة هو إصلاح دنيا الناس بدين الله، ومعالجة المشاكل قدر الاستطاعة.

وإليك نماذجَ من خُطَب الجاهليين: خطبة أبي طالب في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - منَ السيدة خديجة - رضي الله تعالى عنها -: الحمدُ لله الذي جَعَلَنَا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوبًا، وجعلنا الحكَّام على الناس، وإنَّ محمد بن عبدالله ابن أخي لا يوزن به فتى من قريش، إلا رجح به بركة وفضلاً وعدلاً ومجدًا ونُبلاً، وإن كان في المال مقلاًّ، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعليَّ.

خطبة أكثم بن صيفي في قومه، عندما جاءه نبأ النبي - صلى الله عليه وسلم -: روي في "مجمع الأمثال" عن ابن سلام الجمحي، قال: لما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم -بمكة المكرمة، ودعا الناس، بعث أكثم بن صيفي ابنه حبشيًّا، فأتاه بخير، فجمع بني تميم، وقال: يا بني تميم، لا تحضروني سفيهًا، فإنه مَن يسمع يخل أنَّ السفيه يوهن من فوقه، ويثبت من دونه، لا خير فيمن لا عقل له، كبرتْ سني، ودخلتني زلة، فإن رأيتم مني حسنًا، فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك، فقوِّموني أستقم، إن ابني شافه هذا الرجل مشافهة، وأتاني بخبره، وكتابه يأمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسِن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عرف ذو الرأي منكم أنَّ الفضْل فيما يدعو إليه، وأن الرأي ترك ما ينهى عنه.

إن أحق الناس بمعونة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومساعدته على أمره - أنتم، فإن يكنِ الذي يدعو إليه حقًّا، فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً، كنتم أحق الناس بالكفِّ عنه، وبالستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله، وسمى ابنه محمدًا، فكونوا في أمره أولاً، ولا تكونوا آخرًا، ائتوا طائعين، قبل أن تأتوا كارهين، إن الذي يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن دينًا، لكان في أخلاق الناس حسنًا، أطيعوني واتَّبعوا أمري، أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدًا، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عددًا، وأوسعهم دارًا، فإنِّي أرى أمرًا لا يجتنبه عزيز إلاَّ ذلَّ، ولا يلزمه ذليل إلاَّ عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئًا، وهذا أمر له ما بعده، من سبق إليه غمر المعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاختلاف عجز.

فقال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم، فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي، وا لهفي على أمر لم أشهده، ولم يسبقني!

خطبة لقَطَرِي بن الفُجاءة الخارجي[1]: أما بعدُ: فإني أحذركم من الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينتْ بالغرور، لا تدوم نضرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافذة بائدة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله - عز وجل -: {كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45].

مع أن أمرًا لم يكنْ منها في حبرة[2]، إلاَّ أعقبتْه بعدها عبرة، ولم يلقَ من سرَّائها بطنًا، إلاَّ منحته من ضرَّائها ظهرًا، ولم تصله منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحَرِيَّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة.

وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعمًا، أرهقتْه من نوائبها غمًّا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها في قوادم[3] خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية فانٍ مَن عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التَّقوى، مَن أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومَن استكثر منها استكثر مما يوبقه[4]، كم واثقٍ بها قد فجعته! وذي طمأنينة إليها قد صرعته! وكم من مختال بها قد خدعته! وكم ذي أبهة قد صيرته حقيرًا! وذي نخوة قد ردته ذليلاً! وذي تاج قد كبته[5] لليدين والفم! سلطانها دول، وعيشتها رنق، وعذبها أجاج[6]، وحلوها مُر، وغذاؤها سمام[7]، وأسبابها زحام، وقطافها سَلع[8]، حيُّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وضعيفها وسليمها منكوب، وجامعها محروب[9].

مع أنَّ وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل؛ {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31].

ألستم في مساكن مَن كان قبلكم أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا، وأعد عديدًا، وأكتف جنودًا، وأعتد عتادًا، وأطول عمادًا؟! تَعَبَّدوها أيَّ تعبُّد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار.

فهل بلغكم أن الدنيا سمحتْ لهم نفسًا بفدية، وأغنتْ عنهم مما قد أملتهم به؟ بل أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، وأعانتْ عليهم ريب المَنُون، وقد رأيتُم تنكرها لمن دان لها وآثرها، وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر الأمد، هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة؟!

أفهذه تؤثرون، أو على هذه تحرضون، أو إليها تطمئنون؟! يقول الله - تبارك وتعالى -: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16].

فبئست الدار لمن يتهمها، ولم يكن فيها على وَجَل منها.

فاعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لا بُدَّ، فإنما هي كما نعت الله - عز وجل -: {لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} [الحديد: 20].

واتَّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريعٍ آية، وبالذين قالوا: مَن أشد منا قوة، واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم، كيف حُملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانًا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانًا، وجُعل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيًا، ولا يمنعون ضيمًا، يُزارُون ولا يستزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى أضغانهم، وهم كمن لم يكن؛ قال الله تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ} [القصص: 58].

استبدلوا بظهر الأرض بطنًا، وبالسعة ضيقًا، وبالآل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها حفاة عراة فرادى، وظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد؛ يقول الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].

فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.
------------------------ [1]   أحد خطباء الخوارج. [2]   أثر نعمته وحسن. [3]   قوادم الطير: الريش الذي في مقدمة، والمراد هنا: مظاهر الخوف. [4]   يوبقه: يهلكه. [5]   كبه: صرعه أو رماه في هوة. [6]   الماء الأجاج: الملح المر. [7]   السمام: جمع سم. [8]   للقطاف: اسم لما يقطف من عنب أو نحوه، والسلع - بفتح اللام -: شجر مُر أو الصبر أو سم. [9]   المحروب: المسلوب.   منبع :   كتاب : "كيف تكون خطيبًا؟".
الشيخ سعيد عبدالعظيم
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۰ ] [ مشاوره مديريت ]
  تخفيف الخطبة وتقصيرها   اتفق الفقهاء على استحباب تخفيف الخطبة وعدم الإطالة فيها , فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة سأسرد بعضها بعد قليل - إن شاء الله تعالى - لأن المقصود من الخطبة إفادة السامعين وتذكيرهم، ولاشك أن الإطالة في الكلام تجعل بعضه ينسي بعضًا، وتجعل السامع يمل منه؛ بل تنُفر الناس من حضور الخطبة، ولكن المقصود والمطلوب في ذلك اختصار غير مخل وغير ممحق للمعني.

  ومن الأحاديث الواردة في ذلك: 
  •  ما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - فكانت صلاته وخطبته قصدًا"[1]
  • وما جاء في صحيح مسلم أيضًا عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل: "خطبنا عمار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل، قلنا يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست, فقال: إني سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول: ((إنَّ طُول صلاة الرجل، وقِصَر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا))[2]؛ لفظ مسلم، والمئنة: العلامة.
  • وما أخرجه أبو داود عن عمار بن ياسر, قال: "أمرنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بإقصار الخطب"[3] وما أخرج أيضًا أبو داود في سننه عن جابر بن سمرة الوائلي قال:
    "كان رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هن كلمات يسيرات"[4].
  • ما رواه النسائي عن عبداللّه بن أبي أوفى يقول: "كان رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضي له الحاجة"[5].
  • وما روي عن جابر بن سمرة قال: "كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يخطب قائمًا، ثم يجلس ثم يقوم فيقرأ آيات ويذكر اللّه، وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا"[6].

 نصوص المذاهب في ذلك:

   في المذهب الحنفي: جاء في "بدائع الصنائع" في سياق ذكر سنن الخطبة: "ومنها أن لا يُطول الخطبة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتقصير الخطب، وعن عمر -رضى اللّه عنه - أنه قال: "طولوا الصلاة، وأقصروا الخطبة".وقال ابن مسعود: "طول الصلاة، وقصر الخطبة من فقه الرجل", أي إن هذا مما يستدل به على فقه الرجل"[7].

وفي المذهب المالكي: جاء في "الشرح الكبير" في سياق بيان سنن الخطبة: "وتقصيرهما، والثانية أقصر من الأولى"[8].

وفى المذهب الشافعي: قال النووي في "المجموع": "ويستحب تقصير الخطبة للحديث المذكور وحتى لا يملوها، قال أصحابنا: ويكون قصرها معتدلاً, ولا يبالغ بحيث يمحقها "[9].

في المذهب الحنبلي: جاء في "كشاف القناع" "ويُسن ( أن يقصر الخطبة ) لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة فقهه؛ فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة)). ويسن كون الخطبة الثانية أقصر من الخطبة الأولى كالإقامة مع الآذان"[10]

ــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]  رواه مسلم كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 6 / 402  [2]  رواه مسلم 2 / 406 -407، وأحمد في مسنده 4 / 263، والدارمي في السنن 1 / 303، أبو يعلي في المسند 3 / 206 ابن حزيمة في الصحيح3 / 142، وابن حبان في الصحيح 4م / 199 , والبيهقي في السنن 3 / 208 وفي الآداب (245)  [3]رواه أبو داود كتاب الصلاة باب إقصار الخطب 1 / 289     [4]رواه أبو داود كتاب الصلاة باب إقصار الخطب 1 / 289     [5]   رواه النسائي في السنن 3 / 108    [6]رواه ابن ماجه في السنن 1 / 351 والنسائي في السنن 3 / 110 ابن خزيمة في الصحيح 2 / 350، وابن الجارود في "المنتقى" (110)، ورواه بألفاظ مختلفة أبو داود الطيالسي في المسند (105) وعبدالرزاق في المصنف3 / 187 والطبراني في الكبير2 / 216.     [7] الكاساني "بدائع الصنائع" 1 / 263.  [8]الدردير, الشرح الكبير 1 / 382 مع حاشية الدسوقي علية.     [9] النووي, "المجموع" 4 / 582 – 529.  [10]البهوتي, "كشاف القناع" 2 / 36.   منبع :   كتاب: خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية
د . عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله الحجيلان
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۳۰ ] [ مشاوره مديريت ]
  إعداد الخطبة: نصائح وإرشادات   أما المحدّدات التي ننصح الإخوة الوعاظ والخطباء بالتزامها في خطبهم ودروسهم، فهي لا تعدو الأطر العامة التي تضعها شريعتنا السمحة لأسلوب الدعوة، وهي أن تكون دعوتنا بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان محاسن الشريعة، والابتعاد عن التيئيس، وجلد الذات، والاتهام والتجريح.

  وبهذه المناسبة فإنه لا بد من التذكير بطريقة تحضير الخطبة والدرس؛ لكي تؤتي الخطبة أُكُلَها، وتخرج عن النمط التقليدي الذي لا يعدو كونَه تسديدَ خانة، فمن ذلك: تحديد هدف الخطبة، واختيار الموضوع وجمع المادة العلمية؛ باختيار الآيات المناسبة والاطلاع على تفسيرها، والأحاديث الشريفة وتخريجها، ومعرفة أقوال أهل الفقه في ذلك، ثم التأكيد على تحقيق الهدف بالأمثلة، والحِكَم والأشعار، والاستعانة بِكُتُبِ السِّيَر والتاريخ والتراجم، وكتب الثقافة العامَّة ذات الصّلة، ثم تنسيق المعلومات والتأليف بينها، والخلوص من ذلك إلى النتيجة المطلوبة. وهنا لا بُدَّ منَ القَوْلِ بأنَّ الخُطبة الفعالة هي التي تؤثر في نفس السامع، وتدفعه نحو الاستجابة لمطالب الخطيب، وتشد قلبه وعقله للتوجّه إليها والاستفادة منها.

  ومن أسباب الفاعلية والتأثير: أولاً: العوامل الخارجية: ونقصد بها تلك العوامل التي لا تتعلق بالخطبة نفسها؛ ولكنها خارجة عنها، وإن كانت ذات صلة وثيقة بها، ومن ذلك ما يلي: 
  •    خلفية الخطيب وسيرته:
    حيث إنَّ هذه الخلفية تُمثِّل إطارًا مرجعيًّا عند السامع، يحكم من خلاله على هذه الخطبة؛ لذلك يحسن بالخطيب أن يكون ودودًا وصولاً مبادرًا، محبًّا للعلم وأهله، مكرمًا لإخوانه، بارًّا بوالديه وجيرانه، يتحرَّى الحلال، ولا يخالف قولَه فعلُه، غير مداهن ولا متملق، وأن يكون مخلصًا بعيدًا عن النفاق وأهله.. إلى غير ذلك من الصفات الطيبة، التي تجعله قدوة طيبة صالحة.

     
  •  السمت والمظهر:
    ويكون ذلك باللباس النظيف الواسع، الذي ليس فيه ما يستغرب أو يستهجن أو يشغل بال المستمعين، وكلما كان اللباس قريبًا من السُّنة، كان ذلك أكثر فاعلية وتأثيرًا في نفس السامع.

     
  •  الصوت:
    فكلما كان الصوت مناسبًا وعلى قدر الحاجة، بحيث يصل إلى جميع السامعين من غير تشويش أو تقطيع، وبما يتناسب مع طبيعة الموضوع وسياق الحديث - كان ذلك أدعى لجَمْع طاقات المستمع على هدف الخطبة.

     
  • التكييف والتبريد والتهوية:
    فالمستمع الذي يشعر بالبرد أو بشدة الحر، وكذلك المستمع الذي يستنشق الهواء الفاسد أثناء الخطبة - لا شك أنه سيفقد الكثير من تأثير الخطبة؛ لانشغاله بعوامل أخرى غيرها. 

     
  • نظافة المكان: 
    فالمسجد النظيف في ساحاته وأروقته وفراشه وجدرانه وأثاثه، كل ذلك يعطي السامع راحةً نفسية، لها أثرها في حسن الفَهْم، وقوة الاستيعاب لما يقوله الخطيب.

     
  • مدى الاتصال بين المتكلّم والسامع:
    حيْثُ إنَّ الاتّصالَ كُلَّما كان أوثقَ وأقْرَبَ كان ذلك أدْعَى للتأثّر، وتناسب حركات اليد مع الكلمة، وتوزيع نظرات الخطيب نحو المستمعين، وكذا اختيار الموضوع المناسب؛ فإنه يشد انتباه المصلين مع الخطيب.

     
  • الحالة النفسية للخطيب:
    حيث يحسن بالخطيب أن يكون عند الخطبة هادئ النفس، مطمئن القلب، متوجهًا إلى الله تعالى، غير مشغول بما يصرفه عما هو بصدده من أمر الخطبة، ويحسن به أن يكون باسم الوجه مستبشرًا، فالوجه العابس المكفهرّ المتوتر، والجبين المقطّب، كل ذلك من أسباب النفرة واليأس من الخطبة.

     
  • ومن الأمور الخارجية ذات الصلة بفاعلية الخطبة وتأثيرها: 
    توجه السامع ورغبته في السماع، حيث إن هذا الأمر يترك أثرًا واضحًا على نفس الخطيب، ويشرح صدره للكلام؛ مثلما يؤثر جفاء السامع وانشغاله عن الخطبة سلبيًّا على نفسية الخطيب.
    وهكذا فإن على السامعين مسؤولية غير قليلة عن نجاح الخطبة أو فشلها، وهذا يؤكد أن فن الاستماع لا يقل أهمية عن فن الإلقاء.

     
  • ومن أهم الأمور التي يجب أن تسبق إلقاء الخطبة - معرفةُ الخطيب ماذا يريد أن يقول، ومعرفته لمن يقول، وهو الجمهور الذي يستمع اليه، فإن لكل مقام مقالاً، وهي العوامل المؤثرة في فاعلية الخُطبة، وتأثيرها في نفس السامع.
     
  •   ثانيًا: العوامل الداخلية: ونقصد بها تلك العوامل التي تتعلق بالخطبة نفسها، ومن ذلك:
  • براعة الاستهلال: 
    وهي أن تبدأ ببداية مثيرة تشد السامع، وتحرك في نفسه الرغبة في الاستماع والتفاعل، ولنا أن نقتدي في ذلك بالأسلوب القرآني المعجز في مطالع وبدايات السور القرآنية المباركة؛ كقوله – تعالى -: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1]، وقوله – تعالى -: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1]، وقوله – تعالى -: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]، وقوله - تبارك وتعالى -: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]، ومثل ذلك كثير جدًّا، ويتحقق ذلك بطرح المشكلة أو القضية التي يراد الحديث عنها بجملة من الأسئلة والاستفسارات.
    ولنا في أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، فمن ذلك قوله - عليه السلام -: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان))؛ أخرجه البخاري، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خمس أعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن))؛ رواه الطبراني، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((بادروا بالأعمال سبعًا))؛ رواه الترمذي، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة))؛ رواه الطبراني، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات))؛ رواه الإمام مسلم والترمذي والنسائي.

     
  • التحذير من طول المقدمات:
    وهذا شأن يقع فيه كثير من الخطباء، فتجده لا يدخل الموضوع إلا بعد إملال السامع، وتيئيسه من التعرف على الخطبة من أين تبدأ وإلى أين ستنتهي، فتجده يستسلم للنعاس أو الغفلة عن الخطيب؛ فلا ينتبه إلا عند إقامة الصلاة. 

     
  •  تحديد الموضوع مسبقًا:
    وعدم إجْهاد السامع في استنتاج ذلك؛ كأن يقول من البداية: أما بعد فحديثنا إليكم اليوم عن عِبَر الإسراء والمعراج، أو أن يقول: الحمد لله الذي جَعَلَ الحَجَّ رُكنًا من أركان الإسلام، وهكذا فتبدأ الأسئلة والاستفسارات بِقَصْدِ تَوْضِيح أهميَّة الموضوع، وضرورة مُجالَسَتِه. 

     
  • دقة الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة: 
    ويشار في هذه المناسبة إلى أن كثيرًا من الخطباء يبدأ الخطبة وينتهي منها دونما استشهاد بآية ولا حديث؛ مِمَّا يترُكُ الخُطبة خاوية، فقيرة إلى أنوار الوحي! وفي حال ذكر آية كريمة أو حديث شريف فيحسن بالخطيب أن يتأكَّد من دقة حفظه للنص القرآني، ومن تخريج الحديث النبوي الشريف.

     
  • تجنيب الأمور الخلافية:
    وترك الحديث في الاختلافات الفقهية إلى الدروس العلمية المتخصصة، والحرص على الكلام في القضايا الكلية العامة في ديننا التي لا يختلف عليها اثنان، وهذا شأن الخطبة، فهي مقررة في الدين؛ لتوحيد الناس والتأليف بينهم، وجمعهم على مقاصد الشريعة.

     
  • تناول الحديث عن الإسلام على أنه منهج الله الشامل ودينه الكامل:
    ونحذر من الاجتزاء وتقطيع أوصال الدين من خلال الرؤى الضيقة، التي تفهم الإسلام أجزاء وتفاريق، نأخذ منها ما نشاء، ونذَرُ منها ما نشاء وَفْقَ نَظَرٍ قاصر، يغفل حكمة الشريعة وهدفها في بناء مجتمع إنساني راشد، ويؤكّد ذلك الحديث عن منهج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في إقامة مجتمع فريد، يقوم على الطاعة والعدل والشُّورى والتعاوُن والتكافل، والإعراض عن الحديث في القضايا التي لا تكون عند الخطيب عنها معرفة، مما يقوم على المصالح والأهواء الضيقة المحدودة، التي ليس لها ثبات على حال، إذ الحديث في هذا الجانب ضرره أكثر من نفعه، ويكفينا في الحُكْمِ على الأشخاص والأشياء ميزانُ شريعَتِنا الذي لا يُجامِلُ أحدًا لرغبة أو رهبة. 

    ولا بد من التأكيد على أنَّ الشريعة ليستْ ضِدَّ أحد بعيْنِه؛ ولكنَّها رحمةٌ للعالمين، ومن هنا فيحسن بالخطيب أن يذكر الخطأ بأسلوب يعتمد الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ويعرض عن ذِكر المخطئ لإعطائه فرصة للرجوع إلى الصواب دونما حرج.

     
  • تجنب التجريح والتشهير بالأفراد والجماعات:
    لأن هذا يوغر الصدور، ويثير الأحقاد، ويقطع فرص الآخرين للاستفادة من الخطبة؛ لأن السامع في هذه الحالة سيهيئ نفسه للرد عليها، وليس للإفادة منها.

     
  • التأكد من صحة المعلومة ودقتها:
    لكي تكون سببًا لقوة الخطبة؛ وليست عاملاً من عوامل ضعفها.

     
  • الاهتمام باللغة العربية وتجنب اللحن والتزام قواعد الإعراب:
    فكم من موضوعٍ مُهِمٍّ مُفِيد أضاعه ضعفُ لغة الخطيب، ولا يصِحّ أن يلوذ الخطيب أحيانًا بجهل السامع، أو عدم رَغْبَتِه في المراجعة؛ إذِ العربية لبوسُ ديننا، ولغة قرآننا، ولسان نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم. 

     
  •   تناسب النبرة والصوت مع الموقف:
    فيشتد الخطيب في موقف الشدة، ويَلِينُ في موضع اللين؛ تمامًا كما هو وارد في الحديث عن خطب النبي - عليه السلام - الذي كان في مواقف الشدة كأنه منذر جيش.

     
  • تجنب تكرار كلمة بعينها:
    إذ إن ذلك يدعو إلى السآمة والملل، ويقلل من هيبة الخطبة، ويدفع إلى الاستغراب والاستهجان.

     
  • تجنب الإشارة إلى الناس عند ذكر أمر مذموم:
    كما في قوله – تعالى -: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35]، وقوله – تعالى -: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} [المرسلات: 46].

     
  • اختيار العبارات السهلة البسيطة:
    فبدلاً من "اشرأبت"؛ نقول: "تطاولت"؛ وبدلاً من "يتجشمون"؛ نقول: "يتحملون"؛ وبدلاً من "تفاقمت"؛ نقول: "اشتدت"؛ وهكذا، فالمقصود إيصال المعنى؛ وليس الاستعراض اللغوي.

     
  • الحركة المناسبة والاشارة المناسبة:
    فرُبَّ حركة أوصلت المعنى إلى القلب قبل الكلمة وأبلغ من الكلمة، ورُب حركة أضاعت هيبة الكلمة وأفقدتها معناها، ولا بد هنا من التذكير بأنَّ كثرة الحركة وخروجها عن حد الاعتدال - قد يؤدي إلى الزراية والسخرية، فلْيفطن الخطيب لكل ذلك.

     
  •  الابتعاد عن جلد الذات وتقريع الآخرين:
    وترسيخ حالة اليأس والإحباط التي نعانيها، فَكُلّ هذا يؤدّي إلى النُّكوصِ والتَّراجُعِ، ولا يُساعِدُ في تقدُّم الأُمَّة فتيلاً.

     
  •  إشاعة الأمل وروح التيسير والتبشير:
    وهذا ليس من باب الحديث المكرور المرتجل؛ ولكنه منهج رباني مسلوك، وطريق ممدود، يقول المولى – سبحانه -: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 – 6]، ويقول - جل جلاله -: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا)).

     
  •  الخاتمة:
    ويراعى أن تختم الخطبة بكلمات جامعة، ملخصة لما تفرق في الخطبة، ومنسجمة مع ما بدأت به الخطبة، وما عرضت له من موضوع.
  • وبعد: فإن هذا بعض مؤشرات ومؤثرات في إعطاء الخطبة فاعليتها، لم تذكر على سبيل الاستقصاء والحصر، وإنما هي من باب النصح والإرشاد، وهي بالتأكيد قابلة لأن يُزاد عليها أو يُحذف منها {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 148].   منبع :   http://www.alukah.net/Sharia/0/1502/
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۹ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    طريقة مختصرة في تحضير الخطبة

    فإن الخطيبَ مسؤول مسؤولية عظيمة جدًّا أمام الله - عز وجل - فيما يُلقيه على الناس، "والخطابة مسؤولية عُظمى، لا يعلم حجم خطورتها إلا مَن يعلم أهميتها ودقَّة مسلكها، فهي منبر التوجيه والدعوة، وإحياء السنن، وقمع البدع، وقول الحق.

    وفي المقابل إذا أُسِيء استعمالُها، انقلبتْ إلى الضِّدِّ؛ فقد تحيا مِن خلالها البدعُ، ويشاع الباطل، وتموت السُّنَّة، كما أنه قد ينتشر عبرها التضليل والتمويه، وما شابه ذلك؛ لذا كان لزامًا على الخطيب أن يستحضرَ هذا الأمرَ نصب عينيه، وأن يعلمَ أن كلامَه مُؤَثِّر، وأن هناك أصنافًا تستمع إلى خطبته، من بينهم العامَّة، الذين يأخذون كلام الخطيب أيًّا كان، صوابًا أو خطأ، فعلى الخطيب أن يتقي الله، فلا يخوض في نُصُوص الوحيين بغير لجهد والوقت، وتساعد الخطيب على جمع مادة علميَّة متنوعة ومتميزة.

    8 - القَصَص النافع الهادف الذي يزيد الموضوع وضوحًا وترجمة، ويُسلي القوم مع الإفادة منه؛ ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف: 111].

    9 - التعريف بالوسائل المعينة، والترغيب فيها، والحثّ عليها.

    10 - التعريف بالمعوقات، والترهيب منها، والحثّ على اجتنابها.

    11- إن كان يتحدث عن مشكلة ما، فلا بد أن يبينَ مظاهرها في الواقع، وأن يذكر أسبابها، وأن يعرضَ الحل المناسب، ويُفَصِّل فيه بطريقة عملية مناسبة؛ فهو المقصود.

    12- مراجعة القواميس العربية؛ كـ"لسان العرب"، و"القاموس المحيط"، و"مختار الصحاح"، و"المعجم الوسيط".

    13 - لا بد من توثيق كل معلومة، ونسبة كل قول إلى قائله قدر المستطاع.

    14 - إجمال الخطبة في كلمات معدودة، وتلخيص ما تحدَّث عنه؛ ليحفظه السامع ويتذكره؛ فمن البلاغة رد العَجُزِ على الصدر.

    والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

    ــــــــــــ [1] "جامع بيان العلم وفضله" (1/142).

    [2] انظر: "روضة العقلاء" ص (56، 225)، و"الشامل في فقه الخطيب والخطبة" تأليف: الدكتور/ سعود بن إبراهيم بن محمد الشريم، ص65 - 66، باختصار وتصرف.

    [3] مستفاد من كتاب "خطبة الجمعة دراسة دعوية"؛ إعداد سليمان بن عبدالله بن منصور الحبس.

    نوشته : ا . رضا جمال


    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۸ ] [ مشاوره مديريت ]
      مقدمة الخطبة وخاتمتها   تتألَّف الخطبة - من حيث إطارُها العام وهيكلها - من مقدمة وخاتمة، ومن موضوع يربط بين مقدمة الخطبة وخاتمتها، ويكون الموضوع هو حلقة الوصل بينهما، وقد تناولنا عناصر الموضوع، وما ينبغي للخطيب أن يراعيه عند اختياره للموضوع، وسنتكلم فيما يلي بشيءٍ من التفصيل عن مقدمة الخطبة وخاتمتها، وبالله التوفيق.   إن أهمَّ ما ينبغي في الخطبة هو مقدمتها المشتملة على براعة الاستهلال، ثم ما في جعبة الخطيب من الأساليب البيانية واللغوية، ثم وضوح المقصد والمعني بجلاء، ومن خلال جمل قصيرة مؤثرة، وتقسيم الخطبة إلى أقسام واضحة المعالم، ثم موضوعها وهو لُبُّها وزبدتها، ثم خاتمة الخطبة وهو أن تشتمل على فقرات يسهل تذكُّرها أو حفظها بعد أن ينتهي الخطيب من حديثه، وهذه العناصر متداخلة فيما بينها، يبلغ الترابط بينها ذروته وجودته حسب مقدرة الخطيب، وغزارة معلوماته، ومهارته وخبرته، وإليك البيانَ:     - 1 - أولاً: مقدمة الخطبة:
    وهي المدخل والمفتاح للموضوع الذي سيختاره الخطيب، وهي عددٌ قليل من الفقرات التي يمكن من خلالها تقديم تلخيص لأهمِّ جوانب الموضوع، بحيث لا تشتِّت فكر المستمع، ولا بُدَّ أن تكون متناسبةً مع مضمون الخطبة، ومقدمة كل خطبة بحسب الموضوع، والهدف من المقدمة هو جلب انتباه الحاضرين إلى ما وراء المقدمة، وللمقدمة الأثر الفعَّال في نجاح الخطيب أو فشله، فإن كانت المقدمة بما حوته من ألفاظٍ ومعانٍ محكمةِ المبنى والمعنى، متينة الأسلوب، قوية التأثير، متضمِّنة للمقصود - كان لها الأثر في تنبيه الحاضرين، وإيقاظ الغافلين، و بها يتمكَّن الخطيب الناجح من أن يملك زمام الأمر، ويأخذ بناصية الموقف، وهي بمثابة "الدينمو" المحرِّك لاستكمال الخطبة بهدوء وسكينة وثقة نفس.   فمَن أراد أن يوفَّق لذلك فعليه مراعاة ما يلي فيها:
    أولاً: أن تتضمَّن المقدِّمة ما يسمى عند علماء المعاني في علم البلاغة ببراعة استهلال، وحسن الابتداء، وقوة الافتتاح، وأدنى من ذلك حسن الاستهلال.   براعة الاستهلال: وهي أن يبتدأ الكلام بما يناسب المقصود والمضمون، وهي تقع في بداية الكلام وديباجته، والخطب تبدأ عادة بحمد الله، والصلاة على رسوله - صلى الله عليه وسلم[1] - ثم الإشارة إلى الموضوع، ثم بخطابات عامَّة... وهكذا: "ولبراعة الاستهلال أثرها في تدعيم موقف الخطيب، وغرس الثقة في نفسه، ليتابع طرح موضوع خطبته بكمال القوة والثبات"[2]، فإذا ما فاجأ الخطيب المستمعين ببراعة التقديم، استطاع متابعة حديثة بنشوة، وثقة عالية، وقد اهتم القرآن الكريم بهذا الأسلوب في مطالع السور، وبداياتها، وتأمل قوله - تعالى -: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15]، "ففي استفتاح قصة موسى - عليه السلام - بهذا السؤال الذي فيه تشويقٌ، وإثارةٌ لذهن السامع   براعة استهلال"[3]، مع قِصَر الجملة، وقوة المعنى، وفيه فائدة في طرح القضية على صورة الاستفسار، أو السؤال، وقد سلك عامَّةُ العلماء والأدباء هذا الأسلوب في مؤلَّفاتهم وأدبياتهم، وذلك بوضع مقدِّمة أدبية بين يدي الموضوع.   ولكن يجب أن يراعى في براعة الاستهلال ما يلي:
    1- أن تتضمَّن الأساليب اللغوية والأدبية الواضحة السهلة، والابتعاد عن الألفاظ المعقَّدة والمبهمة[4]، التي يغيب فهمها عن العوام، وكذا تجنُّب الألفاظ العامية؛ لأنها تعطي انطباعًا لدى الجمهور على سطحية الفهم لدى الخطيب، وعدم النضوج لديه، ولا بأس أحيانًا من استخدام عبارات جديدة؛ من أجل أن تحقِّق انسجامًا بين الخطيب والمستمع، ولكنَّ استعمالها يجب أن يكون بحذرٍ ودقَّة، وخاصَّة تلك التي تحتمل حقًّا وباطلاً؛ لأنها في بداية الخطبة ومفتاح الدخول للجمهور.    2- التنوُّع والتجديد في طريقة تناول الموضوع، وأسلوب الاستهلال، والابتعاد عن التكرار في مقدمة الخطبة؛ حتى لا تكون كأنها نسخة مكرَّرة "وبعض الخطباء يستهلُّ خطبته دائمًا بألفاظ معينة يلتزم بها في كل خطبة، حتى أصبحت محفوظة مكرَّرة لدى المصلِّين، تدعو إلى الملل والسأم"[5].   3- عند تلاوة الآيات ينبغي عدم عرضها بصورة نصِّيَّة أكاديمية، بل لا بُدَّ من توضيح المعنى من خلال الإلقاء - يعتمد على حسن الإلقاء عند الخطيب - أو استخراج فوائدها ولو بشكل مختصر، كأن يقول الخطيب: "الحمد الذي جعل تقواه سببًا للفرج، ونزول الرزق، وحلول البركة؛ قال - تعالى -: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2].   من روائع براعة الاستهلال ما نُقِل عن الإمام أحمد بن حنبل - نوَّر الله ضريحه - في ديباجة خطبته في الرَّدِّ على الجهمية حيث قال: "الحمد لله الذي جعل في كل زمانٍ فترةً من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوْه! وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هَدَوه! فما أحسن أثرَهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم!... الخ"[6].   ثانيًا: مراعاة الوقت: وهي من الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء، فترى أحدهم يطيل المقدمة، وربما تفصيل ما تحدث عنه في موضوع الخطبة السابقة، فلا يدخل في صلب الموضوع إلا بعد أن تكون الأسماع قد سَئِمَتْ من الإصغاء إليه، ولسان حال المستمع يقول: أعطنا زبدة الموضوع، وأَرِحنا بالمقصود يرحمك الله؛ ولهذا يراعى في المقدمة "أن تكون مناسبة في الطول والقصر لزمن الخطبة، فالمقدمة تُعَادِل من 8:5% من زمن الخطبة؛ لأن الافتتاح يعني: لفت انتباه السامعين في القصد من الخطبة"[7]، والأفضل أن تكون المقدمة هي عُشْر الموضوع، فإذا تجاوزت الربع إلى النصف فقد تجاوز الحد المطلوب.   ثالثًا: التنبيه على موضوع الخطبة سلفًا: وهو ممَّا يريح المستمع من الاستنتاج، ويجعله وعاء وأرضًا خصبة لتلقِّي المعلومة، والأفضل أن يبدأ الخطيب بطرح الموضوع على شكل نقاط، أو مَحَاوِر، فيقول مثلاً: كلامنا يدور حول أهمية الصلاة في الإسلام في ثلاث مسائل: هي كذا...، أو يقول: خطبتنا اليوم هي حول العِبَر والعظات المستقاة من حادثة الإسراء والمعراج، أو يفهم الناس من مقدمة الخطبة بأن موضوعها هو كذا، كأن يقول: الحمد لله الذي جعل الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين...   رابعًا: من المفيد للخطيب أن يبدأ خطبته بما يجلب انتباه السامعين، من حادثة صادفها، أو قصة قرأها، أو خاطر انقدح في نفسه[8]، وأن يكون الخطيب صاحب مهارة في تصيُّد المناسبات للتوجيه التربوي، وينوِّع في إيراد الحدث والمناسبة، كأن يقول: قرأتُ اليوم في الأخبار حدثًا أقلق مضجعي، وأثار اهتمامي...، أو يقول: في مثل هذا اليوم حدث أمر مهم جَلَل، وخَطْبٌ جسيم، لا زلنا نعاني آثاره إلى اليوم... ونحو ذلك، ثم يمضي بعدها مسترسلاً في وعظه، ويقرن بين التبشير والإنذار، ويتخيَّر من الحوادث ما يكون محورًا لوعظه، ويخرج بعد العرض بحلٍّ لما استجدَّ من حوادث، وما يحلُّ بالمسلمين من بلاءٍ وضيق، ويذكِّرهم دائمًا بأن المخرج والنجاة من الوضع الراهن هو طاعة الله ورسوله.   خامسًا: مراعاة ما يسمَّى بهندسة الصوت، وأن تكون نبرات الصوت ملائمةً للحدث، والموقف، والحال، ففي مقدمة الخطبة يستوجب من الخطيب أن يبدأها بقراءة كالقراءة والتجويد تمامًا، فإذا وصل إلى موضوع الخطبة رفع من صوته، وما بين مقدمة الخطبة وخاتمتها يكون صوته كالرسم البياني، يرفع ويخفض بحسب ما يلائم الموضوع، ومن الأخطاء في هذا الجانب أن يبدأ بعض الخطباء بصوت مرتفع، فلا يَصِل إلى الموضوع إلاَّ وهو متعبٌ منهك القوى، فيفقد كثيرًا من قدراته الصوتية[9].   سادسًا: وبالنسبة لموضوع الخطبة يستحسن إذا كان الموضوع شائكًا، أو حسَّاسًا، أو تكلَّم به في مكان آخر فأوجب الانقسام عدم الدخول إليه مباشرة، أو التصريح به في المقدمة؛ بل لا بُدَّ من التدرُّج والتسلسل العقلي المنطقي؛ حتى يصل إلى مطلوبه ومبتغاه، وهنا يعتمد على مهارة الخطيب وقدرته على معالجة المشكلة، بما يملكه من علم وحكمة: "وجملة الأمر: أن المَطْلَع هو أول ما يستأذن على السمع من الكلام، فإن كان حسنًا، رائقًا ظريفًا، مناسبًا للموضوع، أذن له السمع، وتطلَّعت إلي ما يورده الخطيب بعده، وحثَّها على الشوق إلى الآتي بإضافته إلى الماضي، وهذا سرُّ حسنِ الافتتاح"[10].   نماذج من مقدمات لخطب منبرية:
    1- "إعداد النشء ليكونوا رجالاً: الحمد لله الذي خلقنا وسوَّانا، وعلى موائد برِّه وكرمه ربَّانا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، وأثنى عليه بقوله - جل ثناؤه -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وعلى آله وصحبه الذين صلحت قلوبهم، وتهذَّبت أخلاقهم، فدانت لهم مشارق الأرض ومغاربها، وكانوا هم من الفائزين الغالبين.
    وبعد، فإنَّا سنتحدث إليكم في موضوع له شأنه وخطره في حياتنا الاجتماعية، ألا وهو إعداد النشء ليكونوا رجالاً كاملين ناهضين..."[11].   2- "المحافظة على الصلاة والخشوع فيها: الحمد لله الذي أنزل الشريعة هدًى للناس ورحمةً، وجعلها طريقًا واضحًا إلى سعادة الدارين، والشكر له - تعالى - هدانا للإسلام، وفضَّلنا على جميع الأمم، وأشهد أن لا إله إلا الله أعز الطائعين، وأشهد أن سيدنا محمد أفضل المصلين، وإمام الخاشعين، اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، والحافظين لحدود الله.
    أما بعد، فقد قال - تعالى -: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاًتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1- 2]، عباد الله..."[12].     - 2 - ثانيًا: خاتمة الخطبة:
    وهي آخر ما ينهي الخطيب خطبته، ويختم كلامه، ويتحقَّق به تمام الموضوع[13] وكماله، ويسمَّى ذلك "حسن الانتهاء"، كما أن براعة الاستهلال تسمَّى حسن المطلع "وكما يجب التألُّق في المطلع، تجب البراعة في المقطع؛ إذ هو الأثر الباقي في نفوس المستمعين بعد الإتمام، وآخر ما يتردَّد صداه في قلوبهم، وبه تتمُّ الفائدة"[14].   أهمية الخاتمة:
    للخاتمة الأثر في بقاء قوة الخطبة في أذهان المستمعين؛ لأنها آخر جزء منها، وهي آخر ما ينساه المستمع من حديث الخطيب؛ والسبب أن المستمع يركِّز على مقدمة الخطبة وخاتمتها، أما في وسطها وما يتعلَّق بموضوع الخطبة، فربما أصيب المستمع بقلة التركيز، وشرود الذهن، فوجب على الخطيب الاهتمام بالخاتمة، وأن تكون في غاية الوضوح، والتأثير، والجمال والروعة.   أسلوب القرآن الكريم في خواتيم السور:
    ولنا في كتاب الله أسوة حسنة، فالمتأمِّل في خواتيم السور يجد أن القرآن اهتمَّ بخواتيم السور، فهي في غاية الروعة والبلاغة والبيان كبداياتها، حتى إن المرء ليحار أيُّهما أجمل وأروع بلاغة، وبيانًا، وأسلوبًا، فقد جاءَت خواتيم السور "متضمنة للمعاني البديعة، مع إيذان السامع بانتهاء الكلام؛ حتى لا يبقى معه للنفوس من تشوُّف إلى ما يذكر بعدُ؛ لأنها بين أدعية ووصايا، وفرائض، وتحميد وتمجيد، وتهليل، ومواعظ، ووعيد ووعد، وما إلى ذلك كالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها سورة آل عمران؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]"[15].   فائدة حسن الختام في الخطب:
    1- فمن فوائد حسن الانتهاء والختام أن يتمَّ بذلك إقناعُ المدعوِّين، وتبصيرهم وتنويرهم، وهو إنَّما يتمُّ بإجمال ما ذكر من الموضوع، واختصار ما ذكر بأحسن لفظ، وأوجز بيان وأخصره، ولو جعلت الخطبة مبتورةً عن خاتمتها لفات ذلك المقصد العظيم، مع ما يترتَّب عليه من سلبيات، ومخالفة السنة.
    2- تقوية الرغبة، وشحذ الهمَّة من جديد، بما أوصى به الخطيب من وصايا في موضوع الخطبة، وهو يتطلَّب بذل الوسع في إلهاب الحماس، وتحريك العواطف، بنفس الاندفاع والإثارة في بداية الخطبة الأولى؛ لئلاَّ تذهب حلاوة الموضوع وحرارته من نفوس السامعين، وليس من السُّنَّة أن تكون الخطبة الثانية مقتصرةً على الدعاء خالية من الوعظ، بل "ينبغي أن يكون لها صلة بالخطبة الأولى، أو فيها استكمال للنقاط التي طرحت فيها، أو استكمال للموضوع بنقاط وأفكار جديدة"[16].   ولذا يتطلب في خاتمة الخطب ما يلي:
    1- أن تكون ملخصًا لما جاء في موضوع الخطبة؛ ليخرج السامع وقد وضحت الفكرة لديه، وتبيَّن المطلوب عنده، ولكن يُرَاعَى في التلخيص أهمُّ ما جاء فيها من بيانات، ويظهرها في "صورة جديدة وأسلوب رشيق؛ لئلا تذهب حلاوتها، وحتى لا تكون إعادة أدلَّتها من باب التكرار المُمِلِّ المعيب"[17]، وهو مما يملُّه السامعون عادة، ولا ينبغي للخاتمة أن تحتوى على أفكارٍ وأطروحات جديدة تخالف مضمون الخطبة الأولى؛ لأنها حينئذ ليست بخاتمة، بل إنشاء جديد، وهو من شأنه أن يؤدِّيَ إلى ضياع الفكرة وتشتت الذهن.   2- أن تكون قصيرةً بالنسبة لزمن الخطبة الأولى، ولأن الخاتمة تتضمَّن أمورًا منها: التلخيص، والوصية، وعبارة الختام، والدعاء لولاة الأمر، ولعموم المسلمين، وجعلها أطول من الأولى يفقد الخطبة حلاوتها وتأثيرها بالمرَّة، حتى ولو كانت الخطبة الأولى في غاية البيان.   3- أن تكون في منتهى الوضوح والقوة؛ لأن الخلل أو الزلل يُربِك الخطيب ويضيع جهوده، ويؤدي إلى نسيان موضوع الخطبة بالمرة.   4- إن كان موضوع الخطبة مجزَّئًا إلى أجزاء، فيمكن للخطيب بما لديه من مهاراتٍ أن يلخِّصَ في الخطبة الثانية ما في القصة من عِبَر وعظات إلى نقاط، ويَعِدَ الجمهور بتكملة الموضوع في الجمعة القادمة، كأن يقول: وللحديث صلةٌ أو بقية؛ ليبقى المستمع على تشوُّق وترقُّب للموضوع، أو القصة.   5- يمكن للخطيب أن يهيِّئ الجمهور للخاتمة بعباراتٍ يفهم منها أنها - أي: الخطبة - على وَشْك الانتهاء والختام، وهو ما يسمَّى بالنغمة المتغيِّرة، وهو ما يعطي تأكيدًا لفظيًّا للمستمع، ويريحه من الانتظار.   وختامه مسك:
    للخطباء عبارات في الدعاء والوصية في ختام الخطب، يتفننون بها بأسلوب أدبي رائع، فيعرف الناس أنهم قد شارفوا على الانتهاء من حديثهم، وقد كان الخليفة الراشد أبو بكر إذا تكلَّم به عُرِف أنه قد فرغ من خطبته: "اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك"، أمَّا عمر بن الخطاب فكان أكثر خواتيم خطبه: "اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غِرَّة، ولا تجعلني من الغافلين"، وكما كان الخليفة عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: "اللهم إن ذنوبي قد عظمت، وجلَّت أن تحصى، وهي صغيرةٌ في جنب عفوك، فاعفُ عني"[18].   نموذج من خطبة منبرية رائعة[19]: موضوعها (كفى بالموت واعظًا):
    الخطبة الأولى المتضمِّنة براعة الاستهلال وشيء من مقدمتها:
    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله، كتب على خلقه الموت والفناء، وتفرَّد - سبحانه - بالحياة والبقاء، الكلُّ يفنى ويموت، وسبحانه يحيي ويميت، وهو الحي الذي لا يموت؛ {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 2- 3]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا وكتب علينا الموتَ وجعله سبيلاً للقائه؛ {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8]، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، قال له ربه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 30- 31]، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وآل بيته الكرام، ومَنْ سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.   وبعدُ:
    أيُّها الأحبة في الله، بينما أنا أقلِّب أوراقي وكتبي لأتخيَّر موضوعًا لخطبة هذه الجمعة، وقعت عيني على عبارة اهتزَّ لها قلبي، وتألَّمت لها نفسي وهي: (كفى بالموت واعظًا) فجعلتُها موضوعًا لخطبة اليوم؛ وذلك لأنَّنا نوقن بالموت ولا نعتبر، ونعيشه كلَّ يوم ولا نتَّعظ، فما زال بيننا مَنْ لم يجهِّز نفسه للقاء الله، ويعيش في الدنيا كأنَّه لا يموت، فنسمع من يسُبُّ الدين، بل ربما يتجرَّأ على شرع الله مُدَّعيًا ومفتريًا عدم صلاحيته لسير الحياة، ولسان حاله يقول: نحن أعلم بما يصلحنا، ولسنا في حاجة إلى شرع الله، والله - تعالى - يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21]، ومِن بيننا مَن يترك الصلاة، ويمنع الزكاة، ويتساهل في الصيام، ولا يحدِّث نفسه بحجِّ بيت الله الحرام، ومنَّا مَن يعقُّ والدَيه، ويسيءُ الجوار، ويقطع الأرحام، ويأكل الرِّبَا، بل يستحلُّه بعدما حرَّمه الله، ويأخذ الرِّشوة، ويتعاطى المخدِّرات، ويشرب الخمر، ويجاهر بالدُّخان، ويراوغ من عمله، ويعطِّل مصالح العباد.   ونجد من بيننا مَن يغترُّ بنعمة الله عليه، فيطغى بها ويجعلها سبيلاً لمعصية المُنْعِم المتفضِّل، ومن بيننا مَن لا يصبر على الفقر فيبيح لنفسه أكل الحرام؛ من سرقة، أو منع الورثة من حقوقهم؛ من أجل ذلك أُذَكِر اليوم بالموت.

    لأن الموتَ حقٌّ واقعٌ، وكلُّ الناس ملاقوه، وبكأس المنيّة شاربوه، ولا مفر ولا مهرب من وقوعه، وعليه فلنُوليه اهتمامنا، ولنجعله محلَّ فكرنا، ونكون دائمًا له على استعداد، فالموت آتٍ لا ريب فيه، ويقينٌ لا شك فيه؛ {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]... تتمَّة الموضوع.   الخطبة الثانية:
    الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن سار على نهجه إلى يوم الدين.   وبعدُ:
    أيُّها الأحبَّة في الله، كان عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة، وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أيامًا، فإن سُئِل عن شيءٍ قال: لا أدري، لا أدري.   وقال الدقاق: مَن أكثر من ذكر الموت أُكرِم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومَن نسي الموت عُوقِب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسُل في العبادة،  قال التيمي: شيئان قطعا عنِّي لذَّة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله - تعالى.   فتفكَّر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعدٍ ما أصدَقَه! ومن حاكمٍ ما أعدَلَه! كفى بالموت مقرِّحًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرِّقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات، فهل تفكَّرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك؟! وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرَّفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأُخِذْت من فراشك وغطائك إلى قبرك، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب أو رمال، فيا جامعًا للمال، ويا مجتهدًا في البنيان، ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والدمار، وجسمك مطعم للدود، ثم إلى التراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟! فهل أنقذك من الأهوال؟! تركته إلى مَن لا يحمدك، وقدمتَ بأوزارك على مَن لا يعذِرك.   فيا أخي الحبيب، أين استعدادك للموت وسكرته؟ أين استعدادك للقبر وضمَّته؟ أين استعدادُك لمنكر ونكير؟ أين استعدادك للقاء العلي القدير؟ أين أنت من قول الله - تعالى -: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} [آل عمران: 185]؟   وأين أنت من تحذير الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور} [لقمان: 33]، قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة.   اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر... بقية الدعاء.    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الزاهدين، وسيد الفصحاء، ورأس البلغاء، وخطيبهم إذا وفدوا، والشفيع المشفع إذا وقفوا، وعلى آله وصحبه أجمعين.

     

     

      [1]   أو البدء بخطبة الحاجة التي أكَّد عليها الشيخ الألباني - رحمه الله - في كتابه القيم "خطبة الحاجة التي كان رسول الله يعلمها لأصحابه"، طبع المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة سنة 1400، وذكر الشيخ أن السلف كانوا يقدِّمونها بين يدي كتبهم، وفي شؤونهم كلِّها، والبعض يرى أنه ليس بلازم البدء بها في كل خطبة؛ بدليل أنَّ خطبة الوداع لم ينقل أنه بدأها بخطبة الحاجة، انظر: "خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة"؛ د: عبد الغني مزهر، ص41، وقد أورد بعضَ الأدلَّة عن ابن القيم - رحمه الله - في إسناد قوله.  [2]   انظر: "خصائص الخطبة والخطيب"؛ تأليف: نذير محمد مكتبي، ص56، طبع دار البشائر الإسلامية، ط2، سنة 1422- 2001.  [3]   مقال بعنوان "تأملات حول سورة طه"؛ للأخ: محمد العبادي، تجده على موقع أهل الحديث.  [4]   وذلك مثل الألفاظ التي يستعملها الصوفية في خطبهم ومواعظهم، والتي يصعب على العوامِّ فهمها، وبعض الخطباء غلب عليهم استعمال المصطلحات الفكرية، وكأنك تستمع لمحاضرة جامعية، أما الضعف اللغوي فحدِّث ولا حرج.  [5]   انظر: "خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة"؛ د: عبد الغني مزهر ص41، ومن طريف ما يُذكَر أن رجلاً كان يذهب لصلاة الجمعة، فيرى أحد المصلين واقفًا عند الباب، وتكرَّر الأمر مرارًا فسأله عن السبب فقال: أنا منذ عشرين سنة أصلي في هذا المسجد، والخطيب يلتزم نفس الخطب حتى حفظتها، فلا أجد داعيًا لحضوري الخطبة، وإنما أصلِّي صلاة الجمعة فحسب!  [6]   مقدمة رسالة "الرد على الزنادقة"؛ لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل - نوَّر الله ضريحه - حقها أن تكتب بماء الذهب، والرسالة ثبتت نسبتها للإمام بما لا يدع شكًّا أو ريبًا في نفس أحد، انظر في الكلام عن ثبوت الكتاب: مقدمة "الرد على الزنادقة والجهمية"؛ تحقيق: دغش العجمي ص85.  [7]   رسالة بعنوان "ضوابط في إلقاء الكلمات السريعة أو القصيرة المعروفة بـ( الخاطر)" تجدها على موقع منابر الدعوة. [8]   "أصول الدعوة"؛ د: عبد الكريم زيدان، ص343.  [9]   بحثٌ رائع تجده على موقع الألوكة بعنوان "صوت الخطيب"؛ للشيخ إبراهيم الحقيل، تكلَّم حول أهمية الصوت، وما ينبغي للخطيب من مراعاة أمورٍ تتعلَّق بصوته عند الإلقاء، والهدي النبوي في ذلك، فراجعه إن شئت.  [10]   "فن الخطابة وإعداد الخطيب"؛ للشيخ العلامة: على محفوظ - رحمه الله - ص52، طبع دار الاعتصام.  [11]   المصدر السابق: ص137، الفصل السادس، نماذج من محاضرات وخطب علمية، دينية اجتماعية، خلقية.  [12]   المصدر السابق: ص161، الفصل السابع، نماذج من الخطب المنبرية بروح العصر.  [13]   "خصائص الخطبة والخطيب"؛ تأليف: نذير محمد مكتبي، ص56، ط دار البشائر، سنة 1422- 2001.  [14]   "فن الخطابة"؛ للعلامة: على محفوظ، عضو هيئة كبار العلماء، ص58.  [15]   المصدر السابق: ص 58.  [16]   انظر: "خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة"؛ د: عبدالغني مزهر، ص38، ويراجع في موضوع أخطاء الخطباء القوليَّة والفعليَّة كتاب "القول المبين في أخطاء المصلين"؛ للشيخ: مشهور سلمان.  [17]   "فن الخطابة"؛ للشيخ: على محفوظ، ص59، وللخطباء عادة معروفة هي جعل الخطبة الثانية عبارة عن كلمات مكرَّرة خالية من التَّذكير، وهي عادة غير محمودة، ونحن في عصر المتغيِّرات، وباب الإرشاد واسع، وميدانه فسيح، وأمام الخطيب مئات الاختيارات لتحضير مادة الموضوع وخاتمته، والله المستعان.  [18]   كتاب: "الخطب والمواعظ"؛ بقلم: محمد عبد الغني حسن، ص44، طبع دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.  [19]   خطبة للشيخ صبري عسكر، خطيب بوزارة الأوقاف المصرية، تاريخ الخطبة الجمعة 3/8/1428هـ، الموافق 17/8/2007م، تجدها في موقع النور الإسلامي.   نوشته : مرشد الحيالي
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۷ ] [ مشاوره مديريت ]

     

     الوعاظ والخطباء

    تواردت الخواطر والأقلام هذه الأيَّام على نقد أساليب الوعَّاظ في الدعوة إلى الله؛ فساء ذلك بعض الواعظين عندنا، ولو فكَّروا في مغزاه وما يلزم منه لسرَّهم، ولعلموا أنه لولا الاعتراف بخطر الوعظ وأهله، ومنزلتهم من الأمَّة، وعلوِّ قدرهم عند العامَّة - ما كتب في "الرسالة" عنهم، ولا اشتغل الكتاب بنقدهم.

    ثم إن أولى ما ينبغي أن يتحلَّى به الواعظ: أن يبدأ بنفسه فيعظها، وأن يخلص قوله لله وعمله، وأن يفرغ من شهوات نفسه؛ فلا تملكه شهوة الشهرة والجاه، ولا شهوة الغنى، ولا شهوة النساء، وأن يكون في فعله أوْعَظ منه في قوله، فلا يأمر الناس بالزهد ثم يخالفهم إلى ما زهَّدهم فيه، فيزاحم المتكالبين عليه! ولا يتظاهر بالدين ابتغاء الدنيا وتوصُّلاً إليها؛ فيجمع من حوله العاملين على الكسب الحلال، والجادِّين في جمع المال من حِلِّه، ليأخذ من أموالهم ما يتعالى به عليهم، وليذوق لذائذ العيش من عطاياهم، وليسلبهم فوق ذلك حريتهم وعقولهم وكرامة أنفسهم عليهم، فيصرفهم في مآربه، ويسيرهم حيثما شاء، ويذلهم بين يديه ليستكبر عليهم، ويجعل الدين وسيلةً إلى ذلك، فيجعل طاعة نفسه من طاعة الله؛ بَلْ رُبَّما جعل نصيبَها من هذا الشرك أكبر - والعياذ بالله من ذلك.

    ولقد حدَّثني مَنْ أقطعُ بصِدْقه: أنه سمع مرَّةً واعظًا من هؤلاء (يقصُّ) على تلاميذه قصة مُريدٍ سمع شيخه يقول: "يا الله"، ثم يمشي - زعم القاصُّ - على وجه الماء الجاري، فسأله أن يتبعه، فقال له الشيخ: "قل يا شيخي فلان - يعني الشيخ نفسه -* ثم اتبعني؛ فإنك تمشي مثلي!". ففعل المُريد ذلك، وتابعه أيامًا، ثم خطر له - يقول الواعظ - أن يقول (يا الله)، مكان قوله: (يا شيخي)، فقالها؛ فغرق في الماء، ومات!!

    فهل يشكُّ مسلمٌ في أنَّ هذا الوعظ مخالِف للإسلام، مُباينٌ له؟
    وهل يغضب الواعظ العالم الصادق أن ينتقد الواعظ الجاهل المُمَخْرق الكذَّاب؟

    أوليس من دأب الواعظ الصادق أن يتقبَّل النصيحة ويشكر عليها ويعمل بها، وأن يتخلص من شرور نفسه قبل أن يتصدَّر للوعظ والإرشاد، حتى يكون الإسلام هو الذي يتكلم على لسانه، وحتى يتوهم السامعون أن مَلَكًا هو الذي يعظهم، أو جسدًا إنسانيًّا ضمَّ رُوحَ مَلَك من الملائكة، قد ارتفع عن شهوات الأرض ليتصل بكمالات السماء، وأنه لا يزهِّدهم في دنياهم ليحوزها من دونهم؛ فإن أنسوا منه غير ذلك زهدوا فيه هو وفي وعظه؟!!

    كان في مسجدٍ من مساجد دمشق خطيبٌ جهير الصوت، طَلْق اللسان، معتزل مستور، يعتقد الناس إخلاصه ودينه وتخطيه أهواء نفسه، ماشيًا قُدُمًا على صراطه المستقيم، صعد المنبر جمعةً من الجُمَع، فاستهلَّ خطبته بآية من القرآن فيها وعيدٌ للكافرين شديد، ومضى من بعدها يبرق ويرعد، ويسوق الجُمَل آخذًا بعضها برقاب بعض، وكلها من (كفر يكفر ...)! حتى إذا ظن أن أقنع وأشبع، وملأ نفوس السامعين سخطًا وغضبًا - عمد إلى التصريح بعد التلويح، فإذا الذي انصبَّت عليه هذه الحمم، ونالته رجوم الشياطين (رجلٌ تجرَّأ على دين الله، فتكلَّم في الدَّاعين إليه، والدَّالين عليه، ومَنْ رضي عنهم الله وعقلاء خلقه: خطباء المساجد).
    فلما قضيت الصلاة استقرى الناس الخبر، فإذا هو صاحب جريدة، كتب مقالاً معتدلاً في الدعوة إلى إصلاح الخطب المنبرية، فبعث الخطيب بمقالة يردُّ بها عليه؛ فلم ينشرها، وإنما أشار إليها؛ فكان جزاؤه أن تكون الخطبة في ذَمِّه وتكفيره!

    فانصرف الناس من يومئذٍ عمَّا كانوا يعتقدون في الخطيب، ولم يعد يبلغ وعظه ذلك المبلغ من نفوسهم، وجعلوا يرون فيه خطيبا له (نفس)، وهيهات ينفع واعظ أو خطيب له (نفس)!.

    فتعالوا أنبئوني: من الذي جعل المنبر مِلْكًا لهذا الخطيب، يتصرَّف فيه تصرُّفه بثوبه ودابته، ويجعله سُلَّمًا له إلى شهرته وشهوته، وهذا المنبر إرثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخطيب خليفته في الدعوة إلى دين الله واطِّراح النفس والهوى؟

    ألم يَرْوِ الرواة أنَّ عليًّا أمير المؤمنين - رضي الله عنه - كان يتبع مشركًا في المعركة ليقتله، فلما أَيِسَ المشرك من الحياة؛ تلفَّت إلى علي فبصق على وجهه! فكفَّ عنه عليٌّ، فقيل له، فقال - رضي الله عنه -: "كنتُ أنوي قتله لله وحده، فلما بصق عليَّ خِفْتُ أن يكون قد داخلني غيظٌ منه؛ فخشيتُ أن يكون قتله انتصارًا لنفسي، فلذلك كففتُ عنه".
    أليس في هذا الخبر - وإن لم يأتِ عن الثقات - عبرةٌ وأسوةٌ للواعظين؟

    وكيف أستطيع الاتعاظ بالخطيب الذي جاء في خطبته مرَّةً بحديث موضوع، فلما انتهت الصلاة وتفرَّق الناس أقبل عليه شابٌّ من المشتغلين بالحديث
    [1]والمنقطعين إليه، فذكَّره بأن ذلك الحديث موضوعٌ لا أصل له، فما كان منه إلا أن رجع من الجمعة المقبلة؛ فجعل خطبته في هذا الشاب وأصحابِه (الوهَّابيين أعداء الرسول...)، وأثار عليهم العامَّة حتَّى نالَهم شرٌّ وأذًى، فأين مكان الإخلاص من نفس هذا الخطيب؟!

    إن أول شرط للواعظ أو الخطيب: أن يكون مخلصًا في وعظه لله.

    والشرط الثاني: أن يكونَ عالمًا بالعربية، عارفًا بالتفسير، والحديث روايته ودرايته، والفقه أصوله وفروعه، وإلا كان وبالاً على الدين وأهله.

    ولقد أدرَكْتُ - واللهِ - من العامَّة مَنْ كان يكوِّر العمامة، ويُطيلُ اللِّحية، ثُمَّ يَقْعُد للتدريس في مسجد دمشق الجامع، فيقولُ ما شاء له الجَهْلُ والهَوى، ويَجعَلُه دينًا، والمفتي والقاضي والعُلماءُ يَمرُّون عليه أو يَعْلَمُون به فلا يُنْكِرون عليه، ولو اعتدى هذا الرجل على جبَّة أحدهم لأقام عليه الدنيا. أفكان الدّين أهْوَن على أحَدِهم من جُبَّتِه؟!
    وأدرَكْتُ عاميًّا آخَرَ ذكيًّا، خَدَع طائفةً من أذْكِياء البلد وعلمائه؛ فاعتقدوا به، وتأدبوا بين يديه، وأخذوا عنه تفسير الآثار. وأعجبُ من هذا: رجلٌ يدَّعي النبوَّة، يقيم الآن[2] في غوطة دمشق، وقد آمن به أكثر فلاحي قرية (حرستا)، ولقدْ أخْبَرَني مَنْ شهِد صلاتَه بأصحابه أنَّهم يُقَهْقِهون ويُكَرْكرون كلَّما جاءت آيةُ نعيم، ويتصايَحُون مُسْتبشرين، ويهنئ بعضهم بعضًا، وأنه يبكون منتحبين مولولين كلَّما سمعوا في الصلاة آية عذاب، وربما (أخذ بعضهم الحال) فقفز في الصلاة، أو صاح، أو التبط بالأرض!. ولهذا المتنبي أو (المتمهدي) ضريبةٌ دائمةٌ على أصحابه، يؤدُّونَها إليه باسم الزكاة، فيشتري بها العقارات والحقول[3]!!.

    والشرط الثالث: حُسْن الأسلوب في الوعظ، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وابتغاء طريق اللين واللطف، وللواعظين أسوة في تلك بسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهم من سيرته قدوة صالحة، فأين هم عنها؟!

    ولكنَّ أكثر مَنْ عرفنا منهم لا يعرفون إلا أسلوب العنف الذي يبعد الناس عن الدين، ويغلظ قلوبَهم عليه، وينفرهم منه، فلا يرون في مَجالسهم شابًّا من تلاميذ المدارس - مثلاً - إلا جعلوا الموضوع في تفسيق مَنْ يحلق لحيته، ومَنْ يتشبَّه بالنساء، وأمثال ذلك، حتى تأكل هذا الشاب الأنظار، فيغرق في عرقه خجلاً، ثم لا يَعود إلى المسجد أبدًا! ولو أنَّهم حاسنوه وجاملوه لكان من المتَّقين.

    حضر درس الشيخ (بدر الدين) - رحمه الله تعالى - شابٌّ حليق حاسر، من شبان (الموضة)، وكان الشَّيخ على عادته مطرقًا؛ فقال له أحد الثقلاء من الحاضرين: "سيدي، ما حكم الشّبَّان الذين يتشبَّهون بالنساء، ويَتَزَيُّون بزيِّ الكفار"؛ فأدرك الشيخ بذكائه النادر أنَّ في المجلس غريبًا، فرفع رأسه فلمح الشاب، فدعاه فأجلسه بجواره وأكرَمَه، وقال للسائل مؤنِّبًا بأسلوبه الناعم: "يابا... هذا يُتبَارَك به"؛ يعني: أنَّ شابًّا مثله يطلب العلم ويؤمّ مَجالسه، ويستهدي الطريق إلى الله - أهلٌ لأن يتبرَّك به أمثال ذلك الثقيل، الذين (قطعوا الطريق) إلى الله بغلظتهم وغباوة قلوبهم.

    والشرط الرابع: هو أن يعلم الواعظون أنه ليس في الإسلام طبقة هي أولى بالله من طبقة، وليس بين العبد وربه وسيطٌ، فإذا علموا ذلك اقتصدوا في تكفير الناس لأتفه الأسباب، وراجعوا الآثار الواردة ليعلموا حقيقة الكفر والإيمان، فلا يرمون بالكفر كلَّ مَنْ خالفهم في رأي أو ناقشهم في مسألة، فقد يكون لها وجوه، ولا يصدرون مثل الكِتاب الذي أصدره منذ بضع سنين عالم معروف في دمشق، كان أصدر قبله بأكثر من عشر سنين كتابًا آخر، كفر فيهما كلَّ مَنْ يقول بحركة الأرض، وكفَّر الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا؛ وردَّ أشنع الردِّ على ابن حزم والشيخ محمد بخيت المطيعي - رحم الله الجميع - وأخذ بقوله بعض خطباء المساجد؛ فكفَّروا على المنابر مَنْ يقول إن الأرض دائرة حول الشمس. ولا نسمع أحدًا يجعل قيامك للضيف يدخل عليك كالسجود له سواء حكمهما؛ لأن كلاًّ منهما - على دعواه - من أركان الصلاة، استويا في ذلك، ونسي أن القعود أيضًا من أركان الصلاة، أفيحرم قعودك بين يدي صديقك أو أستاذك؟!

    والخطابة يوم الجمعة من أكبر أبواب الوعظ، فإذا صلحت صلح بصلاحها فساد الأمة، وإن فسدت أفسدت. فمتى يتم تنظيم الخطابة؛ بحيث يختار لها الكفء العالم، ويُعدل عن طريق الوراثة فيها؛ فلا تنتقل بعد الخطيب إلى ابنه الصغير الذي لا يُدرى ما يكون منشؤه ومرباه، ويُقام له وكيلٌ رسميٌّ؛ بل يعلن عن الخطابة الخالية، ويجعل بين الطالبين سباق وامتحان، ثم ينتقى أقدرهم عليها وأصلحهم لها. ولو كانت وراثة لورَّثها أبو بكر ابنه، ولدفعها عمر إلى وَلَده؛ فمن أين جئتم بهذه القاعدة الواهية؟!فإذا تم الاختيار على ما ترتضي المصلحة الإسلامية؛ أُخِذ الخطيب بنوع رقابة أو إشراف، يمسكه أن يحيد فيختار من الموضوعات ما يؤذي المسلمين، أو يكون فيه منفعة للخطيب شخصية، ويجعله ينتقي أقرب الموضوعات لأحداث الأسبوع، فيبيَّن فيها حكم الله، ويأمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر، بشرط أن يقوم بهذه الرقابة جماعة العلماء أنفسهم، وألا تمنع إلا ما يخالف الإسلام ومصلحة المسلمين، وألا تمسَّ حرية الخطيب فيما عدا ذلك، وإذا تم الحصول على هذه الثمرات من غير رقابة أصلاً؛ فذلك هو الأولى، وهو ما عليه المسلمون من قديم الزمان.

    هذا وإن الموضوع خطير، ومجال القول فيه ذو سَعَة، والواعظون العالمون الصادقون أحقُّ الناس بالكتابة فيه، فإن صاحب الدار أدْرَى بما فيها، وأحسن شيءٍ أن يُعطى القوس باريها، وإننا نسأل الله أن يجعلنا من أهل الإخلاص.
    [1] صار هذا الشاب اليوم بدأبه على الدرس واشتغاله به مرجعًا من المراجع في رواية الحديث في بلاد الشام.  [2] أي حين كتابة هذا المقال [سنة: 1941].  [3] ثم انكشف أمره عن فضائح له مع عشرات النساء؛ فأودع الحبس.   منبع : كتاب فصول اسلاميه / الشيخ علي الطنطاوي
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۶ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    محمد صلى الله عليه و آله و سلم خطيبًا

    عندما اخترنا لأنفسنا أن يكون نبينا صلى الله عليه و آله و سلم هو قدوتنا في كل زمان ومكان ولم نكن إلا مسلمين مؤمنين ولنبينا محبين و لنهجه متبّعين، فالأولى أن يكون الدعاة من أول السائرين في هذا الطريق يتقدمهم الأئمة والخطباء، فدعونا اليوم اخوتي الخطباء لنقتبس روعة التعبير النبوي من كلماته وجلالة اللفظ المحمدي من عباراته، تحذونا بذلك الأمثلة الحية لأشهر خطبه عليه الصلاة والسلام وهي خطبة حجة الوداع ففيها دروس للخطباء وعبر للمتكلمين وفقه للعلماء.

    وصف لشيء من الواقع:

    لقد حج الحبيب - صلى الله عليه و آله و سلم - على رَحلٍ رَثْ، وقطيفةٍ تساوي أربعة دراهم فقط، ومع كل ذلك؛ مع تواضعه وانكساره، وإخباته وإنابته، وانقياده لمولاه؛ إلا أن الموقف كان هالة من المهابة والجلال والتعظيم.

    كان معه ما يزيد على مائة ألف، وقيل أنهم مائة وعشرون ألفاً، عن يمينه وشماله، يملئون الأودية والفجاج.

    والنبي - صلى الله عليه و آله و سلم - قد ارتفع على ناقته القصواء، لا ليشمَخِّر عليهم، ولا ليرتفع، فَخُلقُهُ النبوي الشريف أعظم من هذا، ولكن حتى يراه الناس جميعاً، لأن الهدي والمناسك لا تؤخذ إلا منه.

    فتخيَّلْ معي أخي الخطيب لو دعيت لخطبة في مثل هذه الأجواء ماذا سيكون كلامك أو تعبيرك؟ أو إيحاءات ملامحك؟ وبماذا ستفكر في أول الأمر؟ لكن!!! لا تستغرق كثيرا في الإجابة على هذا السؤال فاليوم مسجدك مبني ،ومنبرك مقام،وقد نظفه لك الخدم وجمّلوه،وجهّزوا المايكروفون لكي يصل صوتك لا بعد مدى وأنت تتكلم بغاية الهدوء،وأنت في أرقى مراتب الراحة النفسية.

    مع الهدي النبوي في خطبته:

    1- سلاسة العبارة ووضوحها: البعض من الخطباء يحب أن يعبر عن ارتقائه الأدبي ووزنه العلمي وهذا من حقه وهو الذي اتعب نفسه في طلب العلم وتحصيل النفع لكن يغيب عن البعض أمر مهم وهو (لكل حادثة حديث ولكل مقام مقال) فأنت اليوم لست في مؤتمرٍ علميٍّ،ولا في جلسة أدبية،ولست في مقام الاختبار للفوز بجائزة ،إنما أنت مذكر بالله تعالى وبتعاليم دينه أوامره ونواهيه، منبه للغافلين، مبشرٌ للطائعين،ومنذرٌ للعاصين والمذنبين،وأنت تعلم إن في واقعنا في العراق هموماً وغموماً فمن الجلوس كبيرهم وصغيرهم ضعيفهم ومريضهم ومتعبهم وفي المقابل يتواجد المفكر والمتعلم والمثقف وهكذا... فهؤلاء مختلفون في قابلية الاستيعاب كاختلافهم وتنوعهم في الحياة فهذا سيجعلك محتاجاً للعبارة السهلة الواضحة لكي يفهمها الجميع دون استثناء كما فعل قدوتك في حجة الوداع ومن ذلك أنه خطب في الناس قائلا:(يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيٍ على عَجَمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى..). فهل هناك أوضح من هذا الكلام؟ فهل ابسط من هذا الكلام؟ فهذه هي السلاسة وهذا هو الوضوح.

    2- التركيز على المسائل المهمة: فلم نر في خطبة الوداع التي خطبها النبي كلاماً فارغاً أو زائدا ،ولم نسمع توجيها الا كان في غاية الأهمية للسامعين جميعاً ،فركز النبي صلى الله عليه وآله و سلم في خطبته على حرمة دم المسلم وماله فقال: (إنَّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كَحُرمةِ يومِكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا..) فاليوم هو يوم عرفة، والتشبيه لبيان تأكيد التحريم وشدته، فدماء المسلمين حرام، والاعتداء عليها بغير حق اعتداء وتجاوزٌ وكبيرة من الكبائر، وكذا أموالهم وما يتعلق بها من أملاك ومتاع، فنرى أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ركز على مسائل مهمة ولم يتكلم في مثل هذا الموقف الرهيب عن أشياء يملي بها الوقت.

    ثم تناول موضوع الجاهلية وقبائح عاداتهم المشينة فقال: (ألا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة) وأفعال الجاهلية معلومة كظلم المرأة ومنعها من الميراث،إضافة إلى العنصرية المقيتة.

    ومنها موضوع الربا الذي هم اشد فتكا باقتصاد الضعفاء والفقراء والمساكين فهو مما وضِعَه تحت أقدامه - صلى الله عليه و آله و سلم - حيث قال: (... وربا الجاهليةِ موضوعٌ، وأول رباً أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله). إلى آخر تلك العبارات النبوية المهمة التي كان لها الحظ الأوفر من خطبه عليه الصلاة والسلام.

    3- الاهتمام بالواقع الأُسري: إذ إن الواقع الأسري هو منطلق الواقع الاجتماعي وثقله الأكبر فان صلح فبه صلاح المجتمع وإن فسد فبه فساد المجتمع وهو الخطوة الأهم لصلاح الأمم أو انهيارها ،فنرى تركيز النبي صلى الله عليه وآله و سلم على هذا الواقع واضحا في خطبته قائلا ً:(واتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانةِ الله، واستحللتم فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله... ) ثم يَردِفُ - صلى الله عليه و آله و سلم - قوله: (ولكم عليهنَّ أن لا يُوطِئنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه) إلى أن قال في كلمات بليغة وعبارات جميلة: (فإن فـعلنَ ذلك فاضربوهنَّ ضرباً غير مُبرِّح (يعني: شاق). قال: ولهنَّ عليكم رِزقُهُنَّ، وكِسوتُهنَّ بالمعروف..).

    فهل نظرنا لواقعنا؟ أحاولنا إصلاحه بمثل هذه الكلمات أم الواجب الأول ان نصلح خطبنا وكلماتنا؟ إنها إرشادات من ابلغ البلغاء وأفصح الفصحاء صلى الله عليه و آله و سلم.

    4- استبيان السامعين بمدى الانتفاع: ومن هديه صلى الله عليه و آله و سلم في خطبته انه سمع من الحضور آراءهم حول ما قال بسؤاله إياهم عن هذا ،وهذا أمر جيد للخطيب أن يستمع من مصليه آراءهم وما يجول في خواطرهم حول خطبته وأرائه وكلماته وطريقة إلقائه ومدى انتفاعهم وهذا يتم إما بالسؤال كما في طريقة النبي وأما في استبيان تحريري يوزع عليهم فيعدوه عند الكتابة فيه ،لقد قال لهم وهو يلقي آخر النظرات إليهم بعد أن نزلت آيات الله تبارك وتعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. قال لهم: (فما أنتم قائلون؟)، فنطقت الأفواه في الموقف، وعَلا الضجيج من الحجيج في ذلك الجمع المبارك؛ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحتَ وأديت.

    5- حركات النبي صلى الله عليه وسلم وإشاراته: من الأمور المهمة والتي قام بها النبي صلى الله عليه و آله و سلم الحركة أو الإشارة الداعمة للكلمة والموقف،فعندما أجابوا النبي صلى الله عليه و آله و سلم وقالوا نشهد أنك قد بلَّغت ونصحتَ وأديت قال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها (أي يشير بها) إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد) أخرجه أبو داود وبن ماجة.

    فهذه الإشارات لها أثرُها في ترسيخ المعنى وتثبيت المغزى ولو لم يكن لها اثر عظيم لما بقي الأولون والآخرون يحفظون كيفيتها بل بقي المحدثون ينقلونها إلى الخلف وأصبحت جزءاً من الإجازة العلمية والسند وما أكثرها في حديثه عليه الصلاة والسلام،فلابد من مراعاة الحركة والإشارة والاطلاع على الكتب المؤلفة في هذا الجانب.

    ففي هذا الشهر يعيش الخطباء مع هدي خطيبهم الأول مرتقين جميعا إلى معالي الإلقاء مستذكرين ومستحضرين خطبة الوداع اللهم وفقْ خطباءَنا وأيدهم والحمد لله رب العالمين.

    نوشته : الشيخ مثني بن علوان الزيدي


    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۵ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    الخطباء وأفكار المنبر

    البحثُ عنْ فكرةٍ لخطبةِ الجمعةِ منْ التحدِّياتِ التي تواجهُ كلَّ خطيبٍ يرجو ما عندَ الله؛ لأنَّ الخطبةَ المؤثرةَ الباهرةَ تحتوي على عنصرينِ مهمَّين هما: الفكرةُ والبيانُ ويزينُهما الأداءُ الخطابيُ المتقن. وإذا ما تخلَّفتْ الفكرةُ فالخطبةُ مجرَّدُ كلامٍ لا يؤثرُ طويلاً، وقدْ تكونُ الفكرةُ حاضرةً لكنْ ينقصُها البيانُ العذبُ والكلماتُ الفخمة، وكمْ منْ حقٍّ ضاعَ بسوءِ التعبيرِ وكمْ كمْ منْ باطلٍ سرى بطلاوةِ الكلامِ وحلوِ الحديث. 

    ولخطبةِ الجمعةِ مكانٌ سنيٌ في تاريخِنا وأثرٌ بهيٌ على المجتمعِ المسلمِ حتى شَرِقَ بها المنافقونَ على اختلافِهم وحاكوا لها الأكفانَ بدعواتِهم المشبوهةِ لتوحيدِ الخطبةِ أوْ تحديدِها أوْ جعلِها نشرةً محليةً لا يأبهُ لها أحد، إضافةً إلى ما يتعرَّضُ له الخطباءُ منْ رقابةٍ غليظةٍ ومحاسبةٍ دقيقةٍ منْ عدَّةِ جهاتٍ في عصرٍ يزعمُ كثيرٌ منْ أهلهِ أنَّه زمنُ حريةِ الرأيِ وتعدُّدِ وجهاتِ النَّظر.

    وقدْ كتبَ عددٌ منْ العلماءِ والفضلاءِ فيما يخصُّ تحضيرَ الخطبةِ أوْ إلقائَها وأثروا الساحةَ حتى يستفيدَ حديثُ العهدِ ويتجدَّدَ الخبير، وكتبُهم ومقالاتُهم مطبوعةٌ متداولةٌ إنْ ورقيةً أوْ حاسوبية، وأمَّا الدِّراساتُ المعتنيةُ بصناعةِ فكرةٍ للخطبةِ فنادرة؛ ولعل َّهمَّةَ أحدِ الخطباءِ المصاقعةِ ترِدُ هذا الرَّوضَ الأُنُف؛ فالفكرةُ عزيزةُ المنالِ صعبةُ البلوغِ ولا تتأتي لأيِّ أحدٍ بيسرٍ بلْ قدْ تتمنَّعُ على الفطاحلِ الكبارِ والأساطينِ العظامِ لا عنْ عجزٍ واستحالةٍ؛ وإنَّما لصعوبةِ الموقفِ وهولِ المطلعِ فارتقاءُ المنابرِ والخطابةُ أمورٌ تشيبُ منها المفارق. 

    والفكرةُ إمَّا أنْ تكونَ جديدةً لمْ يُسبقْ إليها، وقدْ تكونُ قديمةً لكنَّها تُبعثُ بطريقةٍ إبداعيةٍ أوْ منْ وجهٍ لمْ يطرقهُ أحد؛ وكمْ تركَ الأولُ للآخر، والموفقُ مَنْ أعانهُ اللهُ ورزقهُ النّيةَ الصَّادقةَ الباعثةَ على الجدِّ والبحثِ والاستقصاء، لأنَّ الأفكارَ تُحدِثُ تغييراً في المجتمعِ ولا بدَّ منْ معرفةِ كيفيةِ الحصولِ عليها وبثِّها كمفهومٍ قابلٍ للانتشارِ والبقاء؛ وما أعظمَ الفرقَ بينَ فكرةٍ خالدةٍ وأخرى بائدة.

    ولصناعةِ فكرةٍ مناسبةٍ للمنبرِ عدَّةُ سُبُلٍ تنفعُ الخطيبَ والكاتبَ والمتحدِّثَ والمسوِّقَ ومصممي الإعلاناتِ وغيرِهم، وحديثُنا هنا مقصورٌ على الخطباء؛ وقدْ سبقَ كتابةُ مقالٍ للكتَّابِ بعنوانِ "صناعة الفكرة"، وهذا المقالُ عالةٌ عليهِ معْ بعضِ الزِّيادةِ والتطوير، ومنْ السبلِ المقترحةِ لصناعةِ فكرةٍ للخطبة:
    1- التفكير:
    وهو أكبرُ مصنعٍ لها؛ وبواسطتهِ تتولَّدُ الأفكارُ منْ الطرقِ التي بعدَه، ومنهُ التفكيرُ بصيغةِ المستقبلِ حيثُ أنَّ رؤيةَ مستقبلٍ غيرَ مرغوبٍ فيهِ-مثلاً- تقودُ إلى إصلاحِ الحاضرِ والمستقبل؛ فوجودُ نسبةٍ عاليةٍ منْ البطالةِ بينَ الشبابِ تعني –تلقائياً- زيادةَ معدَّلِ الجريمة. ومنهُ التفكيرُ بصيغةِ "ماذا لو"؛ ومنْ الأمثلةِ على ذلكَ ماذا لوْ أنَّ المسلمينَ يحكمونَ العالم؟ ثمَّ يسردُ الخطيبُ وقائعَ تاريخيةً ثابتةً عنْ العدلِ الإسلامي الذي لمْ يحتجْ لمحكمةِ عدلٍ ولا هيئةِ أمم!

    2- الملاحظةُ والتَّأمُّل:
    وهما فرعٌ منْ التفكيرِ وإنَّما خصصتُهما بالذِّكرِ لقربِهما وسهولةِ استخدامِهما؛ وكمْ منْ شيءٍ أوْ مشهدٍ يمرُّ بنا كثيراً ولو تدَّبرناه لظفرنا بفكرةٍ أوْ خاطرة. وقدْ حدَّثني أحدُ الأصدقاءِ أنَّ الشيخَ الفقيهَ عبدَ اللهِ بنَ قعودٍ-أنارَ اللهُ مرقدَه- قدْ خرجَ إلى البرِّ مستجماً فلمَّا عادَ وصعدَ منبرَه خطبَ عنْ عظيمِ قدرةِ اللهِ في الغيثِ والزرعِ.

    3- النَّظرُ منْ زوايا مختلفةٍ للموضوعِ الواحد:
    فموضوعُ الزَّكاةِ -مثلاً- قدْ يوظفهُ إمامٌ للحديثِ عنْ مكانتِها، وآخرُ عنْ حكمِها، وثالثٌ يربطُها بالصَّلاة، ورابعٌ يُذَّكرُ بقتالِ المرتدِّينَ لأجلِها، وخامسٌ يوضحُ أثرَها في الماضي والحاضر، وسادسٌ يبينُ أحكامَ نوازلِها، وسابعٌ يقترحُ أفكاراً لمشروعاتٍ زكوية، وثامنٌ يقفُ على ما يعترضُها منْ مصاعب، وتاسعٌ يشرحُ أصنافَ الزَّكاة، وعاشرٌ يُصَّححُ الأخطاءَ في فهمِ وإخراجِ الزكاة.

    4- الدُّخولُ منْ منافذَ غيرِ مألوفة:
    فوفاةُ الشيخِ ابنِ جبرين-أكرمَ اللهُ وفادَته- بابٌ للحديثِ عنْ ضرورةِ إحياءِ الجوامعِ التي كانتْ معاهدَ علمٍ وتربية، كما يمكنُ تحليلُ التفاعلِ الإعلامي معْ وفاةِ الشيخِ، ولثالثٍ أنْ يهتكَ سترَ أهلِ الضلالةِ وموقفَهم منْ الشيخِ حياً ومريضاً وميتاً، ولوْ أعملنا هذهِ الطريقةَ معْ شهرِ رمضانَ الأغرِّ لانصرفَ أحدُ الخطباءِ عنْ ذكرِ فضائلهِ إلى التحذيرِ منْ مختطفيهِ ومنغصي قداسته.

    5- الإنصات:
    فسماعُ أحاديثِ النَّاسِ منجمٌ للأفكار؛ والأمرُ في حقِّ الخطيبِ أعظمُ لأنَّهُ يعلِّمُ العامَّة ويسعى في رفعِ الظلمِ عنهم وأنَّى لهُ معرفةُ ما يحتاجهُ المستمعونَ بغيرِ إصغاء؟

    6- أحداثُ الساعة:
    وهيَ منْ أكثرِ المصادرِ استخداماً وأيسرِها، وما أكثرَ الأفكارِ في الأحداث؛ فمن نظرةٍ شرعيةٍ لأنفلونزا الخنازيرِ إلى موقفٍ واجبٍ معْ أهلِ فلسطينَ أوْ الإيغورِ وانتهاءً بمباركةِ القراراتِ الحكيمةِ الأخيرةِ لكسرِ شوكةِ الليبراليةِ في المملكة. 

    7- الحوارُ والمناقشة:
    وبخاصَّةٍ عندما يكونُ معْ شخصٍ مُلهِمٍ للأفكار؛ ومنْ أنفعِ الحواراتِ الحديثُ معْ التربويينَ وعلماءِ النَّفسِ والاجتماع، ومنْ أجلِّهِ الجلوسُ بينَ يدي عالمٍ جليلٍ دورياً للإفادةِ منه؛ وممَّا ذُكرَ في جدولِ أعمالِ الشيخِ ابنِ عثيمين-برَّدَ اللهُ مضجعَه- لقاءٌ دوريٌ معْ الخطباء.

    8- استخدامُ الأفكارِ المتداولة:
    بإعادةِ إنتاجِها اختصاراً أوْ زيادةً أوْ تعقيباً وهذا منْ أسهلِ ما يكون، ومن الأولويةِ بمكانٍ استفادةُ الخطباءِ منْ بعضِهم عبرَ لقاءٍ متعاقبٍ أوْ منْ خلالِ المواقعِ المتخصصةِ مثل موقع "ملتقى الخطباء"، وقدْ نقلَ لي زميلٌ عنْ أحدِ الخطباءِ أنَّهُ يرسلُ خطبتَه إلكترونياً كلَّ أسبوع.

    9- القراءة:
    وأعني القراءةَ بأنواعِها وفي جميعِ الفنون؛ وعبرَ الكتابِ أوْ الموقعِ أوْ المجلةِ أوْ الصَّحيفةِ أوْ النَّشرة، وحريٌ بالخطيبِ أنْ يكونَ قارئاً نهماً مطلِّعاً بصيراً ليزدادَ خيرُه وعطاؤه والأجرُ عندَ الله.

    10- البحثُ في موضوعاتٍ خصبة:
    كالأسماءِ الحسنى والصِّفاتِ العُلى وسيرِ السلفِ الصَّالحِ والتاريخِ الإسلامي والأخلاقِ الكريمةِ والظواهرِ الاجتماعيةِ التي يجدرُ بالخطباءِ الحديثُ عنها كآثارِ العضلِ والعنوسةِ والطَّلاقِ والعنفِ والبطالة.

    وتبقى مسائلٌ لامناصَ منْ الإشارةِ العاجلةِ إليها وهي:
    · أهميةُ وضوحِ الفكرةِ حتى لا يعسرَ على المصلينَ التقاطُها.
    · الأفضلُ ألاَّ تتزاحمَ الأفكارُ في خطبةٍ واحدة، وأحسنُ الخطبِ ما اقتصرتْ على فكرةٍ واحدةٍ فقط.
    · اختيارُ التوقيتِ المناسبِ والمنبرِ الأنسبِ للخطبة، ففرقٌ بينَ قريةٍ ومدينةٍ وحاضرةٍ وبادية.
    · تدوينُ الأفكارِ كمشاريعَ لخطبٍ مستقبليةٍ حتى لا تضيع.
    · تلخيصُ فكرةِ كلِّ خطبةٍ معْ نهايتِها حتى ترسخ.
    · ألزمْ نفسكَ بأفكارٍ مبتكرةٍ للمناسباتِ المتكررة، وسلْ نفسك: هل هذه أفضلُ فكرةٍ يمكنُ الوصولُ إليها؟
    · بعدَ ولادةِ الفكرةِ ينبغي التريثُ حتى تنضجَ على نارٍ هادئةٍ منْ الفكرِ المستنيرِ المتزنِ قبلَ نشرِها.

    وإذا فرغنا منْ صناعةِ الفكرةِ فلا مفرَّ منْ صياغتِها على الوجهِ الذي يجلو البهاءَ ويبينُ المحاسن؛ وإلقائِها بطريقةٍ تأخذُ بمجامعِ النَّفس، وإنَّ الصياغةَ والإلقاءَ منْ القضايا التي يعتني بها الخطباءُ حتى تكونَ كلماتُ الخطبةِ وطريقةُ أدائِها ممَّا يعينُ على انتشارِ فكرتِها وبقائِها حيةً في نفوسِ المستمعين؛ فالخطبةُ مجموعةُ كلماتٍ تُؤدى بنمطٍ ما؛ ونحنُ بالكلمةِ الصَّادقةِ والأداءِ الرَّفيعِ والفكرةِ الجذَّابةِ والرُّؤى العمليةِ نواجهُ الطوفانَ الذي يجتاحُ بلادَ المسلمينَ غيرَ آبهٍ بمصلحةِ دنيا أوْ صلاحِ آخرة.

    نوشته : احمدبن عبدالمحسن العساف


    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۴ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    الأدلة في أصول الخطابة

      أصول الخطابة ثلاثة: الإيجاد، والتنسيق، والتعبير.  والأول: هو إعمال الفكر في استنباط الوسائل الجديرة بإقناع السامع، والوسائل الأدلة، ولا بدَّ مع الأدلة من توافر الآداب الخطابية، والعلم بالأهواء والميول النفسانية، وذلك أن مقصود الخطيب: أولاً: إنارة العقول، وتنبيه الأذهان، وحملها على الإذعان، وذلك لا يتم إلا بالأدلة. ثانيًا: التأثير في الأرواح وجذب القلوب، وذلك يكون بتوافر الآداب في الخطيب. ثالثًا: استمالة النفوس إلى ما يطلب منها بإثارة عواطفها، وذلك يكون بمعرفة الأهواء والغرائز، وطرق تهييجها أو تسكينها، ولكل من هذه الثلاثة مبحث يخصه.
    في الأدلة الدليل في اللغة: المرشد، وفي اصطلاح الحكماء: ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، وهو قطعي وظني، فالقَطْعِي: ما أوجب التصديق اليقيني، ويسمى برهانًا، وهو ما تألف من اليقينيات السِّتِّ:

    1 - أوليَّات: وهي القضايا التي يُدْرِكُها العقل بِمُجَرَّدِ تَصَوُّر الطرفين كقولك: الواحد نصف الاثنين، والكُلُّ أَعْظَمُ من الجزء. 2 - مشاهدات: وهي القضايا التي يدركها العقل بالحس الظاهر. 3 - مجرَّبات: وهي ما يُدْرِكُها العقل بواسطةِ تَكرارٍ يُفِيدُ اليقين؛ كقولنا: السقمونيا مسهلة للصفراء. 4 - حدسيَّات: وهي القضايا التي يُدْرِكُها العقل بواسطة حدس يفيد العلم؛ كقولك: نور القمر مستفاد من نور الشمس. 5 - متواترات: وهي ما يُدْرِكُها العقل بواسطة السماع عن جَمع يُؤْمَنُ تواطُؤُهُم على الكذب. 6 - قضايا قياساتُها هي القضايا التي قياساتُها معها: وهي ما يدركها العقل بواسطة لا تغيب عن الذهن عند تصوُّر الطَّرَفَيْنِ؛ كقولك: الأربعة زوج، فإن العقل يدرك ذلك بواسطة لا تَغيبُ عنِ الذِّهْنِ عند تصوُّر الطَّرفيْنِ، وهي أنَّ الأربعة تنقسم إلى متساويَيْنِ، وكلُّ مُنْقَسم إلى متساويين زوج.

    والبرهان لا يُستَعْمَل في الخطابة، قال في "المناهج الأدبيَّة": والأقوال الصادقة يقينًا لا تقع في الخطابة من حيثُ إنَّها خطابة، فإن ألَمَّ بِها الخطيبُ فقد عدل بالخطابة عن أصلها، والظني ما أفاد الظَّنَّ فقط، ويتألف من غير اليقينيات، وهي ست أيضًا مشهورات مسلمات، والمؤلَّف منها يُسمَّى جدلاً؛ كقولنا: الظلم قبيح، وكُلُّ قبيحٍ يَشِينُ، والإحْسَانُ خيرٌ وكُلُّ خَيْرٍ يَزين، وقولك: خبر زيد خبر عدل، وكل ما هو كذلك يعمل به، ومظنونات مَقبولات والمؤلف منها يُسمَّى خطابة، مخيلات والمؤلف منها يُسمَّى شِعرًا، ووهْمِيَّات والمؤلف منها يسمى سفسطة، كقولك في أمة شرقية: هذه أمة تُساسُ بِإِرادتِها؛ لأنَّ لها مَجلسًا نيابيًّا ينظر في شؤونها، فإنه استدلال خطابي مؤلف من أقوال مظنونة إذ الشأن في الأمم ذات المجالس النيابية أن تكون مسوسة بإرادتها، وليس هذا دليلاً قطعيًّا لجواز أن تتغلب عوامل الهوى عند الانتخاب، فلا يكون صحيحًا؛ كقولك لمن تأخذه العزَّة بالإثم حينما تنكر عليه قوله أو عمله: لا تستنكف أن ينكر عليك قولك أو عملك، فقد قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما بويع بالخلافة: "فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فردُّونِي"، فإنَّه أيضًا استدلالٌ خِطابِي قام على أقوال مقبولة صَدَرَتْ من تقي يعتقد صدقه؛ وكقول أرسطو للإسكندر: إن الناس إذا قدروا أن يقولوا قدروا أن يفعلوا، فاحترس من أن يقولوا: تسلم من أن يفعلوا، فإنَّ مبناه غلبة الظن لجواز أن يكون القادر على القول عاجزًا عن الفعل، وأن يوجد الاحتراس ولا توجد السلامة من أفعال الناس، وباقي الأمثلة لا تخفى على بصير.

    وتؤخذ أدلَّةُ الخَطابة من التَّأمُّل في موضوعِ البَحْثِ وإمعان النظر في أحواله، وتسهيلاً لاستخراج هذه الأدِلَّة، قد وضع الأقْدَمون من اليونان جدولاً لما يُمكن استعماله منها، وأطلق العرب عليه اسم مواضع؛ قال ابن سينا: إن الحجج في الجدل والخطابة تؤخذ من المواضع، فمن طلب الإقناع وهو لا يَعلمُها كان كحاطب ليل يسعى على غير هداية لا لبخل في الموضوع؛ بل لنقصان في الاستعداد، فالمواضع مصادر الأدِلَّة العامَّة التي يمكن للخطيب استعمالها في كل مقام، إمَّا لإثبات قوله وتأييد رأيه، أو توسيع المعاني بحسن البيان، وهي نوعان ذاتية وعرضية:

    فالذَّاتيَّة ما تستفاد من ذات الموضوع وهي كثيرة: منها: تعريفه بِذِكْرِ خواصِّه اللازمة؛ أي البينة والثبوت له والانتفاء عن غيره؛ كقول الإمام علي - كرم الله وجهه - لكميل بن زياد النخعي: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يَحرُسك وأنت تَحرس المال، والعلم حاكمٌ والمالُ مَحكومٌ عليْهِ، والمال تنقصه النفقة والعلم يَزكو على الإنفاق، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعُلماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ، أعيانُهم مفقودة وأمثالُهم في القلوب موجودة.

    ومنها: شرح الأعراض التي تختصُّ جُملَتُها به؛ فإنَّه في معرفَتِها إعانةٌ على كمال معرفة ما هي له، فالتحلِّي بِها كَقَوْلِ الحسن البصري لعمر بن عبدالعزيز في وصف الإمام العادل: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع المهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحرِّ والقرِّ، وكالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغارًا ويعلِّمُهم كِبارًا يَكْتَسِبُ لَهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته؛ وكالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرهًا، ووضعته كرهًا، وربته طفلاً تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بِعافِيَتِه وتغتمُّ بِشكايَتِه، وكالقَلْبِ بَيْنَ الجوانح تصلح الجوانحُ بِصلاحِه وتَفْسُدُ بِفَسادِه.

    ومِنْهَا: تعريف الشيء بذكر آثاره، فإنَّ حقائق الأمور خفيَّة، وإنَّما تظهَرُ بِفَوائِدِها وآثارِها، فإذا أردتَ إثبات حكم لأمر أو نفيَه عنه فعدِّدْ آثارَهُ الحسنة أوِ السيِّئة التي يستدل منها على صلاح علتها أو فسادها، إذ حال المعلومات تابع لحالِ عِلَلِها، ثُمَّ ابْنِ حكمك على ذلك في مقام الترغيب فيها أو الترهيب منها، كقولك في الصوم مثلاً: إن للصوم آثارًا حسنة وفوائد عظيمة:

    1 - إنه يضبط النفس ويطفئ شهوتَها، فإنَّها إذا شبِعَتْ تَمرَّدَتْ وطَلَبَتِ الشهوة، وإذا جاعت خضعتْ وامْتَنَعَتْ عمَّا تَهوى قال - صلوات الله وسلامه عليه -: "يا معشر الشباب منِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم الباءةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أغضُّ لِلبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، ومَنْ لَم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصوم فإنه له وجاء"؛ متَّفق عليه، فكان الصوم ذريعة إلى كف النفس عن المعاصي.

    2 - إنه وسيلة إلى تربية النفوس وتَهذيبِها؛ لأنَّها إذا انقادت للامتناع عن الحلال الذي لا غنى لها عنه طلبًا لمرضاة الله تعالى، وخوفًا من أليم عذابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام الغنية عنه فكان سببًا في اتقاء المحارم، وقوة العزيمة وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

    3 - إنَّه وسيلةٌ إلى شُكْرِ النِّعمةِ إذْ هُو كفُّ النَّفس عنِ الأكل والشرب، ومباشرة الحليلة، وهِيَ من جلائل النعم، والامتناع عنها زمانًا معتبرًا يعرف الإنسان قدرها، إذ لا يُعْرَفُ فَضْلُ النعمة إلا بعدَ فَقْدِها، فيبعثه ذلك على القيام بِشُكْرِها - وشُكْرُ النِّعْمة واجبٌ - وإلَيْهِ الإشارةُ بِقَوْلِه تعالى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

    4 - إنه يبعث في الإنسان فضيلةَ الرَّحْمة بالفقراء، والعطف على المساكين، فإنَّهُ إذا ذاق أَلَمَ الجوع في بعض الأوقات تذكَّر به مَنْ هو ذائقُه في جَميع الأوقات، فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه.

    5 - إنَّهُ يُنَقِّي الجسم من الفضلات الرديئة، والرطوبات المعوية، ويشفي من اضطرابات الأمعاء المزمنة، والبول السكري، وزيادة الضغط الذاتي، والتهاب الكلى الحاد والمزمن، وأمراض القلب المصحوبة بورم، وما إلى ذلك منَ المَزايا الصِّحِّيَّة الَّتِي شهد بها العدو قبل الصديق.

    وقِسْ على ذلك آثار تناوُلِ المسكرات وتعاطي المخدرات ومضارها البدنية والعقلية والمالية والاجتماعية، واعلَمْ أنَّ التَّشْبِيهَ المعروفَ عند البيانيِّين، وإن كانت الغاية منه حسن البيان إلاَّ أنَّه يأْتِي أيْضًا للإقْناع، وكثيرًا ما يتوسَّلُ بِهِ الخُطباءُ إلى مقاصِدِهِمْ؛ لأنَّه يَزِيدُ المعنى وضوحًا، ويكسبه تأكيدًا، ولِهذا جاء كثيرًا في الكتب السماوية وأطبق عليه جميع المتكلمين من العرب والعجم، ولم يستغنِ أحدٌ مِنْهُم عنه، وقد جاءَ عن القُدَماء وأهل الجاهلية من كل جيل ما يستدل به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكل لسان؛ كقوله تعالى ترغيبًا في بذل الأموال في الجهاد لإعلاء كلمة الله، ووجوه الخير: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((المسلمون كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بِالحُمَّى والسَّهَرِ))؛ رواه الجماعة، وقول ابن المقفع: "الدنيا كالماء الملح كلما ازداد صاحبه شربًا ازداد عطشًا، وكالكأس من العسل في أسفله السم للذائق منه حلاوة عاجلة وفي آخره الموت الزعاف - أي السريع - وكأحلام النائم التي تفرحه في منامه فإذا استيقظ ذهب الفرح".

    أَلاَ إِنَّمَا  الدُّنْيَا  كَأَحْلاَمِ  نَائِمِ        وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ
    تَأَمَّلْ إِذَا مَا نِلْتَ بِالأَمْسِ  لَذَّةً        فَأَفْنَيْتَهَا هَلْ أَنْتَ  إِلاَّ  كَحَالِمِ
    فإنَّه شبَّه الدنيا ولذَّاتِها في سرعة الانقضاء بالحلم، ومنها: المثل ولضرب الأمثال في الخطابة مزايا لا يستهان بها، فإنها ألطف ذريعة إلى القلوب الغبية، وأقوى وسيلة إلى تسخير العقول الأبية، ذلك لأنها تصوير للمعقول بصورة المحسوس، وإيراد لأوابد المعاني في هيئة المأنوس، وبذلك تبقى صور المعاني راسخة في الأذهان، لا تذهب بطول الزمان، ولا يأتي عليها النسيان، وهي أنواع مفترضة ممكنة، وهي ما نسب فيها النطق والعمل إلى عاقل كالأمثال النبوية، وتختلف عن الحكاية من وجهين:

    1 - أن لها مغزى. 2 - كونها غير واقعية وإن كانت في حيز الإمكان، ومخترعة مستحيلة، وهي ما جاءت على ألسنة الحيوانات والجمادات، فيعزى لها النطق والعمل لإرشاد الإنسان؛ كأمثال كليلة ودمنة، ومختلطة وهي ما دار فيها الكلام والعمل بين الناطق وغيره، وكثيرًا ما يكون ضرب المثل على وجه التَّشابُه والحكم؛ كما قال ابن المقفع في "مودَّة الصالحين والأشرار": المودَّة بين الصالحين سريعٌ اتِّصالُها، بطيءٌ انْقِطاعُها كآنيةِ الذَّهَبِ، بطيئة الانكسار، هينة الإعادة، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعُها، بطيءٌ اتصالها كآنية الفخار، يكسرها أدنى شيء، ولا وصل لها أبدًا، وقوله: يبقى الصالح من الرجال صالحًا حتى يصاحب فاسدًا.


    فإذا صاحبه فسد؛ مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحت، وملح من بابَيْ دخل وسهل، ومن الصور الوهمية التي يخترعها الوهم، والأمور الفرضية التي يبتدعها الخطباء وسيلة إلى المقصود قول ابن المقفع: مخترعًا صورة حسية لتبيان قصر الحياة ولذاتها الزائلة، وعدم خلوها من المخاطر والمنغصات، التمست للإنسان مثلاً فإذا مثله مثل رجل لجأ من خوف فيل هائج إلى بئر فتدلى فيها، وتعلق بغصنين كانا على سمائها فوقعت رجلاه على شيء في طي البئر، فإذا حيات أربع قد أخرجن رؤوسهن من أجْحارِهِنَّ، ثُمَّ نظر في قاع البئر فإذا فيه تنِّينٌ فاتِحٌ فاهُ مُنْتَظِرٌ له لِيَقَعَ فيأخذه، فرفع بصرَهُ إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران؛ فبَيْنَمَا هُو فِي النظر لأمره والاهتمامِ لِنَفْسِه إذْ أبْصَرَ قريبًا منه كوارة[1] فيها عسل نَحْلٍ فذاق العسل فَشَغَلَتْهُ حلاوتُه وألْهَتْهُ الفِكْرَةُ في شيء من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه، ولم يذكر أن تحت رجليه حيات أربع، لا يدري متى يقع عليها، ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين.


    ومتى انقطع وقع على التنين فلم يزل لاهيًا غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك، فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفات وشرورًا، ومخافات وعاهات، وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط الأربعة التي في البدن، فإنها متى هاجت أو أحدها كانت كحمة الأفاعي والسم المميت، وشبهت بالغصنين الأجل الذي لا بد من انقطاعه، وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما دائبان في إفناء الأجل، وشبهت بالتنين المصير الذي لا بد منه، وشبهت بالعسل هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيطعم وينظر، ويسمع ويشم، ويلمس ويتشاغل عن مآله، ويلهو عن شأنه، ويصد عن سبيل قصده ا هـ؛ أي إن الإنسان في الدنيا مشغول بلذاتها الحقيرة الفانية عن الاهتمام بمصير أمره وطلب النجاة لنفسه في تلك الحياة ليظفر بنعيمها العظيم الباقي.

    وعلى الجملة فلضرب الأمثال أحسن موقع في الخطابة قال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث، وقال إبراهيم النظام وقد خص بقوله: الأمثال السائرة في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة؛ كقولهم "الصيف ضيعت اللبن" لمن يقصر في طلب الشيء في أوانه، ثم جاء يطلبه في غير أوانه.

    والأدلة العرضية ما تؤخذ من مصادر خارجة عن الموضوع يحتج بها الخطيب لإثبات قضيته، وتأييد رأيه، وتلك المصادر نوعان: إلهية وبشرية؛ فالإلهية ما كانت عن وحي كالكتب المنزلة، والبشرية سنن الأنبياء والرسل وأقوال مشاهير الأئمة، وحكم الفلاسفة، ومألوف عادات الأمم؛ كقوله تعالى في إثبات فضل العلم ترغيبًا فيه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[2]، فشهادته تعالى بتوحيده هي إعلامه على لسان رسله أو بيانه بنصب الأدلة القاطعة لذلك في الآفاق، وفي نفوس البشر وشهادة الملائكة وأولي العلم بالتوحيد هي إقرارهم به، خص تعالى أولي العلم بالذكر من بين الآدميين تنبيهًا على أنهم هم المعتبرون، وشهادتهم هي الموثوق بها، أما غيرهم فهمل لا اعتداد به، ولا وزن لشهادته، وكفى بذلك شاهدًا بفضل العلم وأهله، وهذا أحد الوجوه التي تشير إلى فضل العلم والعلماء مما تضمنه هذا التنزيل الحكيم.

    وثانيها: اقتران شهادتهم بشهادته تعالى، فإن من المقطوع به أن شهادته تعالى كافية: {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا}، لأنها من عليم خبير بدقائق خلقه وأسرار كونه، فقرنه تعالى شهادة العلماء بشهادته إعلام منه تعالى بأنها حق ناشئة عن علم وخبرة، وكفى بذلك فضلاً للعمل والعلماء؛ وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين))؛ متفق عليه، أي يجعله فقيهًا في الدين، والمراد العلم المستلزم للعمل، وفي حديث أبي الدرداء: ((إن العلماء ورثة الأنبياء))؛ أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة العالية، وقال البيهقي: سمعت سعيد بن داود يقول:


    سألت ابن المبارك: من الناس؟ فقال العلماء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن السفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم. والسفلة بكسر السين وسكون الفاء، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لما روي عن ابن مسعود: الناس رجلان: عالم ومتعلم، ولا خير فيما سواهما؛ لأن الخاصية التي بها يتميز الإنسان عن غيره هي العلم، فإذا فقدت فقد منه شرف الإنسان، والتحق بالبهائم، إذ لم يبق معه إلا القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب، وهو الحيوانية المحضة؛ لأن نطقه حينئذ كلا نطق، فلم يبق فيه فضل على العجماوات؛ بل قد يكون شرًّا منها؛ كالجهال الذين استهوتهم الزخارف فارتكبوا المنكرات، وخالطوا الشهوات فسلبت عقولهم، وأفسدت حالهم، وقد ضرب الله لهم في كتابه مثلاً بقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}[3]، وكانوا شر البهائم لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله.

    وكقول المسعودي مرغبًا في حب الوطن والمحافظة عليه، فأورد كثيرًا من الأدلة للوصول إلى غرضه: إن من علامة الرشد أن تكون النفس إلى ولدها مشتاقة، وإلى مسقط الرأس تواقة، وقد ذكر أن من علامة وفاء المرء ودوام عهده حنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، قال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، وقال بعض حكماء العرب: عمر الله البلدان بحب الأوطان، وقال بعض حكماء الهند: حرمة بلدتك عليك مثل حرمة والديك، لأنَّ غذاءَك منهما وغذاءهما منها، وقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه؛ لأن الطبيعة تتضلَّعُ بِهوائِها وتنزع إلى غذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها.   ــــــــــــــــــــــــ [1]   الكوارة والكوار: بيت يتخذ للنحل من قضبان ضيق المدخل تعسل فيه. [2]   سورة آل عمران الآية: 18. [3]   سورة الأنفال الآية 22.   منبع :   كتاب فن الخطابه / الشيخ علي محفوظ
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۳ ] [ مشاوره مديريت ]
      فصل في آدابه في ذاته   ينبغي أن يكون صحيح العقيدة، لا مشبِّهًا ولا معطِّلاً، ويكون مقدِّمًا المنقول على المعقول، فإن قصر معقوله عن منقوله؛ عُلّم أن ذلك من تقصيره، لا أن المنقول يكون على خلاف معقوله.

    وينبغي أن يكون ذا سيرةٍ سديدة، وطريقةٍ حميدة، غير متهافتٍ على الدنيا ومراتبها، صابرًا على آفاتها ونوائبها، مراقبًا لله - سبحانه - في سرِّه وجهره، راضيًا عنه في عسره ويسره، مغتنمًا نشاطه، مهتمًّا بتقصيره وجبره، محافظًا على العمل بما أمر به في نفسه وخاصَّته، محبًّا لأهل الله تعالى، مبغِضًا لأهل مخالفته، حذرًا من زخارف الدنيا وزينتها، غير مُلْتَهٍ بعبيدها وشهوتها، كارهًا لرفعتها وشهرتها، قائمًا بفرائض الله وحدوده، قاصدًا على محاذره ومحدوده، مقبلاً على الله، معرضًا عمَّا سواه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا قعدة قاعد، ولا قومة قائم.

    فصل في آدابه الظاهرة ينبغي أن يكون ذا سكينةٍ ووقار، ومسكنةٍ وإخباتٍ واعتبار، ودعاءٍ وتوجُّهٍ واستبصار، واعترافٍ وإنابةٍ واستغفار، معظِّمًا لحرمات الله وشعائره، محقرًا لمحذوراته ومخالفة شرائعه، إن قام قام لله، وإن قعد قعد له، وإن تحرك تحرك له، وإن سَكَن سَكَن له.

    أمْرُه تَبَعٌ لأمر ربه، وهواه تَبَعٌ لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاذرٌ من عذر الله، ولا يقنِّط المذنب من رحمة الله، ولا يؤمِّن الطعة، بحسب ما سمح به الوقت، لأن استيعاب الموضوع يتطلب متَّسعًا من الوقت، وفراغًا من الشغل، والحال أننا وسط السنة الدراسية. وقد كنتُ شاركتُ في الملتقى الأول المنعقد بفاس ببحث موسَّع عن الخطابة ورجالاتها عبر التاريخ الإسلامي.

    مكان المنبر في المسجد: في "شرح القسطلاني على البخاري"[2]، عند قول البخاري: "باب الخطبة على المنبر": "يستحبُّ فعلها عليه، فإن لم يكن منبرٌ فعلى مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام. وأن يكون المنبر على يمين المحراب، والمراد به: مصلَّى الإمام؛ قال الرافعي: هكذا وُضِعَ منبره - صلى الله عليه وسلم -".

    لكن قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" [3] معلِّقًا على قول الرافعي "كان منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على يمين القِبلة": "لم أجده حديثًا، ولكنه كما قال، فالمستند فيه إلى المشاهدة، ويؤيِّده حديث سهل بن سعد في "البخاري"، في قصة عمل المرأة المنبر؛ قال: فاحتمله النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعه حيث ترون".

    ونصُّ حديث سهل بن سعد الذي أشار إليه الحافظ هو: "أن رجالاً أتوا سهل بن سعد السَّاعدي وقد امتروا في المنبر؛ ممَّا عودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إني لأعرف ممَّا عوده، ولقد رأيتُه أوَّل يومٍ وُضع، وأوَّل يومٍ جلس عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم. أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة - امرأة من الأنصار، قد سمَّاها سهل -: ((مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمتُ الناس))، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأُرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فوُضعت ها هنا..." الحديث.

    وفي "الصحيحين"، و"سنن أبي داود" واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: "كان بين منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الحائط كقدر ممرِّ الشَّاة". قال: الأَبِّي[4]: "أي: لم يكن المنبر ملصقًا بالجدار". وعلَّل النووي[5] ذلك بقوله: "وإنما أُخَّر المنبر عن الجدار؛ لئلاَّ ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم لبعض".

    واختُلِف في قدر ممرِّ الشَّاة؛ فقيل: شبرٌ، وقيل: ستة أذرع، وقيل ثلاثة أذرع، وهو الذي جزم به ابن الصلاح كما نقله عنه الحافظ في "الفتح"[6]، ولكنَّ الحافظ انتقد هذا الجزم من ابن الصلاح بقوله: "ولا يخفى ما فيه". ذلك أن الحديث وإن أورده أبو داود في باب (موضع المنبر) من كتاب الجمعة - فقد أورده البخاري في أبواب (سترة المصلِّي)، باب "قدرُ كَمْ ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسُّترة"، وذكر حديث سهل بن سعد: كان بين مصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار ممر الشاة، وحديث سَلَمَة هذا بلفظ: "كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها".

    وحيث لم يحدِّد الرُّواة قدرَ ممرِّ الشَّاة؛ فقد قدَّره بعض العلماء بما يعطيه ظاهر اللفظ؛ وهو شبرٌ، والتفت آخرون – وهم الكثير - إلى التصريح بالثلاثة أذرع عندما صلَّى - عليه الصلاة والسلام - بداخل الكعبة، كما قال القاضي عياض: "وجاء في حديث صلاته في الكعبة: أنه كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، واستحبَّه جماعةٌ؛ لأنه القَدْر الذي يُباح تأخُّره عن القِبلة، ويمكِّن المصلِّي أن يدفع مَنْ يمرَّ به".

    وجمع بعضهم بين القدر المعتاد لممرِّ الشَّاة - وهو شبر - وبين حديث صلاته في الكعبة؛ فأضاف القاضي عياض: "وجمع بينهما بعض شيوخنا بأن يكون الشِّبر بينه وبين السُّترة وهو قائمٌ، فإذا ركع تأخَّر قدر ثلاثة أذرع".

    فظهر أن ليس هناك ما يُحمل على الجزم بأن قدر ممرِّ الشَّاة هو ثلاثة أذرع، ولكن يُستأنس له بما تقدَّم، وبتصوُّر واقع الحال، فإذا عرفنا أنه لم يكن في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - محرابٌ، وأنه كان يقف للصلاة بجانب المنبر - أمكن تصوُّر أنه لا يمكن أن يُتمَّ ركوعه وسجوده كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث إلا في مسافة ثلاثة أذرع فأكثر، فتكون هي المسافة بين المنبر والجدار. ونقل السيد مُرتضى الزّبيدي في "شرح الإحياء" عن الرافعي أنه يكره المنبر الكبير الذي يضيِّق على المصلين إذا لم يكن المسجد متَّسِعٌ الخُطَّة.

    أما عدد دَرَج منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي "صحيح مسلم" و"سنن ابن ماجه": أنه ثلاث درجات، لكن في "سنن أبي داود" عن ابن عمر: "فاتخذ له منبرًا مِرْقاتَيْن". قال في "عون المعبود"[7]: "الذي قال: "مِرْقاتَيْن" لم يعتبِر الدَّرجة التي كان يجلس عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

    وقال الحافظ[8]: "ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات، حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستَّ درجاتٍ في أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكَّار في "أخبار المدينة" بإسنادٍ إلى حُمَيْد بن عبدالرحمن بن عوف قال: "بعث معاوية إلى مروان عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر؛ فأمر به فقُلِع، فأظلمت المدينة، فخرج مروان فخطب وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه. فدعا نجارًّا، وكان ثلاث درجات، فزاد الزِّيادة التي هو عليها اليوم... قال ابن النجار وغيره: استمرَّ على ذلك - إلا ما أُصلح منه - إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق".

    فائدةٌ: قال السيد مرتضى الزبيدي في "شرح الإحياء": "وهل يأتي الخطيب قبل دخول الوقت؟ الأول: هو الظاهر؛ لكونه متبوعًا والقوم ينتظرونه، والثاني: هو المعمول به من مدة أزمان، فإن كان في المسجد بيت خطابة كموضع مستقل في قِبْلَة المسجد على يمين المنبر - فيجلس فيه ومعه المُرَقِّي، فإذا قرب الوقت خرج الخطيب وقدَّامه المرقِّي ماسكًا السيفَ أو العصا، فإذا وصل إلى باب المنبر أخذ السيف أو العصا بيمينه من المرقِّي؛ فيعتمد عليه ويصعد دَرَج المنبر، وهذا من شعائر الدين. فإن لم يكن بيت خطابة؛ فيأتي كغيره من المصلين قبل الوقت ويجلس في الصفوف إلى اتجاه المنبر، وينتظر دخول الوقت، فيأتي المرقِّي ويأتي على باب المنبر، فيتحرَّك من موضعه ويتوجَّه إلى المنبر، ويتناول منه السيف أو العصا".

    والملاحَظ: أن اعتبار ما تقدَّم من شعائر الدين غريبٌ، من جهة أنه لم يؤثَر من ذلك إلا إمساك الخطيب بالعصا أو السيف كما سيأتي. أما المرقِّي فسيأتي الكلام عنه، وعن وقت عمل أهل المغرب به [وسيأتي بيان خلاف العلماء في بدعية ذلك أو جوازه].

    سلام الخطيب إذا صعد المنبر: وردت فيه أحاديث مسندة، ومرسَلة، وموقوفة: فالمسند منها: ما أخرجه ابن ماجه[9]، عن جابر بن عبدالله، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صعد المنبر سلَّم، لكن في إسناده عبدالله بن لَهيعَة المصري، وهو ضعيفٌ.

    وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلَّم على مَنْ عند منبره من الجلوس، فإذا صعد المنبر توجَّه إلى الناس فسلَّم عليهم". قال الحافظ الهيثمي[10]: "وفيه عيسى بن عبدالله الأنصاري، وهو ضعيفٌ، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات". وأخرجه ابن عدي في "الكامل"[11] في ترجمة عيسى بن عبدالله بن الحكم الأنصاري، وقال: "عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه".

    وأما المرسَل منها: فعن عطاء بن أبي رباح والشَّعبي، أما مرسلُ عطاء فصحيحٌ إليه؛ حيث قال عبدالرزاق[12]، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: ((السلام عليكم)).

    وأما مرسل الشَّعبي؛ فأخرجه عبدالرزاق وابن أبي شيبة في "مصنَّفَيْهما"، والأَثْرم في "سننه" من طريق مُجالِد عنه، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه وقال: ((السلام عليكم))، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبي - صلى الله عليه وسلم". وزاد ابن أبي شيبة: "وعثمان"، كما في "نصب الرَّاية"[13]، ومُجالِد ضعيفٌ.

    وأما الموقوفات: فإضافةً إلى ما ذكره الشَّعبي عن أبي بكر وعمر وعثمان - قال البيهقي في "سننه الكبرى"[14]: "باب: الإمام يسلِّم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس"، ثم قال: "ورُويَ في ذلك عن ابن عباس وابن الزُّبير، ثم عن عمر بن عبدالعزيز".

    وقد نظر الشافعية والحنابلة إلى مجموع هذه الآثار وتقوية بعضها لبعض؛ فاستحبُّوا سلام الإمام إذا رقي المنبر، واعتبروه من آداب الخطبة.

    ففي متن "المهذَّب": "ومن سننها: إذا صعد المنبر ثم أقبل على الناس - أن يسلَّم عليهم؛ لما رُوي أن النبيَّ - صلى الله عيه وسلم - كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس بوجهه قال: ((السلام عليكم))، ولأنه استدبر الناس في صعوده، فإذا أقبل عليهم سلَّم".

    وقال النووي في "المجموع"[15]: "قال أصحابنا: يُسَنُّ للإمام السلام على الناس مرَّتين؛ إحداهما: عند دخوله المسجد، يسلِّم على مَنْ هناك وعلى مَنْ عند المنبر إذا انتهى إليه. الثانية: إذا وصل أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلِّم عليهم؛ لما ذكره المصنِّف[16]. قال أصحابنا: وإذا سلَّم لزم السامعين الردُّ عليه، وهو فرض كفايةٍ كالسلام في باقي المواضع، وهذا الذي ذكرناه من استحباب السلام الثاني مذهبُنا ومذهب الأكثرين، وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز والأوزاعي وأحمد"؛ وانظر: "المغني"[17] لابن قُدامة في فقه الحنابلة.

    وكره الحنفيَّة والمالكيَّة هذا السلام الثاني على المنبر؛ ففي "مدونة[18] سحنون": "قال ابن القاسم: وسألتُ مالكًا: إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة؛ هل يسلِّم على الناس؟ قال: لا، وأنكر ذلك"، وقال الدَّرْدير عند قول الشيخ خليل عاطفًا على المندوب "وسَلامُ خَطِيبٍ لخروجه لا صعوده": لا يُندَب؛ بل يُكره، ولا يجب ردُّه كما جزم به بعضهم". واعتبر الحنفية أن سلامه الأوَّل عند دخوله المسجد أو خروجه من المقصورة مُغْنٍ عن الإعادة.

    فتلخَّص أن السلام الأول مستحبٌّ عند الجميع، وأن السلام الثاني عند الصعود إلى المنبر مكروهٌ عند الحنفيَّة والمالكيَّة، مستحبٌّ عند الشافعيَّة والحنابلة، والأكثرين على ما حكاه النووي.

    إجابة الخطيب للمؤذن: قال البخاري في "صحيحه": "باب: يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء"، ثم أسند عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيْف قال: "سمعتُ معاوية بن أبي سفيان وهو جالسٌ على المنبر، أذَّن المؤذن فقال: الله أكبر الله أكبر؛ قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال معاوية: وأنا، فلما قال: وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ قال معاوية: وأنا. فلما أن قضى التَّأذين قال: يا أيها الناس، إني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا المجلس حين أذَّن المؤذن يقول ما سمعتم من مقالتي".

    قال الحافظ ابن حجر[19]: "وفي هذا الحديث من الفوائد: تعلُّم العلم وتعليمه من الإمام، وهو على المنبر، وأن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، وأن قول المجيب: وأنا كذلك ونحوه يكفي في إجابة المؤذن. وفيه: إباحة الكلام قبل الشروع في الخطبة... وفيه: الجلوس قبل الخطبة".

    أما الكلام قبل الشروع في الخطبة؛ فسيأتي الحديث عنه - إن شاء الله - وأما الجلوس قبل الخطبة؛ فقد عدَّه الحافظ الزَّيْلَعي في "نصب الراية"[20] مما جرى به التَّواتر، أي ممَّا عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، كما عدَّ الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" [21] تقديم الخطبتَيْن على صلاة الجمعة من المتواتِر، وقال: "إنه إجماعٌ". وفي "المدوَّنة"[22]: "وقال مالك في الإمام يوم الجمعة يجهل فيصلي قبل الخطبة ثم يخطب: إنه يصلي بالناس ثانيةً، وتُجزئ عن الخطبة، ويُلغى ما صلَّى قبل الخطبة"، وممَّا عدَّه الإمام مالك قريبًا من هذا.

    اعتماد الخطيب على العصا: ففي نفس الصفحة والجزء من المدونة: "وقال مالك في خطبة الإمام يوم الجمعة، يمسك بيده عصا. قال مالك: وهو من أمر الناس القديم. قلتُ له: أعمودُ المنبر يعني مالكٌ أما عصا سِواه؟ قال: لا، بل عصا سواه".

    وقد وردت أحاديث في الاعتماد على العصا والقوس، فعَنْوَن أبو داود في "سننه": (باب الرجل يخطب على قوس)، وأسند عن الحكم بن حزن الكُلَعي حديثًا فيه: "فأقمنا به أيامًا، شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام متوكِّئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلماتٍ خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركَاتٍ... ".
    قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير": "إسناده حسنٌ، وقد صحَّحه ابن السَّكَن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازِب، رواه أبو داود بلفظ: "إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُعطيَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه".

    وأخرج ابن ماجه من طريق عبدالرحمن بن سعد بن عمَّار بن سعد، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب في الحرب يخطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا". قال الحافظ البوصيري[23]: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عبدالرحمن فَمَنْ فوقه، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق عمَّار بن عبدالرحمن به، ورواه البيهقي من طريق ابن ماجه، وله شاهدٌ رواه أبو داود في سننه.. "؛ ثم ذكر حديث أبي داود السابق.

    وأخرج أبو الشيخ بن حبَّان[24] عن عبدالله بن الزبير: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ومعه مِخْصَرَة"؛ فسَّر المعلِّق المِخْصَرة بأنها عصا أو قضيب أو نحو ذلك، يَخْتَصِره الإنسان.

    وزادوا بالمشرِق: الاتِّكاء على السيف، إضافةً إلى العصا أو القوس الواردَيْن؛ فقال الدردير عقب قول خليل عاطفًا على المندوبات "وتَوَكُّؤٌ على كَقَوْسٍ": "من سيفٍ أو عصا، وهي أوْلى منهما".

    وقال ابن قُدامة[25]: "ويستحبُّ أن يعتمد على قوسٍ أو سيفٍ أو عصا؛ لما روى الحكم بن حزن الكُلَعي"، ثم ذكر حديث أبي داود السابق وقال: "ولأن ذلك أَعْوَن له، فإن لم يفعل فيستحبُّ له أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله، أو يرسلهما ساكنتَيْن مع جنبَيْه".

    وقد أنكر ابن القيم أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قد اعتمد على السيف في خطبته، كما أنكر الاعتماد في الخطبة من أساسه، بعد اتِّخاذه - صلى الله عليه وسلم - للمنبر لا على عصا ولا على قوس؛ فقال في "زاد المعاد"[26]، وهو يصف خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس وعصا قبل أن يتَّخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا، ولم يُحفَظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنَّه بعض الجهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف - فمن فرط جهله؛ فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيفٍ ولا قوسٍ ولا غيره، ولا قبل اتِّخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتَّة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس".

    وقد توسَّعوا في المشرق حتى اتخذوا للخطب سيفًا من خشب كما سنعرف! والمهم أن الجمهور متفقون على مشروعية العصا أو القوس؛ باستثناء ابن القيم. وكلام الإمام مالك السابق صريحٌ في أنه من عمل الناس القديم، إلا أن المالكية والشافعية اختلفوا: بأيِّ يدٍ يُمسك العصا؛ باليمين أو بالشمال؟ فقال المالكية باليمين، وقال الشافعية بالشمال، وكلام السيد مرتضى الزبيدي الآتي في وصف خطباء المشرق يُعطي أنهم أخذوا بقول الشافعية لعلَّةٍ ذكروها، فلنتعرَّف أوَّلاً على نصوص المذهبَيْن.

    قال النووي[27]: "يُسَنُّ أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها... قال القاضي حسين والبغوي: يُستحبُّ أن يأخذه في يده اليسرى، ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها، وقال أصحابنا: ويستحبُّ أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر. قالوا: فإن لم يجد سيفًا أو عصا أو نحوه - سكن يده، بأن يضع اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما ولا يحركهما، ولا يعبث بواحدةٍ منهما، والمقصود: الخشوع والمنع من العبث".

    وقال الزرقاني عند قول خليل "وتَوَكُّؤٌ على كَقَوْس": "وعصا غير عود المنبر؛ بل ولو خطب بالأرض، ويجعله بيمينه، خلافًا للشافعي"، ولعل الأظهر أن يقول: خلافًا للشافعية؛ لأن كلام النووي يدلُّ صراحةً على أن هذا ليس قول الشافعي.
    وقال الرهوني في "حاشيته على الزرقاني"[28]: "ابن عرفة: وفي استحباب توكُّئه على عصا بيمينه خوفَ العبث مشهورُ روايتَي ابن القاسم وشاذَّتهما".

    بعد هذا اتخذت مسألة الاعتماد في الخطبة صبغة خاصة، فقُنِّنَت ونُظِّمَت؛ بل وفُلْسِفَتْ إن صحَّ هذا التعبير، وقد تقدَّم قول السيد مرتضى الزبيدي: "فإذا قرب الوقت خرج الخطيب وقدَّامه المرقِّي ماسكا السيف أو العصا، فإذا وصل إلى باب المنبر أخذ السيف أو العصا بيمينه من المرقِّي؛ فيعتمد عليه ويصعد درج المنبر، وهذا من شعائر الدِّين... ".

    ويبقى ما هو مشتركٌ بين المشرق والمغرب؛ هو المرقِّي، إلا أن مفهومه في المغرب غير مفهومه في المشرق حسبما يظهر من كلامهم؛ ففي المشرق شخصٌ واحدٌ هو الذي يخرج مع الخطيب من المقصورة، ويناوله العصا أو السيف إذا صعد المنبر، ثم يروي حديث الإنصات؛ بينما في المغرب يقوم بالعملية شخصان كما هو معروف. الذي وقع حوله الخلاف بين العلماء: هو راوي الحديث، أو رواية حديث الإنصات.

    فإن ذلك عُرف أول ما عُرف بالشام، ثم انتشر بأقطار المشرق، ودخل إلى المغرب سنة 1120، كما نقل الشيخ محمد بن المدني كَنُّون في "حاشيته" بها من "حاشية الرهوني"[29]؛ حيث قال: "وذكر في "نشر المثاني" أن إحداث قراءة الحديث المتضمِّن أمر الناس بالإنصات بالمستمَع عند خروج الإمام من المقصورة - كان سنة 1120، فأجازه بعضهم وأنكره آخرون، وفي "النوازل الصغرى"[30] لسيدي المهدي الوزَّاني: "مسألة: من خطِّ بعض أهل العصر ما نصُّه: التَّرقية التي تُفعل بين يَدَي الخطيب من سنة عشرين ومائة وألف - أنكرها في "المدخل"، وجعلها من البدع المكروهة، وجعلها غيره من البدع المستحسَنة، وقال: إنه لم يَرِد فيه شيءٌ بالخصوص، ولكن يدلُّ لها قوله - عليه الصلاة والسلام - في حجة الوداع لجرير: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))".

    وقال الزرقاني في شرح مختصر خليل [31]: "والترقية بين يَدَي الخطيب بدعةٌ مكروهةٌ من عمل أهل الشام، إلا أن يشترطها واقفٌ فيُعْمَل بها، والحديث الذي يقوله فيها ثابتٌ في "الصحيحَيْن" وغيرهما، لكن لم يَرِدْ أنه أمر أن يُقال لمرقٍّ بين يَدَي خطبته، ولا فُعل في زمانه - عليه الصلاة والسلام - وفي "المدخل" لابن الحاجّ: العجب من الإنكار على مالك بعمل أهل المدينة، وهؤلاء يفعلون التَّرقية محتجِّين بعمل أهل الشام!. اهـ.

    وقد يُقال: إنكارهم على مالك إنما هو تقديمُ عمل أهل المدينة على الخبر الصحيح، وعمل أهل الشام إنما هو فيما لم يرد خبر بخلافه؛ بل قد يدل لفعلهم أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لجرير في حجَّة الوداع: ((اسْتَنْصِتِ النَّاس))"..

    كلام الخطيب وتكليمه: أولاً: كلام الخطيب قطع الخطيب لخطبته وتكليمه للمأمومين بكلامٍ ليس من سياق الخطبة، له حالتان: الحالة الأولى: أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو ينبِّه أحد المصلين على خطأ أو نقصٍ مثلاً، أو على مفسدةٍ بالمسجد، أو يحذِّر من سقوط أعمى أو صبي.. إلى غير ذلك ممَّا لا يُعَدُّ لَغْوًا في الخطبة وخروجًا عمَّا شُرعت الخطبة لأجله، وهذا جائزٌ باتِّفاق المذاهب؛ نظرًا لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار الكثيرة، والتي سيأتي بعضها.

    ففي "المدوَّنة"[32]: "وقال مالك: لا بأس أن يتكلَّم الإمام في الخطبة يوم الجمعة على المنبر إذا كان في أمرٍ أو نهي. قال: وقال مالك في الإمام يريد أن يأمر الناس يوم الجمعة، وهو على المنبر في خطبته بالأمر ينهاهم عنه ويعظهم به - قال: لا بأس بذلك، ولا نراه لاغيًا. وقال: لقد استشارني بعض الولاة في ذلك فأشرتُ عليه به".

    وقال الشيخ خليل في "المختصر" ممزوجًا بـ "شرح الدَّرْدير": "وجاز نهيُ خطيبٍ أو أمره إنسانًا لغا أو فعل ما لا يليق؛ كقوله: لا تتكلَّم، أو: أنصتْ يا فلان - حال خطبته".

    وقال علي القاري الحنفي في "مرقاة المفاتيح"[33]: "وعندنا كلام الخطيب في أثناء الخطبة مكروهٌ إذ لم يكن أمر بمعروف".

    وقال النووي[34]: "وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان: أحدهما على القولين، والثاني - وهو الصحيح وبه قطع الجمهور -: يُستحبُّ ولا يَحْرُم، للأحاديث الصحيحة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلَّم في الخطبة. والأوْلى أن يجيب عن ذلك بأن كلامه - صلى الله عليه وسلم - كان لحاجةٍ. قال أصحابنا: وهذا الخلاف في حقِّ القوم والإمام في كلامٍ لا يتعلق به غرضٌ مهمٌّ ناجِزٌ، فلو رأى أعمى يقع في بئر، أو عقربًا تدب إلى إنسان غافل ونحوه فأنذره، أو علَّم إنسانًا خيرًا أو نهاه عن منكر - فهذا ليس بحرامٍ بلا خلاف، نصَّ عليه الشافعي، واتَّفق الأصحاب على التَّصريح به، لكن قالوا: يُستحبُّ أن يقتصر على الإشارة إن حصل بها المقصود".

    وقال ابن قُدامة[35]: "ولا يَحْرُم الكلام على الخطب ولا على مَنْ سأله الخطيب.. "، إلى أن قال: "فأما الواجب؛ كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه نارًا أو حيَّةً أو حريقًا ونحو ذلك - فله فعله؛ لأن هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها، فها هنا أوْلى"، ويعني: أن ذلك جائزٌ بالنسبة إلى الخطيب والمأموم على السواء.

    وقد ورد في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب أحاديث كثيرة، كما ورد ذلك عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - تكفي من ذلك بما يلي: - حديث جابر بن عبدالله في الكتب الستَّة وغيرها؛ قال: دخل رجلٌ يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فقال: ((صلَّيْتَ؟))، قال: لا؛ قال: ((فَصَلِّ ركعتَيْن)). - وحديث أبي سعيد الخُدْري: "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر؛ فأمره أن يصلِّي ركعتَيْن"؛ قال المجد بن تيمية في "منتقى الأخبار": "رواه الخمسة إلا أبا داود، وصحَّحه الترمذي ولفظه: أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئةٍ بَذَّةٍ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأمره فصلَّى ركعتين والنبي - صلى الله عليه وسلم – يخطب". وفُسِّر الرجل في بعض الروايات بأنه سُلَيْك الغَطَفاني، ولسنا بصدد ذكر الخلاف بين الحنفيَّة والمالكيَّة من جهة مَنْ منع الركعتين والإمام يخطب، وبين الجمهور من جهة أخرى؛ فإن لكلٍّ دليلاً، وليس المقام مقام بَسْط ذلك، وقد أطال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"[36] النَّفَس في حكاية الأقوال وأدلَّتها في هذا الموضوع، كما أنَّ لبعض العلماء المعاصرين مؤلَّفًا خاصًّا في هذا الموضوع، وهو مطبوعٌ. - وفي "سنن النَّسائي"[37] في حديث أبي سعيد هذا بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلِّ ركعتَيْن)): "وحَثَّ النَّاس على الصَّدقة؛ فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبَيْن. فلما كانت الجمعة الثانية، جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فحثَّ النَّاس على الصَّدقة. قال: فألقى أحد ثوبَيْه؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((جاء هذا يوم الجمعة بهيئةٍ بَذَّةٍ؛ فأمرتُ النَّاس بالصَّدقة، فألقوا ثيابًا، فأمرت له منها بثوبَيْن. ثم جاء الآن؛ فأمرتُ النَّاس بالصَّدقة فألقى أحدهما!! فانتهره وقال: ((خُذْ ثوبَك)). - وحديث عبد الله بن بسر: ((جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت)) أخرجه أبو داود [38] والنسائي [39]. - وأخرج ابن ماجه[40] عن جابر بن عبدالله: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب، فجعل يتخطَّى الناس؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اجلس؛ فقد آذيتَ وآنيتَ)). - وحديث جابر الذي عقد له أبو داود (باب: الإمام يكلِّم الرجل في خطبته) ونصُّه: "لمَّا استوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة قال: ((اجلسوا))، فسمع ذلك ابن مسعود، فدلَّس على باب المسجد، فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((تعالى يا عبدالله بن مسعود))، لكن قال أبو داود: "إنما يُعرف مرسَلاً عن عطاء". - حديث عبدالله بن بُرَيْدَة عن أبيه قال: خَطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يتعثَّران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد المنبر ثم قال: ((صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]؛ رأيتُ هذين فلم أصبر))[41]. - حديث قيس بن حازم: "أن أباه جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب، فقام في الشمس؛ فأمر به فحُوِّل إلى الظِّلِّ"[42]. حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كلَّمه قتلة ابن أبي الحُقَيْق، وسألهم عن كيفية قتله في الخطبة وهو قائمٌ على المنبر يوم الجمعة[43].

    وأما الآثار فكثيرةٌ جدًّا، نكتفي بأشهرها على الإطلاق؛ وهو حوار عمر في خلافته مع عثمان - رضي الله عنهما - المخرَّج في "الموطَّأ" و"الصحيحين" وغيرهما. ففي "الموطَّأ" رواية يحيى بن يحيى: "وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله أنه قال: دخل رجلٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب؛ فقال عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبتُ من السوق، فسمعت النداء، فما زدتُ على أن توضأت! فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد سمعت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغُسْل!". قال ابن عبدالبَرِّ: "سمَّي ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في "الموطَّأ" الرجل المذكور: عثمان بن عفان"، وقال: "لا أعلم في ذلك خلافًا".

    الحالة الثانية: أن يغلو في خطبته ويتكلم بما هو خارج عنها، وأشد المذاهب في ذلك مذهب الحنفية؛ فإنهم كرهوا ذلك كراهةَ تحريم، وربما أعطى كلامهم أنه يُبْطِل الخطبة!.

    ففي "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" للكاساني[44]: "يُفسد الجمعة ما يُفسد سائر الصلوات"، ثم قال: "وإن فسدت بما تفسد به عامَّة الصلوات من الحَدَث العمد والكلام وغير ذلك - سيتقبل الجمعة عند وجود شرائطهما....".

    وقال الطحاوي[45]: "فإذا كان الناس منهيِّين عن الكلام ما دام الإمام يخطب؛ كان كذلك الإمام منهيًّا عن الكلام ما دام يخطب بغير الخطبة! ألا ترى أن المأمومين ممنوعون عن الكلام في الصلاة؟! فكذلك الإمام، فكان ما مُنع منه غير الإمام فقد مُنع منه الإمام، فكذلك لمَّا مُنع غير الإمام من الكلام في الخطبة كان الإمام مُنع بذلك من الكلام في الخطبة بما هو من غيرها".

    أما بقية المذاهب؛ فقد تقدَّم نصُّ النووي أن الصحيح عند الشافعية أن عدم الكلام مستحبٌّ ولا يَحْرُم، ونصَّ الحنابلة أنه مباحٌ.

    أما المالكيَّة؛ فلم أعثر لهم على نصٍّ صريحٍ في الموضوع، ولا أستبعد أنه موجودٌ، ولكن لم أتمكَّن الآن من الوقوف عليه، والذي يُؤخَذ من كلام الزُّرقاني الآتي: أن اللغو مباحٌ في الخطبة ولا حرمة فيه، وكل ما يترتَّب عنه إباحة اللَّغو للمأمومين إذا لغا الإمام.

    فعندما قال الشيخ خليل "وحَرُمَ" أي السفر "بالزَّوال ككلام"؛ أي: من كلام المأموم في خطبتَيه بقيامه وبينهما، ولو لغير سامع، "إلا أن يلغو" قال الزرقاني: "الخطيب بخروجه عن أمر الخطبة بما لا تعلُّق له بها كان محرمًا؛ كسَبِّ أو مدح مَنْ لا يجوز سبُّه أو مدحه، أو غير محرَّم؛ كقراءته كتابًا غير متعلِّق بالخطبة، وكتكلُّمه بما لا يعني - فليس على الناس الإنصات "على المختار"، ولا تحول إليه؛ بل هم لهم التكلُّم كما فعله ابن المسيّب، فهي مستثنى من قوله "ككلام"، ومعنى "يلغو": يتكلَّم بالكلام اللاَّغي؛ أي الساقط من القول، أي الخارج عن نظام الخطبة. وكذا يجوز حينئذٍ التنقُّل كما نقل البرزلي عن ابن العربي، ولا عبرة بظاهر المصنِّف وابن عرفة؛ لأنه لا يرد المنصوص"، وسكت عنه المحدِّثون: البُناني والرهوني وكَنُّون.

    فقوله: كان كلام محرمًا أو غير محرَّم - ظاهرٌ في أن الكلام اللَّغو لا يؤثِّر في نفس الخطبة، والذي يظهر أن مجال خطبة الجمعة أوسع وأفسح مما ضيَّقه به الحنفيَّة[46].

    إلا أنه يبقى هنا تساؤلٌ بالنسبة إلى فقهاء المذاهب الثالثة المبيحين للكلام في الخطبة، ماذا يقصدون باشتراط الموالاة في الخطبة؟ مع العلم بأن قطع الموالاة يَصْدُق على القول والفعل، فإن كانوا يقصدون الموالاة في القول والفعل، فإباحتهم للكلام يتناقض مع هذا الشرط، وإن كانوا يقصدون الموالاة في الفعل خاصةً، فهم لم يفصحوا عن ذلك، مما يُبقي في المسألة غموضًا، وهذه نصوصهم في ذلك:
    قال الزرقاني عند قول الشيخ خليل "مما تسمِّيه العرب خطبة": "ثم إنه يجب في مسألة المصنِّف اتصال أجزاء بعضها ببعض، واتصالهما بالصلاة، ويسير الفصل عفوٌ"، وقال الدردير عند قول خليل "وبخطبتين قبل الصلاة": "فلو خطب بعدها أعاد الصلاة فقط إن قَرُبَ، وإلا استأنفها؛ لأن من شروطها وصل الصلاة بها"، وأضاف محشّية الدسوقي: "أي: ووصل بعضها ببعض كذلك، ويسير الفصل مغتفرٌ".

    وقال في "المهذب" في فقه الشافعية: "فإن قرأ آيةً فيها سجدة، فنزل وسجد – جاز؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، ثم فعله عمر – رضي الله عنه – بعده، فإن فعل هذا وطال الفصل فقَوْلان، وقال في الجديد: "يستأنف". وقال النووي[47]: "فلو طال الفصل فقولان: ذكرهما المصنِّف هنا، وسبق ذكرهما أصحهما - وهو الجديد - أن الموالاة بين أركان الخطبة واجبةٌ؛ لأن فواتها يُخِلُّ بمقصود الوعظ، فعلى هذا يجب استئناف الخطبة".

    وقال ابن قُدامة[48]: "والموالاة شرطٌ في صحَّة الخطبة، فإن فصل بعضها من بعض بكلام طويل أو سكوت طويل أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة استأنفها، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، وكذلك يُشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة، وإن احتاج إلى الطهارة تطهَّر وبنى على خطبته ما لم يُطِلِ الفصل".

    ولعله عند التدقيق في هذا الشرط ترجع المذاهب الثلاثة إلى رأي الحنفيَّة، على الرغم من تفريق ابن قُدامة بين الكلام الطويل والقصير، وإرجاع ذلك إلى العادة، فإن العادة لا تنضبط هنا؛ بل تختلف من مجتمع لآخر كما هو معلوم. وعلى أيٍّ؛ فلا زال هناك مجال للبحث للتوفيق بين إباحة الكلام واشتراط الموالاة في المذاهب الثلاثة.

    تكليم الخطيب وسؤاله أثناء الخطبة: منعه المالكيَّة والحنفيَّة، وأجازه الجمهور، والجائز عند المالكيَّة هو إجابته فقط إذا سأل؛ قال الشيخ خليل عاطفًا على الجائز "وإجابته": "أي المصلي للخطيب". قال الدَّرْدير: "فيما يجوز له التكلُّم فيه؛ كأن يقول للخطيب عند نهيه أو أمره: إنما حملني على هذا الأمر الفلاني – مثلاً - ولا يعدُّ كلاًّ من الخطيب والمجيب لاغيًا؛ بل هنا ما هو أكثر من هذا، وهو منع المأموم من تلقين الخطيب إذا نسي شيئًا إن لم يطلب الخطيب منه ذلك؛ فقال الزرقاني عند قول خليل "وإجابته": "ثم إذا وقف الخطيب في الخطبة لا يردُّ عليه أحدٌ؛ لأنه إجابةٌ له من غير طلبٍ منه. قاله علي الأجهوري. ولا يُقال توقفه وتردده طُلب منه للفتح، خصوصًا على جعل الخطبتين قائمتَيْن مقام ركعتَي الظهر؛ لأنا نقول: كما لم تكن أجزاء الخطبة واجبةُ الترتيب كأجزاء الفاتحة أو السورة - لم يطلب الفتح عليه، والوعظ يحصل بانتقاله لأخرى؛ فلا معنى لتوقُّفه، فلم يعد استطعامًا، ويُفهم من كلامه أنه إذا طلب الفتح فإنه يُفتح له".

    وأجازوا أن يكون قوله: "وأجابته" من إضافة المصدر لفاعله؛ فيجوز للخطيب أن يجيب سائله، ومن ثَمَّ يجوز للمصلِّي أن يسأل الخطيب، وهذا هو الذي تؤيِّده الأدلَّة الصريحة كما سيأتي، وخاصةً عند اضطرار شخص لسؤال الخطيب عن أمرٍ يتعلَّق بتصحيح دينه وعقيدته؛ بل قال ابن حجر الهيتمي الفقيه[49]: "ومن المكفِّرات أيضًا: أن يرضى بالكفر ولو ضِمنًا، كأن يسأله كافرٌ يريد الإسلام أن يلقِّنه كلمة الإسلام فلم يفعل، أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي، أو خطبتي لو كان خطيبًا".

    وكأن الحطاب نظر إلى الأحاديث الواردة في الموضوع مع ما يظهر أنه معارضها، فارتضى تفصيل الحافظ ابن حجر؛ حيث قال بعد قول الشيخ خليل مباشرة: "ونهي خطيبٌ أو أمره وإجابته"[50].

    قال ابن حجر في أول كتاب العلم من "فتح الباري" من حديث الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتحدَّث، فمضى في حديثه ما نصه: "أخذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة؛ فقال: لا يقطع الخطبة لسؤال سائل؛ بل إذا فرغ يجيبه، وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها فيؤخِّر الجواب، أو في غير الواجبات فيجيب"، ثم قال: "والأوْلى حينئذٍ التفصيل، فإن كان مما يهتمَّ به في أمر الدِّين - ولاسيَّما إن اختصَّ بالسَّائل - فيستحبُّ إجابته ثم يُتم الخطبة، وكذا بين الخطبة والصلاة، وإن كان بخلاف ذلك فيؤخِّرها، وكان يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديم الجواب، لكن إذا أجاب استأنف على الأصح، يُؤخَذ ذلك كلُّه من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك. فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور بمهتمٍّ به؛ فيؤخِّر كما في الحديث، ولا سيَّما إن كان ترك السؤال عن ذلك أوْلى، وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمت الصلاة، فلما فرغ من الصلاة قال: ((أين السائل؟... )) فأجابه.

    وإن كان السائل به ضرورة ناجزة؛ فيقدم إجابته كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم، أنه قال للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يخطب: رجلٌ غريبٌ لا يدري دينه، جاء يسأل عن دينه؛ فترك خطبته، وأتى بكرسيٍّ فقعد عليه فجعل يعلمه، ثم أتى خطبته فأتمَّ آخرها. وكما في حديث سَمُرَة عند أحمد: أتي أعرابيٌّ يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الضَّبِّ.. وكما في "الصحيحين" في قصة سُلَيْك لما دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أصَلَّيْتَ ركعتَيْن؟.. )) الحديث. وفي حديث أنس: "كانت الصلاة تُقام، فيَعْرُض الرجل، فيحدِّث النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حتى ربما نعس بعض القوم، ثم يدخل في الصلاة"، وفي بعض طرقه: وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة.

    وقال النووي في "شرح مسلم"[51] في حديث أبي رفاعة الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الخطبة عن دينه: "وفيه: المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور، ولعله كان يسأل عن الإيمان وقواعده المهمة. وقد اتَّفق العلماء على أن مَنْ جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وَجَب إجابته وتعليمه على الفور"، ثم قال: "ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيها يخطب أمرٌ غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فصلٌ طويلٌ، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلِّقًا بالخطبة؛ فيكون منها، ولا يضرُّ المشيَ في أثنائها".

    وكل هذا من الإمام النووي – رحمه الله – بناءً على مذهبه في وجوب الموالاة، كما تقدم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نزل من المنبر وأخذ الحسن والحسين - عليهما السلام - ومشى بهما إلى المنبر ثم استأنف خطبته.

    ثم إن الموضوع المبحوث فيه الآن ليس المشي أثناء الخطبة؛ فذاك موضوعٌ آخر، وإنما هو سؤال السائل وإجابة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أثناء الخطبة وعدم إنكاره عليه. ولئن كان في هذا الحديث احتمالٌ ألاَّ تكون الخطبة خطبة جمعة كما ذكر الإمام النووي؛ لأنه ليس فيه التصريح بها - فالحديث التالي صريحٌ في خطبة الجمعة، وهو نصٌّ في الموضوع المُعَنْون له.

    قال البخاري في "صحيحه": "باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة"، ثم أسند عن أنس بن مالك قال: "أصاب الناس سِنَة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم جمعة؛ فقام أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال؛ فادعُ الله لنا. فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعَة، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته - صلى الله عليه وسلم -! فمُطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه.. حتى الجمعة الأخرى!! وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال: يا رسول الله، تهدَّم البناء وغرق المال؛ فادعُ الله لنا، فرفع يديه، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجَوْبة... "؛ الحديث.

    وقد ذكر الشَّعراني في "كشف الغمَّة"[52] بلا عزو: "قال أنس - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الكلام والإمام يخطب، ويرخِّص في تكلُّمه وتكليمه لمصلحةٍ".

    والمصادر التي قال إنه نقل منها الأحاديث في أول كتابه كلها مصادر معروفة، وهي الأصول المتداولة في الحديث، باستثناء بعضها، فإن صحَّ هذا الحديث فيكون قاطعًا لكل نزاع، ولكن دون معرفة درجته خَرْط القَتاد كما يقولون، ثم إن الكلام عندما يجلس الخطيب على المنبر وأثناء الأذان وقبل شروعه في الخطبة جائزٌ عند الجمهور، سواءٌ بالنسبة إلى الخطيب أو بالنسبة إلى المصلِّين، ومنعه الحنفيَّة كما سيأتي.

    أما بالنسبة إلى الخطيب؛ فقد فعل عثمان بن عفان ذلك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو خليفة، ولا شك أن عددًا من الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا حاضرين، فلم يُنقل أنه أنكر عليه؛ ففي "مصنف عبدالرزاق"[53] عن موسى بن طلحة: "رأيتُ عثمان جالسًا على المنبر يوم الجمعة والمؤذِّنون يؤذِّنون، وهو يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم"؛ قال المحدِّث حبيب الرحمن الأعظمي بهامشه: "أخرجه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. قاله الهيثمي".

    وأما بالنسبة إلى المصلِّين؛ ففي "مدوَّنة سحنون"[54]: "قال ابن القاسم: رأيتُ مالكًا والإمام يوم الجمعة على المنبر قاعدٌ، ومالك متحلِّق في أصحابه قبل أن يأتي الإمام وبعدما جاء، يتحدَّث ولا يقطع حديثه، ولا يصرف وجهه إلى الإمام، ويُقبل هو وأصحابه على حديثهم كما هم حتى يسكت المؤذن، فإذا سكت المؤذن وقام الإمام للخطبة تحوَّل هو وأصحابه إلى الإمام فاستقبلوه بوجوههم. قال ابن القاسم: وأخبرني مالك أنه رأى بعض أهل العلم ممَّن مضى يتحلَّق يوم الجمعة ويتحدَّث؛ فقلت لمالك: متى يجب على الناس أن يستقبلوا الإمام يوم الجمعة بوجههم؟ قال: إذا قام يخطب، وليس حين يخرج".

    وهذا هو المعمول به في المذهب، كما في "المختصر" ممزوجٌ بالدَّرْدير: ""وككلام" مَنْ غير الخطيب؛ فإنه يحرم "في" حال "خطبته" لا قبلهما، ولو حال جلوسه، ولذا قال: "بقيامه"؛ يعني: حال قيامه والشروع في التكلُّم بهما".

    قال الدسوقي: "قوله "قيامه": الباء للظرفيَّة، وهي متعلِّقة بمحذوف صفة "لخطبتَيْه"، أي: الكائنتَيْن في حال قيامه، لا أنه بدل من خطبتَيْه، لإيهامه أن بالقيام لهما يحرم الكلام ولو من غير أخذ في الخطبة، وليس كذلك؛ أي أنه وإن قام للخطبة ولم يخطب بالفعل فالكلام مباحٌ".

    وبالنسبة إلى بقية المذاهب قال ابن قُدامة[55]: "فصلٌ: لا يُكره الكلام قبل شروعه في الخطبة وبعد فراغه منها، وبهذا قال عطاء وطاوس، والزهري، وبكر المُزَني، والنَّخعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد، وروي ذلك عن ابن عمر، وكرهه الحَكَم، وقال أبو حنيفة: "إذا خرج الإمام حرم الكلام"، قال ابن عبد البر: "إن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام، ولا مخالِف لهما من الصحابة. ولنا: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا قلتَ لصاحبك والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لَغَوْتَ))، فخصَّه بوقت الخطبة"، وقال ثعلبة ابن أبي مالك: "إنهم كانوا في زمن عمر إذا خرج عمر وجلس على المنبر، وأذَّن المؤذِّنون - جلسوا يتحدَّثون، حتى إذا سكت المؤذِّنون وقام عمر سكتوا فلم يتكلَّم أحدٌ، وهذا يدلُّ على شهرة الأمر بينهم، ولأن الكلام إنما حَرُمَ لأجل الإنصات للخطبة، فلا وجه لتحريمه مع عدمها". وقوله: "لا مخالف لهما من الصحابة"، قد ذكرنا عن عمومهم خلاف هذا القول".

    وأما كلام الخطيب بعد نزوله من المنبر وقبل الصلاة؛ فقد تقدَّمت إشارة الحافظ ابن حجر إليه في نقل الحطَّاب عنه؛ حيث ذكر حديث أنس: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلّم بالحاجة إذا نزل من المنبر"، ولفظه في "المدوَّنة": "ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل عن المنبر يوم الجمعة فيكلِّمه الرجل في الحاجة، ثم يتقدَّم إلى مصلاَّه فيصلِّي"، وقد أخرجه أبو داود[56] والترمذي[57]، والنَّسائي[58]، وابن ماجه[59]، وفيه كلامٌ من جهة وهم جرير بن حازم في كون ذلك كان في صلاة الجمعة، ولكن الحافظ ابن حجر سكت عن رواية الجمعة كما تقدَّم، وقد اشترط في مقدمة "الفتح" أنه لا يسكت إلا عن الصحيح والحسن، كما أن الحافظ العراقي رجَّح هذه الرواية[60].

    وبعد: فإن الحديث عن خطبة الجمعة شيِّقٌ وممتعٌ؛ لأنه موضوع حيٌّ ومتجدِّدٌ، والواقع أنه في حاجة إلى موسوعة تضمُّ كلَّ الأحاديث والآثار الواردة فيه[61]، ثم جَمْع كل ما كُتب حوله في كتب الفقه والخلاف، وتلخيص المؤلَّفات ا
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۱ ] [ مشاوره مديريت ]
    [ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸ ][ ۱۴۹ ][ ۱۵۰ ][ ۱۵۱ ][ ۱۵۲ ][ ۱۵۳ ][ ۱۵۴ ][ ۱۵۵ ][ ۱۵۶ ][ ۱۵۷ ][ ۱۵۸ ][ ۱۵۹ ][ ۱۶۰ ][ ۱۶۱ ][ ۱۶۲ ][ ۱۶۳ ][ ۱۶۴ ][ ۱۶۵ ][ ۱۶۶ ][ ۱۶۷ ][ ۱۶۸ ][ ۱۶۹ ][ ۱۷۰ ][ ۱۷۱ ][ ۱۷۲ ][ ۱۷۳ ][ ۱۷۴ ][ ۱۷۵ ][ ۱۷۶ ][ ۱۷۷ ][ ۱۷۸ ][ ۱۷۹ ][ ۱۸۰ ][ ۱۸۱ ][ ۱۸۲ ][ ۱۸۳ ][ ۱۸۴ ][ ۱۸۵ ][ ۱۸۶ ][ ۱۸۷ ][ ۱۸۸ ][ ۱۸۹ ][ ۱۹۰ ][ ۱۹۱ ][ ۱۹۲ ][ ۱۹۳ ][ ۱۹۴ ][ ۱۹۵ ][ ۱۹۶ ][ ۱۹۷ ][ ۱۹۸ ][ ۱۹۹ ][ ۲۰۰ ][ ۲۰۱ ][ ۲۰۲ ][ ۲۰۳ ][ ۲۰۴ ][ ۲۰۵ ][ ۲۰۶ ][ ۲۰۷ ][ ۲۰۸ ][ ۲۰۹ ][ ۲۱۰ ][ ۲۱۱ ][ ۲۱۲ ][ ۲۱۳ ][ ۲۱۴ ][ ۲۱۵ ][ ۲۱۶ ][ ۲۱۷ ][ ۲۱۸ ][ ۲۱۹ ][ ۲۲۰ ][ ۲۲۱ ][ ۲۲۲ ][ ۲۲۳ ][ ۲۲۴ ][ ۲۲۵ ][ ۲۲۶ ][ ۲۲۷ ][ ۲۲۸ ][ ۲۲۹ ][ ۲۳۰ ][ ۲۳۱ ][ ۲۳۲ ][ ۲۳۳ ][ ۲۳۴ ][ ۲۳۵ ][ ۲۳۶ ][ ۲۳۷ ][ ۲۳۸ ][ ۲۳۹ ][ ۲۴۰ ][ ۲۴۱ ][ ۲۴۲ ][ ۲۴۳ ][ ۲۴۴ ][ ۲۴۵ ][ ۲۴۶ ][ ۲۴۷ ][ ۲۴۸ ][ ۲۴۹ ][ ۲۵۰ ][ ۲۵۱ ][ ۲۵۲ ][ ۲۵۳ ][ ۲۵۴ ][ ۲۵۵ ][ ۲۵۶ ][ ۲۵۷ ][ ۲۵۸ ][ ۲۵۹ ][ ۲۶۰ ][ ۲۶۱ ][ ۲۶۲ ][ ۲۶۳ ][ ۲۶۴ ][ ۲۶۵ ][ ۲۶۶ ][ ۲۶۷ ][ ۲۶۸ ][ ۲۶۹ ][ ۲۷۰ ][ ۲۷۱ ][ ۲۷۲ ][ ۲۷۳ ][ ۲۷۴ ][ ۲۷۵ ][ ۲۷۶ ][ ۲۷۷ ][ ۲۷۸ ][ ۲۷۹ ][ ۲۸۰ ][ ۲۸۱ ][ ۲۸۲ ][ ۲۸۳ ][ ۲۸۴ ][ ۲۸۵ ][ ۲۸۶ ][ ۲۸۷ ][ ۲۸۸ ][ ۲۸۹ ][ ۲۹۰ ][ ۲۹۱ ][ ۲۹۲ ][ ۲۹۳ ][ ۲۹۴ ][ ۲۹۵ ][ ۲۹۶ ][ ۲۹۷ ][ ۲۹۸ ][ ۲۹۹ ][ ۳۰۰ ][ ۳۰۱ ][ ۳۰۲ ][ ۳۰۳ ][ ۳۰۴ ][ ۳۰۵ ][ ۳۰۶ ][ ۳۰۷ ][ ۳۰۸ ][ ۳۰۹ ][ ۳۱۰ ][ ۳۱۱ ][ ۳۱۲ ][ ۳۱۳ ][ ۳۱۴ ][ ۳۱۵ ][ ۳۱۶ ][ ۳۱۷ ][ ۳۱۸ ][ ۳۱۹ ][ ۳۲۰ ][ ۳۲۱ ][ ۳۲۲ ][ ۳۲۳ ][ ۳۲۴ ][ ۳۲۵ ][ ۳۲۶ ][ ۳۲۷ ][ ۳۲۸ ][ ۳۲۹ ][ ۳۳۰ ][ ۳۳۱ ][ ۳۳۲ ][ ۳۳۳ ][ ۳۳۴ ][ ۳۳۵ ][ ۳۳۶ ][ ۳۳۷ ][ ۳۳۸ ][ ۳۳۹ ][ ۳۴۰ ][ ۳۴۱ ][ ۳۴۲ ][ ۳۴۳ ][ ۳۴۴ ][ ۳۴۵ ][ ۳۴۶ ][ ۳۴۷ ][ ۳۴۸ ][ ۳۴۹ ][ ۳۵۰ ][ ۳۵۱ ][ ۳۵۲ ][ ۳۵۳ ][ ۳۵۴ ][ ۳۵۵ ][ ۳۵۶ ][ ۳۵۷ ][ ۳۵۸ ][ ۳۵۹ ][ ۳۶۰ ][ ۳۶۱ ][ ۳۶۲ ][ ۳۶۳ ][ ۳۶۴ ][ ۳۶۵ ][ ۳۶۶ ][ ۳۶۷ ][ ۳۶۸ ][ ۳۶۹ ][ ۳۷۰ ][ ۳۷۱ ][ ۳۷۲ ][ ۳۷۳ ][ ۳۷۴ ][ ۳۷۵ ][ ۳۷۶ ][ ۳۷۷ ][ ۳۷۸ ][ ۳۷۹ ][ ۳۸۰ ][ ۳۸۱ ][ ۳۸۲ ][ ۳۸۳ ][ ۳۸۴ ][ ۳۸۵ ][ ۳۸۶ ][ ۳۸۷ ][ ۳۸۸ ][ ۳۸۹ ][ ۳۹۰ ][ ۳۹۱ ][ ۳۹۲ ][ ۳۹۳ ][ ۳۹۴ ][ ۳۹۵ ][ ۳۹۶ ][ ۳۹۷ ][ ۳۹۸ ][ ۳۹۹ ][ ۴۰۰ ][ ۴۰۱ ][ ۴۰۲ ][ ۴۰۳ ][ ۴۰۴ ][ ۴۰۵ ][ ۴۰۶ ][ ۴۰۷ ][ ۴۰۸ ][ ۴۰۹ ][ ۴۱۰ ][ ۴۱۱ ][ ۴۱۲ ][ ۴۱۳ ][ ۴۱۴ ][ ۴۱۵ ][ ۴۱۶ ][ ۴۱۷ ][ ۴۱۸ ][ ۴۱۹ ][ ۴۲۰ ][ ۴۲۱ ][ ۴۲۲ ][ ۴۲۳ ][ ۴۲۴ ][ ۴۲۵ ][ ۴۲۶ ][ ۴۲۷ ][ ۴۲۸ ][ ۴۲۹ ][ ۴۳۰ ][ ۴۳۱ ][ ۴۳۲ ][ ۴۳۳ ][ ۴۳۴ ][ ۴۳۵ ][ ۴۳۶ ][ ۴۳۷ ][ ۴۳۸ ][ ۴۳۹ ][ ۴۴۰ ][ ۴۴۱ ][ ۴۴۲ ][ ۴۴۳ ][ ۴۴۴ ][ ۴۴۵ ][ ۴۴۶ ][ ۴۴۷ ][ ۴۴۸ ][ ۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶et="_blank">۶۲۱ ][ ۶۲۲ ][ ۶۲۳ ][ ۶۲۴ ][ ۶۲۵ ][ ۶۲۶ ][ ۶۲۷ ][ ۶۲۸ ][ ۶۲۹ ][ ۶۳۰ ][ ۶۳۱ ][ ۶۳۲ ][ ۶۳۳ ][ ۶۳۴ ][ ۶۳۵ ][ ۶۳۶ ][ ۶۳۷ ][ ۶۳۸ ][ ۶۳۹ ][ ۶۴۰ ][ ۶۴۱ ][ ۶۴۲ ][ ۶۴۳ ][ ۶۴۴ ][ ۶۴۵ ][ ۶۴۶ ][ ۶۴۷ ][ ۶۴۸ ][ ۶۴۹ ][ ۶۵۰ ][ ۶۵۱ ][ ۶۵۲ ][ ۶۵۳ ][ ۶۵۴ ][ ۶۵۵ ][ ۶۵۶ ][ ۶۵۷ ][ ۶۵۸ ][ ۶۵۹ ][ ۶۶۰ ][ ۶۶۱ ][ ۶۶۲ ][ ۶۶۳ ][ ۶۶۴ ][ ۶۶۵ ][ ۶۶۶ ][ ۶۶۷ ][ ۶۶۸ ][ ۶۶۹ ][ ۶۷۰ ][ ۶۷۱ ][ ۶۷۲ ][ ۶۷۳ ][ ۶۷۴ ][ ۶۷۵ ][ ۶۷۶ ][ ۶۷۷ ][ ۶۷۸ ][ ۶۷۹ ][ ۶۸۰ ][ ۶۸۱ ][ ۶۸۲ ][ ۶۸۳ ][ ۶۸۴ ][ ۶۸۵ ][ ۶۸۶ ][ ۶۸۷ ][ ۶۸۸ ][ ۶۸۹ ][ ۶۹۰ ][ ۶۹۱ ][ ۶۹۲ ][ ۶۹۳ ][ ۶۹۴ ][ ۶۹۵ ][ ۶۹۶ ][ ۶۹۷ ][ ۶۹۸ ][ ۶۹۹ ][ ۷۰۰ ][ ۷۰۱ ][ ۷۰۲ ][ ۷۰۳ ][ ۷۰۴ ][ ۷۰۵ ][ ۷۰۶ ][ ۷۰۷ ][ ۷۰۸ ][ ۷۰۹ ][ ۷۱۰ ][ ۷۱۱ ][ ۷۱۲ ][ ۷۱۳ ][ ۷۱۴ ][ ۷۱۵ ][ ۷۱۶ ][ ۷۱۷ ][ ۷۱۸ ][ ۷۱۹ ][ ۷۲۰ ][ ۷۲۱ ][ ۷۲۲ ][ ۷۲۳ ][ ۷۲۴ ][ ۷۲۵ ][ ۷۲۶ ][ ۷۲۷ ][ ۷۲۸ ][ ۷۲۹ ][ ۷۳۰ ][ ۷۳۱ ][ ۷۳۲ ][ ۷۳۳ ][ ۷۳۴ ][ ۷۳۵ ][ ۷۳۶ ][ ۷۳۷ ][ ۷۳۸ ][ ۷۳۹ ][ ۷۴۰ ][ ۷۴۱ ][ ۷۴۲ ][ ۷۴۳ ][ ۷۴۴ ][ ۷۴۵ ][ ۷۴۶ ][ ۷۴۷ ][ ۷۴۸ ][ ۷۴۹ ][ ۷۵۰ ][ ۷۵۱ ][ ۷۵۲ ][ ۷۵۳ ][ ۷۵۴ ][ ۷۵۵ ][ ۷۵۶ ][ ۷۵۷ ][ ۷۵۸ ][ ۷۵۹ ][ ۷۶۰ ][ ۷۶۱ ][ ۷۶۲ ][ ۷۶۳ ][ ۷۶۴ ][ ۷۶۵ ][ ۷۶۶ ][ ۷۶۷ ][ ۷۶۸ ][ ۷۶۹ ][ ۷۷۰ ][ ۷۷۱ ][ ۷۷۲ ][