مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 4699
دیروز : 7722
افراد آنلاین : 5
همه : 5054427
چت باکس

 

محمد صلى الله عليه و آله و سلم خطيبًا

عندما اخترنا لأنفسنا أن يكون نبينا صلى الله عليه و آله و سلم هو قدوتنا في كل زمان ومكان ولم نكن إلا مسلمين مؤمنين ولنبينا محبين و لنهجه متبّعين، فالأولى أن يكون الدعاة من أول السائرين في هذا الطريق يتقدمهم الأئمة والخطباء، فدعونا اليوم اخوتي الخطباء لنقتبس روعة التعبير النبوي من كلماته وجلالة اللفظ المحمدي من عباراته، تحذونا بذلك الأمثلة الحية لأشهر خطبه عليه الصلاة والسلام وهي خطبة حجة الوداع ففيها دروس للخطباء وعبر للمتكلمين وفقه للعلماء.

وصف لشيء من الواقع:

لقد حج الحبيب - صلى الله عليه و آله و سلم - على رَحلٍ رَثْ، وقطيفةٍ تساوي أربعة دراهم فقط، ومع كل ذلك؛ مع تواضعه وانكساره، وإخباته وإنابته، وانقياده لمولاه؛ إلا أن الموقف كان هالة من المهابة والجلال والتعظيم.

كان معه ما يزيد على مائة ألف، وقيل أنهم مائة وعشرون ألفاً، عن يمينه وشماله، يملئون الأودية والفجاج.

والنبي - صلى الله عليه و آله و سلم - قد ارتفع على ناقته القصواء، لا ليشمَخِّر عليهم، ولا ليرتفع، فَخُلقُهُ النبوي الشريف أعظم من هذا، ولكن حتى يراه الناس جميعاً، لأن الهدي والمناسك لا تؤخذ إلا منه.

فتخيَّلْ معي أخي الخطيب لو دعيت لخطبة في مثل هذه الأجواء ماذا سيكون كلامك أو تعبيرك؟ أو إيحاءات ملامحك؟ وبماذا ستفكر في أول الأمر؟ لكن!!! لا تستغرق كثيرا في الإجابة على هذا السؤال فاليوم مسجدك مبني ،ومنبرك مقام،وقد نظفه لك الخدم وجمّلوه،وجهّزوا المايكروفون لكي يصل صوتك لا بعد مدى وأنت تتكلم بغاية الهدوء،وأنت في أرقى مراتب الراحة النفسية.

مع الهدي النبوي في خطبته:

1- سلاسة العبارة ووضوحها: البعض من الخطباء يحب أن يعبر عن ارتقائه الأدبي ووزنه العلمي وهذا من حقه وهو الذي اتعب نفسه في طلب العلم وتحصيل النفع لكن يغيب عن البعض أمر مهم وهو (لكل حادثة حديث ولكل مقام مقال) فأنت اليوم لست في مؤتمرٍ علميٍّ،ولا في جلسة أدبية،ولست في مقام الاختبار للفوز بجائزة ،إنما أنت مذكر بالله تعالى وبتعاليم دينه أوامره ونواهيه، منبه للغافلين، مبشرٌ للطائعين،ومنذرٌ للعاصين والمذنبين،وأنت تعلم إن في واقعنا في العراق هموماً وغموماً فمن الجلوس كبيرهم وصغيرهم ضعيفهم ومريضهم ومتعبهم وفي المقابل يتواجد المفكر والمتعلم والمثقف وهكذا... فهؤلاء مختلفون في قابلية الاستيعاب كاختلافهم وتنوعهم في الحياة فهذا سيجعلك محتاجاً للعبارة السهلة الواضحة لكي يفهمها الجميع دون استثناء كما فعل قدوتك في حجة الوداع ومن ذلك أنه خطب في الناس قائلا:(يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيٍ على عَجَمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى..). فهل هناك أوضح من هذا الكلام؟ فهل ابسط من هذا الكلام؟ فهذه هي السلاسة وهذا هو الوضوح.

2- التركيز على المسائل المهمة: فلم نر في خطبة الوداع التي خطبها النبي كلاماً فارغاً أو زائدا ،ولم نسمع توجيها الا كان في غاية الأهمية للسامعين جميعاً ،فركز النبي صلى الله عليه وآله و سلم في خطبته على حرمة دم المسلم وماله فقال: (إنَّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كَحُرمةِ يومِكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا..) فاليوم هو يوم عرفة، والتشبيه لبيان تأكيد التحريم وشدته، فدماء المسلمين حرام، والاعتداء عليها بغير حق اعتداء وتجاوزٌ وكبيرة من الكبائر، وكذا أموالهم وما يتعلق بها من أملاك ومتاع، فنرى أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ركز على مسائل مهمة ولم يتكلم في مثل هذا الموقف الرهيب عن أشياء يملي بها الوقت.

ثم تناول موضوع الجاهلية وقبائح عاداتهم المشينة فقال: (ألا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة) وأفعال الجاهلية معلومة كظلم المرأة ومنعها من الميراث،إضافة إلى العنصرية المقيتة.

ومنها موضوع الربا الذي هم اشد فتكا باقتصاد الضعفاء والفقراء والمساكين فهو مما وضِعَه تحت أقدامه - صلى الله عليه و آله و سلم - حيث قال: (... وربا الجاهليةِ موضوعٌ، وأول رباً أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله). إلى آخر تلك العبارات النبوية المهمة التي كان لها الحظ الأوفر من خطبه عليه الصلاة والسلام.

3- الاهتمام بالواقع الأُسري: إذ إن الواقع الأسري هو منطلق الواقع الاجتماعي وثقله الأكبر فان صلح فبه صلاح المجتمع وإن فسد فبه فساد المجتمع وهو الخطوة الأهم لصلاح الأمم أو انهيارها ،فنرى تركيز النبي صلى الله عليه وآله و سلم على هذا الواقع واضحا في خطبته قائلا ً:(واتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانةِ الله، واستحللتم فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله... ) ثم يَردِفُ - صلى الله عليه و آله و سلم - قوله: (ولكم عليهنَّ أن لا يُوطِئنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه) إلى أن قال في كلمات بليغة وعبارات جميلة: (فإن فـعلنَ ذلك فاضربوهنَّ ضرباً غير مُبرِّح (يعني: شاق). قال: ولهنَّ عليكم رِزقُهُنَّ، وكِسوتُهنَّ بالمعروف..).

فهل نظرنا لواقعنا؟ أحاولنا إصلاحه بمثل هذه الكلمات أم الواجب الأول ان نصلح خطبنا وكلماتنا؟ إنها إرشادات من ابلغ البلغاء وأفصح الفصحاء صلى الله عليه و آله و سلم.

4- استبيان السامعين بمدى الانتفاع: ومن هديه صلى الله عليه و آله و سلم في خطبته انه سمع من الحضور آراءهم حول ما قال بسؤاله إياهم عن هذا ،وهذا أمر جيد للخطيب أن يستمع من مصليه آراءهم وما يجول في خواطرهم حول خطبته وأرائه وكلماته وطريقة إلقائه ومدى انتفاعهم وهذا يتم إما بالسؤال كما في طريقة النبي وأما في استبيان تحريري يوزع عليهم فيعدوه عند الكتابة فيه ،لقد قال لهم وهو يلقي آخر النظرات إليهم بعد أن نزلت آيات الله تبارك وتعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. قال لهم: (فما أنتم قائلون؟)، فنطقت الأفواه في الموقف، وعَلا الضجيج من الحجيج في ذلك الجمع المبارك؛ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحتَ وأديت.

5- حركات النبي صلى الله عليه وسلم وإشاراته: من الأمور المهمة والتي قام بها النبي صلى الله عليه و آله و سلم الحركة أو الإشارة الداعمة للكلمة والموقف،فعندما أجابوا النبي صلى الله عليه و آله و سلم وقالوا نشهد أنك قد بلَّغت ونصحتَ وأديت قال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها (أي يشير بها) إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد) أخرجه أبو داود وبن ماجة.

فهذه الإشارات لها أثرُها في ترسيخ المعنى وتثبيت المغزى ولو لم يكن لها اثر عظيم لما بقي الأولون والآخرون يحفظون كيفيتها بل بقي المحدثون ينقلونها إلى الخلف وأصبحت جزءاً من الإجازة العلمية والسند وما أكثرها في حديثه عليه الصلاة والسلام،فلابد من مراعاة الحركة والإشارة والاطلاع على الكتب المؤلفة في هذا الجانب.

ففي هذا الشهر يعيش الخطباء مع هدي خطيبهم الأول مرتقين جميعا إلى معالي الإلقاء مستذكرين ومستحضرين خطبة الوداع اللهم وفقْ خطباءَنا وأيدهم والحمد لله رب العالمين.

نوشته : الشيخ مثني بن علوان الزيدي



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۵ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الخطباء وأفكار المنبر

البحثُ عنْ فكرةٍ لخطبةِ الجمعةِ منْ التحدِّياتِ التي تواجهُ كلَّ خطيبٍ يرجو ما عندَ الله؛ لأنَّ الخطبةَ المؤثرةَ الباهرةَ تحتوي على عنصرينِ مهمَّين هما: الفكرةُ والبيانُ ويزينُهما الأداءُ الخطابيُ المتقن. وإذا ما تخلَّفتْ الفكرةُ فالخطبةُ مجرَّدُ كلامٍ لا يؤثرُ طويلاً، وقدْ تكونُ الفكرةُ حاضرةً لكنْ ينقصُها البيانُ العذبُ والكلماتُ الفخمة، وكمْ منْ حقٍّ ضاعَ بسوءِ التعبيرِ وكمْ كمْ منْ باطلٍ سرى بطلاوةِ الكلامِ وحلوِ الحديث. 

ولخطبةِ الجمعةِ مكانٌ سنيٌ في تاريخِنا وأثرٌ بهيٌ على المجتمعِ المسلمِ حتى شَرِقَ بها المنافقونَ على اختلافِهم وحاكوا لها الأكفانَ بدعواتِهم المشبوهةِ لتوحيدِ الخطبةِ أوْ تحديدِها أوْ جعلِها نشرةً محليةً لا يأبهُ لها أحد، إضافةً إلى ما يتعرَّضُ له الخطباءُ منْ رقابةٍ غليظةٍ ومحاسبةٍ دقيقةٍ منْ عدَّةِ جهاتٍ في عصرٍ يزعمُ كثيرٌ منْ أهلهِ أنَّه زمنُ حريةِ الرأيِ وتعدُّدِ وجهاتِ النَّظر.

وقدْ كتبَ عددٌ منْ العلماءِ والفضلاءِ فيما يخصُّ تحضيرَ الخطبةِ أوْ إلقائَها وأثروا الساحةَ حتى يستفيدَ حديثُ العهدِ ويتجدَّدَ الخبير، وكتبُهم ومقالاتُهم مطبوعةٌ متداولةٌ إنْ ورقيةً أوْ حاسوبية، وأمَّا الدِّراساتُ المعتنيةُ بصناعةِ فكرةٍ للخطبةِ فنادرة؛ ولعل َّهمَّةَ أحدِ الخطباءِ المصاقعةِ ترِدُ هذا الرَّوضَ الأُنُف؛ فالفكرةُ عزيزةُ المنالِ صعبةُ البلوغِ ولا تتأتي لأيِّ أحدٍ بيسرٍ بلْ قدْ تتمنَّعُ على الفطاحلِ الكبارِ والأساطينِ العظامِ لا عنْ عجزٍ واستحالةٍ؛ وإنَّما لصعوبةِ الموقفِ وهولِ المطلعِ فارتقاءُ المنابرِ والخطابةُ أمورٌ تشيبُ منها المفارق. 

والفكرةُ إمَّا أنْ تكونَ جديدةً لمْ يُسبقْ إليها، وقدْ تكونُ قديمةً لكنَّها تُبعثُ بطريقةٍ إبداعيةٍ أوْ منْ وجهٍ لمْ يطرقهُ أحد؛ وكمْ تركَ الأولُ للآخر، والموفقُ مَنْ أعانهُ اللهُ ورزقهُ النّيةَ الصَّادقةَ الباعثةَ على الجدِّ والبحثِ والاستقصاء، لأنَّ الأفكارَ تُحدِثُ تغييراً في المجتمعِ ولا بدَّ منْ معرفةِ كيفيةِ الحصولِ عليها وبثِّها كمفهومٍ قابلٍ للانتشارِ والبقاء؛ وما أعظمَ الفرقَ بينَ فكرةٍ خالدةٍ وأخرى بائدة.

ولصناعةِ فكرةٍ مناسبةٍ للمنبرِ عدَّةُ سُبُلٍ تنفعُ الخطيبَ والكاتبَ والمتحدِّثَ والمسوِّقَ ومصممي الإعلاناتِ وغيرِهم، وحديثُنا هنا مقصورٌ على الخطباء؛ وقدْ سبقَ كتابةُ مقالٍ للكتَّابِ بعنوانِ "صناعة الفكرة"، وهذا المقالُ عالةٌ عليهِ معْ بعضِ الزِّيادةِ والتطوير، ومنْ السبلِ المقترحةِ لصناعةِ فكرةٍ للخطبة:
1- التفكير:
وهو أكبرُ مصنعٍ لها؛ وبواسطتهِ تتولَّدُ الأفكارُ منْ الطرقِ التي بعدَه، ومنهُ التفكيرُ بصيغةِ المستقبلِ حيثُ أنَّ رؤيةَ مستقبلٍ غيرَ مرغوبٍ فيهِ-مثلاً- تقودُ إلى إصلاحِ الحاضرِ والمستقبل؛ فوجودُ نسبةٍ عاليةٍ منْ البطالةِ بينَ الشبابِ تعني –تلقائياً- زيادةَ معدَّلِ الجريمة. ومنهُ التفكيرُ بصيغةِ "ماذا لو"؛ ومنْ الأمثلةِ على ذلكَ ماذا لوْ أنَّ المسلمينَ يحكمونَ العالم؟ ثمَّ يسردُ الخطيبُ وقائعَ تاريخيةً ثابتةً عنْ العدلِ الإسلامي الذي لمْ يحتجْ لمحكمةِ عدلٍ ولا هيئةِ أمم!

2- الملاحظةُ والتَّأمُّل:
وهما فرعٌ منْ التفكيرِ وإنَّما خصصتُهما بالذِّكرِ لقربِهما وسهولةِ استخدامِهما؛ وكمْ منْ شيءٍ أوْ مشهدٍ يمرُّ بنا كثيراً ولو تدَّبرناه لظفرنا بفكرةٍ أوْ خاطرة. وقدْ حدَّثني أحدُ الأصدقاءِ أنَّ الشيخَ الفقيهَ عبدَ اللهِ بنَ قعودٍ-أنارَ اللهُ مرقدَه- قدْ خرجَ إلى البرِّ مستجماً فلمَّا عادَ وصعدَ منبرَه خطبَ عنْ عظيمِ قدرةِ اللهِ في الغيثِ والزرعِ.

3- النَّظرُ منْ زوايا مختلفةٍ للموضوعِ الواحد:
فموضوعُ الزَّكاةِ -مثلاً- قدْ يوظفهُ إمامٌ للحديثِ عنْ مكانتِها، وآخرُ عنْ حكمِها، وثالثٌ يربطُها بالصَّلاة، ورابعٌ يُذَّكرُ بقتالِ المرتدِّينَ لأجلِها، وخامسٌ يوضحُ أثرَها في الماضي والحاضر، وسادسٌ يبينُ أحكامَ نوازلِها، وسابعٌ يقترحُ أفكاراً لمشروعاتٍ زكوية، وثامنٌ يقفُ على ما يعترضُها منْ مصاعب، وتاسعٌ يشرحُ أصنافَ الزَّكاة، وعاشرٌ يُصَّححُ الأخطاءَ في فهمِ وإخراجِ الزكاة.

4- الدُّخولُ منْ منافذَ غيرِ مألوفة:
فوفاةُ الشيخِ ابنِ جبرين-أكرمَ اللهُ وفادَته- بابٌ للحديثِ عنْ ضرورةِ إحياءِ الجوامعِ التي كانتْ معاهدَ علمٍ وتربية، كما يمكنُ تحليلُ التفاعلِ الإعلامي معْ وفاةِ الشيخِ، ولثالثٍ أنْ يهتكَ سترَ أهلِ الضلالةِ وموقفَهم منْ الشيخِ حياً ومريضاً وميتاً، ولوْ أعملنا هذهِ الطريقةَ معْ شهرِ رمضانَ الأغرِّ لانصرفَ أحدُ الخطباءِ عنْ ذكرِ فضائلهِ إلى التحذيرِ منْ مختطفيهِ ومنغصي قداسته.

5- الإنصات:
فسماعُ أحاديثِ النَّاسِ منجمٌ للأفكار؛ والأمرُ في حقِّ الخطيبِ أعظمُ لأنَّهُ يعلِّمُ العامَّة ويسعى في رفعِ الظلمِ عنهم وأنَّى لهُ معرفةُ ما يحتاجهُ المستمعونَ بغيرِ إصغاء؟

6- أحداثُ الساعة:
وهيَ منْ أكثرِ المصادرِ استخداماً وأيسرِها، وما أكثرَ الأفكارِ في الأحداث؛ فمن نظرةٍ شرعيةٍ لأنفلونزا الخنازيرِ إلى موقفٍ واجبٍ معْ أهلِ فلسطينَ أوْ الإيغورِ وانتهاءً بمباركةِ القراراتِ الحكيمةِ الأخيرةِ لكسرِ شوكةِ الليبراليةِ في المملكة. 

7- الحوارُ والمناقشة:
وبخاصَّةٍ عندما يكونُ معْ شخصٍ مُلهِمٍ للأفكار؛ ومنْ أنفعِ الحواراتِ الحديثُ معْ التربويينَ وعلماءِ النَّفسِ والاجتماع، ومنْ أجلِّهِ الجلوسُ بينَ يدي عالمٍ جليلٍ دورياً للإفادةِ منه؛ وممَّا ذُكرَ في جدولِ أعمالِ الشيخِ ابنِ عثيمين-برَّدَ اللهُ مضجعَه- لقاءٌ دوريٌ معْ الخطباء.

8- استخدامُ الأفكارِ المتداولة:
بإعادةِ إنتاجِها اختصاراً أوْ زيادةً أوْ تعقيباً وهذا منْ أسهلِ ما يكون، ومن الأولويةِ بمكانٍ استفادةُ الخطباءِ منْ بعضِهم عبرَ لقاءٍ متعاقبٍ أوْ منْ خلالِ المواقعِ المتخصصةِ مثل موقع "ملتقى الخطباء"، وقدْ نقلَ لي زميلٌ عنْ أحدِ الخطباءِ أنَّهُ يرسلُ خطبتَه إلكترونياً كلَّ أسبوع.

9- القراءة:
وأعني القراءةَ بأنواعِها وفي جميعِ الفنون؛ وعبرَ الكتابِ أوْ الموقعِ أوْ المجلةِ أوْ الصَّحيفةِ أوْ النَّشرة، وحريٌ بالخطيبِ أنْ يكونَ قارئاً نهماً مطلِّعاً بصيراً ليزدادَ خيرُه وعطاؤه والأجرُ عندَ الله.

10- البحثُ في موضوعاتٍ خصبة:
كالأسماءِ الحسنى والصِّفاتِ العُلى وسيرِ السلفِ الصَّالحِ والتاريخِ الإسلامي والأخلاقِ الكريمةِ والظواهرِ الاجتماعيةِ التي يجدرُ بالخطباءِ الحديثُ عنها كآثارِ العضلِ والعنوسةِ والطَّلاقِ والعنفِ والبطالة.

وتبقى مسائلٌ لامناصَ منْ الإشارةِ العاجلةِ إليها وهي:
· أهميةُ وضوحِ الفكرةِ حتى لا يعسرَ على المصلينَ التقاطُها.
· الأفضلُ ألاَّ تتزاحمَ الأفكارُ في خطبةٍ واحدة، وأحسنُ الخطبِ ما اقتصرتْ على فكرةٍ واحدةٍ فقط.
· اختيارُ التوقيتِ المناسبِ والمنبرِ الأنسبِ للخطبة، ففرقٌ بينَ قريةٍ ومدينةٍ وحاضرةٍ وبادية.
· تدوينُ الأفكارِ كمشاريعَ لخطبٍ مستقبليةٍ حتى لا تضيع.
· تلخيصُ فكرةِ كلِّ خطبةٍ معْ نهايتِها حتى ترسخ.
· ألزمْ نفسكَ بأفكارٍ مبتكرةٍ للمناسباتِ المتكررة، وسلْ نفسك: هل هذه أفضلُ فكرةٍ يمكنُ الوصولُ إليها؟
· بعدَ ولادةِ الفكرةِ ينبغي التريثُ حتى تنضجَ على نارٍ هادئةٍ منْ الفكرِ المستنيرِ المتزنِ قبلَ نشرِها.

وإذا فرغنا منْ صناعةِ الفكرةِ فلا مفرَّ منْ صياغتِها على الوجهِ الذي يجلو البهاءَ ويبينُ المحاسن؛ وإلقائِها بطريقةٍ تأخذُ بمجامعِ النَّفس، وإنَّ الصياغةَ والإلقاءَ منْ القضايا التي يعتني بها الخطباءُ حتى تكونَ كلماتُ الخطبةِ وطريقةُ أدائِها ممَّا يعينُ على انتشارِ فكرتِها وبقائِها حيةً في نفوسِ المستمعين؛ فالخطبةُ مجموعةُ كلماتٍ تُؤدى بنمطٍ ما؛ ونحنُ بالكلمةِ الصَّادقةِ والأداءِ الرَّفيعِ والفكرةِ الجذَّابةِ والرُّؤى العمليةِ نواجهُ الطوفانَ الذي يجتاحُ بلادَ المسلمينَ غيرَ آبهٍ بمصلحةِ دنيا أوْ صلاحِ آخرة.

نوشته : احمدبن عبدالمحسن العساف



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۴ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الأدلة في أصول الخطابة

  أصول الخطابة ثلاثة: الإيجاد، والتنسيق، والتعبير.  والأول: هو إعمال الفكر في استنباط الوسائل الجديرة بإقناع السامع، والوسائل الأدلة، ولا بدَّ مع الأدلة من توافر الآداب الخطابية، والعلم بالأهواء والميول النفسانية، وذلك أن مقصود الخطيب: أولاً: إنارة العقول، وتنبيه الأذهان، وحملها على الإذعان، وذلك لا يتم إلا بالأدلة. ثانيًا: التأثير في الأرواح وجذب القلوب، وذلك يكون بتوافر الآداب في الخطيب. ثالثًا: استمالة النفوس إلى ما يطلب منها بإثارة عواطفها، وذلك يكون بمعرفة الأهواء والغرائز، وطرق تهييجها أو تسكينها، ولكل من هذه الثلاثة مبحث يخصه.
في الأدلة الدليل في اللغة: المرشد، وفي اصطلاح الحكماء: ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، وهو قطعي وظني، فالقَطْعِي: ما أوجب التصديق اليقيني، ويسمى برهانًا، وهو ما تألف من اليقينيات السِّتِّ:

1 - أوليَّات: وهي القضايا التي يُدْرِكُها العقل بِمُجَرَّدِ تَصَوُّر الطرفين كقولك: الواحد نصف الاثنين، والكُلُّ أَعْظَمُ من الجزء. 2 - مشاهدات: وهي القضايا التي يدركها العقل بالحس الظاهر. 3 - مجرَّبات: وهي ما يُدْرِكُها العقل بواسطةِ تَكرارٍ يُفِيدُ اليقين؛ كقولنا: السقمونيا مسهلة للصفراء. 4 - حدسيَّات: وهي القضايا التي يُدْرِكُها العقل بواسطة حدس يفيد العلم؛ كقولك: نور القمر مستفاد من نور الشمس. 5 - متواترات: وهي ما يُدْرِكُها العقل بواسطة السماع عن جَمع يُؤْمَنُ تواطُؤُهُم على الكذب. 6 - قضايا قياساتُها هي القضايا التي قياساتُها معها: وهي ما يدركها العقل بواسطة لا تغيب عن الذهن عند تصوُّر الطَّرَفَيْنِ؛ كقولك: الأربعة زوج، فإن العقل يدرك ذلك بواسطة لا تَغيبُ عنِ الذِّهْنِ عند تصوُّر الطَّرفيْنِ، وهي أنَّ الأربعة تنقسم إلى متساويَيْنِ، وكلُّ مُنْقَسم إلى متساويين زوج.

والبرهان لا يُستَعْمَل في الخطابة، قال في "المناهج الأدبيَّة": والأقوال الصادقة يقينًا لا تقع في الخطابة من حيثُ إنَّها خطابة، فإن ألَمَّ بِها الخطيبُ فقد عدل بالخطابة عن أصلها، والظني ما أفاد الظَّنَّ فقط، ويتألف من غير اليقينيات، وهي ست أيضًا مشهورات مسلمات، والمؤلَّف منها يُسمَّى جدلاً؛ كقولنا: الظلم قبيح، وكُلُّ قبيحٍ يَشِينُ، والإحْسَانُ خيرٌ وكُلُّ خَيْرٍ يَزين، وقولك: خبر زيد خبر عدل، وكل ما هو كذلك يعمل به، ومظنونات مَقبولات والمؤلف منها يُسمَّى خطابة، مخيلات والمؤلف منها يُسمَّى شِعرًا، ووهْمِيَّات والمؤلف منها يسمى سفسطة، كقولك في أمة شرقية: هذه أمة تُساسُ بِإِرادتِها؛ لأنَّ لها مَجلسًا نيابيًّا ينظر في شؤونها، فإنه استدلال خطابي مؤلف من أقوال مظنونة إذ الشأن في الأمم ذات المجالس النيابية أن تكون مسوسة بإرادتها، وليس هذا دليلاً قطعيًّا لجواز أن تتغلب عوامل الهوى عند الانتخاب، فلا يكون صحيحًا؛ كقولك لمن تأخذه العزَّة بالإثم حينما تنكر عليه قوله أو عمله: لا تستنكف أن ينكر عليك قولك أو عملك، فقد قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما بويع بالخلافة: "فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فردُّونِي"، فإنَّه أيضًا استدلالٌ خِطابِي قام على أقوال مقبولة صَدَرَتْ من تقي يعتقد صدقه؛ وكقول أرسطو للإسكندر: إن الناس إذا قدروا أن يقولوا قدروا أن يفعلوا، فاحترس من أن يقولوا: تسلم من أن يفعلوا، فإنَّ مبناه غلبة الظن لجواز أن يكون القادر على القول عاجزًا عن الفعل، وأن يوجد الاحتراس ولا توجد السلامة من أفعال الناس، وباقي الأمثلة لا تخفى على بصير.

وتؤخذ أدلَّةُ الخَطابة من التَّأمُّل في موضوعِ البَحْثِ وإمعان النظر في أحواله، وتسهيلاً لاستخراج هذه الأدِلَّة، قد وضع الأقْدَمون من اليونان جدولاً لما يُمكن استعماله منها، وأطلق العرب عليه اسم مواضع؛ قال ابن سينا: إن الحجج في الجدل والخطابة تؤخذ من المواضع، فمن طلب الإقناع وهو لا يَعلمُها كان كحاطب ليل يسعى على غير هداية لا لبخل في الموضوع؛ بل لنقصان في الاستعداد، فالمواضع مصادر الأدِلَّة العامَّة التي يمكن للخطيب استعمالها في كل مقام، إمَّا لإثبات قوله وتأييد رأيه، أو توسيع المعاني بحسن البيان، وهي نوعان ذاتية وعرضية:

فالذَّاتيَّة ما تستفاد من ذات الموضوع وهي كثيرة: منها: تعريفه بِذِكْرِ خواصِّه اللازمة؛ أي البينة والثبوت له والانتفاء عن غيره؛ كقول الإمام علي - كرم الله وجهه - لكميل بن زياد النخعي: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يَحرُسك وأنت تَحرس المال، والعلم حاكمٌ والمالُ مَحكومٌ عليْهِ، والمال تنقصه النفقة والعلم يَزكو على الإنفاق، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعُلماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ، أعيانُهم مفقودة وأمثالُهم في القلوب موجودة.

ومنها: شرح الأعراض التي تختصُّ جُملَتُها به؛ فإنَّه في معرفَتِها إعانةٌ على كمال معرفة ما هي له، فالتحلِّي بِها كَقَوْلِ الحسن البصري لعمر بن عبدالعزيز في وصف الإمام العادل: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع المهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحرِّ والقرِّ، وكالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغارًا ويعلِّمُهم كِبارًا يَكْتَسِبُ لَهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته؛ وكالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرهًا، ووضعته كرهًا، وربته طفلاً تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بِعافِيَتِه وتغتمُّ بِشكايَتِه، وكالقَلْبِ بَيْنَ الجوانح تصلح الجوانحُ بِصلاحِه وتَفْسُدُ بِفَسادِه.

ومِنْهَا: تعريف الشيء بذكر آثاره، فإنَّ حقائق الأمور خفيَّة، وإنَّما تظهَرُ بِفَوائِدِها وآثارِها، فإذا أردتَ إثبات حكم لأمر أو نفيَه عنه فعدِّدْ آثارَهُ الحسنة أوِ السيِّئة التي يستدل منها على صلاح علتها أو فسادها، إذ حال المعلومات تابع لحالِ عِلَلِها، ثُمَّ ابْنِ حكمك على ذلك في مقام الترغيب فيها أو الترهيب منها، كقولك في الصوم مثلاً: إن للصوم آثارًا حسنة وفوائد عظيمة:

1 - إنه يضبط النفس ويطفئ شهوتَها، فإنَّها إذا شبِعَتْ تَمرَّدَتْ وطَلَبَتِ الشهوة، وإذا جاعت خضعتْ وامْتَنَعَتْ عمَّا تَهوى قال - صلوات الله وسلامه عليه -: "يا معشر الشباب منِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم الباءةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أغضُّ لِلبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، ومَنْ لَم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصوم فإنه له وجاء"؛ متَّفق عليه، فكان الصوم ذريعة إلى كف النفس عن المعاصي.

2 - إنه وسيلة إلى تربية النفوس وتَهذيبِها؛ لأنَّها إذا انقادت للامتناع عن الحلال الذي لا غنى لها عنه طلبًا لمرضاة الله تعالى، وخوفًا من أليم عذابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام الغنية عنه فكان سببًا في اتقاء المحارم، وقوة العزيمة وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

3 - إنَّه وسيلةٌ إلى شُكْرِ النِّعمةِ إذْ هُو كفُّ النَّفس عنِ الأكل والشرب، ومباشرة الحليلة، وهِيَ من جلائل النعم، والامتناع عنها زمانًا معتبرًا يعرف الإنسان قدرها، إذ لا يُعْرَفُ فَضْلُ النعمة إلا بعدَ فَقْدِها، فيبعثه ذلك على القيام بِشُكْرِها - وشُكْرُ النِّعْمة واجبٌ - وإلَيْهِ الإشارةُ بِقَوْلِه تعالى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

4 - إنه يبعث في الإنسان فضيلةَ الرَّحْمة بالفقراء، والعطف على المساكين، فإنَّهُ إذا ذاق أَلَمَ الجوع في بعض الأوقات تذكَّر به مَنْ هو ذائقُه في جَميع الأوقات، فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه.

5 - إنَّهُ يُنَقِّي الجسم من الفضلات الرديئة، والرطوبات المعوية، ويشفي من اضطرابات الأمعاء المزمنة، والبول السكري، وزيادة الضغط الذاتي، والتهاب الكلى الحاد والمزمن، وأمراض القلب المصحوبة بورم، وما إلى ذلك منَ المَزايا الصِّحِّيَّة الَّتِي شهد بها العدو قبل الصديق.

وقِسْ على ذلك آثار تناوُلِ المسكرات وتعاطي المخدرات ومضارها البدنية والعقلية والمالية والاجتماعية، واعلَمْ أنَّ التَّشْبِيهَ المعروفَ عند البيانيِّين، وإن كانت الغاية منه حسن البيان إلاَّ أنَّه يأْتِي أيْضًا للإقْناع، وكثيرًا ما يتوسَّلُ بِهِ الخُطباءُ إلى مقاصِدِهِمْ؛ لأنَّه يَزِيدُ المعنى وضوحًا، ويكسبه تأكيدًا، ولِهذا جاء كثيرًا في الكتب السماوية وأطبق عليه جميع المتكلمين من العرب والعجم، ولم يستغنِ أحدٌ مِنْهُم عنه، وقد جاءَ عن القُدَماء وأهل الجاهلية من كل جيل ما يستدل به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكل لسان؛ كقوله تعالى ترغيبًا في بذل الأموال في الجهاد لإعلاء كلمة الله، ووجوه الخير: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((المسلمون كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بِالحُمَّى والسَّهَرِ))؛ رواه الجماعة، وقول ابن المقفع: "الدنيا كالماء الملح كلما ازداد صاحبه شربًا ازداد عطشًا، وكالكأس من العسل في أسفله السم للذائق منه حلاوة عاجلة وفي آخره الموت الزعاف - أي السريع - وكأحلام النائم التي تفرحه في منامه فإذا استيقظ ذهب الفرح".

أَلاَ إِنَّمَا  الدُّنْيَا  كَأَحْلاَمِ  نَائِمِ        وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ
تَأَمَّلْ إِذَا مَا نِلْتَ بِالأَمْسِ  لَذَّةً        فَأَفْنَيْتَهَا هَلْ أَنْتَ  إِلاَّ  كَحَالِمِ
فإنَّه شبَّه الدنيا ولذَّاتِها في سرعة الانقضاء بالحلم، ومنها: المثل ولضرب الأمثال في الخطابة مزايا لا يستهان بها، فإنها ألطف ذريعة إلى القلوب الغبية، وأقوى وسيلة إلى تسخير العقول الأبية، ذلك لأنها تصوير للمعقول بصورة المحسوس، وإيراد لأوابد المعاني في هيئة المأنوس، وبذلك تبقى صور المعاني راسخة في الأذهان، لا تذهب بطول الزمان، ولا يأتي عليها النسيان، وهي أنواع مفترضة ممكنة، وهي ما نسب فيها النطق والعمل إلى عاقل كالأمثال النبوية، وتختلف عن الحكاية من وجهين:

1 - أن لها مغزى. 2 - كونها غير واقعية وإن كانت في حيز الإمكان، ومخترعة مستحيلة، وهي ما جاءت على ألسنة الحيوانات والجمادات، فيعزى لها النطق والعمل لإرشاد الإنسان؛ كأمثال كليلة ودمنة، ومختلطة وهي ما دار فيها الكلام والعمل بين الناطق وغيره، وكثيرًا ما يكون ضرب المثل على وجه التَّشابُه والحكم؛ كما قال ابن المقفع في "مودَّة الصالحين والأشرار": المودَّة بين الصالحين سريعٌ اتِّصالُها، بطيءٌ انْقِطاعُها كآنيةِ الذَّهَبِ، بطيئة الانكسار، هينة الإعادة، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعُها، بطيءٌ اتصالها كآنية الفخار، يكسرها أدنى شيء، ولا وصل لها أبدًا، وقوله: يبقى الصالح من الرجال صالحًا حتى يصاحب فاسدًا.


فإذا صاحبه فسد؛ مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحت، وملح من بابَيْ دخل وسهل، ومن الصور الوهمية التي يخترعها الوهم، والأمور الفرضية التي يبتدعها الخطباء وسيلة إلى المقصود قول ابن المقفع: مخترعًا صورة حسية لتبيان قصر الحياة ولذاتها الزائلة، وعدم خلوها من المخاطر والمنغصات، التمست للإنسان مثلاً فإذا مثله مثل رجل لجأ من خوف فيل هائج إلى بئر فتدلى فيها، وتعلق بغصنين كانا على سمائها فوقعت رجلاه على شيء في طي البئر، فإذا حيات أربع قد أخرجن رؤوسهن من أجْحارِهِنَّ، ثُمَّ نظر في قاع البئر فإذا فيه تنِّينٌ فاتِحٌ فاهُ مُنْتَظِرٌ له لِيَقَعَ فيأخذه، فرفع بصرَهُ إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران؛ فبَيْنَمَا هُو فِي النظر لأمره والاهتمامِ لِنَفْسِه إذْ أبْصَرَ قريبًا منه كوارة[1] فيها عسل نَحْلٍ فذاق العسل فَشَغَلَتْهُ حلاوتُه وألْهَتْهُ الفِكْرَةُ في شيء من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه، ولم يذكر أن تحت رجليه حيات أربع، لا يدري متى يقع عليها، ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين.


ومتى انقطع وقع على التنين فلم يزل لاهيًا غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك، فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفات وشرورًا، ومخافات وعاهات، وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط الأربعة التي في البدن، فإنها متى هاجت أو أحدها كانت كحمة الأفاعي والسم المميت، وشبهت بالغصنين الأجل الذي لا بد من انقطاعه، وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما دائبان في إفناء الأجل، وشبهت بالتنين المصير الذي لا بد منه، وشبهت بالعسل هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيطعم وينظر، ويسمع ويشم، ويلمس ويتشاغل عن مآله، ويلهو عن شأنه، ويصد عن سبيل قصده ا هـ؛ أي إن الإنسان في الدنيا مشغول بلذاتها الحقيرة الفانية عن الاهتمام بمصير أمره وطلب النجاة لنفسه في تلك الحياة ليظفر بنعيمها العظيم الباقي.

وعلى الجملة فلضرب الأمثال أحسن موقع في الخطابة قال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث، وقال إبراهيم النظام وقد خص بقوله: الأمثال السائرة في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة؛ كقولهم "الصيف ضيعت اللبن" لمن يقصر في طلب الشيء في أوانه، ثم جاء يطلبه في غير أوانه.

والأدلة العرضية ما تؤخذ من مصادر خارجة عن الموضوع يحتج بها الخطيب لإثبات قضيته، وتأييد رأيه، وتلك المصادر نوعان: إلهية وبشرية؛ فالإلهية ما كانت عن وحي كالكتب المنزلة، والبشرية سنن الأنبياء والرسل وأقوال مشاهير الأئمة، وحكم الفلاسفة، ومألوف عادات الأمم؛ كقوله تعالى في إثبات فضل العلم ترغيبًا فيه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[2]، فشهادته تعالى بتوحيده هي إعلامه على لسان رسله أو بيانه بنصب الأدلة القاطعة لذلك في الآفاق، وفي نفوس البشر وشهادة الملائكة وأولي العلم بالتوحيد هي إقرارهم به، خص تعالى أولي العلم بالذكر من بين الآدميين تنبيهًا على أنهم هم المعتبرون، وشهادتهم هي الموثوق بها، أما غيرهم فهمل لا اعتداد به، ولا وزن لشهادته، وكفى بذلك شاهدًا بفضل العلم وأهله، وهذا أحد الوجوه التي تشير إلى فضل العلم والعلماء مما تضمنه هذا التنزيل الحكيم.

وثانيها: اقتران شهادتهم بشهادته تعالى، فإن من المقطوع به أن شهادته تعالى كافية: {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا}، لأنها من عليم خبير بدقائق خلقه وأسرار كونه، فقرنه تعالى شهادة العلماء بشهادته إعلام منه تعالى بأنها حق ناشئة عن علم وخبرة، وكفى بذلك فضلاً للعمل والعلماء؛ وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين))؛ متفق عليه، أي يجعله فقيهًا في الدين، والمراد العلم المستلزم للعمل، وفي حديث أبي الدرداء: ((إن العلماء ورثة الأنبياء))؛ أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة العالية، وقال البيهقي: سمعت سعيد بن داود يقول:


سألت ابن المبارك: من الناس؟ فقال العلماء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن السفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم. والسفلة بكسر السين وسكون الفاء، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لما روي عن ابن مسعود: الناس رجلان: عالم ومتعلم، ولا خير فيما سواهما؛ لأن الخاصية التي بها يتميز الإنسان عن غيره هي العلم، فإذا فقدت فقد منه شرف الإنسان، والتحق بالبهائم، إذ لم يبق معه إلا القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب، وهو الحيوانية المحضة؛ لأن نطقه حينئذ كلا نطق، فلم يبق فيه فضل على العجماوات؛ بل قد يكون شرًّا منها؛ كالجهال الذين استهوتهم الزخارف فارتكبوا المنكرات، وخالطوا الشهوات فسلبت عقولهم، وأفسدت حالهم، وقد ضرب الله لهم في كتابه مثلاً بقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}[3]، وكانوا شر البهائم لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله.

وكقول المسعودي مرغبًا في حب الوطن والمحافظة عليه، فأورد كثيرًا من الأدلة للوصول إلى غرضه: إن من علامة الرشد أن تكون النفس إلى ولدها مشتاقة، وإلى مسقط الرأس تواقة، وقد ذكر أن من علامة وفاء المرء ودوام عهده حنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، قال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، وقال بعض حكماء العرب: عمر الله البلدان بحب الأوطان، وقال بعض حكماء الهند: حرمة بلدتك عليك مثل حرمة والديك، لأنَّ غذاءَك منهما وغذاءهما منها، وقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه؛ لأن الطبيعة تتضلَّعُ بِهوائِها وتنزع إلى غذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها.   ــــــــــــــــــــــــ [1]   الكوارة والكوار: بيت يتخذ للنحل من قضبان ضيق المدخل تعسل فيه. [2]   سورة آل عمران الآية: 18. [3]   سورة الأنفال الآية 22.   منبع :   كتاب فن الخطابه / الشيخ علي محفوظ

ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۳ ] [ مشاوره مديريت ]
  فصل في آدابه في ذاته   ينبغي أن يكون صحيح العقيدة، لا مشبِّهًا ولا معطِّلاً، ويكون مقدِّمًا المنقول على المعقول، فإن قصر معقوله عن منقوله؛ عُلّم أن ذلك من تقصيره، لا أن المنقول يكون على خلاف معقوله.

وينبغي أن يكون ذا سيرةٍ سديدة، وطريقةٍ حميدة، غير متهافتٍ على الدنيا ومراتبها، صابرًا على آفاتها ونوائبها، مراقبًا لله - سبحانه - في سرِّه وجهره، راضيًا عنه في عسره ويسره، مغتنمًا نشاطه، مهتمًّا بتقصيره وجبره، محافظًا على العمل بما أمر به في نفسه وخاصَّته، محبًّا لأهل الله تعالى، مبغِضًا لأهل مخالفته، حذرًا من زخارف الدنيا وزينتها، غير مُلْتَهٍ بعبيدها وشهوتها، كارهًا لرفعتها وشهرتها، قائمًا بفرائض الله وحدوده، قاصدًا على محاذره ومحدوده، مقبلاً على الله، معرضًا عمَّا سواه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا قعدة قاعد، ولا قومة قائم.

فصل في آدابه الظاهرة ينبغي أن يكون ذا سكينةٍ ووقار، ومسكنةٍ وإخباتٍ واعتبار، ودعاءٍ وتوجُّهٍ واستبصار، واعترافٍ وإنابةٍ واستغفار، معظِّمًا لحرمات الله وشعائره، محقرًا لمحذوراته ومخالفة شرائعه، إن قام قام لله، وإن قعد قعد له، وإن تحرك تحرك له، وإن سَكَن سَكَن له.

أمْرُه تَبَعٌ لأمر ربه، وهواه تَبَعٌ لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاذرٌ من عذر الله، ولا يقنِّط المذنب من رحمة الله، ولا يؤمِّن الطائع من مكر الله، محبٌّ لرُخَص الله، غير مفرِّطٍ في شيءٍ من عزائم الله، محبِّبٌ خلقَ الله إلى الله، ومحبَّبٌ إليهم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خير أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، شرُّ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم)).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الإمام وفد ما بينكم وبين ربكم؛ فقدِّموا خياركم وأخِّروا شراركم)).

فصل في آدابه الحُكْمِيَّة الشرعيَّة الخاصَّة به فقط ينبغي أن يكون عالمًا بأحكام الخُطْبَة والصلاة، وشرائطهما ومصحِّحاتهما، ومبطلاتهما وجوابرهما، وكيفيَّاتهما وتكملاتِهما، ولا يشترط أن يكون عالمًا مجتهدًا مطلقًا ولا مقيدًا، ولا أن يكون مُفْتيًا في جميع الأحكام، ولا حبرًا لجميع الأنام؛ فإن ذلك من صفات الكمال، لا من صفات الصِّحَّة والإبطال، لكن يجب على أولياء أمور المسلمين ألاَّ يقدِّموا عليهم إلاَّ مَنْ يختارونه ويرتضونه؛ لأن المصلحة فيها راجعةٌ إليهم في دينهم ودنياهم.

وينبغي لولاة الأمر ألاَّ يجبروهم على الصلاة خلف مَنْ يكرهونه، ولا على سماع خطبته والاقتداء به، خصوصًا إذا كان ظاهر الفسق، لاهيًا باللهو والطرب واللعب والمجون، والعشق غير المصون، الحامل على شغل القلب والجوارح عن الطاعات، حتى يصير جنونُهُ مجنونًا.

روينا عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيتُ ليلة أسريَ بي رجالاً تُقرض شفاههم بمقاريضَ من نار! قلتُ: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباءُ من أمَّتكَ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم!!)).

ومن كان هذا وصفه؛ كيف يجوز أن يُجعل وُصْلَةً بين الخَلْق وبين الله؟! وكيف يجوز لولاة الأمر الجرأة على الله، وهم لا يرتضون أن يجعلوا بينهم وبين رعاياهم إلاَّ الأمناء على دولتهم ومملكتهم؟! فكيف يكون الأدنى للمؤمنين وخالقهم، والأعلى لنفوسهم ومصلحتهم؟!!

ونظرُ الشَّرع في جميع الأمور ردُّ الدنيا إلى الدِّين، لا ردُّ الدِّين إلى الدنيا؛ ولهذا قال الصحابة - رضي الله عنهم -: "مَنِ ارتضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا – يعني: الصلاة - أَحْرَى أن نرتضيَه لدنيانا"؛ يعني: الخلافة المتعلِّقة بأحكام الدنيا الشرعية.

والكتاب العزيز ناطقٌ بالاعتبار والاستبصار في ردِّ الدنيا وأحكامها إلى الآخرة ودوامها، فعكسوا الأمور، ووقعوا في المحذور، وإذا فسد أمر الصلاة فسد الدِّين كله، ولهذا كان آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصَّى به وحث عليه: الصلاة، والحيوان من البهائم والأرقَّاء ونحوهم؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهَ الله، الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُم)).

وحذَّر من الأئمَّة المضلِّين، وحثَّ على الوصية والاتِّباع للأئمة الرَّاشدين، وجعلهم محبِّين محبوبين؛ فكيف يقدِّم المبغِضون للمؤمنين، المبغوضون، الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعًا، وهم مرذولون بين الأنام وفي كل مكانٍ صُقْعًا صُقْعًا؟!

وقد صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((مَنْ ولَّى رجلاً من عِصابةٍ، وفي تلك العِصابة مَنْ هو أرضى لله منه؛ فقد خان الله ورسوله، وخان المؤمنين)). وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيَّته)). وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من أميرٍ يسترعيه الله رعيةً، ثم لا يجهد لهم وينصح لهم؛ إلا لم يدخل معهم الجنة)).

وكيف يُقدَّم في أمور الدين بالجاه والدولة، ويُقطع على الخَلْق السعيُ والحيلة؟! وإذا انقطع أمرهم من الأسباب؛ كيف ينقطع من ربِّ الأرباب؟! وإذا لم يَشْكِ ولاةَ الأمور رعاياهُم؛ شكوهم إلى الله وجأروا إليه، وهو سبحانه مجيبٌ دعاء المضطرِّين، رادٌّ لهفةَ الملهوفين.   منبع :   كتاب ادب الخطيب / علاء الدين بن العطار


ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۲ ] [ مشاوره مديريت ]
  مع الخطيب على المنبر   أحكام وسنن وآداب[1]   يسعدني أن أسهم بهذا البحث المتواضع، في هذا الملتقى العالمي الثاني لخطباء الجمعة، جعله الله ملتقى مباركًا ميمونًا، عامَّ النفع والفائدة للمسلمين جميعًا. وقد تناولتُ فيه - في إطار المحور السادس: فقه الخطبة والخطيب - بعض الأحكام الفقهية الخاصة بخطبة الجمعة، مركِّزًا على جوانب معينة، رأيتُ أنها من لوازم الخطبة، ومع ذلك يقلّ الاهتمام بها من حيث أصلها ومنشؤها وحكمها وما إلى ذلك.

وآثرتُ ذكر بعض الأحاديث والآثار التي تعتبر أصولاً لما استقرَّ عليه العمل بالنسبة إلى خطبة الجمعة في مختلف بلاد الإسلام، مع عرض آراء علماء المذاهب الأربعة، بحسب ما سمح به الوقت، لأن استيعاب الموضوع يتطلب متَّسعًا من الوقت، وفراغًا من الشغل، والحال أننا وسط السنة الدراسية. وقد كنتُ شاركتُ في الملتقى الأول المنعقد بفاس ببحث موسَّع عن الخطابة ورجالاتها عبر التاريخ الإسلامي.

مكان المنبر في المسجد: في "شرح القسطلاني على البخاري"[2]، عند قول البخاري: "باب الخطبة على المنبر": "يستحبُّ فعلها عليه، فإن لم يكن منبرٌ فعلى مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام. وأن يكون المنبر على يمين المحراب، والمراد به: مصلَّى الإمام؛ قال الرافعي: هكذا وُضِعَ منبره - صلى الله عليه وسلم -".

لكن قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" [3] معلِّقًا على قول الرافعي "كان منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على يمين القِبلة": "لم أجده حديثًا، ولكنه كما قال، فالمستند فيه إلى المشاهدة، ويؤيِّده حديث سهل بن سعد في "البخاري"، في قصة عمل المرأة المنبر؛ قال: فاحتمله النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعه حيث ترون".

ونصُّ حديث سهل بن سعد الذي أشار إليه الحافظ هو: "أن رجالاً أتوا سهل بن سعد السَّاعدي وقد امتروا في المنبر؛ ممَّا عودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إني لأعرف ممَّا عوده، ولقد رأيتُه أوَّل يومٍ وُضع، وأوَّل يومٍ جلس عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم. أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة - امرأة من الأنصار، قد سمَّاها سهل -: ((مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمتُ الناس))، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأُرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فوُضعت ها هنا..." الحديث.

وفي "الصحيحين"، و"سنن أبي داود" واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: "كان بين منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الحائط كقدر ممرِّ الشَّاة". قال: الأَبِّي[4]: "أي: لم يكن المنبر ملصقًا بالجدار". وعلَّل النووي[5] ذلك بقوله: "وإنما أُخَّر المنبر عن الجدار؛ لئلاَّ ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم لبعض".

واختُلِف في قدر ممرِّ الشَّاة؛ فقيل: شبرٌ، وقيل: ستة أذرع، وقيل ثلاثة أذرع، وهو الذي جزم به ابن الصلاح كما نقله عنه الحافظ في "الفتح"[6]، ولكنَّ الحافظ انتقد هذا الجزم من ابن الصلاح بقوله: "ولا يخفى ما فيه". ذلك أن الحديث وإن أورده أبو داود في باب (موضع المنبر) من كتاب الجمعة - فقد أورده البخاري في أبواب (سترة المصلِّي)، باب "قدرُ كَمْ ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسُّترة"، وذكر حديث سهل بن سعد: كان بين مصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار ممر الشاة، وحديث سَلَمَة هذا بلفظ: "كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها".

وحيث لم يحدِّد الرُّواة قدرَ ممرِّ الشَّاة؛ فقد قدَّره بعض العلماء بما يعطيه ظاهر اللفظ؛ وهو شبرٌ، والتفت آخرون – وهم الكثير - إلى التصريح بالثلاثة أذرع عندما صلَّى - عليه الصلاة والسلام - بداخل الكعبة، كما قال القاضي عياض: "وجاء في حديث صلاته في الكعبة: أنه كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، واستحبَّه جماعةٌ؛ لأنه القَدْر الذي يُباح تأخُّره عن القِبلة، ويمكِّن المصلِّي أن يدفع مَنْ يمرَّ به".

وجمع بعضهم بين القدر المعتاد لممرِّ الشَّاة - وهو شبر - وبين حديث صلاته في الكعبة؛ فأضاف القاضي عياض: "وجمع بينهما بعض شيوخنا بأن يكون الشِّبر بينه وبين السُّترة وهو قائمٌ، فإذا ركع تأخَّر قدر ثلاثة أذرع".

فظهر أن ليس هناك ما يُحمل على الجزم بأن قدر ممرِّ الشَّاة هو ثلاثة أذرع، ولكن يُستأنس له بما تقدَّم، وبتصوُّر واقع الحال، فإذا عرفنا أنه لم يكن في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - محرابٌ، وأنه كان يقف للصلاة بجانب المنبر - أمكن تصوُّر أنه لا يمكن أن يُتمَّ ركوعه وسجوده كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث إلا في مسافة ثلاثة أذرع فأكثر، فتكون هي المسافة بين المنبر والجدار. ونقل السيد مُرتضى الزّبيدي في "شرح الإحياء" عن الرافعي أنه يكره المنبر الكبير الذي يضيِّق على المصلين إذا لم يكن المسجد متَّسِعٌ الخُطَّة.

أما عدد دَرَج منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي "صحيح مسلم" و"سنن ابن ماجه": أنه ثلاث درجات، لكن في "سنن أبي داود" عن ابن عمر: "فاتخذ له منبرًا مِرْقاتَيْن". قال في "عون المعبود"[7]: "الذي قال: "مِرْقاتَيْن" لم يعتبِر الدَّرجة التي كان يجلس عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

وقال الحافظ[8]: "ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات، حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستَّ درجاتٍ في أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكَّار في "أخبار المدينة" بإسنادٍ إلى حُمَيْد بن عبدالرحمن بن عوف قال: "بعث معاوية إلى مروان عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر؛ فأمر به فقُلِع، فأظلمت المدينة، فخرج مروان فخطب وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه. فدعا نجارًّا، وكان ثلاث درجات، فزاد الزِّيادة التي هو عليها اليوم... قال ابن النجار وغيره: استمرَّ على ذلك - إلا ما أُصلح منه - إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق".

فائدةٌ: قال السيد مرتضى الزبيدي في "شرح الإحياء": "وهل يأتي الخطيب قبل دخول الوقت؟ الأول: هو الظاهر؛ لكونه متبوعًا والقوم ينتظرونه، والثاني: هو المعمول به من مدة أزمان، فإن كان في المسجد بيت خطابة كموضع مستقل في قِبْلَة المسجد على يمين المنبر - فيجلس فيه ومعه المُرَقِّي، فإذا قرب الوقت خرج الخطيب وقدَّامه المرقِّي ماسكًا السيفَ أو العصا، فإذا وصل إلى باب المنبر أخذ السيف أو العصا بيمينه من المرقِّي؛ فيعتمد عليه ويصعد دَرَج المنبر، وهذا من شعائر الدين. فإن لم يكن بيت خطابة؛ فيأتي كغيره من المصلين قبل الوقت ويجلس في الصفوف إلى اتجاه المنبر، وينتظر دخول الوقت، فيأتي المرقِّي ويأتي على باب المنبر، فيتحرَّك من موضعه ويتوجَّه إلى المنبر، ويتناول منه السيف أو العصا".

والملاحَظ: أن اعتبار ما تقدَّم من شعائر الدين غريبٌ، من جهة أنه لم يؤثَر من ذلك إلا إمساك الخطيب بالعصا أو السيف كما سيأتي. أما المرقِّي فسيأتي الكلام عنه، وعن وقت عمل أهل المغرب به [وسيأتي بيان خلاف العلماء في بدعية ذلك أو جوازه].

سلام الخطيب إذا صعد المنبر: وردت فيه أحاديث مسندة، ومرسَلة، وموقوفة: فالمسند منها: ما أخرجه ابن ماجه[9]، عن جابر بن عبدالله، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صعد المنبر سلَّم، لكن في إسناده عبدالله بن لَهيعَة المصري، وهو ضعيفٌ.

وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلَّم على مَنْ عند منبره من الجلوس، فإذا صعد المنبر توجَّه إلى الناس فسلَّم عليهم". قال الحافظ الهيثمي[10]: "وفيه عيسى بن عبدالله الأنصاري، وهو ضعيفٌ، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات". وأخرجه ابن عدي في "الكامل"[11] في ترجمة عيسى بن عبدالله بن الحكم الأنصاري، وقال: "عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه".

وأما المرسَل منها: فعن عطاء بن أبي رباح والشَّعبي، أما مرسلُ عطاء فصحيحٌ إليه؛ حيث قال عبدالرزاق[12]، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: ((السلام عليكم)).

وأما مرسل الشَّعبي؛ فأخرجه عبدالرزاق وابن أبي شيبة في "مصنَّفَيْهما"، والأَثْرم في "سننه" من طريق مُجالِد عنه، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه وقال: ((السلام عليكم))، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبي - صلى الله عليه وسلم". وزاد ابن أبي شيبة: "وعثمان"، كما في "نصب الرَّاية"[13]، ومُجالِد ضعيفٌ.

وأما الموقوفات: فإضافةً إلى ما ذكره الشَّعبي عن أبي بكر وعمر وعثمان - قال البيهقي في "سننه الكبرى"[14]: "باب: الإمام يسلِّم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس"، ثم قال: "ورُويَ في ذلك عن ابن عباس وابن الزُّبير، ثم عن عمر بن عبدالعزيز".

وقد نظر الشافعية والحنابلة إلى مجموع هذه الآثار وتقوية بعضها لبعض؛ فاستحبُّوا سلام الإمام إذا رقي المنبر، واعتبروه من آداب الخطبة.

ففي متن "المهذَّب": "ومن سننها: إذا صعد المنبر ثم أقبل على الناس - أن يسلَّم عليهم؛ لما رُوي أن النبيَّ - صلى الله عيه وسلم - كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس بوجهه قال: ((السلام عليكم))، ولأنه استدبر الناس في صعوده، فإذا أقبل عليهم سلَّم".

وقال النووي في "المجموع"[15]: "قال أصحابنا: يُسَنُّ للإمام السلام على الناس مرَّتين؛ إحداهما: عند دخوله المسجد، يسلِّم على مَنْ هناك وعلى مَنْ عند المنبر إذا انتهى إليه. الثانية: إذا وصل أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلِّم عليهم؛ لما ذكره المصنِّف[16]. قال أصحابنا: وإذا سلَّم لزم السامعين الردُّ عليه، وهو فرض كفايةٍ كالسلام في باقي المواضع، وهذا الذي ذكرناه من استحباب السلام الثاني مذهبُنا ومذهب الأكثرين، وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز والأوزاعي وأحمد"؛ وانظر: "المغني"[17] لابن قُدامة في فقه الحنابلة.

وكره الحنفيَّة والمالكيَّة هذا السلام الثاني على المنبر؛ ففي "مدونة[18] سحنون": "قال ابن القاسم: وسألتُ مالكًا: إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة؛ هل يسلِّم على الناس؟ قال: لا، وأنكر ذلك"، وقال الدَّرْدير عند قول الشيخ خليل عاطفًا على المندوب "وسَلامُ خَطِيبٍ لخروجه لا صعوده": لا يُندَب؛ بل يُكره، ولا يجب ردُّه كما جزم به بعضهم". واعتبر الحنفية أن سلامه الأوَّل عند دخوله المسجد أو خروجه من المقصورة مُغْنٍ عن الإعادة.

فتلخَّص أن السلام الأول مستحبٌّ عند الجميع، وأن السلام الثاني عند الصعود إلى المنبر مكروهٌ عند الحنفيَّة والمالكيَّة، مستحبٌّ عند الشافعيَّة والحنابلة، والأكثرين على ما حكاه النووي.

إجابة الخطيب للمؤذن: قال البخاري في "صحيحه": "باب: يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء"، ثم أسند عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيْف قال: "سمعتُ معاوية بن أبي سفيان وهو جالسٌ على المنبر، أذَّن المؤذن فقال: الله أكبر الله أكبر؛ قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال معاوية: وأنا، فلما قال: وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ قال معاوية: وأنا. فلما أن قضى التَّأذين قال: يا أيها الناس، إني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا المجلس حين أذَّن المؤذن يقول ما سمعتم من مقالتي".

قال الحافظ ابن حجر[19]: "وفي هذا الحديث من الفوائد: تعلُّم العلم وتعليمه من الإمام، وهو على المنبر، وأن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، وأن قول المجيب: وأنا كذلك ونحوه يكفي في إجابة المؤذن. وفيه: إباحة الكلام قبل الشروع في الخطبة... وفيه: الجلوس قبل الخطبة".

أما الكلام قبل الشروع في الخطبة؛ فسيأتي الحديث عنه - إن شاء الله - وأما الجلوس قبل الخطبة؛ فقد عدَّه الحافظ الزَّيْلَعي في "نصب الراية"[20] مما جرى به التَّواتر، أي ممَّا عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، كما عدَّ الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" [21] تقديم الخطبتَيْن على صلاة الجمعة من المتواتِر، وقال: "إنه إجماعٌ". وفي "المدوَّنة"[22]: "وقال مالك في الإمام يوم الجمعة يجهل فيصلي قبل الخطبة ثم يخطب: إنه يصلي بالناس ثانيةً، وتُجزئ عن الخطبة، ويُلغى ما صلَّى قبل الخطبة"، وممَّا عدَّه الإمام مالك قريبًا من هذا.

اعتماد الخطيب على العصا: ففي نفس الصفحة والجزء من المدونة: "وقال مالك في خطبة الإمام يوم الجمعة، يمسك بيده عصا. قال مالك: وهو من أمر الناس القديم. قلتُ له: أعمودُ المنبر يعني مالكٌ أما عصا سِواه؟ قال: لا، بل عصا سواه".

وقد وردت أحاديث في الاعتماد على العصا والقوس، فعَنْوَن أبو داود في "سننه": (باب الرجل يخطب على قوس)، وأسند عن الحكم بن حزن الكُلَعي حديثًا فيه: "فأقمنا به أيامًا، شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام متوكِّئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلماتٍ خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركَاتٍ... ".
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير": "إسناده حسنٌ، وقد صحَّحه ابن السَّكَن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازِب، رواه أبو داود بلفظ: "إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُعطيَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه".

وأخرج ابن ماجه من طريق عبدالرحمن بن سعد بن عمَّار بن سعد، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب في الحرب يخطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا". قال الحافظ البوصيري[23]: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عبدالرحمن فَمَنْ فوقه، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق عمَّار بن عبدالرحمن به، ورواه البيهقي من طريق ابن ماجه، وله شاهدٌ رواه أبو داود في سننه.. "؛ ثم ذكر حديث أبي داود السابق.

وأخرج أبو الشيخ بن حبَّان[24] عن عبدالله بن الزبير: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ومعه مِخْصَرَة"؛ فسَّر المعلِّق المِخْصَرة بأنها عصا أو قضيب أو نحو ذلك، يَخْتَصِره الإنسان.

وزادوا بالمشرِق: الاتِّكاء على السيف، إضافةً إلى العصا أو القوس الواردَيْن؛ فقال الدردير عقب قول خليل عاطفًا على المندوبات "وتَوَكُّؤٌ على كَقَوْسٍ": "من سيفٍ أو عصا، وهي أوْلى منهما".

وقال ابن قُدامة[25]: "ويستحبُّ أن يعتمد على قوسٍ أو سيفٍ أو عصا؛ لما روى الحكم بن حزن الكُلَعي"، ثم ذكر حديث أبي داود السابق وقال: "ولأن ذلك أَعْوَن له، فإن لم يفعل فيستحبُّ له أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله، أو يرسلهما ساكنتَيْن مع جنبَيْه".

وقد أنكر ابن القيم أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قد اعتمد على السيف في خطبته، كما أنكر الاعتماد في الخطبة من أساسه، بعد اتِّخاذه - صلى الله عليه وسلم - للمنبر لا على عصا ولا على قوس؛ فقال في "زاد المعاد"[26]، وهو يصف خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس وعصا قبل أن يتَّخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا، ولم يُحفَظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنَّه بعض الجهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف - فمن فرط جهله؛ فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيفٍ ولا قوسٍ ولا غيره، ولا قبل اتِّخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتَّة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس".

وقد توسَّعوا في المشرق حتى اتخذوا للخطب سيفًا من خشب كما سنعرف! والمهم أن الجمهور متفقون على مشروعية العصا أو القوس؛ باستثناء ابن القيم. وكلام الإمام مالك السابق صريحٌ في أنه من عمل الناس القديم، إلا أن المالكية والشافعية اختلفوا: بأيِّ يدٍ يُمسك العصا؛ باليمين أو بالشمال؟ فقال المالكية باليمين، وقال الشافعية بالشمال، وكلام السيد مرتضى الزبيدي الآتي في وصف خطباء المشرق يُعطي أنهم أخذوا بقول الشافعية لعلَّةٍ ذكروها، فلنتعرَّف أوَّلاً على نصوص المذهبَيْن.

قال النووي[27]: "يُسَنُّ أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا أو نحوها... قال القاضي حسين والبغوي: يُستحبُّ أن يأخذه في يده اليسرى، ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها، وقال أصحابنا: ويستحبُّ أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر. قالوا: فإن لم يجد سيفًا أو عصا أو نحوه - سكن يده، بأن يضع اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما ولا يحركهما، ولا يعبث بواحدةٍ منهما، والمقصود: الخشوع والمنع من العبث".

وقال الزرقاني عند قول خليل "وتَوَكُّؤٌ على كَقَوْس": "وعصا غير عود المنبر؛ بل ولو خطب بالأرض، ويجعله بيمينه، خلافًا للشافعي"، ولعل الأظهر أن يقول: خلافًا للشافعية؛ لأن كلام النووي يدلُّ صراحةً على أن هذا ليس قول الشافعي.
وقال الرهوني في "حاشيته على الزرقاني"[28]: "ابن عرفة: وفي استحباب توكُّئه على عصا بيمينه خوفَ العبث مشهورُ روايتَي ابن القاسم وشاذَّتهما".

بعد هذا اتخذت مسألة الاعتماد في الخطبة صبغة خاصة، فقُنِّنَت ونُظِّمَت؛ بل وفُلْسِفَتْ إن صحَّ هذا التعبير، وقد تقدَّم قول السيد مرتضى الزبيدي: "فإذا قرب الوقت خرج الخطيب وقدَّامه المرقِّي ماسكا السيف أو العصا، فإذا وصل إلى باب المنبر أخذ السيف أو العصا بيمينه من المرقِّي؛ فيعتمد عليه ويصعد درج المنبر، وهذا من شعائر الدِّين... ".

ويبقى ما هو مشتركٌ بين المشرق والمغرب؛ هو المرقِّي، إلا أن مفهومه في المغرب غير مفهومه في المشرق حسبما يظهر من كلامهم؛ ففي المشرق شخصٌ واحدٌ هو الذي يخرج مع الخطيب من المقصورة، ويناوله العصا أو السيف إذا صعد المنبر، ثم يروي حديث الإنصات؛ بينما في المغرب يقوم بالعملية شخصان كما هو معروف. الذي وقع حوله الخلاف بين العلماء: هو راوي الحديث، أو رواية حديث الإنصات.

فإن ذلك عُرف أول ما عُرف بالشام، ثم انتشر بأقطار المشرق، ودخل إلى المغرب سنة 1120، كما نقل الشيخ محمد بن المدني كَنُّون في "حاشيته" بها من "حاشية الرهوني"[29]؛ حيث قال: "وذكر في "نشر المثاني" أن إحداث قراءة الحديث المتضمِّن أمر الناس بالإنصات بالمستمَع عند خروج الإمام من المقصورة - كان سنة 1120، فأجازه بعضهم وأنكره آخرون، وفي "النوازل الصغرى"[30] لسيدي المهدي الوزَّاني: "مسألة: من خطِّ بعض أهل العصر ما نصُّه: التَّرقية التي تُفعل بين يَدَي الخطيب من سنة عشرين ومائة وألف - أنكرها في "المدخل"، وجعلها من البدع المكروهة، وجعلها غيره من البدع المستحسَنة، وقال: إنه لم يَرِد فيه شيءٌ بالخصوص، ولكن يدلُّ لها قوله - عليه الصلاة والسلام - في حجة الوداع لجرير: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))".

وقال الزرقاني في شرح مختصر خليل [31]: "والترقية بين يَدَي الخطيب بدعةٌ مكروهةٌ من عمل أهل الشام، إلا أن يشترطها واقفٌ فيُعْمَل بها، والحديث الذي يقوله فيها ثابتٌ في "الصحيحَيْن" وغيرهما، لكن لم يَرِدْ أنه أمر أن يُقال لمرقٍّ بين يَدَي خطبته، ولا فُعل في زمانه - عليه الصلاة والسلام - وفي "المدخل" لابن الحاجّ: العجب من الإنكار على مالك بعمل أهل المدينة، وهؤلاء يفعلون التَّرقية محتجِّين بعمل أهل الشام!. اهـ.

وقد يُقال: إنكارهم على مالك إنما هو تقديمُ عمل أهل المدينة على الخبر الصحيح، وعمل أهل الشام إنما هو فيما لم يرد خبر بخلافه؛ بل قد يدل لفعلهم أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لجرير في حجَّة الوداع: ((اسْتَنْصِتِ النَّاس))"..

كلام الخطيب وتكليمه: أولاً: كلام الخطيب قطع الخطيب لخطبته وتكليمه للمأمومين بكلامٍ ليس من سياق الخطبة، له حالتان: الحالة الأولى: أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو ينبِّه أحد المصلين على خطأ أو نقصٍ مثلاً، أو على مفسدةٍ بالمسجد، أو يحذِّر من سقوط أعمى أو صبي.. إلى غير ذلك ممَّا لا يُعَدُّ لَغْوًا في الخطبة وخروجًا عمَّا شُرعت الخطبة لأجله، وهذا جائزٌ باتِّفاق المذاهب؛ نظرًا لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار الكثيرة، والتي سيأتي بعضها.

ففي "المدوَّنة"[32]: "وقال مالك: لا بأس أن يتكلَّم الإمام في الخطبة يوم الجمعة على المنبر إذا كان في أمرٍ أو نهي. قال: وقال مالك في الإمام يريد أن يأمر الناس يوم الجمعة، وهو على المنبر في خطبته بالأمر ينهاهم عنه ويعظهم به - قال: لا بأس بذلك، ولا نراه لاغيًا. وقال: لقد استشارني بعض الولاة في ذلك فأشرتُ عليه به".

وقال الشيخ خليل في "المختصر" ممزوجًا بـ "شرح الدَّرْدير": "وجاز نهيُ خطيبٍ أو أمره إنسانًا لغا أو فعل ما لا يليق؛ كقوله: لا تتكلَّم، أو: أنصتْ يا فلان - حال خطبته".

وقال علي القاري الحنفي في "مرقاة المفاتيح"[33]: "وعندنا كلام الخطيب في أثناء الخطبة مكروهٌ إذ لم يكن أمر بمعروف".

وقال النووي[34]: "وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان: أحدهما على القولين، والثاني - وهو الصحيح وبه قطع الجمهور -: يُستحبُّ ولا يَحْرُم، للأحاديث الصحيحة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلَّم في الخطبة. والأوْلى أن يجيب عن ذلك بأن كلامه - صلى الله عليه وسلم - كان لحاجةٍ. قال أصحابنا: وهذا الخلاف في حقِّ القوم والإمام في كلامٍ لا يتعلق به غرضٌ مهمٌّ ناجِزٌ، فلو رأى أعمى يقع في بئر، أو عقربًا تدب إلى إنسان غافل ونحوه فأنذره، أو علَّم إنسانًا خيرًا أو نهاه عن منكر - فهذا ليس بحرامٍ بلا خلاف، نصَّ عليه الشافعي، واتَّفق الأصحاب على التَّصريح به، لكن قالوا: يُستحبُّ أن يقتصر على الإشارة إن حصل بها المقصود".

وقال ابن قُدامة[35]: "ولا يَحْرُم الكلام على الخطب ولا على مَنْ سأله الخطيب.. "، إلى أن قال: "فأما الواجب؛ كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه نارًا أو حيَّةً أو حريقًا ونحو ذلك - فله فعله؛ لأن هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها، فها هنا أوْلى"، ويعني: أن ذلك جائزٌ بالنسبة إلى الخطيب والمأموم على السواء.

وقد ورد في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب أحاديث كثيرة، كما ورد ذلك عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - تكفي من ذلك بما يلي: - حديث جابر بن عبدالله في الكتب الستَّة وغيرها؛ قال: دخل رجلٌ يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فقال: ((صلَّيْتَ؟))، قال: لا؛ قال: ((فَصَلِّ ركعتَيْن)). - وحديث أبي سعيد الخُدْري: "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر؛ فأمره أن يصلِّي ركعتَيْن"؛ قال المجد بن تيمية في "منتقى الأخبار": "رواه الخمسة إلا أبا داود، وصحَّحه الترمذي ولفظه: أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئةٍ بَذَّةٍ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأمره فصلَّى ركعتين والنبي - صلى الله عليه وسلم – يخطب". وفُسِّر الرجل في بعض الروايات بأنه سُلَيْك الغَطَفاني، ولسنا بصدد ذكر الخلاف بين الحنفيَّة والمالكيَّة من جهة مَنْ منع الركعتين والإمام يخطب، وبين الجمهور من جهة أخرى؛ فإن لكلٍّ دليلاً، وليس المقام مقام بَسْط ذلك، وقد أطال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"[36] النَّفَس في حكاية الأقوال وأدلَّتها في هذا الموضوع، كما أنَّ لبعض العلماء المعاصرين مؤلَّفًا خاصًّا في هذا الموضوع، وهو مطبوعٌ. - وفي "سنن النَّسائي"[37] في حديث أبي سعيد هذا بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلِّ ركعتَيْن)): "وحَثَّ النَّاس على الصَّدقة؛ فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبَيْن. فلما كانت الجمعة الثانية، جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فحثَّ النَّاس على الصَّدقة. قال: فألقى أحد ثوبَيْه؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((جاء هذا يوم الجمعة بهيئةٍ بَذَّةٍ؛ فأمرتُ النَّاس بالصَّدقة، فألقوا ثيابًا، فأمرت له منها بثوبَيْن. ثم جاء الآن؛ فأمرتُ النَّاس بالصَّدقة فألقى أحدهما!! فانتهره وقال: ((خُذْ ثوبَك)). - وحديث عبد الله بن بسر: ((جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت)) أخرجه أبو داود [38] والنسائي [39]. - وأخرج ابن ماجه[40] عن جابر بن عبدالله: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب، فجعل يتخطَّى الناس؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اجلس؛ فقد آذيتَ وآنيتَ)). - وحديث جابر الذي عقد له أبو داود (باب: الإمام يكلِّم الرجل في خطبته) ونصُّه: "لمَّا استوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة قال: ((اجلسوا))، فسمع ذلك ابن مسعود، فدلَّس على باب المسجد، فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((تعالى يا عبدالله بن مسعود))، لكن قال أبو داود: "إنما يُعرف مرسَلاً عن عطاء". - حديث عبدالله بن بُرَيْدَة عن أبيه قال: خَطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يتعثَّران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد المنبر ثم قال: ((صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]؛ رأيتُ هذين فلم أصبر))[41]. - حديث قيس بن حازم: "أن أباه جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يخطب، فقام في الشمس؛ فأمر به فحُوِّل إلى الظِّلِّ"[42]. حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كلَّمه قتلة ابن أبي الحُقَيْق، وسألهم عن كيفية قتله في الخطبة وهو قائمٌ على المنبر يوم الجمعة[43].

وأما الآثار فكثيرةٌ جدًّا، نكتفي بأشهرها على الإطلاق؛ وهو حوار عمر في خلافته مع عثمان - رضي الله عنهما - المخرَّج في "الموطَّأ" و"الصحيحين" وغيرهما. ففي "الموطَّأ" رواية يحيى بن يحيى: "وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله أنه قال: دخل رجلٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب؛ فقال عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبتُ من السوق، فسمعت النداء، فما زدتُ على أن توضأت! فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد سمعت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغُسْل!". قال ابن عبدالبَرِّ: "سمَّي ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في "الموطَّأ" الرجل المذكور: عثمان بن عفان"، وقال: "لا أعلم في ذلك خلافًا".

الحالة الثانية: أن يغلو في خطبته ويتكلم بما هو خارج عنها، وأشد المذاهب في ذلك مذهب الحنفية؛ فإنهم كرهوا ذلك كراهةَ تحريم، وربما أعطى كلامهم أنه يُبْطِل الخطبة!.

ففي "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" للكاساني[44]: "يُفسد الجمعة ما يُفسد سائر الصلوات"، ثم قال: "وإن فسدت بما تفسد به عامَّة الصلوات من الحَدَث العمد والكلام وغير ذلك - سيتقبل الجمعة عند وجود شرائطهما....".

وقال الطحاوي[45]: "فإذا كان الناس منهيِّين عن الكلام ما دام الإمام يخطب؛ كان كذلك الإمام منهيًّا عن الكلام ما دام يخطب بغير الخطبة! ألا ترى أن المأمومين ممنوعون عن الكلام في الصلاة؟! فكذلك الإمام، فكان ما مُنع منه غير الإمام فقد مُنع منه الإمام، فكذلك لمَّا مُنع غير الإمام من الكلام في الخطبة كان الإمام مُنع بذلك من الكلام في الخطبة بما هو من غيرها".

أما بقية المذاهب؛ فقد تقدَّم نصُّ النووي أن الصحيح عند الشافعية أن عدم الكلام مستحبٌّ ولا يَحْرُم، ونصَّ الحنابلة أنه مباحٌ.

أما المالكيَّة؛ فلم أعثر لهم على نصٍّ صريحٍ في الموضوع، ولا أستبعد أنه موجودٌ، ولكن لم أتمكَّن الآن من الوقوف عليه، والذي يُؤخَذ من كلام الزُّرقاني الآتي: أن اللغو مباحٌ في الخطبة ولا حرمة فيه، وكل ما يترتَّب عنه إباحة اللَّغو للمأمومين إذا لغا الإمام.

فعندما قال الشيخ خليل "وحَرُمَ" أي السفر "بالزَّوال ككلام"؛ أي: من كلام المأموم في خطبتَيه بقيامه وبينهما، ولو لغير سامع، "إلا أن يلغو" قال الزرقاني: "الخطيب بخروجه عن أمر الخطبة بما لا تعلُّق له بها كان محرمًا؛ كسَبِّ أو مدح مَنْ لا يجوز سبُّه أو مدحه، أو غير محرَّم؛ كقراءته كتابًا غير متعلِّق بالخطبة، وكتكلُّمه بما لا يعني - فليس على الناس الإنصات "على المختار"، ولا تحول إليه؛ بل هم لهم التكلُّم كما فعله ابن المسيّب، فهي مستثنى من قوله "ككلام"، ومعنى "يلغو": يتكلَّم بالكلام اللاَّغي؛ أي الساقط من القول، أي الخارج عن نظام الخطبة. وكذا يجوز حينئذٍ التنقُّل كما نقل البرزلي عن ابن العربي، ولا عبرة بظاهر المصنِّف وابن عرفة؛ لأنه لا يرد المنصوص"، وسكت عنه المحدِّثون: البُناني والرهوني وكَنُّون.

فقوله: كان كلام محرمًا أو غير محرَّم - ظاهرٌ في أن الكلام اللَّغو لا يؤثِّر في نفس الخطبة، والذي يظهر أن مجال خطبة الجمعة أوسع وأفسح مما ضيَّقه به الحنفيَّة[46].

إلا أنه يبقى هنا تساؤلٌ بالنسبة إلى فقهاء المذاهب الثالثة المبيحين للكلام في الخطبة، ماذا يقصدون باشتراط الموالاة في الخطبة؟ مع العلم بأن قطع الموالاة يَصْدُق على القول والفعل، فإن كانوا يقصدون الموالاة في القول والفعل، فإباحتهم للكلام يتناقض مع هذا الشرط، وإن كانوا يقصدون الموالاة في الفعل خاصةً، فهم لم يفصحوا عن ذلك، مما يُبقي في المسألة غموضًا، وهذه نصوصهم في ذلك:
قال الزرقاني عند قول الشيخ خليل "مما تسمِّيه العرب خطبة": "ثم إنه يجب في مسألة المصنِّف اتصال أجزاء بعضها ببعض، واتصالهما بالصلاة، ويسير الفصل عفوٌ"، وقال الدردير عند قول خليل "وبخطبتين قبل الصلاة": "فلو خطب بعدها أعاد الصلاة فقط إن قَرُبَ، وإلا استأنفها؛ لأن من شروطها وصل الصلاة بها"، وأضاف محشّية الدسوقي: "أي: ووصل بعضها ببعض كذلك، ويسير الفصل مغتفرٌ".

وقال في "المهذب" في فقه الشافعية: "فإن قرأ آيةً فيها سجدة، فنزل وسجد – جاز؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، ثم فعله عمر – رضي الله عنه – بعده، فإن فعل هذا وطال الفصل فقَوْلان، وقال في الجديد: "يستأنف". وقال النووي[47]: "فلو طال الفصل فقولان: ذكرهما المصنِّف هنا، وسبق ذكرهما أصحهما - وهو الجديد - أن الموالاة بين أركان الخطبة واجبةٌ؛ لأن فواتها يُخِلُّ بمقصود الوعظ، فعلى هذا يجب استئناف الخطبة".

وقال ابن قُدامة[48]: "والموالاة شرطٌ في صحَّة الخطبة، فإن فصل بعضها من بعض بكلام طويل أو سكوت طويل أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة استأنفها، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، وكذلك يُشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة، وإن احتاج إلى الطهارة تطهَّر وبنى على خطبته ما لم يُطِلِ الفصل".

ولعله عند التدقيق في هذا الشرط ترجع المذاهب الثلاثة إلى رأي الحنفيَّة، على الرغم من تفريق ابن قُدامة بين الكلام الطويل والقصير، وإرجاع ذلك إلى العادة، فإن العادة لا تنضبط هنا؛ بل تختلف من مجتمع لآخر كما هو معلوم. وعلى أيٍّ؛ فلا زال هناك مجال للبحث للتوفيق بين إباحة الكلام واشتراط الموالاة في المذاهب الثلاثة.

تكليم الخطيب وسؤاله أثناء الخطبة: منعه المالكيَّة والحنفيَّة، وأجازه الجمهور، والجائز عند المالكيَّة هو إجابته فقط إذا سأل؛ قال الشيخ خليل عاطفًا على الجائز "وإجابته": "أي المصلي للخطيب". قال الدَّرْدير: "فيما يجوز له التكلُّم فيه؛ كأن يقول للخطيب عند نهيه أو أمره: إنما حملني على هذا الأمر الفلاني – مثلاً - ولا يعدُّ كلاًّ من الخطيب والمجيب لاغيًا؛ بل هنا ما هو أكثر من هذا، وهو منع المأموم من تلقين الخطيب إذا نسي شيئًا إن لم يطلب الخطيب منه ذلك؛ فقال الزرقاني عند قول خليل "وإجابته": "ثم إذا وقف الخطيب في الخطبة لا يردُّ عليه أحدٌ؛ لأنه إجابةٌ له من غير طلبٍ منه. قاله علي الأجهوري. ولا يُقال توقفه وتردده طُلب منه للفتح، خصوصًا على جعل الخطبتين قائمتَيْن مقام ركعتَي الظهر؛ لأنا نقول: كما لم تكن أجزاء الخطبة واجبةُ الترتيب كأجزاء الفاتحة أو السورة - لم يطلب الفتح عليه، والوعظ يحصل بانتقاله لأخرى؛ فلا معنى لتوقُّفه، فلم يعد استطعامًا، ويُفهم من كلامه أنه إذا طلب الفتح فإنه يُفتح له".

وأجازوا أن يكون قوله: "وأجابته" من إضافة المصدر لفاعله؛ فيجوز للخطيب أن يجيب سائله، ومن ثَمَّ يجوز للمصلِّي أن يسأل الخطيب، وهذا هو الذي تؤيِّده الأدلَّة الصريحة كما سيأتي، وخاصةً عند اضطرار شخص لسؤال الخطيب عن أمرٍ يتعلَّق بتصحيح دينه وعقيدته؛ بل قال ابن حجر الهيتمي الفقيه[49]: "ومن المكفِّرات أيضًا: أن يرضى بالكفر ولو ضِمنًا، كأن يسأله كافرٌ يريد الإسلام أن يلقِّنه كلمة الإسلام فلم يفعل، أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي، أو خطبتي لو كان خطيبًا".

وكأن الحطاب نظر إلى الأحاديث الواردة في الموضوع مع ما يظهر أنه معارضها، فارتضى تفصيل الحافظ ابن حجر؛ حيث قال بعد قول الشيخ خليل مباشرة: "ونهي خطيبٌ أو أمره وإجابته"[50].

قال ابن حجر في أول كتاب العلم من "فتح الباري" من حديث الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتحدَّث، فمضى في حديثه ما نصه: "أخذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة؛ فقال: لا يقطع الخطبة لسؤال سائل؛ بل إذا فرغ يجيبه، وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها فيؤخِّر الجواب، أو في غير الواجبات فيجيب"، ثم قال: "والأوْلى حينئذٍ التفصيل، فإن كان مما يهتمَّ به في أمر الدِّين - ولاسيَّما إن اختصَّ بالسَّائل - فيستحبُّ إجابته ثم يُتم الخطبة، وكذا بين الخطبة والصلاة، وإن كان بخلاف ذلك فيؤخِّرها، وكان يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديم الجواب، لكن إذا أجاب استأنف على الأصح، يُؤخَذ ذلك كلُّه من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك. فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور بمهتمٍّ به؛ فيؤخِّر كما في الحديث، ولا سيَّما إن كان ترك السؤال عن ذلك أوْلى، وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمت الصلاة، فلما فرغ من الصلاة قال: ((أين السائل؟... )) فأجابه.

وإن كان السائل به ضرورة ناجزة؛ فيقدم إجابته كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم، أنه قال للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يخطب: رجلٌ غريبٌ لا يدري دينه، جاء يسأل عن دينه؛ فترك خطبته، وأتى بكرسيٍّ فقعد عليه فجعل يعلمه، ثم أتى خطبته فأتمَّ آخرها. وكما في حديث سَمُرَة عند أحمد: أتي أعرابيٌّ يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الضَّبِّ.. وكما في "الصحيحين" في قصة سُلَيْك لما دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم – يخطب؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أصَلَّيْتَ ركعتَيْن؟.. )) الحديث. وفي حديث أنس: "كانت الصلاة تُقام، فيَعْرُض الرجل، فيحدِّث النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حتى ربما نعس بعض القوم، ثم يدخل في الصلاة"، وفي بعض طرقه: وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة.

وقال النووي في "شرح مسلم"[51] في حديث أبي رفاعة الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الخطبة عن دينه: "وفيه: المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور، ولعله كان يسأل عن الإيمان وقواعده المهمة. وقد اتَّفق العلماء على أن مَنْ جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وَجَب إجابته وتعليمه على الفور"، ثم قال: "ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيها يخطب أمرٌ غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فصلٌ طويلٌ، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلِّقًا بالخطبة؛ فيكون منها، ولا يضرُّ المشيَ في أثنائها".

وكل هذا من الإمام النووي – رحمه الله – بناءً على مذهبه في وجوب الموالاة، كما تقدم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نزل من المنبر وأخذ الحسن والحسين - عليهما السلام - ومشى بهما إلى المنبر ثم استأنف خطبته.

ثم إن الموضوع المبحوث فيه الآن ليس المشي أثناء الخطبة؛ فذاك موضوعٌ آخر، وإنما هو سؤال السائل وإجابة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أثناء الخطبة وعدم إنكاره عليه. ولئن كان في هذا الحديث احتمالٌ ألاَّ تكون الخطبة خطبة جمعة كما ذكر الإمام النووي؛ لأنه ليس فيه التصريح بها - فالحديث التالي صريحٌ في خطبة الجمعة، وهو نصٌّ في الموضوع المُعَنْون له.

قال البخاري في "صحيحه": "باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة"، ثم أسند عن أنس بن مالك قال: "أصاب الناس سِنَة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم جمعة؛ فقام أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال؛ فادعُ الله لنا. فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعَة، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته - صلى الله عليه وسلم -! فمُطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه.. حتى الجمعة الأخرى!! وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال: يا رسول الله، تهدَّم البناء وغرق المال؛ فادعُ الله لنا، فرفع يديه، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجَوْبة... "؛ الحديث.

وقد ذكر الشَّعراني في "كشف الغمَّة"[52] بلا عزو: "قال أنس - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الكلام والإمام يخطب، ويرخِّص في تكلُّمه وتكليمه لمصلحةٍ".

والمصادر التي قال إنه نقل منها الأحاديث في أول كتابه كلها مصادر معروفة، وهي الأصول المتداولة في الحديث، باستثناء بعضها، فإن صحَّ هذا الحديث فيكون قاطعًا لكل نزاع، ولكن دون معرفة درجته خَرْط القَتاد كما يقولون، ثم إن الكلام عندما يجلس الخطيب على المنبر وأثناء الأذان وقبل شروعه في الخطبة جائزٌ عند الجمهور، سواءٌ بالنسبة إلى الخطيب أو بالنسبة إلى المصلِّين، ومنعه الحنفيَّة كما سيأتي.

أما بالنسبة إلى الخطيب؛ فقد فعل عثمان بن عفان ذلك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو خليفة، ولا شك أن عددًا من الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا حاضرين، فلم يُنقل أنه أنكر عليه؛ ففي "مصنف عبدالرزاق"[53] عن موسى بن طلحة: "رأيتُ عثمان جالسًا على المنبر يوم الجمعة والمؤذِّنون يؤذِّنون، وهو يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم"؛ قال المحدِّث حبيب الرحمن الأعظمي بهامشه: "أخرجه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. قاله الهيثمي".

وأما بالنسبة إلى المصلِّين؛ ففي "مدوَّنة سحنون"[54]: "قال ابن القاسم: رأيتُ مالكًا والإمام يوم الجمعة على المنبر قاعدٌ، ومالك متحلِّق في أصحابه قبل أن يأتي الإمام وبعدما جاء، يتحدَّث ولا يقطع حديثه، ولا يصرف وجهه إلى الإمام، ويُقبل هو وأصحابه على حديثهم كما هم حتى يسكت المؤذن، فإذا سكت المؤذن وقام الإمام للخطبة تحوَّل هو وأصحابه إلى الإمام فاستقبلوه بوجوههم. قال ابن القاسم: وأخبرني مالك أنه رأى بعض أهل العلم ممَّن مضى يتحلَّق يوم الجمعة ويتحدَّث؛ فقلت لمالك: متى يجب على الناس أن يستقبلوا الإمام يوم الجمعة بوجههم؟ قال: إذا قام يخطب، وليس حين يخرج".

وهذا هو المعمول به في المذهب، كما في "المختصر" ممزوجٌ بالدَّرْدير: ""وككلام" مَنْ غير الخطيب؛ فإنه يحرم "في" حال "خطبته" لا قبلهما، ولو حال جلوسه، ولذا قال: "بقيامه"؛ يعني: حال قيامه والشروع في التكلُّم بهما".

قال الدسوقي: "قوله "قيامه": الباء للظرفيَّة، وهي متعلِّقة بمحذوف صفة "لخطبتَيْه"، أي: الكائنتَيْن في حال قيامه، لا أنه بدل من خطبتَيْه، لإيهامه أن بالقيام لهما يحرم الكلام ولو من غير أخذ في الخطبة، وليس كذلك؛ أي أنه وإن قام للخطبة ولم يخطب بالفعل فالكلام مباحٌ".

وبالنسبة إلى بقية المذاهب قال ابن قُدامة[55]: "فصلٌ: لا يُكره الكلام قبل شروعه في الخطبة وبعد فراغه منها، وبهذا قال عطاء وطاوس، والزهري، وبكر المُزَني، والنَّخعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد، وروي ذلك عن ابن عمر، وكرهه الحَكَم، وقال أبو حنيفة: "إذا خرج الإمام حرم الكلام"، قال ابن عبد البر: "إن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام، ولا مخالِف لهما من الصحابة. ولنا: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا قلتَ لصاحبك والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لَغَوْتَ))، فخصَّه بوقت الخطبة"، وقال ثعلبة ابن أبي مالك: "إنهم كانوا في زمن عمر إذا خرج عمر وجلس على المنبر، وأذَّن المؤذِّنون - جلسوا يتحدَّثون، حتى إذا سكت المؤذِّنون وقام عمر سكتوا فلم يتكلَّم أحدٌ، وهذا يدلُّ على شهرة الأمر بينهم، ولأن الكلام إنما حَرُمَ لأجل الإنصات للخطبة، فلا وجه لتحريمه مع عدمها". وقوله: "لا مخالف لهما من الصحابة"، قد ذكرنا عن عمومهم خلاف هذا القول".

وأما كلام الخطيب بعد نزوله من المنبر وقبل الصلاة؛ فقد تقدَّمت إشارة الحافظ ابن حجر إليه في نقل الحطَّاب عنه؛ حيث ذكر حديث أنس: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلّم بالحاجة إذا نزل من المنبر"، ولفظه في "المدوَّنة": "ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل عن المنبر يوم الجمعة فيكلِّمه الرجل في الحاجة، ثم يتقدَّم إلى مصلاَّه فيصلِّي"، وقد أخرجه أبو داود[56] والترمذي[57]، والنَّسائي[58]، وابن ماجه[59]، وفيه كلامٌ من جهة وهم جرير بن حازم في كون ذلك كان في صلاة الجمعة، ولكن الحافظ ابن حجر سكت عن رواية الجمعة كما تقدَّم، وقد اشترط في مقدمة "الفتح" أنه لا يسكت إلا عن الصحيح والحسن، كما أن الحافظ العراقي رجَّح هذه الرواية[60].

وبعد: فإن الحديث عن خطبة الجمعة شيِّقٌ وممتعٌ؛ لأنه موضوع حيٌّ ومتجدِّدٌ، والواقع أنه في حاجة إلى موسوعة تضمُّ كلَّ الأحاديث والآثار الواردة فيه[61]، ثم جَمْع كل ما كُتب حوله في كتب الفقه والخلاف، وتلخيص المؤلَّفات ا
ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۲۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  استدلال الخطيب بالقرآن     صلاة الجمعة من أعظم الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى، والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يحرصون على أدائها أكثر من غيرها، ولا يفرطون فيها وإن كان كثير منهم يقصِّرون في الصـلوات الخمس الأخرى، حتى الأعاجم من المسلمين في البلاد العربية يحضرونها في المساجد وإن لم يفهموا إلا قليلاً مما يقوله الخطباء.
والمسلمون في البلاد الكافرة من غربية وشرقية يقيمونها في مراكزهم الإسلامية، ومن عجزوا عن إنشاء مسجد أو مركز أقاموها في دور بعضهم أو في الحدائق العامة أو غيرها، ولكنهم لا يتركونها - في الغالب - بحجة العجز عن مكان يجمعهم.
وما يكاد الخطيب يدعوهم عقب الصلاة إلى التبرُّع بشيء من المال لشراء موقع المسجد أو توسيعه أو سداد إيجاره إلا انصرفت أيديهم إلى جيوبهم للمساعدة على ذلك. والمراكز الإسلامية في البلاد الكافرة لا تكاد تنفك عن طلب التبرع في كل جمعة، ومع ذلك ما ضجر المسلمون من كثرة ذلك فتركوا حضورها، ولا أمسكوا أيديهم عن البذل عقب صلاة الجمعة لتشييد مساجد لإقامتها.
وكثيراً ما عجب الغربيون من الجاليات المسلمة حين يُقتِّر أفرادها على أنفسهم وأولادهم لسداد إيجار المركز أو المسجد، أو شرائه، كما يعجبون أيضاً من تنامي المراكز والمساجد في بلاد الغرب، وكثرتها واتساعها شيئاً فشيئاً، ويعجبون أكثر حين يرون الزحام الشديد على هذه المراكز يوم الجمعة مع خلوِّ الكنائس يوم الأحد إلا من عدد قليل. وكل هذه دلائل على أهمية صلاة الجمعة في دين الإسلام، وعظيم مكانتها في قلوب المسلمين.
والخطيب حين يعتلي درجات المنبر ليلقي خطبته يمسك المصلون عن الصلاة وقراءة القرآن وسائر أنواع الذكر والقُرُبات، ويتوجهون بأبصارهم وقلوبهم إلى خطيبهم، ويصغون إليه بأسماعهم، وينتبهون لما يقول؛ فإن استطاع الخطيب أن يشدَّهم إليه باستهلاله البارع، ومقدماته الضافية واصلوا الاستماع إليه، وتأثروا بمقوله لهم، وإلا ملّـوه وضجروا من ضعفه وأسلوبه، وانصرفت قلوبهم إلى أودية أخرى.
والخطيب يلقي على الناس أفكار الخطبة، ويحاول إقناعهم بها، فيستدل لها بالمنقول وبالمعقول أو بأحدهما، وهو يأمرهم وينهاهم، والنفوس البشرية لا تحب الأمر والنهي، ولكنها قد تتخذه ديناً إذا علمت أن ذلك حكم الله - تعالى - وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فتحبه وتدين به رغم ما فيه من تكليف بواجبات فيها مشقة، أو حبس عن شهوات محبوبة.
• أهمية الاستدلال بالقرآن: القرآن معظَّم عند المسلمين، لا يتطرق إليه الشك لدى المصلين، وهو أقوى ما يستدل به أيُّ متحدث في المجتمعات المسلمة: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: ٢٤].
وأوصاف القرآن المنثورة فيما يتلى من الآيات تشد النفوس إليه، وتحبِّب القلوب فيه، فلا يملك قارئ آياته إلا الإذعان له والانقياد، وذلك للأسباب التالية: 1 - فهو الهدى وما عارضه ضلال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢]، وفي الآية الأخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: ٥٨١]، وهدايته تكون إلى ما هو أحسن وأفضل وأقوم في كل الأمور التي تهمُّ الناس في الدنيا والآخرة: {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩].
2 - وهو النور وما عارضه ظلمات، ويُخرج المنقادين له من جميع أنواع الظلمات - ظلمات الكفر والنفاق والبدعة والجهل والظلم وغيرها - إلى النور: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: ٥١ - ٦١]، وفي آية أخرى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَإنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: ٩]، وفي ثالثة: {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [الطلاق: ١١].
3 - وهو شفاء القلوب وطِبُّها من أدواء الكفر والنفاق والبدع والضلال وأنواع الشبهات والشهوات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّـمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: ٧٥]، وفي أخرى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِـمِينَ إلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: ٢٨]، وفي ثالثة: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: ٤٤].
4 - وهو السعادة فلا يشقى به قارئه ولا المنقاد له، العامـل به: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: ٢]، وفي أخرى: {فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى} [طه: ٣٢١].
كما أن هجره والإعراض عنه سبب للشقاء في الدنيا والآخرة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: ٤٢١ - ٦٢١].
5 - وهو من أعظم أسباب صلاح القلب، وخشوعه لله تعالى، وخشيته منه، ومحبته له: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَـمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 7٠١ - 109], وفي الآية الأخرى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ١٢].
كل هذه الأوصاف العظيمة للقرآن - وغيرها كثير - يقرؤها المسلم ويسمعها بين الحين والآخر حتى عَظُم القرآن في قلبه، ويكفيه عظمة عند المسلم أنه كلام الله تعالى؛ ولذلك لا يسمح أيُّ مؤمن في أبواب المجادلة والنقاش لأيِّ شخص كان أن يطعن في صدق كلام الله - تعالى - أو يسخر منـه أو يـدعـوه إلى عدم الإيمان به؛ لما للقرآن الكريم من مكانة عظيمة في نفوس المسلمين.
ولأجل ذلك يلجأ الكفار والمنافقون والزنادقة وأشباههم حين يريدون صرف المسلمين عن القرآن إلى تحريف معاني الآيات، ويتركون تكذيبهم لكلام الله - تعالى - أو التشكيك فيه أو الطعن في آياته مع أنهم في قرارة أنفسهم لا يؤمنون به. وما ذاك إلا لما يعلمونه من مكانة هذا الكتاب العزيز في قلوب المسلمين حتى استولى عليها محبةً له، واقتناعاً به، وتعبداً بقراءته والاستماع إلى آياته تُتلى. وإذا كان الأمر كذلك فحريٌّ بالخطباء أن يُولُوا الكتاب العزيز أهمية بالغة، فيكون هو المصدر الأول للخطبة كما كان هو المصدر الأول في جميع علوم الشريعة الإسلامية وفروعها.

• أقسام الآيات في الاستدلال من حيث الكثرة والقلّة: لا تخلو الآيات التي جمعها الخطيب لإعداد خطبته من حالات ثلاث: الأولى: أن تكون كافية في الاستدلال، متناسبة مع الخطبة؛ فلا هي كثيرة تطول الخطبة بها، ولا قليلة تؤدي إلى قِصَر مخلٍّ. الثانية: أن تكون الآيات في موضوعه المختار قليلة. الثالثة: أن تكون الآيات كثيرة جداً لا يمكنه حشدها كلها في خطبته.
فالحالة الأولى لا إشكال فيها. وأما الثانية وهي: أن تكون قليلة، بل قد لا يجد في موضوعه إلا آية أو آيتين، فبإمكانه تغيير الموضوع إلى آخر فيه من النصوص ما يخدم خطبته ويقوِّيها.
فإن كان موضوعه مهمّاً كنازلة حاضرة لا يسوغ إهمالها، فبإمكانه معالجة ذلك بخيارات عدة: الخيار الأول: أن يجعل لموضوعه مدخلاً مناسباً، تكون النصوص فيه متوافرة.
مثال ذلك: لو وقع زلزال مدمِّر، وأراد الخطيب أن يعرض لموضوع الزلازل فسيجد أن الزلازل لم يأت ذكرها في القرآن إلا في موضعين: أول سورة الحج: {إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: ١]، وفي سورة الزلزلة، وهما في زلزلة يوم القيامة، لا في زلازل الدنيا. وجاء ذكر الزلزلة في موضعين آخرين على الاستعمال المعنوي لا الحسِّي، في البقرة: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: ٤١٢]، وفي الأحزاب: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْـمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: ١١].
ففي هذا المثال يستطيع الخطيب الحديث عن موضوعات عدة لها صلة بالزلازل، منها: 1 - زلزلة القيامة، والآثار الناجمة عنها مستدلاً بهذين الموضعين، ومستحضراً آثار تلك الزلزلة العظيمة بأوصافها المذكورة في سورة الواقعة: {إذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا} [الواقعة: ٤]، والتكوير والانفطار والانشقاق والقارعة، ثم يقارن بين ما خلَّفته الزلزلة التي شاهدها الناس من دمار جزئي في الأرض، وما ستخلِّفه زلزلة القيامة من دمار عام في الكون.
2 - الجبال وفائدتها، وكونها أوتاداً تثبِّت الأرض، ويجمع الآيات في ذلك، وهي كثيرة.
3 - قدرة الله - تعالى - على الخلق، وأنهم مهما بلغوا من القوة لا يستطيعون أن يردُّوا عذاب الله عز وجل، مستحضراً مـا وقـع مـن هـلاك المكـذبين السابقـين بأنواع العقوبات، مما حكاه القرآن من قصصهم.
4 - آثار الذنوب والمعاصي، وأنها سبب للعذاب والدمار في الأرض، والآيات فيها كثيرة.
الخيار الثاني: أن يقتصر على ما في موضوعه من آيات ولو كانت قليلة، ويدعم خطبته بالأحاديث والآثار، وهذا حَسَنٌ إن وجد في موضوعه نصوصاً في ذلك.
الخيار الثالث: أن يعوض النقص في ذلك بكلامه هو، ويطيل في الوصف والعرض بكلام إنشائي خالٍ من النصوص، ولستُ أحبِّذ هذه الطريقة وإن سلكها كثير من الخطباء لما يلي: 1 - أنها تحوِّل الخطبة إلى ما يشبه كلام الإعلاميين والأخباريين. 2 - أن على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نوراً إذا كسا به الخطيب خطبته كانت مباركة، وإذا خلت الخطبة من نصوصهما نُزعت البركة منها. 3 - أن هذا يجعل خطبته مفيدة في كل زمان ومكان، ولو من النصوص التي جمعها، وإن تغيرت الصياغة والأفكار في ذلك. وقد ينازع بعض المتخصصين في الخطابة وأساليبها وأبوابها محتجين بأن شخصية الخطيب تذوب في النصوص.
وهذا غير صحيح؛ لأن قدرة الخطيب على جمع النصوص، وحسن عرضها في خطبته، وقوته في الاستدلال بها، وانتزاع ما يفيده منها؛ إن لم يكن أعلى من جودة الأسلوب في الدلالة على براعة الخطيب فليس بأقل منها.
وتصح المنازعة في ذلك لو كان الخطيب ضعيفاً في الاستنباط والاستدلال بحيث يضع النصوص في غير مواضعها، أو يتعسَّف في الاستنباط منها، ولا يحسن التعامل معها، أو يهمل قريب الدلالة ويورد بعيدها، ومن كان هذا حاله فالعلّة فيه لا في نصوص الوحيين.

وقد ثبت أن النبي - عليه الصلاة والسلام - خطب بسـورة (ق) كـما في حديث أم هشام بِنْتِ حَارِثَةَ بن النُّعْمَانِ - رضـي الله عنها - قـالت: ((ما حَفِظْتُ (ق) إلا من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بها كُلَّ جُمُعَةٍ))[1]، وكفى بها موعظة بليغة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وسأفرد مقالة خاصة في الخطبة بآية أو آيات أو سورة - إن شاء الله تعالى.

وجاء في حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قال: «كانت لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ الناس))[2]، واستناداً إلى ذلك فإن من الأئمة من يشترطون لصحة الخطبة قراءة ولو آية فيها.
والخطبة خطاب شرعي محض، له أحكامه التوقيفية، فلا يُقاس بالأعمال الأدبية التي يُتَوَسَّع فيها، ويُظهر الكاتب شيئاً من بلاغته وفنِّه.
موضوعات لا نصوص فيها أو هي قليلة: قد تكون بعض الموضوعات ملجئة للخطيب إلى عدم الإكثار من النصوص؛ كحديثه عن سِيَر الأعلام وقصص التاريخ والمغازي ونحوها، وهذه الموضوعات ونحوها بإمكان الخطيب أن يجد لها من النصوص ما يناسبها سواء في ثنايا القصة أو الغزوة أو في الدروس المستفادة منها.
كذلك بعض القضايا المعاصرة قد تلجئ الخطيب إلى التقليل من النصوص بسبب تناول الخطيب الموضوع من جانب تاريخي أو عقلي يرى أنه مهمٌّ؛ كالحديث عن تاريخ بيت المقـدس أو تاريخ بعض الفِرَق، أو بعض المصطلحات الحادثة ونحو ذلك، ومثـل هـذه الموضوعات يُعذَر فيها الخطـيب، ولا سيما إذا دعت الحاجة إليها لنازلة فرضتها واقعاً، والناس يتحدثون فيها، وينتظرون تحريراً شرعياً لها من الخطباء.
ولكن الخطيب يُعاتَب ويُؤاخَذ إذا كانت السمة الغالبة لخطبه فيها إعراضٌ عن النصوص، أو يقلل منها لحساب إنشـائه وبـيانه وبلاغـته، أو لحساب ما يعرضه من قصص أو أقوال أو حجج عقلية أو غير ذلك. ويشتد العتاب عليه إذا كان الموضوع الذي يختاره مملوءاً بالنصوص القرآنية والنبوية فيُعرض عنها إلى ما هو أدنى منها من حجج وقصص وأقوال ونقول.

وليعلم الخطيب أن من أهمِّ مهماته التي يرتقي درجات المنبر لأجلها: تربية الناس على تعظيم نصوص الوحيين، وتقديمها في الاستدلال على غيرها، والإذعان لها، والتسليم بها، وعـدم مـنازعـتها بـما هـو دونـها من حجـج أو قصص أو أقاويل أو نُقول ونحوها.
فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقبل الناس دعوة خطيب إلى تعظيم الكتاب والسنة، والتسليم بهما، وهم يرونه قليل الاستدلال بهما، مستبدلاً بهما غيرهما؟!
وأحسب أن هذه اللوثة المستهينة بنصوص الكتاب والسنة تسرَّبت إلى الخطباء من المناهج العقلانية التي تُعنى بحجج العقل على حساب النص، أو من الاتجاهات الأدبية التي تُعْلي من شأن الإنشاء والأساليب البلاغية واللغوية وتقدمها على النصوص. كما أن انتشار لغة الصحفيين والإعلاميين في الآفاق أثَّر سلباً على بعض الخطباء فصاروا يحاكونهم في أساليبهم، ويستخدمون ما أحدثوه من مصطلحات ومفردات وعبارات بلا نظر في صحتها اللغوية، أو عدم مخالفتها الشريعة.

ولا ينبغي أن يُفهم من تقرير ذلك أن نصوص الكتاب والسنة تعارض الحجج العقلية أو الأساليب البلاغية؛ فالقرآن مملوء بتقرير ما يوافق العقول الصريحة، ويحوي كثيراً من الآيات التي تُعْنى بمفردات العقل والبرهان والآية والدليل ونحوها، وهكذا السنَّة.
وكلام الله - تعالى - هو أبلغ الكلام، وكثير من قوانين اللـغة وقـواعـد الـبلاغـة إنما أُخـذت مـنه، ويستدل به لها أو عليها، وما عارضه من قواعد اللغة والبلاغة والبيان فليس بشيء، ولا يحتج به.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُوتي جوامع الكلم، وهو أفصح البشر وأبلغهم، وأحاديثه الجامعة للمعاني الكبيرة الغزيرة في كلمات قليلة تدل على ذلك.
بيدَ أن بعض الخطباء يتأثر بالمناهج الفلسفية الكلامية في الاستدلال، أو يجنح إلى أساليب أهل البلاغة والبيان على حساب نصوص الكتاب والسنة.
وأما الحال الثالثة وهي: أن تكون الآيات كثيرة جداً لا يمكنه حشدها كلها؛ كالخطبة عن التقوى فإنها جاءت ومشتقاتها في أكثر من أربعين ومئتي موضع من القرآن، والصبر جاء ذكره فيما يزيد على مئة آية؛ هذا عدا موضوعات التوحيد والترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار وغيرها.

وفي هذه الحالة للخطيب خياران: الخيار الأول: أن يرتب ما يناسب للاستدلال من هذه الآيات على وحدات موضوعية، يضم الآية فيها مع نظيرتها، مثل: جمعه للآيات الآمرة بالتقوى، ويجمع آيات ثمرات التقوى، وآيات صفات المتقين... وهذه الطريقة وإن كان فيها مشقة فإنها تمكِّن الخطيب من صنع خطب عدة في الموضوع الواحد ليس فيها تكرار، وتزيد من قوته العلمية واستحضاره للآيات، ومعرفته طريقة القرآن في عرض الموضوعات.
الخيار الثاني: أن يختار من هذا الكمِّ الكبير من الآيات ما يراه مناسباً لخطبته.
وثمَّة أمر مهم وهو أن كثيراً من الخطباء لا يطلعون على كل الآيات في الموضوع الذي سيخطبون فيه، وفي هذا شيء من القصور، وقد يؤدي إلى ترك الاستدلال بآيات هي أقوى في الدلالة على موضوعاتهم من الآيات التي اختاروها.
• ما يلزم مراعاته في الاستدلال بالآيات: في الاستدلال بالآيات القرآنية أرى أنه ينبغي للخطيب مراعاة أمور: أولها: التأكد من كون الآية أو موضع الشاهد منها قد كتبه بشكل صحيح لا خطأ فيه؛ وذلك يكون بمراجعة المصحف، وعدم اعتماده على حفظه مهما كان قوياً؛ لأن بعض الآيات تشتبه بالأخرى، وقد يكون فيها زيـادة كلـمة أو حرف لا ينتبه له فيقع في الخطأ، أو في القَلْب بالتقديم والتأخير، أو إسقاط شيء منها؛ ولأن استحضار آية واحدة أو جزء منها أكثر احتمالاً للخطأ من القراءة المستمرة للسورة كلها أو جزء كبير منها.
وأرى أن الخطيب لا يعذر بخطئه في الآيات؛ لإمكانية عدم الوقوع في ذلك إذا وجد الحرص والاهتمام، وقد يترتب على ذلك مفاسد كالخطب التي تسجل أو التي تنقل على الهواء مباشرة في القنوات الفضائية، أو مواقع الشبكة العالمية، فتنتقل إلى الناس، وتنتشر في الآفاق بالخطأ الذي في بعض الآيات، ويكون ذلك أخطر إذا ترتب على الخطأ فساد المعنى.
ويُعذَر الخطيب في ذلك إذا كان يرتجل الخطبة؛ لأن الإنسان يسهو ويغفل ويخطئ، وتشتبه عليه النصوص في بعض الأحيان، ولكن إذا كثر ذلك منه حال ارتجاله بسبب ارتباكه أو ضعف حفظه فيجب عليه كتابة هذه النصوص، وقراءتها من الورقة.
ثانيها: التأكد من صحة استدلاله بالآية. والخطأ في الاستدلال يكون من أوجه: أ - قد يسوق الآية لمعنى يريده وهي لا تفيد ذلك المعنى، وسبب ذلك اعتماده على فهمه لظاهر الآية، وعدم مراجعته كتب التفسير. ب - أو يكون في الآية أقوال عدة يختار أحدها - وقد يكون قولاً ضعيفاً أو شاذاً - فيحمل الآية عليه. جـ - أو يكون في الآية أقوال أخرى متساوية، أو بعضها أقوى من بعض، أو هي من قبيل اختلاف التنوع، فيحصر معنى الآية في القول الذي اختاره وهي تدل على المعاني الأخرى أو الآية تحتملها.
ثالثها: التركيز على موضع الشاهد من الآية؛ فمن شأن ذكر كل الآية والشاهد جزء قليل منها؛ أن يشوش على المستمع، وقد يضيع منه موضع الاستشهاد ولا سيما إذا كانت الآية طويلة.
رابعها: أرى أن لا يرتل الآية أو موضع الشاهد منها، أو يميزه عن سائر كلامه، كما هي طريقة بعض الدعاة والوعاظ والخطباء؛ لأنه ليس في محل القراءة والتعبد بها حتى يرتل الآيات، وإنما هو في موضع الاستشهاد وإثبات ما يقول بآيات القرآن، وللاستشهاد محله وطريقته كما أن للتلاوة محلها وطريقتها، ولا يحسن الخلط في ذلك. وكما أنه لا يسوغ لمن يقرأ القرآن إلا أن يرتله، ولا يقرأ بعض الآيات كما يقرأ كلاماً آخر غير القرآن؛ فكذلك لا يسوغ لمن يستشهد بالقرآن أن يسوقه مساق الترتيل.
خامسها: ينبغي له أن يرتب الآيات التي يستشهد بها حسب ترتيب سورها في القرآن؛ لأن الإجماع منعقد على أن ترتيب الآيات توقيفي، وأما ترتيب السور فقال قوم: إنه توقيفي، وقال آخرون: إنه اجتهادي، ولو قيل: إنه من اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن الأمة أجمعت على مصحف عثمان رضي الله عنه، وعلى ترتيب سوره. فإن كان ترتيب سوره توقيفياً فأُحب للخطيب أن يلتزم به، ولا يخالفه، وإن كان من اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - فاجتهادهم خير من اجتهادنا، ثم إن انعقاد الإجماع على هذا الترتيب يجعله حجة.
وأرى أنه يحسن بالخطيب أن لا يخلَّ بترتيب الآيات في الاستشهاد عن ترتيب آيات المصحف وسوره إلا لمعنى يقتضي عدم الترتيب؛ كأن تكون الآية التي يقدمها نصاً فيما يريد، والآيات الأخرى تفيد المعنى ذاته، وآيات أخرى يستأنس بها، فيقدم ما يكون نصاً في قضيته على غيرها من الآيات لقوة دلالتها على ما يريد، ثم يتبعها بالآيات الموافقة لها في المعنى، ثم الآيات التي يستأنس بها.
سادسها: إذا كان عنده عدد من الآيات التي يستشهد بها، وبعض هذه الآيات واضح الدلالة للمستمع، وبعضها بعيد المنزع عما يريد، أو يتطرق إليه الاحتمال؛ فالأَوْلى أن يقتصر على الآيات الواضحة دون غيرها؛ لئلا يُحْدِث بذكر الآيـات المحتـمـلة تشويشاً على المـستمع، وتضعف في ذهنه القضـية الـتي استدل لهـا الخطـيب بهذا الدليل المـحتمل، أو بعيد الدلالة.
وإذا كانت القضية محل نزاع في المجتمع، وتتجاذبها أطراف شتى؛ كالحجاب والسفور، والاختلاط وعدمه، وخروج المرأة وقرارها في البيت، وقضايا الحرية والديمقراطية والانتخابات؛ فكل هذه القضايا ومثيلاتها محل نزاع بين التيارات العَلْمانية من جهة، والتيارات الإسلامية من جهة أخرى، وصوت الدعاة والعلماء فيها يكون في المساجد وعلى المنابر وعبر وسائل إعلام محدودة، وصوت العَلْمانيين فيها يكون في الصحف وأكثر المجلات والقنوات الفضائية والإذاعية، والناس يشهدون هذه المعارك الفكرية، ويعيشونها كل يوم، فأرى أن لا يكون استدلال الخطباء على ما يرونه حقاً في تلك القضايا إلا بالأدلة الواضحة التي لا ينازع فيها إلا مكابر؛ لأن من شأن الاستدلال بالأدلة المشتبهة أو المحتملة أو الضعيفة الدلالة أن يقضي على قضيته في أذهان الناس، ولو جاء بالأدلة الواضحة معها؛ لما يلي:
أولاً: إن الأدلة الواضحة على المعنى الذي يريده تفي بالمقصود، وهو يخاطب مسلمين مستسلمين - في أغلبهم - للنصوص الشرعية، ويكفيهم منها دليل واحد واضح للقبول والانقياد عن عشرة أدلة ليست واضحة، أو في الاستدلال بها عسف وتكلف.
ثانياً: إن الأدلة المحتملة قد تنسي المصلين الأدلة الواضحة، وقد ينشغلون بالتفكير في مدى صحة الاستدلال بها أو الإيرادات التي ترد عليها عن الاستماع إلى الخطيب، فيصرفهم أو بعضَهم عنه، وهو يريد منهم الاستماع إليه.
ثالثاً: إن الخصوم يتعلقون بضعيف الدلالة ويجعلونه أصلاً في المناقشة، فتنقل القضية من أصلها إلى مناقشة دليل محتمل أو ضعيف، فيُحشَر الخطيب في زاوية الدفاع عن استدلاله، وتُنسى القضية الأصل، وللمنحرفين مكرٌ كُبَّار في ذلك، وبراعة في التشويش على العوام من هذا الباب، ولا سيما أن أكثرهم ممن إذا خاصم فجر.
وحتى لو لم تجرِ مناقشة ذلك مع الخطيب في حينه؛ فليفترض الخطيب أن المصلين عقب الجمعة يناقشون في مجالسهم ما قاله الخطيب، وفي الغالب نجد أن مجالس الناس تجمع التيارين أو المتعاطفين مع أحدهما، فإذا أثبت المخاصم للناس ضعف استدلال الخطيب بدليل واحد من عشرة أدلة في قضيته التي ساقها فإنه يكسب بذلك أمرين: 1 - صرف نظر الناس عن موضوع الخطبة وأدلتها الأخرى إلى هذا الدليل الضعيف أو المحتمل. 2 - التشكيك في كل ما ذكره الخطيب من القضايا الأخـرى، بل التشكيك فيما سيلقيه مستقبلاً، ونزع ثقة الناس فيه.
سابعها: إذا أنهى الخطيب صلاته، ثم سئل عن معنى في آية استشهد بها، أو أورد أحد المصلين عليه إشكالاً في استدلاله، أو دليلاً آخر ينقض ما قرره في خطبته، فلا يخلو الخطيب من حالين:
الأولـى: أن يكــون عنـده جـواب لهـذا الإشكال، ويعلم ما قد يورد على استدلالاته من أدلة أخرى، ولديه أجوبة لها - ولا يتأتَّى ذلك للخطيب إلا بالتحضير الجيد - فَلْيُزِلْ تلك الإشكالات، ويُجِبْ عنها بما آتاه الله - تعالى - من علم وفقه وتحضير جيد لموضوعه.
الثانية: أن لا يكون عنده جواب لهذا الإشكال، ولا يعلم بالأدلة التي أوردت عليه، فلا يجوز له حينئذ أن يُخلِّص نفسه من هذا المأزق بالكذب، أو بنفي ما لا يعلم مع احتمال ثـبوته، ولا يَحِلُّ له أن يُصِرَّ على رأيه وهو غير متأكد مما أُورِد عليه، وسأورد مثالاً على ذلك - إن شاء الله تعالى - من السنَّة في مقال مستقل بعنوان (استدلال الخطيب بالسنة).
ثم إن المناقشين لما في الخطبة من معلومات على أَضْرُبٍ ثلاثة: الأول: أهـل العـلم والفـقه والفضـل ممن يـوقن الخطيب أو يغلب على ظـنه صـوابـهـم وخـطـؤه، وهـؤلاء يجب عليه أن يخـضـع لهـم، ويستفيد من علمهم، ويشكرهم على تعقُّباتهم له.
الثاني: المسترشدون، وهم غالباً ناصحون محبون للخير، متأثرون بالخطبة، ويريدون التطبيق والعمل، فيسألون عن بعض التفصيلات، أو انقدحت عندهم إشكالات مما ذكره الخطيب؛ لوجود مقررات سابقة لديهم، أو نصوص تعارض ما قاله خطيبهم. وهؤلاء يجب على الخطيب العناية بهم، والتلطف معهم، وإزالة ما لديهم من إشكالات. فإن قدر الخطيب على ذلك ساعة سؤاله فذاك، وإلا طلب منهم إمهاله حتى يبحث مسائلهم فيجيبهم عنها، وبحثه لها يفيده هو أكثر مما يفيدهم هم.
الثالث: المكابرون المتصيدون، وهم غالباً لا يكونون على وفاق مع منهج الخطيب وأفكاره، أو في قلوبهم ضغينة عليه، أو حسد له، فيريدون إسقاطه وإحراجه.
وأرى في تعامل الخطيب مع هؤلاء أن يدرأهم عنه قدر الإمكان، ويداريهم في الحق ما استطاع، ويجتنب جدالهم ومناقشتهم؛ لأنهم ليسوا طلاب حق. والمجادلة معهم تحقق غرضهم، وقد تصل بالخطيب إلى حد المماراة التي نهي عنها، والإعراض عنهم خير من مواجهتهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]  أخرجه مسلم (873).  [2]  أخرجه مسلم (862).    منبع :   http://www.alukah.net/Web/hogail/0/2357/   الشيخ ابراهيم بن محمد الحقيل

ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۹ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الخطيب وقصص القرآن الكريم (2)


خامسًا: أرى أن يتأمَّل الخطيبُ في نصوص القصة، ويحاولَ استنباط الدروس والفوائد منها، ويقيِّد ذلك قبل أن يراجع كتب التفسير والشروح وقصص القرآن؛ وذلك لتنمية ملكة الاستنباط لديه، ولينظر ما وافَقَ هو فيه غيرَه، وقد يفتح الله - تعالى - عليه بفوائدَ لم يُسبَقْ إليها، بخلاف ما إذا بدأ يجمع فوائد القصة ودروسها من الكتب التي سبقتْه، فإنه يكون قد رهن عقله لها، فلا ينشط في التفكير والاستنباط.

سادسًا: يجمع الدروس والفوائد المستفادة من هذه القصص، ومظنتها كتب التفسير وشروح الأحاديث، إضافةً إلى كثير من الكتب التي عُنيت بقصص الأنبياء، أو بالقصص القرآني، وبعضها عام في كل القصص، وبعضها مخصوص في قصة بعينها، وغالبًا ما يركِّز أصحاب هذه الكتب - وبالأخص المعاصرة منها - على الدروس المستفادة من القصة.

سابعًا: أن يَحذَرَ من كتابة القصة أو بعض أجزائها على فَهْمه هو للآيات دون مراجعة كتب التفسير، ولو كتابًا واحدًا موثوقًا؛ فقد يقع في الخطأ وهو لا يعلم، فيأتي بمعنًى في القصة أو الآية ليس بصحيح، وقد يأتي بمعنى مرجوحٍ يرسخه في أذهان الناس ويهمل الراجح، وكونه يعلم المعنى الآخر في القصة أو الآية - سواء كان مرجوحًا أم مساويًا للمعنى الذي اختاره - مما يفيده في الإلمام بالمعاني، ويخلِّصه من حرج المناقشِين والمتعقِّبين عليه.

ومن الأمثلة التي وقعتْ لي في ذلك: قولُ الله - تعالى -: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]، وقد تكرر معنى هذه الآية في سورة الأعراف آية (141)، وفي سورة إبراهيم آية (6)، وكنت آخذ الآية على ظاهرها فيما بدا لي، فأجعل البلاء: الابتلاء بهذا التعذيب من تقتيل الأبناء، واستحياءِ البنات، ولا سيما أنه موصوف بأنه عظيم، حتى نبهني أحد الإخوة من طلبة العلم إلى أن الطبري يرى أن البلاء هنا بمعنى النعمة، وأنه يعود على الإنجاء من فرعون وظُلمه، فراجعتُ ما قال لي فوجدتُ هذا المعنى منقولاً عن ابن عباس ومجاهد وأبي العالية، وأبي مالك والسدي وغيرهم، ورجَّحه ابن جرير وقال: "أكثر ما يقال في الشرِّ: بلوتُه أبلوه بلاء، وفي الخير: أبليه إبلاء وبلاء"، والقول الثاني في الآية أن المعنى البلاء بفرعون وتقتيله لبني إسرائيل، وحكاه القرطبي عن الجمهور[1].

ثامنًا: بعد اكتمال مادة الجمع عنده، سيجد أن القصة تحتاج إلى خُطَب كثيرة؛ ليغطي الموضوع بأكمله، فيقسم القصة إلى وحدات متنوعة، يجعل كلَّ واحدة منها موضوعًا لخطبة مستقلة، ويكون تقسيمه لها على وجهين:

الأول: أن يقسمها بحسب الزمان، وتسلسل الأحداث فيها:
مثال ذلك: يقسم قصة موسى - عليه السلام - على الزمن الذي عاشه، ويسوق الأحداث بالنسبة لذلك الزمن، فيتحصل عنده مجموعة من الخطب على النحو التالي:

1- أحوال بني إسرائيل تحت حكم فرعون وجنده قبل ولادة موسى - عليه السلام - ويجمل فيها الكلام عن موسى - عليه السلام - وأنه كان نعمةً من الله - تعالى - على بني إسرائيل، وخلاصًا لهم.

2- قصة حمل أم موسى به وولادته، ونشأته في منزل فرعون.

3- بعث موسى - عليه السلام - وهجرته إلى مَدْيَنَ.

4- عودته إلى مصر مرة أخرى، وتكليم الربِّ - جل جلاله - له.

5- دعوته لفرعون، ومناظرته إياه في الربوبية والعبودية.

6- تكذيب فرعون، واستعانته بالسحرة، وإيمانهم بموسى - عليه السلام.

7- مطاردة فرعون وجنده لموسى ومن معه، وهلاك فرعون ونجاة موسى.

الثاني: أن يقسمها بحسب الموضوع، ولا يهمه سرد القصة وأحداثها وترتيبها:
مثال ذلك: أن يقسم قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون إلى موضوعات، لا يراعي فيها الزمن بقدر ما يراعى الأحداث والصفات المتعلقة بموضوعه، أشبه ما يكون بطريقة التفسير الموضوعي، وذلك كما يلي:

1- مظاهر طغيان فرعون من خلال قصته في كل السور التي وردت فيها.

2- حاجة الظلمة إلى أعوان، وصفات هؤلاء الأعوان، وذلك من خلال ما قصَّ الله - تعالى - عن الملأ من قوم فرعون، وخاصةً هامان، وأعماله التي ساند فيها فرعون.

3- وصف الأذى الذي لحق ببني إسرائيل قبل مبعث موسى - عليه السلام - وبعده.

4- ضعف بني إسرائيل وهوانهم، واستكانتهم لظلم الظالمين، ومظاهر ذلك من الآيات القرآنية.

5- اصطفاء موسى - عليه السلام - مخلِّصًا لبني إسرائيل، وتربيته في بيت عدوِّه.

6- فضائل موسى - عليه السلام - من خلال إيمانه بالله - تعالى - وثقته به، وتوكُّله عليه، وقوَّته في الحق، وصبره على الأذى فيه.

7- عاقبة المؤمنين النصر، ونهاية المستكبرين العذاب، وجعل قصة موسى وفرعون أنموذجًا لذلك، بوصف أعمال الفريقين، وبيان عاقبتهما.

فهذه موضوعات سبعة في كل قسم بدتْ لي ابتداء، وقد تزيد مع جمع مادة القصة من مصادرها.

إضافة إلى أن لموسى - عليه السلام - قصصًا أخرى مع بني إسرائيل بعد هلاك فرعون، يتحصل منها عدد من الخطب ليس بالقليل، سواء تناولها الخطيب بحسب زمنها، أو تناولها بحسب موضوعاتها، وهكذا قصة موسى والخضر - عليهما السلام.

ولستُ هنا أدعو الخطيب إلى أن يجعل هذه الخطبَ مسلسلةً، في كل جمعة يخطب بواحدة حتى ينهيَها؛ بل الذي أراه أن يجعل كلَّ خطبة مستقلةً عن الأخرى، ويخطب بها بين الحين والآخر حسب الحاجة، حتى ينتهي منها.

ولو رأى أن يسلسل قصة من القصص حتى ينهيها، فالأمر واسع، والخَطْبُ يسير، وهو محل اجتهاد بما يحقق المصلحة، وقد يناسب ذلك في بعض المساجد دون غيرها، لكني أرى أنه من غير المستحسن أن يبدأ في قصص القرآن فلا يخرج منها إلى غيرها حتى ينتهي منها كلها؛ لأن ذلك سيطول، وقد يستغرق سنوات، وسيكون على حساب موضوعات أخرى مهمة، وقد سبق أن بيَّنتُ مفاسد جمود الخطيب على فن من الفنون يخطب فيه ولا يتعدَّاه[2].

تاسعًا: سيجد الخطيب أثناء الجَمْع تعليقاتٍ على بعض مواضع القصة مؤثِّرة جدًّا عن الصحابة، أو التابعين، أو الأئمة بعدهم، فعليه أن يعتنيَ بها، ويؤكِّدَ عليها، ويضعَها في مواضعها اللائقة بها، فإن ناسَبَ أن يذكُرَها في موضعها من القصة فذاك، وإن رأى أنَّ إيرادها في سياق القصة سيقطعها، ويشوش على المستمعين، ولا ينتفعون بها، فليجعلها في الدروس ولا يهملها، ومما يحضرني في ذلك:
1- في قول الله - تعالى -: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53]، وقوله - سبحانه - عن موسى أنه قال: {هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 30 - 32]، وقوله – تعالى -: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35]، قال بعض السلف: "ليس أحدٌ أعظمَ مِنَّةً على أخيه من موسى على هارون - عليهما السلام - فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولاً معه إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال - تعالى - في حق موسى: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]"[3].

2- في قصة بناء الخليل - عليه السلام - للبيت، عن وهيب بن الورد - رحمه الله تعالى -: "أنه قرأ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [البقرة: 127]، فجعل يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق ألاَّ يقبل منك؟!"[4].

3- في قصة موسى - عليه السلام - وقول الله - تعالى -: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]، قال يزيد الرقاشي - رحمه الله تعالى -: "يا مَن يتحبَّب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟![5]، وقُرئت عند يحيى بن معاذ فبكى، وقال:"إلهي، هذا رفقُك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الله؟!"[6].

4- في دعاء الخليل - عليه السلام - حين قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، قال إبراهيم التيمي - رحمه الله تعالى -: "مَن يأمنُ البلاء بعد الخليل حين يقول: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام كما عبدها أبي وقومي؟!"[7].

إيرادات والجواب عنها:
الإيراد الأول: أن هذه الطريقة المقترحة لتعامُل الخطيب مع القصص القرآني تحتاج إلى وقت طويل، والخطبة متكررة كلَّ جمعة، فأنَّى للخطيب أن يجد الوقت لمثل هذا العمل الكبير، ولديه أعمال أخرى؟!

وجواب ذلك كما يلي:
1- أن مثل هذا البحث، وإن أخذ جزءًا ثمينًا من وقته، فإنه يريحه أيضًا جُمُعاتٍ كثيرةً يكون عنده لها رصيد من الموضوعات، قد أعدَّه وجمع مادته، ولم يبقَ إلا الصياغةُ، وذلك يوفِّر عليه وقتًا طويلاً فيما لو أراد إعداد خطبة لكل جمعة.

ولو أن الخطيب فعل مثل ذلك في كل الموضوعات الطويلة، سواء كانت في القصص، أو العقائد، أو العبادات، أو الأخلاق، أو السيرة، أو القضايا المعاصرة، أو غيرها، لتحصَّل له كمٌّ كبير من الموضوعات الجاهزة، التي لا تحتاج منه إلا إلى صياغة فقط، وهذا يريحه كثيرًا في اختيار موضوع خطبته وفي كتابتها، فلا تستنزف منه وقتًا طويلاً.

2- قد يضيق الوقت على الخطيب في بعض الجُمَع؛ لظرف طارئ لم يحسب حسابه، فلا يتمكَّن من جَمْع مادة خُطبته، فتكون هذه المواد المجموعة سابقًا مُعِينة له على الالتزام بكتابة خطبة جديدة وجيدة، برغم ما عرض له من مشاغلَ وعوائقَ، بخلاف ما لو لم يكن عنده مادة محضرة، فسيضطر للإعادة، ولو كتب خطبة جديدة دون تحضير وجمْع، فستكون خطبة ضعيفة.

الإيراد الثاني: قد ينازِع بعض الناس فيقول: إن الخطبة مجردُ موعظة وتذكير بما يفتح الله - تعالى - على الخطيب، وقد كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يخطب بما يحتاج الناسُ إليه.

وجواب ذلك من وجهين:
1- أن مِن أبلغ المواعظ والتذكيرِ الموعظةَ بقصص القرآن، وتَكرارها في القرآن، وطولها في بعض السور يدلُّ على أهميتها في الوعظ والتذكير، وأن لها أثرًا كبيرًا في نفس قارئها وسامعها، ومن لم يتَّعظْ بالقرآن وآياته وقصصه، فلا واعظَ له.

2- أن الخطبة بقصص القرآن مما يحتاج الناس إليه؛ لما فيها من الفوائد الكثيرة، ولتشوف نفوس السامعين إلى القصص، ومحبَّتِهم لها، وتأثُّرِ قلوبهم بها.

الإيراد الثالث: قد يرى بعض الناس أن الخطبة ليستْ بحثًا، فلا تحتاج إلى كل هذا الجمْع، ويكفي الخطيبَ أن يعرض لظاهر القصة، ويختار منها ما يراه مناسبًا، ولا يحتاج إلى صنع أكثر من خطبة في القصة الواحدة.

وجواب ذلك من أوجه:
1- أن الاقتصار في الموضوعات الطويلة - ومنها بعض قصص القرآن - على خطبة واحدة، سيلجئه إلى إطالتها بما يشقُّ على المصلِّين، أو سيهمل ما هو مهم فيها، وهذا قصور.

2- أن مَن فَعَلَ ذلك سيكتفي بالعمومات، والاقتصار على العمومات أقلُّ فائدةً وتأثيرًا على المصلِّين من الغوص في أعماق الموضوع، واستخراجِ النُّكت والفوائد والدروس منه، والعموماتُ يفهمها أكثر المصلين، وربما كان إدراكُهم لبعض التفصيلات أكثرَ من إدراك الخطيب.

3- أن الخطيب هو أول المستفيدين من بحوثه التي يجمعها للخطبة؛ فذلك مما يزيد في معلوماته، ويرسخ الموضوعات التي بحَثَها في ذهنه بدقائقها، ونكتها، ومسائلها، والذي أراه أن البحث هو أقوى وسيلةٍ لتحصيل العلم وترسيخه، وتقوية مَلَكة النظر والنقد، والترجيح والاجتهاد، فعلامَ يَحرِم الخطيبُ نفسَه هذه الثمراتِ العظيمةَ، ببعض جهدٍ يبذله في شعيرةٍ هي من أعظم الشعائر، فينفع نفسه وينفع إخوانه المسلمين؟!

4- أن أي خطبة لم تُكتَب إلا بعد جمْعٍ وبحث ونظر، ستحوي فوائدَ ونكتًا لا توجد في غيرها، وهذا مما يخلِّدها، ويجعل الناس يتناقلونها على أوسع نطاق، وربما وقعتْ في أيدي خطباء فخطبوا بها؛ لفائدتها ونفاستها، وقد يستفيد من بعض ما فيها عالمٌ كبير، أو طالبُ علم مبرز، أو داعية مشهور، أو كاتب مرموق، والفضل في ذلك - بعد الله تعالى - يعود لمن كتَبَها.

وواجب على الخطيب ألاَّ يحتقرَ عقولَ المصلين معه، ولو كانوا من العوام؛ فإن أغلبهم يميِّزون جيدَ الكلام من رديئه، ويدركون أكثرَ ما يُخاطَبون به، كيف وما من جامعٍ إلا وفيه متعلِّمون ودارسون، حتى جوامع القرى والهجر، بما منَّ الله - تعالى - على الناس من نهضة التعليم والدراسة في هذا العصر؟!

ويبدو لي أن من أهم أسباب ضعف الخطبة في هذا العصر، وقلةِ تأثيرها في نفوس المستمعين: عدمَ التحضير الجيد لها، والاكتفاء بعمومات الموضوع الذي يختاره الخطيب، حتى بلغ الأمر ببعض الخطباء أنك تستمع إلى خطبته، فلا تجد موضوعًا واحدًا لها، وإنما يتشعَّب في أودية كثيرة، ويتكلم عن موضوعات عدة في آن واحد؛ بل ربما جاوز الموضوع، ثم عاد إليه مرة أخرى في نفس خطبته، ولست أدري كيف كتبها؟!

ــــــــــــــــــــــ
[1]   انظر: :تفسير الطبري"، 1/274، 275، و"تفسير القرطبي"، 1/387، و"تفسير ابن كثير"، 1/91، 92.
[2]   انظر: "البيان"، عدد (209)، ص: 28.
[3]   "تفسير ابن كثير" 3/390.
[4]   "تفسير ابن أبي حاتم" 1/233.
[5]   "تفسير ابن كثير" 3/154.
[6]   "تفسير الألوسي" 16/195.
[7]   "تفسير القرطبي" 9/368.   منبع :   http://www.alukah.net/Sharia/0/6238/

ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۷ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الخطيب وقصص القرآن الكريم (۱)

للقصة تأثيرٌ كبير في النفس البشرية؛ فقارئُها ومستمعها يعيش بكليته مع أحداثها، وتؤثِّر في نفسه إيجابًا أو سلبًا، حسب هدف كاتبها منها، والرسالة التي يريد إيصالها للقارئ أو المستمع عن طريقها؛ ولذلك كثرتِ القصصُ والروايات، وازدهرتْ سوق كُتَّابها، وتنوَّعتْ تنوعًا كبيرًا؛ فقصص للأطفال، وأخرى لمن هم فوقهم، وقصص للمراهقين، وروايات للكبار، ومنها العاطفي، ومنها البوليسي، ومنها المرعب؛ بل منها قصص السحر والشعوذة والخرافة؛ ليسبح قارئها ومستمعها في خيالها، وينبت عن واقعه حال عيشه معها.

ومع الانفتاح الإعلامي عُرِفت كثيرٌ من الروايات الغربيَّة، وأصبح الوصول إليها سهلاً فور إصدارها، ومَن تابَعَ الضجة الإعلامية التي صاحبتْ صدور الأجزاء الأخيرة من رواية (هاري بوتر)، التي كانت مبيعاتها بمئات الملايين من النسخ، وتُرجمتْ إلى ما يقارب سبعين لغةً، أدركَ أثَرَ الرواية والقصة في نفوس البشر، ولو كانت خرافية؛ بل لا يجعل لها مثلَ هذا الصيت إلا كونُها خرافيةً.

ولا غرابة في أن نرى مثل هذه الروايات والقصص، التي أكثرها تعارض ديننا وأخلاقنا وأعرافنا، تتسلَّل إلى بيوتنا، وتفسد دين نسائنا وأولادنا وأخلاقَهم، ومع تطوُّر الصنعة الإعلامية صورت القصص والروايات المكتوبة في أفلام ومسلسلات ورسوم متحركة وغيرها، ولا تَسَلْ عن الإقبال عليها.

وهذا يبرز لنا أهمية القصة وأثرها العظيم، ووجوب العناية بقصص القرآن والسُّنة، وتقديمها للناس، والخطبة من أهم المنابر التي يمكن أن تكون مجالاً لعرض قصص القرآن والسنة؛ للاستفادة منها، والاهتداء بها.

الغرض من القصص في القرآن:
قارئ القرآن الكريم يلحظ كثرةَ القصص فيه، وتنوُّعها في موضوعاتها التي تعالجها، وفي شخصياتها التي تحكي أدوارها وأعمالها، وفي طولها وقصرها، وفي تَكرار بعضها بأساليبَ مختلفةٍ، ولهذه القصص أغراض عدة، منها:
أولاً: التذكرة والاعتبار: وذلك كقصص الظالمين ونهاياتهم، والمستكبرين ومآلاتهم؛ للتحذير من سلوك مسلكهم، ومنها قصص: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون، والنمرود بن كنعان، وبلعام، وصاحب الجنتين.

وجاء في بعض هذه القصص النصُّ على أن من أغراضها التفكُّرَ والاعتبار، كما في قصة بلعام الذي أنعم الله - تعالى - عليه بآياته، فانسلخ منها، واتَّبع هواه؛ إذ ختمها الله - سبحانه - بقوله - عز وجل -: {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]، ولما قص - سبحانه - في "الأعراف" قصص آدمَ ونوحٍ وهود، وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - ذيل ذلك بقوله - عز من قائل -: {تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ} [الأعراف: 101]، وفي قصة حشر بني النضير - حصارهم - قال الله تعالى فيها: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2].

وفي الإشارة إلى غزوة بدر في أوائل آل عمران؛ قال الله - تعالى -: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13].

وختم الله تعالى قصة يوسفَ - عليه السلام - بقوله - عز وجل -: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

ويدخل في ذلك قصةُ إبليسَ اللعينِ مع أبينا آدمَ - عليه السلام - لنحذر من إغوائه لنا، ونعتبر بما حصل لأبينا - عليه السلام - لما أطاع إبليسَ، فلا نطيعه؛ بل نتَّخذه عدوًّا؛ {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].

ثانيًا: التسلية والتثبيت: وهي قصص الابتلاء، كابتلاء الأنبياء وأتباعهم بالمكذِّبين والظالمين، وابتلاء بني إسرائيل بفرعون، وما جرى لهم على يديه من الذلِّ والهوان، وابتلاء يوسف - عليه السلام - وقد ذكر الله - تعالى - قصصَ جملةٍ من رُسُله - عليهم السلام - في سورة هود، ثم ختم ذلك بقوله - عز وجل -: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، وختم - سبحانه وتعالى - قصة نوح وما جرى له مع قومه، بقوله - عز وجل -: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، وقال - عز وجل - في فاتحة قصة يوسف - عليه السلام -: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ} [يوسف: 3]، وختمها بقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

ثالثًا: الاقتداء والتأسي: كقصص الأنبياء والصالحين في ثباتهم على الحق، وصبرِهم على الدعوة، وتحمُّل أذى المؤذين في ذات الله - تبارك وتعالى - وهكذا التأسي بهم في توكُّلهم ويقينهم، وثقتِهم بربِّهم - عز وجل - وكذلك اتِّباع هديهم في عباداتهم ومعاملاتهم، وزهدهم وأخلاقهم، وقد ذَكَرَ الله - تعالى - في الأنعام قصةَ إبراهيمَ - عليه السلام - ومباهلته لقومه، وأعقبها بالثَّناء على جملة من الأنبياء - عليهم السلام - ثم ختمها - عز وجل - بالأمر بالتأسي بهم؛ فقال - سبحانه -: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال - سبحانه - في قصة أهل الكهف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].

رابعًا: رفع الخلاف في مسائل كبيرة اختلف الناس فيها قبل إنزال القرآن: فجلاَّها الربُّ - جل جلاله - لعباده بما يزيل الخلاف، ومن ذلك قصة خلْق عيسى - عليه السلام - وولادته بلا أب، وطهارة أمِّه العذراء - عليها السلام - ورفعه إلى الله - تعالى - حيًّا في الدنيا، ونزوله في آخر الزمان حاكمًا بشريعة أخيه نبيِّنا محمدٍ - عليهما الصلاة والسلام.

وقصة مريم وعيسى - عليهما السلام - مما وقع فيه خلاف كبير بين طائفتي بني إسرائيل: اليهود والنصارى؛ ولذلك ختم الله - تعالى - هذه القصة العظيمة في آل عمران بقوله - سبحانه -: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران: 60 - 62]، وقال - سبحانه - في شأن قصة مريم - عليها السلام -: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].

فمن أكبر أغراض سياق قصة مريم وعيسى - عليهما السلام -: بيان الحق من الباطل فيما نسَجَهُ أهلُ الكتاب حولهما من القصص والأخبار، وقد قال الله - تعالى - في موضع آخر: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76].

ولو تأمَّلنا في أحوال الناس وحاجاتهم، لوجدنا أن الخطيب محتاجٌ إلى كل هذه الأغراض الهادفة من قصص القرآن، وأن من شأنها إصلاحَ أحوال الناس، والخطيبُ إنما يريد من الناس أن يعتبروا ويتَّعظوا، وفي ذكر مآل المكذِّبين وعاقبة الظالمين أبلغُ عظةٍ وعِبرة.

والخطيب محتاج إلى تثبيت الناس على إيمانهم، مع كثرة فتن السراء والضراء التي لا يكاد يَسلَم منها أحد في زمننا هذا، وفي ذكر قصص ثبات الأنبياء وأتباعهم تثبيتٌ لقلوب المؤمنين.

والخطيب يريد هداية من يستمعون إليه، وتأسِّيَهم بالصالحين من البشر، وفي ذِكر قصص الأنبياء وأتباعهم حثٌّ على الاقتداء بهم.

والخطيب لا يعرض في خطبته إلا ما يعتقد أنه صدق وحق، ويجب أن يربِّيَ الناس على تلمُّس الصدق، واتِّباعِ الحق، وقصصُ القرآن قد جلَّت لنا الحقائق، وبيَّنتِ الكذبَ والغبش في قصص السابقين.

تعامُل الخطيب مع قصص القرآن:
المتأمل للقصص القرآني يجد أنها مِن حيث مَن تتناوله القصةُ على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: قصص الأنبياء - عليهم السلام -: ومنها قصص تكررت في أكثر من موضع، وهي غالب قصص الأنبياء - عليهم السلام - مع أقوامهم، إضافة إلى قصة آدم - عليه السلام - مع إبليس، ومنها ما لم يتكرر؛ بل جاء في موضع واحد من القرآن، سواء كانت القصة طويلة، كقصة يوسف - عليه السلام - أم كانت قصيرة، كقصة إلياس - عليه السلام.

القسم الثاني: قصص السابقين من غير الأنبياء - عليهم السلام -: مثل: أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وذي القرنين، وأصحاب الجنة في سورة القلم، وقصة مريم - عليها السلام - في سورتي آل عمران ومريم.

القسم الثالث: قصص للنبي - عليه الصلاة والسلام -: مثل غزواته: بدر في الأنفال، وأُحُد في آل عمران، والخندق وقريظة في الأحزاب، وبني النضير في الحشر، والحديبية في الفتح، وتبوك في التوبة، وإيلائه من نسائه في التحريم، وقصة زواجه من زينب في الأحزاب.

أما من جهة طول هذه القصص وقصرها، فهي على أقسام ثلاثة أيضًا:
القسم الأول: قصص قصيرة:
وهي قليلة، مثل: قصة إلياس - عليه السلام - في سورة الصافات، وقصة يونس - عليه السلام - في سور يونس والأنبياء والصافات، وقصة أيوب - عليه السلام - في سورتي الأنبياء وص، وقصة أصحاب الأخدود في البروج، وقصة الذي انسلخ من آيات الله - تعالى - في الأعراف، فهذه القصص وأمثالها يكفي الواحدة منها خطبة واحدة بدروسها وفوائدها، وإن قصرت عن ذلك، فلا تخلو من حالين:

الأولى: أن يجد الخطيب لها في السنة والآثار ما يزيدها، بحيث تصلح خطبةً كاملة.

الثانية: ألاَّ يجد الخطيب في السنة والآثار شيئًا، وحينئذٍ لا بد أن يضع الخطيب مدخلاً مناسبًا لخطبته يغطي النقصَ الذي عنده.

مثال ذلك: يصدِّر الخطيب خطبته بالحديث عن منزلة الأنبياء عند الله - تعالى - وفضْلِهم على البشرية، وسيجد نصوصًا كثيرة في ذلك، ثم يأتي على قصة النبي الذي اختاره.

فإنْ اختار أن يخطب عن قصة أيوب - عليه السلام - صدَّر خطبته بالحديث عن ابتلاء الله - تعالى - لأنبيائه وعباده الصالحين، أو عن فوائد الأمراض، ويجعل قصة أيوب - عليه السلام - وصبْرَه مع شدة ما أصابه من البلاء مثالاً لذلك.

وهكذا في قصة يونس - عليه السلام - يتكلم عن الابتلاء والصبر، أو الكرب ودعاء المكروب.

وما من قصة إلا سيجد الخطيب لها مدخلاً يناسبها، بحيث لا تقصر عن أن تكون خطبة كاملة.

القسم الثاني: قصص متوسطة:
وهي الأكثر في القرآن؛ مثل قصص هود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - فهي وإن تكررت في الأعراف وهود والشعراء، وغيرها، فإنها ليست طويلة في كل المواضع التي تكررت فيها، بحيث لو جمع الخطيب ما يتعلَّق بها من تفصيلات في كل موضع من القرآن، لناسَبَ أن يجتمع منها خطبة واحدة، فإن طالتْ فخطبتان.

وقريب منها قصص أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وذي القرنين، وأصحاب الجنة في سورة القلم.

القسم الثالث: قصص طويلة جدًّا:
لا يمكن للخطيب أن يعرضها في خطبة واحدة، وإلا لأطال على الناس كثيرًا، وذلك مثل قصص آدم ونوح وإبراهيم ويوسف - عليهم السلام - وأطول منها قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، فقد أبدى فيها القرآن وأعاد، وكرَّرها مطولة في الأعراف، وطه، والشعراء، والقصص، وغافر، وجاءت أقلَّ من ذلك في يونس والنمل، وجاءت مختصرة في هود، والإسراء، والذاريات، والنازعات.

والمتأمِّل في هذه القصة العظيمة، يلاحظ أن تكرارها لا يخلو من فوائدَ وتفصيلاتٍ يكمل بعضُها بعضًا:

ففي سور طه والقصص: تفصيل لولادة موسى - عليه السلام - ونشأته في بيت فرعون، وكيف كان ذلك.

وفي الأعراف ويونس وطه والشعراء: مناظرة موسى - عليه السلام - لفرعون، وقصة السحرة، وانتهاء أمرهم إلى الإيمان، وقيام حُجة موسى - عليه السلام - على فرعون.

وفي سورة غافر: قصة الرجل المؤمن الناصح، الذي آزر موسى - عليه السلام - ودعا فرعون إلى الإيمان، ومناظرته له في ذلك.

وهناك قصص أخرى لموسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل، ومعالجته لعنادهم وعنَتِهم، وصبره - عليه السلام - عليهم، وقد جاء تفصيل ذلك مطولاً في البقرة والأعراف وطه، وأيضًا قصته - عليه السلام - مع الخضر - رحمه الله تعالى - في سورة الكهف.

فهذه القصص المكررة الطويلة لا يحسُن بالخطيب أن يُعْرض عنها كليةً لما فيها من الطول، ولا أن يَعْرضها بطولها فيثقل على الناس، وسيكون ذلك على حساب الدروس والفوائد المستخرجة منها؛ ذلك أن الغرض الأكبر من عرض هذه القصص على الناس استخلاصُ العِبَر والدروس؛ للعبرة والاقتداء.

وقد يعمد بعض الخطباء إلى اختيار موضع واحد من القرآن وردت فيه القصة، فيسوقها كما وردت فيه، مع استخلاص العبر والدروس من ذلك الموضع، وهذا حسن، إلا أنه لا يتأتَّى في المواضع التي جاءتْ فيها القصة مطولة؛ مثل الأعراف وطه والشعراء والقصص، وإلا لأطال على الناس، كما أن فيه إهمالاً لتفصيلاتٍ كاشفة لأمور مهمة من القصة جاءت في مواضعَ أخرى، مع الحاجة إلى ذِكرها.

والذي أراه مناسبًا في مثل هذه القصص الطويلة العظيمة أن يتبع الخطيبُ الخطواتِ التاليةَ:
أولاً: أن يجتهد الخطيب في جمْع كلِّ ما يتعلق بالقصة من آياتٍ، في كل المواضع التي وردت فيها، ولو كانت طويلة جدًّا.

ثانيًا: يضم إليها ما صحَّ من الأحاديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام - مما له تعلُّقٌ بالقصة أو بعض أجزائها.

ثالثًا: يراجع كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب التاريخ، وقصص الأنبياء، فيجمع منها ما زاد على ما وجده في الآيات والأحاديث من كلام الصحابة أو التابعين، مما هو كاشف لبعض المواضع التي فيها غموض، أو فيه جمعٌ لما ظاهِرُه التعارضُ.

رابعًا: عليه أن يجتنب الإسرائيليات في ذلك؛ لأنها ستطيل بحثه بلا طائل، ولأن التفصيلات الموجودة فيها - وإن هفت النفوس إليها - لا دليل عليها، ولا يحلُّ للخطيب أن يفتن العامة بها، فكثيرٌ من الناس لا يفرِّقون بينها وبين ما جاء عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وليس لهم دراية في التعامل مع أخبار بني إسرائيل، وبمجرَّد سماعهم لها من الخطيب سيحملونها على محمل التصديق والتسليم.

وهناك كُتُبٌ حذَّرت من بعض ما جاء في الإسرائيليات من تفصيلات، وبيَّنت ما فيها من معارضة للقرآن والسنة، وكتب أخرى عُنِيَتْ بما صح من تفصيلات هذه القصص، وردِّ ما لم يصحَّ منها، وهذه الكتب مما يعين الخطيبَ في بحثه، ويزيد من عِلمه بقصص القرآن، ويقوِّي مَلَكَةَ النقد لديه.



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۶ ] [ مشاوره مديريت ]

 

موافقة قول الخطيب عمله (2)

فِعْل المندوبات واجتِناب المكروهات:

يَحسُن بالخطباء أنْ يكونوا على أكمل حال في أفعالهم وأَقْوالِهم، وأكثر الناس التزامًا بسنَّة النبي - صلى الله عليه وسلَّم - ومحافَظةً على ما استطاعوا من المندوبات، واجتنابًا للمكروهات، وفي ذلك فوائِدُ تعود على الممتَثِلين لا تُحصَى، وهي من بركة مُوافقة القول الفعل، وإتْبَاع العلم العمل، فمن ذلك:

1- ثُبوت العلم ونماؤُه وزيادته؛ ذلك أنَّ الخطيب في خطبته يُلْقِي على الناس علمًا ينفعهم، ومن أسباب زيادة العلم وبرَكَتِه العمل به؛ كما جاء عن أبي الدَّرداء - رضي الله عنه - قال: "مَن عمل بِعُشر ما يعلم علَّمَه الله ما يَجهل"[27]، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "ما عَمِل أحدٌ بما علَّمه الله إلاَّ احتاج الناس إلى ما عنده"[28]، وقال إبراهيم الحربي - رحمه الله تعالى -: "إنَّه ينبغي للرَّجُل إذا سمع شيئًا في آداب النبيِّ أن يتمَسَّك به".

وعلَّل السخاويُّ ذلك، فقال: "ولأنَّ ذلك سببُ ثبوته وحفظه ونموِّه والاحتياج فيه إليه"[29]، وقال الشعبي وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع ووكيع بن الجراح - رحمهم الله تعالى -: "كُنَّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"[30]، وعن سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - قال: "العلم يَهْتف بالعمل فإنْ أجاب وإلاَّ ارتحَل"[31].

2- أنَّ العمل بالعلم زكاة له؛ كما جاء عن بِشْر بن الحارث أنَّه قال: "يا أصحابَ الحديث، أتؤدُّون زكاة الحديث؟ فقيل له: يا أبا نصر، ولِلحديث زكاةٌ؟ قال: نعَم، إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيح، استعملتموه"[32]، وعن أبي قِلاَبة قال: "إذا أحْدَثَ الله لك عِلمًا فأحدِثْ له عبادة، ولا يَكُن هَمّك أن تحدِّث به الناس"[33].

3- أن العمل بالعلم يدلُّ على انتفاع صاحبه به، وظهور آثاره عليه، فيزيده ذلك قربًا من الله - تعالى - وخشية ومحبة، قال الحسَن البصري - رحمه الله تعالى -: "كان الرَّجل يَطْلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخَشُّعه وهَدْيِه وفي لسانه وبصَرِه وبِرِّه"[34]، وقال أبو القاسم بن مَنِيع: "أردتُ الخروج إلى سُوَيد بن سعيد، فقلتُ لأحمد بن حنبل يَكتُب لي إليه، فكتب: وهذا رجلٌ يَكتب الحديث، فقلت: يا أبا عبدالله، ولزومي؟ لو كتبتَ: هذا رجل من أصحاب الحديث، قال: صاحب الحديث عندنا مَن يَستعمل الحديث"[35].

اعمل بالسُّنة ولو مَرَّة:

قد يَدعو الخطيب إلى سُنَّة، سواءٌ كانت السُّنَّة مهجورة، وهذا أعظم أجرًا؛ لما فيه من إحياء السُّنن، وقد تكون السُّنة معمولاً بها، لكن بعض الناس مقصِّرون فيها، وينبغي للخطيب أن يَعمل بالسُّنة التي يدعو الناس إليها ولو مرَّة على الأقلِّ؛ لِيُكتب من العاملين بما يقولون.

عن عمرو بن قيس المُلاَئي أنه قال: "إذا بلَغَك شيء من الخبَر فاعمل به ولو مرَّة تكُنْ من أهله"[36]، وقال النَّوويُّ - رحمه الله تعالى -: "ينبغي لمن بلَغَه شيءٌ من فضائل الأعمال أن يَعمل به ولو مرَّة؛ لِيَكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقًا، بل يأتي بما تيسَّر منه؛ لقوله: ((وإذا أمَرْتُكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم))"[37].

وهذه طريقة السَّلَف الصالح - عليهم رحمة الله تعالى - ومما نُقِل عنهم في ذلك:

1- قول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "ما كتبتُ حديثًا إلاَّ وقد عملتُ به"[38].

2- وقول أبي عبدالله محمَّد بن خفيف - رحمه الله تعالى -: "ما سمعتُ شيئًا من سُنَن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - إلا واستعملْتُه"[39].

3- وعن محمَّد بن أبي جعفر بن حمدان قال: "صلَّى بنا سعيدُ بن إسماعيل ليلةً بمسجده وعليه إِزَار ورداءٌ، فقلتُ لأبي: يا أبتاه، هو محْرِم؟ فقال: لا، ولكنه يَسمع منِّي "المستَخْرَج" الذي خرَّجْتُه على مُسْلم، فإذا مرَّت به سُنَّة لم يكن استعمَلَها فيما مضى أحَبَّ أن يستعملها في يومه وليلته، وأنَّه سَمِع من جملة ما قُرِئ عليَّ: أن النبي - صلى الله عليه وسلَّم - صلى في إزار ورداء، فأحَبَّ أن يستعمل هذه السَّنة قبل أن يُصْبِح"[40].

العوائد وتأثيرها في العبادات:

قد يَعتاد الناسُ في دولة أو مدينة أو قرية أو مسجد عادةَ جهلٍ تسرَّبَتْ إليهم، فلَزِمُوها على أنَّها سُنَّة، وتَرَكوا السُّنَّة، وأهل مكَّة في جاهليتهم ألِفُوا عبادة الأصنام بعد أن جلَبَها لهم عمرُو بن لحي، فما دون عبادة الأصنام من البِدَع، أو هَجْر السُّنَن، أو تبديل غيرها بها قد يتسرَّب للناس عند غلَبَة الجهل، وتصَدُّر ذوي الهوى أو الجهل، وإنما تموت السُّنن، وتنتشر البدَع بذلك.

ومِن ذلك: ما أحدَثَه بعضُ الناس في الخطبة من محْدَثات، أو قراءة سُوَر أو آيات مخصوصة في صلوات لم تَرِد بها السُّنة، أو هَجْر ما ورَدَت به السُّنة، مثل: ترك قراءة سورتي السَّجدة والإنسان فجْرَ الجمعة، أو ترك قراءة الجمعة والمنافقون، أو الجمعة والغاشية، أو الأعلى والغاشية، ونحو ذلك، فواجب على الخُطَباء ألاَّ يُجارُوا النَّاس في أهوائهم، ولا يتَّبِعوهم في أخطائهم، بل ينقلوهم من الخطأ إلى الصَّواب، ومن الجهل إلى العلم، ومن البدعة إلى السُّنة، وهذه مُهِمَّة المصلحين الصادقين أتْبَاع الرسل - عليهم السَّلام - فإن الله - تعالى - إنَّما بَعَث الرُّسل للنَّاس لأجْل هذا، وقد صلَّى رجلٌ ممَّن يَكتب الحديث بجنب ابن مهْدي فلم يَرفع يديه، فلمَّا سلَّمَ قال له: "ألَم تَكتب عن ابن عُيَينة حديثَ الزُّهري عن سالم عن أبيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلَّم - كان يرفع يديه في كلِّ تكبيرة؟ قال: نعم، قال: فماذا تقول لربِّك إذا لَقِيك في ترْكِكَ لهذا العلم وعدَمِ استعماله؟"[41].

إزراء الخطيب على نفسه:

من المُشاهَد أنَّ الخطيب في الغالِب يكون محَلَّ إعجاب النَّاس وثنائهم عليه؛ لأنَّهم يرَوْن فيه المُرْشِد لهم إلى ما يَنفعهم، الصَّادقَ في نُصْحِه لهم، ويَنْقَدِح في أذهانهم أنَّه يَعمل بما يقول لهم، فيكون عندهم محَلَّ توقير واحترام وغِبْطَة؛ لِمَا يظْهر لهم من استقامته، ولا يعلمون شيئًا عن سَرِيرته؛ ولذا يتحَرَّج كثير من الخطباء من مَدْح الناس وتزكيتهم لهم، وإعجابهم بهم، فيبادرون إلى الإزراء بأنفسهم والحطِّ منها، وقد ورَدَ عن السَّلَف نصوصٌ كثيرة في الإزراء على النَّفس، وكَسْرِها عن العلوِّ والكِبْر، والحطِّ مِنْ شأنِها؛ خشيةَ العُجْب والغرور، واستقلالهم العمل الصالح ولو كان كثيرًا؛ لأنه لا يُوازِي نِعَم الله - تعالى - عليهم؛ ولأنَّ استقلاله يحفِّز لمزيد العمل، كما أنَّ استكثاره يؤدِّي إلى العُجْب والكَسَل.

ويَكثر في كُتُب الرِّجال وصْفُ الواحد مِن السَّلف ومَن بعدهم مِن الصالحين: وكان مُزْريًا على نفسه، ومن أمثلة إزراء السَّلَف على أنفسهم:

1- قول أيُّوب السخْتِياني - رحمه الله تعالى -: "إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بِمَعزل"[42].

2- وقول مُطرِّف بن عبدالله - رحمه الله تعالى -: "لو حمَدْتُ نفسي لقَلَيت الناس"[43]؛ أيْ: هجَرْتُهم، وقال أيضًا في دعائه بعرفة: "اللَّهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي"[44].

3- وقول بكر بن عبدالله المُزَني - رحمه الله تعالى -: "لما نظَرْتُ إلى أهل عرفات ظنَنْتُ أنَّه قد غُفِر لهم لولا أنِّي كنتُ فيهم"[45].

قال الذَّهبي بعد أن ساقه: "قلتُ: كذلك ينبغي للعبد أن يُزْرِي على نفسه ويَهْضِمها"[46].

4- وقول يونس بن عبيدٍ - رحمه الله تعالى -: "إنِّي لأَعُدُّ مائة خصلة من خصال البرِّ ما فِيَّ منها خَصْلة واحدة"[47].

5- وقول محمد بن واسع - رحمه الله تعالى -: "لو كان يُوجَد للذنوب رِيحٌ ما قَدرتم أن تَدْنوا منِّي؛ من نتَنِ ريحي"[48].

ولكنْ في إظهار الإزراء على النَّفس مَدْخلٌ للشيطان على العبد؛ فقد يريد به استمالة الناس إليه، ومَدْحَهم به، فرغْمَ ما يَظهر لهم من صلاحه وعبادته، وكونه قدوة للناس يُكثِر من ذَمِّ نفسه فيهم، فيَنال مَدْحَهم بذلك، وجاء عن الحسَن - رحمه الله تعالى - قولُه: "ذَمُّ الرَّجل نفْسَه في العلانية مدْحٌ لها في السِّر"[49]، وكان يُقال: "مَن أظهر عيب نفْسِه فقد زَكَّاها"[50].

وتحقيق القول في ذلك أن يُقال: ينبغي الإزراء على النَّفس وهَضْمها في السِّر لا في العلن؛ لأنَّ ذلك من التواضُع لله - تعالى - والتطامن له، والاعتراف بعظيم حقِّه، وهذه عبادة من أجَلِّ العبادات، والأصل في العبادات إخفاؤها؛ ليتمحَّض الإخلاص، ويَنْأَى العبد بها عن الرِّياء، إلا إذا دعَتْ مصلحة راجحة لإظهار ذلك، مثل:

1- أن يكون له أتْباعٌ يريد تربيتهم على التَّواضع، وعدَمِ الكِبْر بالعلم.

2- أن يَرى إعجاب الناس بعِلْمه وعمَلِه وسَمْتِه، ويَسمع ثناءَهم عليه، فيَخشى من إسرافهم في ذلك، ويَخاف على نفسه، فيحُطَّ منها أمامهم لأجْل ذلك.

ولكن يجب عليه الحذَرُ من الإخبار بمعاصٍ ستَرَها الله - تعالى - عليه؛ لئلاَّ يكون من المُجاهِرين بها، وإنما يتكلَّم بالعمومات كما كان الصِّدِّيق - رضي الله عنه - إذا مُدح يقول: "اللَّهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنُّون، واغفِرْ لي ما لا يَعلمون، ولا تؤاخِذْني بما يقولون"[51]، وقال رجلٌ للإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "الحمد لله الذي رأيْتُك، قال: اقعد، إيش ذا؟ مَن أنا؟"[52].

3- أن يَحُطَّ مِن نفسه؛ لِيَفرَّ من ولاية أو مَنْصب؛ كما فَعَل أبو جعفر الفريابي - رحمه الله تعالى - حين عُرض عليه القضاء فذَمَّ نفسه، وجعل يقول مزريًا عليها: "أُعِيذك بالله أيُّها الأمير، مِثْلي يُولَّى القضاء؟!"[53].

4- أن يُدخِل نَفْسَه مع مجموع الناس، كقول الخطيب في خُطْبته إذا ذَكَر أهل المعاصي أو المقصِّرين في الطَّاعات: "وكلُّنا كذلك، ومَن مِنَّا يَسْلَم من ذلك؟ أدعوكم وأدعو نفسي، أو أوصيكم وأوصي نفسي"، فهذا كلُّه من الإزراء على النَّفس واستنقاصها، لكنه مع مجموع الناس فلا محذور فيه.

بل إنَّ هذا الخطاب يقرِّب الخطيب من الناس، ويحبِّبهم في قوله، وفَرْقٌ بين قول الخطيب للنَّاس: "أنعَمَ الله - تعالى - عليكم فلم تَشْكروه، ودرَأ عنكم الشرَّ فعصيتموه"، وبَيْن قوله: "أنعَمَ الله - تعالى - علينا فلم نَشْكُره، ودَرَأ الشرَّ عنا فعَصَيْناه"، فالصِّيغة الثانية أدخَلَ الخطيب نفسه مع الناس فساواها بهم، وهذا من الإزراء المحمود، وهو أقرب إلى قبول الناس؛ لأنَّهم يحسُّون بمشاركة الخطيب لهم، وقرْبِه منهم، وإحساسه بهم، وعدم استعلائه عليهم.

وجماع ذلك: أن يكون إزراؤه على نَفْسه، والحطِّ من قدره لله - عزَّ وجلَّ - وليس لغرض دنيوي، قال ابن القيِّم - رحمه الله تعالى -: "ومَقْت النَّفْس في ذات الله من صِفَات الصِّدِّيقين، ويَدْنو العبد به من الله - تعالى - في لحْظَة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل... فمِن أنفَعِ ما للقلب النَّظَر في حقِّ الله - تعالى - على العباد؛ فإنَّ ذلك يورثه مَقْتَ نفسه والإزراءَ عليها، ويخلِّصه من العُجْب ورؤية العمل، ويَفتح له بابَ الخضوع والذُّلِّ والانكسار بين يدَيْ ربِّه، واليأس من نفسه، وأنَّ النجاة لا تحصل له إلا بِعَفْو الله ومغفرته ورحمته"[54].

 

[1] جاء ذلك عن السُّدِّي وقتادة - رحمهما الله تعالى - كما في "تفسير الطبري"، 1/258.

[2] "فتح المغيث"، 2/359.

[3] "تفسير القرطبي"، 7/217، و13/11، و15/189، و"تفسير ابن كثير"، 2/221.

[4] "أضواء البيان"، 1/463

[5] رواه البخاري (3094) ومسلم (2989).

[6] رواه ابن أبي شيبة 8/446 وأحمد 3/120وعبد بن حميد (1222) وحسَّنَه البغوي في "شرح السُّنة" (4159)، والألباني في "صحيح الجامع" (129)، وجاء عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله: ((مَنْ دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به، لم يزَلْ في سخط الله حتى يَكُفَّ، أو يعمل بما قال أو دعا إليه))؛ رواه أبو نُعَيم في "الحِلْية"، 2/7، وفي سنده عبدالله بن خراش، ضعيف، وضعَّفَه ابن كثير في "تفسيره"، 1/87، والهيثمي في "مَجْمَع الزَّوائد"، 7/276.

[7] "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب، 3 /447

[8] "لطائف الإشارات"، 2/55، وغالب الذين يتكلمون عن هذه المسألة ينسبون هذا القول للماوَرْدِي وأبي يَعْلَى في "الأحكام السُّلطانية" لكلِّ واحد منهما، وينسبونه لغيرهما ممن بحثوا أحكام الحِسْبة؛ لأنَّهم ذَكَروا في شروطِ المحْتَسِب أن يكونَ عدلاًً، وفي ظنِّي أن هذه النسبة غير دقيقة؛ لأنَّهم - الذين تناولوا الحسبة وشَرَطوا هذا الشرط - أرادوا والي الحسبة الذي يُعيَّن من قِبَل ولي الأمر، كما هو ظاهر كلام الماوردي، 271، وهذا لا يفيد أنَّهم يرون أنَّ من وقع في معصية فلا ينهى عنها، ولا أنَّ من قَصَّر في طاعة لا يأمر بها، وحكَى هذا القولَ ابنُ كثير في "تفسيره"، لكنه لم ينسبه لمعيَّن، فقال: "وذَهَب بعضهم إلى أنَّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف"؛ اهـ 1/86.

[9] رواه البيهقي في "الشُّعَب" (7569) والشجَري في "الأمالي"، 2/320، وابن عساكر في "تاريخه"، 23/73، وهو أثَرٌ لا يصحُّ، في سنَدِه بشر بن الحسين الأصبهاني الهلالي، يرويه عن الزبير بن عدي، قال أبو حاتم: يَكْذِب على الزبير، وقال البخاري: فيه نظَرٌ، وقال الدَّارقطني: متروك؛ يُنظَر: "المغْنِي في الضُّعفاء"، 1/105، رقم (898) و"لسان الميزان"، 2/21.

[10] "تفسير القرطبي"، 18/80، و"المدخل" لابن الحاج، 1/5، ولم أقف عليه مسندًا.

[11] "تفسير القرطبي"، 18/80، ولم أقف عليه مسندًا أو منسوبًا لمعين.

[12] "المحرَّر الوجيز"، 2/224، ويُنظر: "تفسير الرازي"، 12/55، و"تفسير القرطبي"، (6/253 - 254)، و"تفسير أبي حيان"، 3/548.

[13] "أحكام القرآن"، للجصَّاص، 2/320.

[14] "تفسير القرطبي"، 1/366.

[15] "شرح مسلم"، 2/23.

[16] "تفسير ابن كثير"، 1/86.

[17] "فتح الباري"، 13/53.

[18] "أضواء البيان"، 1/463.

[19] رواه ابن أبي شيبة، 7/111، وأبو داود في "الزهد"، 1/320، وأبو نعيم، 1/213.

[20] رواه أبو نعيم، (5/276 - 277).

[21] "تفسير القرطبي"، 1/368، وتفسير ابن كثير، 1/86، ولم أقف عليه مسندًا.

[22] "تفسير القرطبي"، 1/367، ولم أقف عليه مسندًا.

[23] رواه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - البخاري (6232) ومسلم (111).

[24] رواه من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - التِّرمذيُّ، وقال: حسن صحيح (1987).

[25] رواه ابن ماجه (4245) وصحَّحَه البوصيري في "مصباح الزجاجة"، 4/245 246، والألباني في "صحيح الجامع"، (5028)

[26] رواه بحشل في "تاريخ واسط"، 259.

[27] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (34).

[28] رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" (814).

[29] "قواعد التحديث"، ص359.

[30] أثر مجمع بن جارية رواه البيهقي في "الشُّعب" (1798) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (148) ، وأثر الشعبي رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم" (816) ، وأثر وكيع في "أمالي ابن طاهر"، (47).

[31] رواه ابن عبدالبرِّ في "جامع بيان العلم" (813) وجاء مثله عن ابن المنكدر في "اقتضاء العلم العمل" (41).

[32] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (180).

[33] رواه ابن عبدالبر في "الجامع لبيان العلم" (755) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل"، (37).

[34] رواه أحمد في "الزُّهد"، ص261 والبيهقي في "الشعب" (1809)

[35] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (183)

[36] "الباعث الحثيث"، 2/439

[37] "الأذكار" ص6، والحديث الذي ساقه في البخاري (6858) ومسلم (1337).

[38] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (184).

[39] رواه ابن عساكر، 52/406.

[40] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (185).

[41] "فتح المغيث" 2/360.

[42] رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ"، 2/140، وأبو نعيم، 3/5 6.

[43] رواه ابن سعد 7/144، وأبو نعيم 2/210.

[44] "إغاثة اللهفان"، 1/85.

[45] رواه البيهقي في "الشعب" (8252).

[46] "سِيَر أعلام النُّبَلاء"، 4 /534.

[47] رواه أبو نعيم، 3/18، والمِزِّيُّ في "تهذيب الكَمَال"، 32/524

[48] رواه أبو نعيم، 2/349.

[49] "الآداب الشرعية"، 3/446.

[50] "أدب الدُّنيا والدِّين"، 297.

[51] رواه ابن عساكر، 30/332.

[52] "الآداب الشرعية"، لابن مفلح، 3/438.

[53] "ترتيب المَدَارك"، للقاضي عياض، 1/507.

[54] "إغاثة اللَّهفان"، (1/87 - 88).

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/0/25716/



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۵ ] [ مشاوره مديريت ]

 

موافقة قول الخطيب عمله (۱)

حين يقفُ خطيب الجمعة أمام النَّاس متَحَدِّثًا، فهو يذكِّرهم ويَعِظهم، ويدلُّهم على ما ينفعهم في الدُّنيا والآخرة، ويحذِّرهم مما يضرُّهم فيهما، والأصْلُ أنه لا يبتغي مِنْ وراء ذلك جزاء دُنيويًّا، ولا شُكورًا مِنَ النَّاس، إنْ هو إلاَّ مُصْلِح يرْتَسِم خُطَى المرْسَلينَ - عليهم السَّلام - في دعواتهم، ويتأسَّى بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - في دعوته، ويَقتبس هدْيِ الصَّالحين من هذه الأمَّة؛ سلَفِها وخلَفِها، في أقوالهم وأفعالهم وسَمْتِهم.

ولَمَّا كانت الحِكْمة من مشروعيَّة الخُطبة نفْعَ الناس بها، كان الأَوْلى أن يَنتفع الخطيب بما ألقاه على الناس قَبل أن يُلقِيه؛ لعِلْمه به وقناعته بِمَضْمونه؛ فإنَّه ما نصَح به الناس إلاَّ وفيه خَيْر لهم، وهو أَولى بهذا الخَيْر مِنْ غَيْره.

ولكن النَّفسَ البشَريَّة مطبوعة على الظُّلم والجهل، إلاَّ أن يتعاهَدَها صاحبُها بالإيمان والتَّقوى والتوبة والاستغفار، ودليل ذلك كَثْرة ما يقع ممن يتصدَّرون للكلام في شؤون الناس الدِّينية والدُّنيوية؛ من مخالَفةِ أفعالهِم أقوالَهم، وليس ذلك حِكْرًا على الخُطَباء والدُّعاة والعلماء فحَسْب، بل حتَّى أهل السياسة والاقتصاد والطِّب والفِكْر والإعلام وغيرهم، يَكْثر فيهم مخالفة أقوالِهم أفعالَهم؛ فيُوصون الناس بأشياءَ لا يفعلونها هم، ويحذِّرونهم من أشياء يَقَعون هم فيها، ولكن هؤلاء لا يُؤاخِذُهم الناس كما يؤاخِذون أهلَ العلم والدَّعوة والخَطابة، ولا يُثرِّبون عليهم مثلهم؛ لأنَّ الناس وضَعوا أهل العلم والدَّعوة والخطابة قُدْوة لهم، وهذا حقٌّ وشرَف ومسؤولية، فكانتْ مخالفةُ العالِم أو الدَّاعية أو الخطيب أقوالهم أفعالَهم أشدَّ على الناس من مُخالفة غيرهم؛ ولهذا فإنَّه يجبُ على العالِم والدَّاعية والخطيب أن يُراعُوا هذه الخصوصيَّة لهم، ويُحافظوا على هذه المَنْزلة التي بوَّأَهم الله - تعالى - إيَّاها، ويحفظوا مكانتهم في قلوب الناس بإتْباع العلمِ العملَ، وعدَمِ مخالفة القول الفعل؛ لِيَصدر النَّاس عنهم، ويَقبل الناسُ منهم، ويكون لخِطابهِم وقْعٌ في القلوب، وتأثير في النفوس.

ذمُّ مُخالفة القول الفعل:

تظاهرَتْ نصوص الكِتَاب والسُّنة على ذمِّ مخالفة قول الإنسان عمَلَه؛ لأنَّ ذلك نوْعٌ من الكذب، ويدلُّ على ضعف الإيمان، وهو طريق إلى النِّفاق، نعوذ بالله - تعالى - من ذلك، والنُّصوص الواردة في ذلك على أنواع:

النوع الأول: نُصوصٌ تُثبِت أنَّ الأنبياء - عليهم السَّلام - وهم رُؤوس المُصْلِحين وأئمَّة الدُّعاة والخطباء تُوافق أقولهُم أفعالَهم، حتَّى إنَّ المكذِّبين بهم من أقوامهم لم يَرْموهم بمخالفة أفعالهِم أقوالَهم مع حاجتهم لمثل هذه التُّهمة في صَرْف النَّاس عن الدَّعوة، لكنهم لم يَفْعلوا ذلك؛ لِعِلمهم أن الناس لا يصدِّقونهم؛ لأنَّه من الكذب الظَّاهر.

ومن الأنبياء مَن صرَّح بذلك كما فعَل شُعَيب - عليه السَّلام - حين وعَظ قومه، فبيَّن لهم أنَّه أوَّل مَن يمتثِلُ ما يدعوهم إليه حين حكَى الله - تعالى - عنه أنه قال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]، فموافقة القَول العمل فيها تأسٍّ بالأنبياء - عليهم السَّلام.

النوع الثاني: نصوص تُفِيد أنَّ الله - تعالى - قد ذَمَّ بني إسرائيل على عدم إتْباع العِلمِ العملَ؛ فقال - سبحانه -: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، فإنَّهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبِتَقواه وهم يَعصُونه، فعَيَّرهم الله - تعالى[1].

وفي آيةٍ أخرى أخْبَر الله عنهم بقَوْله - سبحانه -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187]، قال مالك بن مغول - رحمه الله تعالى -: "تركوا العمل به"[2].

وفي قول الله - تعالى -: ﴿ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الأعراف: 53]، وقوله - سبحانه -: ﴿ نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾ [الأعراف: 51]، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ [الفرقان: 18]، قال المفسِّرون: "ترَكُوا العمل به، فصاروا كالنَّاسين"[3].

النوع الثالث: نصوص تُثْبِت الوعيد الشَّديد المتنوِّع في مُخالفة الإنسان قوله فِعْله:

1- فصاحبه متوعَّدٌ بمقْت الله - تعالى - كما في قوله - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2 - 3].

2- ومُتوعَّدٌ بالعذاب في النَّار، كما في قول الله - تعالى -: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾ [المدثر: 49 - 51].

قال الشنقيطي - رحِمَهُ الله تعالى -: "فيَجب على المذكِّر - بالكسر - والمذكَّر - بالفتح - أن يَعْملا بمُقتضى التَّذكرة، وأن يتحَفَّظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلاَّ يكونا حِمَارين من حمُر جهنم"[4].

3- وعذابه في النَّار يكون بطريقةٍ بَشِعة منفِّرة، جاء تصويرُها في حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلَّم - قال: ((يُجاء بالرَّجل يوْم الْقيامة، فيُلْقى في النار، فتنْدلق أقْتابُه في النار، فيَدُور كما يدور الحمار بِرَحَاه، فيجْتمع أهْل النار عليْه فيقولون: أيْ فلان، ما شأْنُك؟ أليْس كنْتَ تأمُرنا بالمعْروف وتنْهانا عن المنْكر؟ قال: كنْتُ آمركمْ بالمعْروف ولا آتيه، وأنْهاكمْ عن المُنْكَر وآتيه))[5].

النوع الرابع: أنَّ الخُطباء جاء فيهم وعيدٌ خاصٌّ إذا خالفَتْ خُطبُهم أفعالَهم، كما في حديث أنس بْن مالكٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: ((رأيْتُ ليْلة أُسْري بي رجالاً تُقْرض شفاههمْ بمقاريضَ منْ نارٍ، قلْتُ: مَنْ هؤلاء يا جبْريل؟ قال: هؤلاء خطباء منْ أمَّتك، يأْمرون الناس بالبر، وينْسوْن أنْفسهمْ وهمْ يتْلون الْكتاب، أفلا يعْقلون))[6].

وقد تمَسَّك بهذه النُّصوص مَن يرى أنَّ مَن كان مُقارفًا للمعصية، فلا يَأمر ولا ينهى، وهاهنا ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: اشتِرَاط أن يكونَ الخطيبُ أو الدَّاعية خاليًا من المعاصي، وإلاَّ لا يَعِظ الناس ولا يخطب فيهم، ولم أَقِف على أحدٍ يقول بهذا، ولازِمُ القول به تعطيلُ الأمْرِ والنهي الشَّرعيِّين؛ لاِشْتراط العِصْمة منَ الذُّنوب في صاحبه.

ولهذا يجوز أن يَنصح المفضولُ الفاضلَ، وأنْ يعِظَ الطالبُ العالِمَ؛ لأنه لا أحد منَ البشَر فوق النُّصح والمَوْعِظة مهما كانتْ مَنْزلته، ومهما علاَ كعبُه في العلم والفَضْل، وجاء في النَّصيحة التي وجَّهَها الفقيه الحنبليُّ أبو الفضل إسحاقُ بن أحمد العَلْثِي إلى العلاَّمة ابن الجوزي - رحمة الله تعالى عليهما -: "ولو كان لا يُنكِر مَن قلَّ عِلْمُه على مَن كَثُر علمه، إذًا لتعَطَّل الأمر بالمعروف، وصِرْنا كبني إسرائيل حيثُ قال - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79]، بل ينكر المفضول على الفاضل، وينكر الفاجر على الوليِّ، على تقدير معرفة الولي"[7].

المسألة الثانية: اشتراط موافقةِ قولِه فِعلَه فيما يخطب به، فلا يحلُّ له الكلام إلا ما وافق فيه قولُه فعله، وما خالف فيه قولُه فعلَه فلا يخطب به، وفي هذه المسألة قولان:

القول الأول: يُشترط ذلك؛ لأنَّ ظاهر النُّصوص السابقة تدلُّ على تقبيح من خالف قوله فعله، بمعنى أنَّه لا يَأمر بما لا يفعل، ولا ينهى عمَّا يفعل؛ لئلاَّ يتناوله الوعيد الوارد في النُّصوص السابقة، قال أبو القاسم القُشَيري الصوفي: "فشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمالُ ما تَأْمر به، والانتهاءُ عما تنْهَى عنه"[8]، ويتأيَّد هذا القول بالآثار التالية:

1- عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنه جاءه رجلٌ فقال: "يا ابن عبَّاس، إنِّي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عنِ المنكر، قال: أوَبلَغْتَ؟ قال: أرجو، قال: فإن لم تَخْش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله - عزَّ وجلَّ - فافْعَل، قال: وما هُنَّ؟ قال: قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 44]، أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فالحرف الثَّاني؟ قال: قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2 - 3]، أحكمْتَ هذه الآية؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصَّالح شعيب - عليه السَّلام -: ﴿ مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]، أحكمْتَ هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابْدَأ بنفسك"[9].

2- وقال النَّخَعي - رحِمَه الله تعالى -: "ثلاثُ آيات منَعَتْني أن أَقُصَّ على الناس: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 44]، ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2]"[10].

3- وعن بعض السَّلَف أنه قيل له: "حَدِّثنا، فسَكَت، ثم قيل له: حدِّثْنا، فقال: أتَرَونني أن أقول ما لا أفعل، فأستَعْجِل مقْتَ الله - تعالى"[11].

القول الثاني: لا يُشترط في المتصدِّي للخَطابة ألاَّ يَعِظ الناس إلاَّ بما وافَقَ فيه قولُه فعلَه، بل يعظهم بما يحتاجون ولو كان مخالفًا فيه، وهو قول عامَّة العلماء، ويُستدلُّ له بما يلي:

1- عموم أدلَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله - تعالى - إذْ ليس في شيء منها منْعُ من فرَّط في طاعةٍ من الدَّعوة إليها، ولا منعُ من وقَع في معصية من النهي عنها.

2- قول الله - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 79]، فذَمَّهم الله - تعالى - لأنَّ بعضهم لم ينه بعضًا عما قارفوا من المنكرات.

قال ابنُ عَطيَّة - رحمه الله تعالى -: "وقال حُذَّاق أهل العلم: ليس من شُروط النَّاهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل يَنهى العُصَاةُ بعضهم بعضًا، وقال بعض الأصوليِّين: فرْضٌ على الذين يتعاطون الكؤُوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدلَّ قائل هذه المقالة بقوله - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79]؛ لأنَّ قولَه: "يتناهون" و"فعَلُوه" يقتضي اشتراكهم في الفِعْل، وذمَّهم على تَرْك التَّناهي"[12].

3- أن حُكم الله - تعالى - في عِباده كتابة حسَناتهم وسيِّئاتهم، ومحاسبتهم على أعمالهم، وليس مِن لازم اكتساب السيِّئة بُطلانُ الحسنة، إلاَّ ما كان محبطًا للعمل وهو الشِّرك، ودعوة النَّاس إلى الخير وتحذيرهم من الشرِّ حسنةٌ يُثاب العبد عليها، ووقُوعه في المُنكَر سيِّئة يُحاسَب بها، فالجهة مُنفكَّة بين ميادين اكتساب الحسَنات، وميادين اجتراح السيِّئات.

وهذا القول هو الرَّاجح، وأمَّا الجواب عن النُّصوص المنفِّرة من مخالفة القول الفعل، فإنَّ الذمَّ فيها على المعصية مع العلم بها، وليس على النَّهي عنها، وعلى هذا المعنى اجتمعَتْ كلمة المحقِّقين من العلماء:

قال الجصَّاص - رحِمَهُ الله تعالى -: "من لَم يفعلْ سائر المعروف ولم يَنْتَه عن سائر المناكير، فإنَّ فرْضَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيرُ ساقط عنه"[13].

وقال القُرطبي - رحمه الله تعالى -: "اعْلَم - وفَّقكَ الله تعالى - أنَّ التوبيخ في الآية بسبب ترك فِعْل البِرِّ، لا بسبب الأمر بالبر"[14].

وقال النَّووي - رحمه الله تعالى -: "قال العلماء: ولا يُشترط في الآمر والنَّاهي أن يكون كامِلَ الحال ممتثلاً ما يأمر به، مجتنبًا ما يَنهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخلاًّ بما يَأمر به، والنَّهي وإن كان متلبِّسًا بما ينهى عنه"[15].

وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفِعْله واجبٌ لا يَسقط أحدُهما بترْك الآخَر على أصحِّ قوْلَي العلماء من السَّلف والخَلَف، وذهب بعضُهم إلى أنَّ مُرتكب المعاصي لا يَنهى غيره عنها، وهذا ضعيف... والصَّحيح أن العالِم يأمر بالمعروف وإنْ لم يفعله، ويَنهى عن المنكر وإنِ ارتَكَبَه"[16].

ونقل الحافظُ ابن حجَر عن بعض أهل العلم قولَه: "يجب الأمر بالمعروف لمن قَدر عليه ولم يَخَفْ على نفسه منه ضررًا، ولو كان الآمرُ متلبِّسًا بالمعصية؛ لأنَّه في الجملة يؤْجَر على الأمر بالمعروف، ولا سيِّما إن كان مُطاعًا، وأما إثْمه الخاصُّ به فقد يغفره الله - تعالى - له، وقد يُؤاخِذه به"[17].

وقال الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: "فالحقُّ أنَّ الأمر بالمعروف غيرُ ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنَّه في حدِّ ذاته ليس فيه إلا الخير"[18].

وأما الآثار الواردة عن ابن عبَّاس والنَّخعي وغيرهما فهي غير ثابتة، فإنْ ثبَت شيء منها أو ثبت مِثلها عن بعض السَّلَف، فتُحمَل على التَّشديد في إتْباع العلم العمل، والتَّرهيب من مخالفة القول للفعل، فإنْ ثبَت أنَّ أحدًا عمل بهذه الآثار فهو اجتهاد في مقابل النُّصوص لا يُتابَع عليه صاحبُه؛ إذ يجب على المتلبِّس بالمعصية أن يَنهى الناس عنها، كما يجب على المقصِّر في الطاعة أن يأمر الناس بها، وإلاَّ جمَع إثمَيْن: إثم التلبُّس بالمعصية والتَّقصير في الطَّاعة، مع إثْم تعطيل الأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وقد نُقل عن السَّلَف ما يُقابل الآثار السَّابقة، ومن ذلك:

1- قول أبي الدرداء - رضي الله عنه -: "إنِّي لآمُرُكم بالأمر وما أفعله، ولكنِّي أرجو فيه الأجر"[19].

ويُحمل قوله - رضي الله تعالى عنه - على بعض المندوبات؛ لأنَّ الإنسان مهما بَلَغ فلا يستطيع أن يأتيَ بالسُّنَن كلِّها لا يَفُوته منها شيء، فكان يأمر بأنواعٍ من المندوبات لا يتمكَّن مِن فِعلها.

2- قول عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -: "لو أنَّ المرء لم يَعِظ أخاه حتىَّ يحكم نفسه ويكمل في الذي خُلِق له لعبادة ربِّه، إذًا تواكل الناسُ بالخير، وإذًا يُرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستُحِلَّت المحَارم، وقلَّ الواعظون والسَّاعون لله بالنصيحة في الأرض"[20].

3- قول سعيد بن جبير - رحِمَهُ الله تعالى -: "لو كان المرْءُ لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؛ حتىَّ لا يكون فيه شيء، ما أَمَر أحد بمعروف ولا نهَى عن مُنكر، قال مالك: وصَدَق، مَن ذا الذي ليس فيه شيء؟!"[21].

4 - قول الحسَن لِمُطرف - رحمهما الله تعالى -: "عِظْ أصحابك، فقال: إنِّي أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله، وأيُّنا يَفعل ما يقول؟ ويَوَدُّ الشيطان أنَّه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينْهَ عن منكر"[22].


المسألة الثالثة:
قد يتلَبَّس الخطيب بمعصية مثل: ترْكِ واجب كصِلَة الرَّحِم، أو فِعْل محرَّم كقطيعتها، فهل له أن يُؤجِّل الكلام عنها حتى يَتُوب من معصيته؛ لأنه متلبِّس بها؟ أم يبادر إلى إنكارها ولو لم يَتُب منها

الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنَّ ذلك مَنُوط بحاجة الناس، فإذا احتاجوا إلى العلم بها والتنبيه عليها، فلا يُؤخِّر الحديثَ عنها إلى أن يَتُوب؛ لما يلي:

1- عموم نصوص الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والدَّعوة إلى الله - تعالى - فليس في شيء منها تأجيلُ الأمر والنهي الشَّرعيِّيَن لمخالفة الآمر والناهي ما يقول، وإنما فيها ذمُّ مَن فعل ذلك كما مضى، وذمُّه لعدم انتفاعه بالخير الذي يدعو إليه لا لدعوته.

2- قول النبي - صلى الله عليه وسلَّم - تعليقًا على الذي قتَل نفْسَه في غزوة خيبر: ((لا يدْخل الْجنَّة إلاَّ مؤْمنٌ، وإن الله ليؤيِّد هذا الدِّين بالرجل الفاجر))[23]، ومنه نصْرُ أبي طالب للنبي - صلى الله عليه وسلَّم - مع أنه من أهل النار، فالله - تعالى - إذا كان قد أيَّد الدِّين ببعض الكفار، فتأييده بمسلمين متلبِّسين بالمعاصي أولى.

3- أن الخُطبة شُرِعت لمعالجة ما يَحتاج الناس من موضوعات، فلا يَعْدِل الخطيب عن حِكمة ذلك لعلَّة فيه.

4- أنَّ دعوته إلى طاعة قَصَّر هو فيها، أو نَهْيه عن معصية وقَع هو فيها، طاعة وقُرْبة تُقرِّب إلى الله - تعالى - فلا يؤخِّر الطاعة؛ للأمر بالاستباق إلى الخيرات، ولعلَّها تكون كفَّارة لذنبه، فقد قال الله - تعالى -: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وفي الحديث: ((وأتْبع السيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُها))[24]، أو لعلَّه يُرزق بسببها التوبة من ذنبه؛ لما يقوم في قلبه من الخجَل والحياء من الله - تعالى - أو لِتَأثُّره بما ألقى على الناس من موعظة، أو لتأثُّره بتأثير خطبته في الناس، فيرى فضل الله - تعالى - عليه بانقياد الناس له في هذا الأمر، فتدعوه نفسه لأنْ يكون أول المُمْتثِلين.

وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه على ما يلي:

1- خشية الله - تعالى - بالغيب؛ فإنَّ الخطيب مُذكِّر بكلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلَّم - فأَوْلَى أن يكون أوَّل متَّعِظ به، وقد خاطب الله - تعالى - نبيَّه محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال - سبحانه -: ﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ [يس: 11].

2- الحَذَر من معاصي السِّرِّ، والإصرارِ عليها، فإنها سُلَّم يَهبِط بالعبد إلى نفَقِ النِّفاق المظْلِم، وهي سببٌ لذهاب الحسنات؛ كما في حديث ثَوْبَانَ - رضي الله عنه - عن النبي أنَّهُ قال: ((لأَعْلمن أقْوامًا من أُمَّتي يأْتون يوم الْقيامة بحسناتٍ أمْثال جبال تهامة بيضًا، فيجْعلها الله - عز وجل - هباءً منْثورًا))، قال ثوْبان: يا رسول الله، صِفْهم لنا، جَلِّهمْ لنا؛ أنْ لا نكون منهم ونحْن لا نعْلم، قال: ((أمَا إنَّهمْ إخْوانُكم ومِنْ جِلْدتكم، ويأْخذون من الليْل كما تأْخذون، ولكنهمْ أقْوامٌ إذا خَلَوْا بمحارم الله انْتهَكُوها))[25].

3- اللُّجوء إلى الله - تعالى - بالدُّعاء، والإخبات والاستغفار، وسؤاله الثَّبات على الدِّين، مع الخوف الشديد من عاقبة ذنبه.

4- الإكثار من الأعمال الصالحة المكَفِّرة؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114].

5- وعلى الخطيب أن يَحْذَر من كثرة مخالفة فعله لقوله، وتعدُّد ذنوبه، وإصراره عليها، واستهانته بها؛ لئلاَّ يقع في النِّفاق، أو يُرْدِيه الشيطان إلى الانتكاس.

فِعْل الواجبات والانتهاء عن المحرَّمات:

وهذا واجب على كلِّ مسْلِم، فيُثاب على فِعْل الواجبات، ويستحِقُّ العقاب على تَرْكها، كما يُثاب على اجتناب المحرَّمات ويستحقُّ العقاب على فِعْلها، لكن هذا الواجب يكون على الخُطَباء آكَدَ من عامَّة الناس؛ لأُمُور، منها:

1- ما علَّمَهم الله - تعالى - من حُكم الواجب والمحرَّم، فهُم من أُولِي العلم، وأولو العلم أعلم بالأحكام من غيرهم، ومِنْ شُكرهم لله - تعالى - على ما علَّمَهم من الأحكام العملُ بما علموا، قال الله - تعالى -: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

وأُمرنا أن نَذكر الله - تعالى - ونكبِّره على ما علَّمَنا وهدانا إليه من أحكام دِينه، ونشكره - عزَّ وجلَّ - على ذلك؛ قال الله - تعالى -: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]، وقال - سبحانه -:﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].

2- أنَّهم قُدْوة الناس، وصفوة المُجتمَعات، ويَنظُر إليهم غيرُهم ويقلِّدونهم في أفعالهم، فإذا كانوا يَنتهكون حرمة الشَّرع بتعطيل الواجبات، وفِعْل المحرَّمات كان غيرُهم أولى أن يَنتهكوها، وقد ذمَّ الله - تعالى - أهْلَ الكتاب بذلك، فقال - سبحانه -: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [آل عمران: 70].

3- أنهم يَدْعون الناس إلى فعل الواجب، والانتهاء عن المحرَّم، ولا يَقبل الناس دعوتهم إن رَأَوهم مخالِفِين ما يَدْعون إليه؛ فيكون فِعْلُهم فتنة للنَّاس، وصدًّا لهم عن دين الله - تعالى - والصدِّ عن دين الله - تعالى - يكون بالفعل كما يكون بالقول، ومن الصدِّ بالفعل مخالفةُ الخطيب ما يدعو الناس إليه.

4- أنَّهم بِمُخالفة أقوالهم أفعالهم يشوِّهون سُمْعة الدُّعاة والخُطَباء وأهل الخير عند الناس، ويتسبَّبون في فرْيِ أعراضهم، والكلام السيِّئ فيهم، قال سُفيان بن عُيَينة - رحمه الله تعالى -: "لا ينبغي للواعظ أن يذمَّ نفسه عند الموعوظين، ألم تسمع إلى قول شعيب - عليه السَّلام -: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]؟"[26].



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۳ ] [ مشاوره مديريت ]
 

مميزات الخطيب الناجح

الخطابة فنٌّ قديم، نشأ قبل الإسلام، ولها من التأثير ما هو أقوى من تأثير الكلمة المقروءة، وقد كان النَّاس في الجاهليَّة يتجمَّعون في سوق عكاظ، ويتبارى الشعَراء والوعاظ في إلقاء ما عندهم من شعرٍ ونثرٍ، ولَمَّا جاء الإسلام زادَها جمالاً، واشترط لها شروطًا، وأوجب حضورها على كل مسلم مكلَّف، وألزم المسلمين بالإنصات لها، واشترط لها الوقت، إلى غير ذلك من أمور موجودة في كتب الفقه[1].

ولما كانت الخطابة بهذه المثابة والأهمية، فإن ثمَّة ملاحظاتٍ يجب على الواعظ ملاحظتُها في حال خطبتِه؛ ليصل إلى ما يصبو إليه، وهي ما يأتي:
أولاً: الإكثار من الآيات القرآنية؛ ففيها الوعْظ والشِّفاء، ثم الاستدلال بالمأثور من الأحاديث الصحيحة، وتجنُّب الأحاديث المَوْضُوعة، ففي دواوين المسلمين مثل: "صحيح البخاري"، و"مسلم"، و"الترمذي"، و"النسائي"، وغيرهم، المرغِّبة في الجنة، والمخوِّفة من النار - ما يغني عن رواية الأحاديث الموضوعة، ولقول سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - : ((مَن كذب علي متعمدًا، فلْيَتَبَوَّأ مقْعده من النار))[2].

ثانيًا: الاستعانة بالقصص الواردة في القرآن والسنَّة وربطها بالواقع؛ مثل: قصَّة إبراهيم الخليل مع أبيه، وقصَّة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والعظات، وفي الحديث: مثل قصَّة الذي قَتَل مائة نفس في باب التوبة، وغيرها من القصص، ولا بأس من الاستعانة بضرْب الأمثال وتصوير المعاني بأشياء محسوسة من الواقع من أجل تقريب المعاني إلى الأذهان؛ مثل: تمثيل رحمة الله بالعبد، وأنه - سبحانه - أرْحَم منَ الوالدة على ولدها[3]؛ ولذلك دعاه للتوبة وقبلها منه، وأنه لو شاء أخذه بذنبه، وعجَّل له العقوبة في الدنيا، ولكنه - سبحانه - يمهل ولا يهمل.

ثالثًا: عدم إطالة الخطبة؛ لأنها تورِث المَلَل والسآمَة، وإطالة الخطبة في الغالب تنشأ مِن أمرَيْن:
الأول: إعجاب الخطيب بنفسه، وأنه قد أضاف شيئًا إلى معلوماتهم.
والثاني: السهْو والنِّسيان، ولكن يجب أن نذكِّر بأنَّ الأمَّة الإسلامية قد طالتْ مِحنتها، وحاجتها إلى كلام قليل مؤثِّر أعظم من حاجتها إلى الكلام الطَّويل، وليس هناك أعظم مَوْعِظة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أوتيَ جوامع الكلم، ورغْم ذلك فقد ثبت عنْه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((إنَّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه))[4]، وفي الحديث: "وعظنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا بعد صلاة الغداة موعِظة بليغة، ذرفت منها العُيون ووجلت منها القُلوب، فقال رجل: إنَّ هذه موعِظة مودِّع ......."[5].

والبلاغة - كما قال العُلماء -:
هي التوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السَّامعين، بأحسن صورة من الألْفاظ الدالَّة عليْها، وأفصحها وأجلّها لدى الأسماع، وأوْقعها في القلوب، ولكن ترى ما هي الموْعظة البليغة القصيرة التي أثَّرت في قلوب الصَّحابة، فذرفت لها عيونُهم ووجلت لها قلوبهم؟ لقد قال لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُوصيكم بتقْوى الله والسَّمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنَّه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختِلافًا، فعليْكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحْدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعة ضلالة))[6].

لقد دلَّت موْعِظة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على شيءٍ أقره العلم النفسي الحديث، وهي أنَّ الطَّاقة الذهنيَّة للإنسان محْدودة، لا يمكن في العادة أن تُتابع الكلام بانتباه طويل لأكثر من 15 دقيقة، وبعدها تُصاب بالشُّرود والتَّعب، ويتمنَّى المستمع حينئذٍ أن يستريح ذهنُه حتَّى يجد أمرًا، أو مشوقًا آخَر.

فينبغي أن يكون كلام الخطيب جامعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكيرٍ هادئ، وألا يحول بيْنه وبين المستمِعين أي حائل نفسي سوى مراقبة الله والخوف منه؛ ولهذا ينبغي عليه قبل الشُّروع في الخطبة وارْتقاء المنبر تصفية نفسِه ممَّا علق بها من شوائب وأكْدار، وتَهذيبها من العلائق، والدُّعاء بصدقٍ أن يوفِّقه الله في وعْظِه، وأن يسدِّد كلامه، وأن يكون له وقْع طيب في الأسماع والقلوب.

رابعًا: من المستحْسن أن تبدأ الخُطبة بما يجلب انتِباه السَّامعين، من حادثٍ مهمٍّ وخبر ذي فائدة، ثمَّ يرْبطه بمعاني القرآن والسُّنن الكونيَّة، ثمَّ على الخطيب بعد ذلك أن يَمضي مسترْسِلاً في وعْظه، ويقرن بين التَّبشير والإنذار، ويتخيَّر من الحوادث ما يكون محْور وعظِه، ومدار خطبته، ثمَّ يخرج بعد ذلك العرض بحلٍّ شرْعي ممَّا استجدَّ من حوادث، وما حلَّ بالمسلمين من ضِيقٍ وبلاء، ويذكِّرهم دائمًا بأنَّ المخرج من ذلك كلِّه هو طاعة الله وطاعة رسولِه وأولي الأمر، فهو سببٌ لسَعادة الدُّنيا والآخرة.

خامسًا: من المهمِّ جدًّا أن يكون موضوعُ الخُطبة واضحًا في ذهن الخطيب، وأن تكون المادَّة العلميَّة التي يُراد طرْحها وتعْريف النَّاس بها حاضرةً في الذِّهن قبل الشُّروع في الخطبة، ويُمكن اتِّخاذ الوسائل والتَّدابير لذلك، مثل تدْوين رُؤوس المسائل والخطوط العامَّة في "ورقة صغيرة" يرْجع إليْها عند الحاجة؛ حتَّى لا يتحرَّج فيخْلط بعدها في كلامه، أو يستطْرِد في أمرٍ لا علاقةَ له بصلب الموضوع، فيفقد هيْبته في القلوب.

سادسًا: على الخطيب أن يَحذر من ذِكْر ما يُساء فهمه من الآيات والأحاديث، دون أن يُلْقِي عليْها الضَّوء من شرْحٍ أو تعْليق ليزول[7] الإشْكال، مثْل ذِكْر الأحاديث الَّتي فيها أنَّ الله أدْخل الجنَّة مَن سقى الكلْب[8] - وكان صاحب معصية كبيرة - فغفر له، فيظن الظَّانُّ أنَّ مجرَّد هذا العمل يدخِل الجنة دون توبة أو رجوع إلى الله.

سابعًا: هناك أمور ينبغي على الخطيب الانتِباه إليها، وهي إن كانت بسيطة لكنَّها هامَّة تجعل الخطيب يَملك زمام الأمور، ويأخُذ بناصية المواقف، وتَمنحه قوَّة الشَّخصية:
مثل هندسة الصَّوت، فلا يرفع صوته لغير حاجه، ولا يكون بطيئًا فتملّه الأسْماع.

ومنها أيضًا عدَم الإكثار من الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبة المسرح، بل يتمَّ توزيع ذلك باعتِدال تامٍّ أمام الحاضرين.

ومنها الالتفات المعقول، فلا يشير إلى أحد بعينه أو طائفةٍ من النَّاس وهو يتكلَّم مثلاً عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقع في سوء الظَّنّ.

وهناك أمور تتعلَّق بالخطيب نفسه وما ينبغي أن يكون عليه من صفات وأخلاق، نشير إليها بإيجاز، ومنْها:
·أن يدْعو بالحِكْمة والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصِل إلى ما يُنْكِرون من حيث لا يشْعرون، فيشتدّ في مواضع الشدَّة، ويلين في مواضع اللين.
· أن يكون الخطيب عالمًا بسائر الأحكام الشرعيَّة، ومسائل الخلاف ومدارك العلماء، ومن أين أخذوا؛ ليتمكَّن من الإجابة على أسئِلة النَّاس على بيِّنة، خاصَّة في مسائل العبادات والمعاملات.
· أن تكون له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خلق الورَع والخوف من الله كما هو دأب أوْلياء الله الصَّالِحين، فلا يرتكِب كبيرةً أو يصرّ على صغيرة؛ حتَّى تعظِّمه النفوس وتنقاد إلى سماعِه الأبدان.
· أن تكون له معرفة قويَّة باللُّغة العربيَّة، مثل علم الإعراب، وعلم الأساليب (المعاني والبيان والبديع)، وهذا يَحصُل بِممارسة الكلام البليغ ومزاولتِه؛ حتَّى تكون له ملَكة على تأليف الكلام وإنشائه، فيعبِّر عن المعاني العديدة بألْفاظ وجيزة.

لقد كانت عمليَّة الخطابة عند فقهائِنا الأجلاَّء تسدُّ أكثر الثَّغرات في المجتمع المسلم، وتُعالج معظم الانحِرافات العقديَّة والاجتِماعيَّة، بفضل ما كان عليه علماؤُنا من خلُق ودين وورَع، ولما كان الخطيب نفسه يتمتَّع به من شخصيَّة مؤثِّرة في قلوب مَن يُخاطِبهم.

مقترحات وتوصيات:
في بلاد الإسلام - ولله المنُّ والفضل - آلافُ المساجد يَحضُرها كمٌّ هائل من المصلِّين، فلو فكَّرت وزارات الأوْقاف في تلك البلاد في تهْيئة كادر من الخُطباء والوعَّاظ، تتوفَّر فيهم الصِّفات المؤهّلة لشغل تلك الوظيفة الهامَّة، وبعد تفكيرٍ رأيتُ أنَّ أسلم طريق، وأنْجح وسيلة في تكوين الخُطَباء هي اتِّباع ما يلي:
أوَّلاً: أن تقوم تلك الهيْئات الرَّسميَّة بتربية الخطيب، من خِلال حثِّ الخطباء على إتقان القرآن على يدِ مقْرئ متْقن، وبعد تحصيل العلوم الأوَّلية التي تنمِّي الموهبة، وتنشط العقل، وتفتق الذِّهن.

ثانيًا: توجيه الخُطباء إلى قراءة ما يتعلَّق بكتُب الأدَب - وخاصَّةً الشعرَ والنثر - وإجادة الخط العربي؛ لما لذلك من أهمية في شخصيَّة الخطيب وتأثيره على المستمعين.

ثالثًا: الاهتِمام بقواعد اللُّغة العربيَّة من النَّحو مع التَّطبيق العملي لآيات القرآن؛ إذْ لا يحسُن بالخطيب أن تظهَر منه أخطاء لغويَّة وهو يعتلي المنبر ويوجِّه النَّاس.

رابعًا: أن يطلب من الخطيب أن يُكْثِر من تِلاوة القرآن، مع الاستِعانة بفهْم القرآن وتدبُّر معانيه، ومِن خلال قراءة كتُب التَّفسير المعتمَدة، ثمَّ يعوَّد على الاستقلالية في الفهْم والتَّصوُّر المبني على الكِتاب والسنَّة؛ من أجل تقْريب معاني القرآن إلى أذْهان النَّاس وبأسلوب العصر.

خامسًا: على الخطيبِ أن يُضيف إلى رصيدِه المعرفة التَّامَّة بسيرة الرَّسول الأعظم وسنَّته القوليَّة والفعليَّة، وذلك من خِلال قراءة ما يتعلَّق بكتُب السِّيرة، ومِن أعظمِها نفعًا كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم - رحِمه الله تعالى - ودراسة ما يتعلَّق بمصطَلح الحديث؛ ليتمكَّن من معرفة صحَّة الحديث، مع دِراسة فقْه الحديث من كتاب "بلوغ المرام شرح أحاديث الأحكام"؛ ليتمكَّن من الإجابة على الأسئِلة التي تعرض عليه.

سادسًا: دِراسة أحوال البشر، فقد بيَّن الله في كِتابه كثيرًا من أحْوال الخلق وطبائِعهم، والسُّنن الربَّانيَّة في البشَر وتقلُّبات الأحوال، يقول محمَّد رشيد رضا: "فلا بدَّ للنَّاظر في هذا الكتاب – أي: القرآن - من النَّظر في أحوال البشَر في أطوارهم وأدْوارهم، وما ينشأ من اختِلاف أحْوالهم من ضعف وقوَّة، وعزَّة وذُل، وعلم وجهْل، وإيمان وكفر"[9]، كلُّ ذلك من أجل أن يتمكَّن الخطيب من اقْتِلاع الأمراض القلبيَّة والاجتِماعية من نفوس المجتمع، ولا بأس مع ذلك من أن يتعلَّم بعض الظَّواهر الكونيَّة[10]، وذلك بدِراسة العلوم الَّتي تبصِّره بنظام الكوْن وسنته، فيستدلُّ بآيات القرآن على وحدانيَّة الله وربوبيَّته للخلق.

سابعًا: إعداد خُطباء مهمَّتهم تذكير النَّاس في الميادين العامَّة والمتنزهات الجامعة؛ لأنَّ قصر الخطبة على أيَّام الجمع يكون قليلَ الفائدة، وقد كان من هدْي الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن يخطب في غير أيَّام الجمع ما دعت إليْه الحاجة، أو حصول أمرٍ مهمّ يُحب التَّنبيه إليْه أو التَّحذير منْه.

ثامنًا: أن تقومَ تلك الهيْئات بِمتابعة الخُطَباء في مساجِدِهم، والاستِماع إلى شكْواهم، والاستِماع إلى مواعظِهم والتنبُّه لأخطائهم، ويؤمروا ألاَّ يتكلَّموا بِما يعلو أذهان النَّاس، أو لا يناسب مستوياتِهم وواقعهم، فالخُطبة إنَّما شرعتْ لتذكير النَّاس بشؤون المعاد والآخِرة، ولا بأس من التطرُّق إلى مواضيع تخصُّ حياة النَّاس العمليَّة والمعيشيَّة، ومعالجتها على ضوْء القرآن والسنَّة.

نماذج من صناعة الخطب:

بعد هذا العرْض السَّريع، من المهمِّ أن يتعوَّد الخطيب على الأسلوب الأمثل في إعداد الخطبة وصناعتها؛ ليتمكَّن من مواكبة الحدَث، ومُعايشة ما يَجري حوْله من وقائع وأحداث، ولا يكون اعتِماده على خطب روتينيَّة معدَّة سلفًا، لا تناسب حال من يتحدَّث إليهم، وإعداد الخطبة يعتمد على ركيزتَين:

أوَّلاً: اختِيار الموْضوع اختيارًا دقيقًا، وتَحضير مادَّته قبل ارتِقاء المنبر بأيَّام.
ثانيًا: وحْدة الموْضوع، وربْط الكلام بواقِع مَن يتحدَّث إليْهم، ومعْنى ذلِك - بشكلٍ أوْضح -: اختِيار الآيات الواضحة والأحاديث الصَّحيحة التي تلائِم مقْصد الكلام وحال المستمِعين، وأن يكون الكلام مرتبِطًا بعْضه ببعض؛ ولِهذا يستحْسن من الخطيب أن يحدِّد الموْضوع على نقاط أو مسائل معيَّنة، فيقول مثلاً: كلامُنا اليوم يدورُ حول ثلاثة مسائل رئيسة، هي كالتَّالي: أوَّلاً كذا، وثانيًا، ليخرج المستمِع من المسجِد وقد وضح الموضوع في ذهنِه، والهدف من الخُطْبة، بدلاً من أن يخرج مشتّت البال، لا يعرف ماذا يبغي الخطيب من خطبته، فضلاً عن أن يعرف ماذا استفاد وانتفع هو من الخطيب،


ــــــــــــــــ
[1] انظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" جزء 2 ص561، وما بعدها.
[2] صحيح رواه البخاري (1291)، ومسلم (4)، وروي الحديث بغير هذا اللفظ، انظر رقم: 2142 في صحيح الجامع.
[3] المصدر: "مجموع الفتاوى"، الصفحة أو الرقم: 16/ 299، والحديث: صحيح.
[4] الحديث رواه عمار بن ياسر، المحدث: مسلم، المصدر: المسند الصحيح، الصفحة أو الرقم: 869.
[5] الترمذي، المصدر: سنن الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2676 والحديث: حسن صحيح.
[6] المرجع السابق.
[7] استفدت بعض الشيء من كتاب "أصول الدعوة" للدكتور عبدالكريم زيدان، ص471، في النقاط الأخيرة الخامسة والسادسة.
[8] البخاري، المصدر: "الجامع الصحيح"، الصفحة أو الرقم: 3467 الحديث: [صحيح].
[9] تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا:ج 1-ص 23.
[10] مثل قراءة كتاب توحيد الخالق للشيخ الزنداني بأجزائه الثَّلاثة.

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/0/6837/

 



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  انفعالات الخطيب النفسية في حال خطبته     للخَطابة أسلوبُها الذي يختلف عن أسلوب المحاضرة والدَّرْس، والمناقشة والجدل[1]، وهي تستلزم إثارةَ المشاعر، وإلْهابَ الحماس، واستعمالَ العبارات العاطفية مِن لَدُن الخطيب، وباتجاه مَن يخاطبهم، وبما أنَّ الخطيب يُكلِّم طبقاتٍ مختلفة، وعقليات متفاوتة، لهم مشاعرُ متباينة، وفي ظروف وأحوال ومناسبات مختلفة، فوَجَب عليه أن تكون انفعالاتُه ومشاعره مِن غضب وتألُّم، وتحسُّر وتأسُّف، وحبٍّ - مبنيةً على أساس قويم، ومنهج سليم، تتناسب مع المقامِ والحال، وظروف مَن يخاطبهم، ولا يجعل الأمرَ كلَّه سواءً.   وممَّا دعاني إلى كتابة هذا المقال: أني رأيتُ بعضَ الخطباء ليس لهم درايةٌ بأصول وفنِّ الخطابة، وما ينبغي فعلُه، وما لا ينبغي، مع ضعْف التواصُل مع المستمعين في تبليغ الرِّسالة الدعويَّة، خاصَّة إذا علمنا أنَّ الخطيب يرتقي مقامًا له الأثرُ الهام في علاج معظم الانحرافات التي تُصاب بها الأمَّة، سواء ما يتعلَّق منها بالعقيدة أو السلوك؛ لكونِه تُتاح له الفرصةُ لمخاطبة ألوان من المدعوين، وهذا يستوجب منه الإلمامَ بمقوِّمات الخُطبة الناجِحة، وأن تكون أعصابُه ونفسيتُه مقيدةً بهديِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مجال الدَّعوة، وبحسب ما يقتضيه الحال والموقف.   التفاعل سبب التواصل والتأثير:
الخطيب الذي لا يتفاعل ولا يتحمَّس لِمَا يقول لا يؤثِّر في عقول وقلوب مَن يتحدَّث إليهم؛ لأنَّه يصبح آلةً مجرَّدة من المشاعر والأحاسيس، تُلْقي كلماتٍ مجرَّدةً عن المعاني، ثم تنتهي وظيفتُه ومهنته دون أن ينتفعَ منه الحاضرون، فبينه وبين مَن يدعوهم ويعظهم حجابٌ غليظ، وجدار عازل، ولا شكَّ أنَّ الخطابة مقصودها الأعظم هو تحريكُ العواطف والمشاعر نحوَ مرضاة المولى سبحانه، وفِعْلِ الخير، وصَرْفها عن الشَّرِّ بقدر الإمكان، وهذا يتطلَّب من الخطيب أن تكون له مهاراتٌ معيَّنة في الأداء والأسلوب[2]، واختيارٌ أمثلُ للموضوع في جذْب أنظارِ الحاضرين، وإيقاظ هِمَمِهم، وتحريك عزائمهم، بما يسوقه مِن أمثلة ووقائعَ وأحداث، وأن تتناسب انفعالاتُه مِن حبٍّ وغضب، وتألُّم وفرح، وتوجُّع وتأسُّف، بحسب مقتضى الحال وما يلاءم الظَّرْف، فإذا رأى ممَّن يدعوهم فتورًا في الإصغاء، وضعفًا في الانتباه والإقبال، لجأَ إلى المثيرات والمنبِّهات، وهي عديدة في جعبة الخطيب؛ ومنها:
1- الاستعانةُ بالقَصص الوارد في القرآن والسُّنَّة، ورَبْطه بواقع المسلمين، والاستعانة بضرْب الأمثال، وتصوير المعاني بأشياءَ محسوسة؛ لتقريب المعاني إلى أذهان المستمعين.
2- جَلْب انتباه المستمعين مِن حادِث مهم، وخبر ذي فائدة، وربطه بمعاني القرآن، والسُّنن الكونيَّة، وأن يختارَ من الحوادث ما يكون محورًا للخُطبة، بحيث يخرج بحلٍّ لِمَا يستجد مِن حوادث، وما يَحُلُّ بالمسلمين مِن بلاء وضيق، كلّ ذلك مع التفاعل الصادق، والرغبةِ المفعمة بالحبِّ والشفقة والرحمة؛ لمدِّ يَدِ العون لعباد الله، لإنقاذهم ممَّا هم فيه مِن بلاء وشدَّة. 
3- تذكيرُ المسلمين بالأصْل العظيم، ألاَ وهو طاعة الله ورسوله، فهُمَا سببُ النجاة في الدنيا والآخرة، والسعادةِ الحقَّة، وتذكيرُهم بنعمة الله عليهم في السرَّاء والضرَّاء، وأنَّه لا ينبغي لهم مقابلةُ نِعمه الوفيرة بعصيانه، وجحود النِّعمة. 
4- أن يقرنَ بين التبشير والإنذار، والترغيبِ والترهيب، حسب الحال والمقام، فإذا كان التبشير برضوان الله وجَنَّته لِمَن أطاعه ملائمًا، بسبب أنَّ مَن يدعوهم قد وقعوا في اليأس والقنوط، ركَّز عليه ووضَّحه، وأتى من الآيات والأحاديث الشريفة ما يُجلِّيه، وإن كان الإنذار والتخويف ملائمًا، بسبب أنَّ مَن يدعوهم متمادون في طغيانهم وعصيانهم، سَرَد الآياتِ والأحاديثَ المتعلِّقة بهذا الجانب، وحذَّر من عقوبة الله وغضبه، ولكلِّ مقامٍ مقال. 
5- هندسة الصوت ومناسبته لانفعالات الخطيب أمرٌ هامٌّ جدًّا، فلا يرفع الصوت لغير الحاجة، ولا يخفضه فتملّه الأسماع، بل يكون صوتُه كالرَّسم البياني يخفض ويرفع، حسب الموضوع، وحال المستمع؛ لأنَّ مَن يخاطبهم ليسوا على مستوًى واحد مِن حيثُ التأثُّر، فمنهم مَن تكفيه أدنى إشارة، ومنهم مَن لا يتَّعظ إلاَّ برْفع الصوت والإنذار بالقول، وسيأتي توضيحُ ذلك.   لِمَ كانت خطب الرسول مؤثرة؟
إمامنا في الوعْظ والإرشاد هو رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بل هو إمامُ الأنبياء وخطيبُهم إذا وفدوا، وأوَّل مَن رقي المنبر، فكانتْ كلماته لها وقعٌ وأثر في القلوب والأسماع، كيف لا، وقد أوتي جوامعَ الكلم؟! وهي: "إيصال المعاني المقصودة بأحسنِ صورة من الألفاظ الدالَّة عليها، وأفصحها وأحلاها لدى الأسماع، وأوقعِها في القلوب".[3]   وأيضًا كانت خطبته - صلَّى الله عليه وسلَّم – "بيانًا لأصول الإسلام من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله ولقائه، وذِكْر الجنة، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهلِ طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهلِ معصيته، فيملأ القلوبَ إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفةً بالله، وأيَّامه"[4]، وإنَّما كانت خطبه - صلَّى الله عليه وسلَّم - مؤثرةً؛ لأنَّه كان على قناعة تامَّة، ويقين جازم بما يدعو إليه، وحريصًا على هداية البشرية؛ فقد جاء في الحديث أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لقريش: ((أرأيتُم لو أخبرتُكم أنَّ العدوَّ مُصبِّحُكم أو ممسِّيكم، أكنتم تصدقونني؟))، قالوا: بلى، قال: ((فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد))[5].   وكان لصِدْق انفعالاته وتفاعله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع ما يقول ويتكلَّم، ويُحدِّث ويأمر - أثرٌ وسلطانٌ على القلوب، وحياةٌ وإشراقٌ في النفوس لكلِّ مَن يسمعه، حتى إنَّ كلماتٍ وجيزةً من حضرة مقامِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - جعلتِ الصحابةَ الكرام يذرِفون دموعَهم[6]، وكان لشدَّة تأثُّره بما يقول، وإحساسه بما يحدُث ويقع، يَظهر أثرُ ذلك على وجهه وعينه، بل وكلماته وحركاته، وكان إذا خَطَب ((احمرَّت عيناه،   وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبُه، حتى كأنَّه منذرُ جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بُعثتُ أنا والساعَةَ   كهاتين - ويقرن بين إصبعيه السبابة والوُسْطى))[7].
 يقول الشاعر أحمد شوقي في مدْح الرسول الأعظم[8]: وَإِذَا خَطَبْتَ  فَلِلْمَنَابِرِ  هِزَّةٌ        تَعْرُو النَّدِيَّ  وَلِلْقُلُوبِ  بُكَاءُ
وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ        فَجَمِيعُ  عَهْدِكَ  ذِمَّةٌ  وَوَفَاءُ

بل كان مَن ينظر إلى شخصه، ويتأمَّل في خُلقه، ويتمعَّن في أوصافه وشمائله - يصدِّقه قبل أن يسمع حديثَه، ويؤمن به قبلَ أن يرى شخصه، ورغم أنَّه- صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يعلم مِن حقائق الغَيْب، وأهوال الساعة، وقرب علاماتها، وسرعة زوال الدنيا، ومشاهدته عيانًا للغيب - ما أوصلَه ذلك إلى درجة عين اليقين، ولم يحمله ذلك أبدًا على أن تختلط مشاعرُه، أو يغيب إحساسُه، أو تتمازج عواطفه؛ بل كان متحكِّمًا فيها، مسيطرًا عليها، آمرًا لها؛ لجَلَدِه وحِكمته، وقوَّة بصرِه وبصيرته، وعظمةِ إيمانه ويقينه، ولو كُشِف لأحد جزءٌ ممَّا كشف لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَا استطاع أن يذوق طعْمَ النَّوْم والرُّقاد، ولبقي أبدًا في يقظة وسهاد، ولَمَا قدَر على تصوير ما يعلم ويرى في صورة خِطاب للناس؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((واللهِ، لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتُم بالنِّساء على   الفُرش، ولخرجتُم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله))[9]، وهذا يدلُّ على كمال اليقظة والحضور، وقوَّة اليقين والبصيرة، وشجاعةِ القلْب وقوَّته، وعظيم الشفقة والرَّحمة.

 

الخطيب الناجح مَن يُوظِّف انفعالاته لخدمة الموقف:
 

وعلى هذا الأساس - مما تقدَّم - فالخطيب الناجح مَن لا ينخرط في العواطف والحماس بغير قانون أو ضابط، أو ينجرُّ وراءَ النيَّات الحَسَنة، والعواطف النبيلة، أو يُفاجِئُ الحضور بانفعال نفسيٍّ بسبب حضور شخصٍ صاحب شَرَف ومكانة، أو سماعِه لخبر أو رؤيته لمشهد، بل يكون معتدلاً في غضبِه وبكائه، وابتسامته وتألُّمه، وحزنه وغَيْرته، فلا يذرف الدمعَ بلا سبب، أو يندفع في البكاء فتتحوَّل الخطبة إلى مأْتَم وعزاء، دون أن يخرج المستمع بكبير فائدة؛ بل يتحكَّم في أعصابه، فيُنسِّق حديثَه، ويرتِّب كلامَه، ويَبنِيه على مقدِّمات ونتائج، بحيث يعرف متى يَرْفع صوتَه، ومتى يخفضه، ومتى يسكت لأجْل الْتقاطِ النَّفَس، ومتى يُهيِّج المشاعر، ومتى يُسكِّنها.

 

إنَّ هناك نوعًا من الخطباء يعتقدون أنَّ الوعظ لا يكون مؤثِّرًا إلاَّ إذا صاحبه رفعُ الصوت والصراخ، وأحيانًا العويل، ويستدلُّون بأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم – كان "إذا خَطَب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبُه، كأنَّه منذر جيش"[10]، وهذا الأمر مجانب للصواب، يقول النووي - رحمه الله - في شرْح الحديث: "‏‏يُستدلُّ به على أنَّه يستحبُّ للخطيب أن يُفخِّم أمر الخطبة، ويرفع صوتَه، ويجزل كلامَه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلَّم فيه مِن ترغيب أو ترهيب، ولعلَّ اشتدادَ غضبه كان عندَ إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحديده خطْبًا جسيمًا"[11].

 

‏ولا شكَّ أنَّ الغَيْرة محمودة، وهي أن يغارَ الخطيب حينما يرى محارِمَ الله تُنتهك، فيَرْفع من وتيرة صوتِه حسب ما يقتضي الحال؛ بل لا ينبغي له في تلك الحال أن يكونَ باردَ الأعصاب، ميِّت المشاعر، كأنَّ الأمر لا يعنيه ولا يهمُّه، بل يعتدل في ذلك كلِّه، ووَفْق ميزان دقيق، فالغرضُ هو حمل الناس على طاعة الله، واجتناب نواهيه، والله المستعان.

 

على أنَّ هناك عواملَ عِدَّةً تجعل الخطيبَ مؤثِّرًا في المستمعين، يملك زِمامَ الأمر فيها، متحكِّمًا في أعصابه ومشاعره، موجِّهًا لها نحوَ خدمة الموقف والحال، ومن هذه العوامل ما يلي:
أولاً: الإخلاص والصِّدق لهما أبلغُ الأثر في نفسية الخطيب، وهي التي تضبط انفعالاتِه، بحيث يُوجِّهها التوجيهَ السليم الذي ينفع به الدِّين، ولا شكَّ "أنَّ ظهور أثر الصِّدق في وجه الداعي وصوته يؤثِّر في المخاطَب، ويحمله ذلك على قَبول قولِه واحترامه، إلاَّ إذا كان عَمَى القلْبِ قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا"[12].

والأمر لا يحتاج إلى تصنُّع وتكلُّف؛ بل متى ما وقع الإيمانُ والثِّقة بالله انساب الحديثُ من الخطيب بالفِطرة، ويظهر أثرُ الصِّدق والإخلاص مِن نبرات الصوت، وعلى وجه الخطيب؛ ولهذا ينبغي على الخطيب ألاَّ يتصنَّع البكاء، وألاَّ يدفعَ نفسَه إلى الخشوع دفعًا؛ لِيُريَ الناس أنَّه حريص على هدايتهم، وأنَّه صادق فيما يدعو إليه، فربَّما وقع في الإحراج، بل يترك نفسَه إلى فطرتها، وما يُملي عليه إيمانُه.

وافتعالُ الحالة النفسيَّة – كالبكاء - خطأٌ يقع فيه بعضُ الخطباء؛ لاعتقاده - بسبب سوء فَهْم أو مغالطة - أنَّ الخطبة حتى تكونَ ناجحةً لا بدَّ من اشتمالها على البكاء.

إنَّ الخطيب الناجح مَن يوصِّل الفكرة، ويُرسِّخ المعلومة، ويكشف الشُّبهة؛ من أجل أن يستفيدَ منه المسلمون في حياتهم العملية.

 

ثانيًا: الورع والخوف من الله له الأثرُ في ضبْط الأعصاب، حيث تكون وفقًا لِمَا أمر الله به، فتُعظِّمه النفوس، وتنقاد لكلامه، "والمقصود من الخُطبة حصولُ الخشوع، والرجوع إلى الله، باتِّباع أمرِه، واجتناب نهيه، والخوف منه، والخوف ممَّا أوعد به، وقوَّة الرجاء فيما عنده، وحسن الظنِّ به سبحانه، فإذا كان الخطيبُ مُستعمِلاً في نفسه ما ذُكِر، كان أدعَى إلى قَبول ما يُلقيه على السامعين؛ لاتِّصافِه بما يتَّصف به هو كما مرَّ"[13]، إضافةً إلى ذلك تكون انفعالاته النفسيَّة منضبطة، لا تتلاعب بها الأحوالُ والظروف؛ بل يكون الخوفُ من الله هو الذي يتحكَّم فيها، وهذا الأمر نافِعٌ جدًّا عند حضور شخصية بارزة، أو وُقوع حَدَث طارئ مُفْزِع، فإن لم يكن الخطيب متسلِّحًا بالخوف من الله، وَقَع فريسةً للانفعالات النفسيَّة المتقلِّبة.

 

ثالثًا: التركيز على موضوع مُعيَّن، وهدف محدَّد، يتحمَّس له، وينفعل به الخطيب، يجمع الهِمَّة، ويُوحِّد له الفِكرة والهدف، ويجعل الذِّهن صافيًا، مما له الأثر في ضبْط الانفعالات، فيخرج الكلامُ بِأَرْيَحِيَّة دون تكلُّف، بخلاف مَن يتكلَّم في أمور شتى[14]، لا يجمعها جامِع، تتبعثر انفعالاته، وتتقلَّب أمزجتُه، وتتضارب عباراتُه، ويَخرج المستمعُ وهو كذلك متقلِّب المفاهيم، لا يعرف ماذا أراد الخطيب، فضلاً عمَّا فهمه هو من الخُطبة.

 

رابعًا: من المهمِّ جدًّا أن تكون المادة التي يُراد طرحُها حاضرةً في ذهن الخطيب، تعالِج موضوعًا واقعًا، أو مرضًا اجتماعيًّا منتشرًا، أو حَدَثًا هامًّا؛ لتتحد مشاعرُ الخطيب مع الحَدَث والمتحدَّث إليه، بدلاً من الكلام عن أمور لم تقع، أو لا تناسب حالَ الظرف والوقت، أو الكلام في مواضيعَ لا تناسب حالَ مَن يدعوهم.
فإذا كان يتكلَّم عن الغزو الفكري ومشاكلِ التطوُّر العلمي وهو يخاطب أهلَ البدو والقرى، فهو يُشتِّت أذهان المستمعين في قضايا لا نَاقةَ لهم فيها ولا جَمل، فيُضيع الجهود، ويُبعثِر الطاقاتِ فيما لا قدرةَ لهم عليه، ولا يدخل في نِطاق عملِهم.

 

خامسًا: عدمُ إهمال جانب العاطفة، ودَورِها في التأثير، كالرَّحمة والشفقة، والغضب، والمودَّة والحبّ، والمواساة والسماحة، والعفو والصفْح، والتألُّم والحزن، وجَبْر الخاطر، وغيرها من العواطف والمشاعِر النبيلة؛ لِمَا لها من عظيم الأثر في نجاح الخُطبة، وأن تكونَ تلك العواطف موافقةً لظروف الخُطبة، ثم يتأمَّل في واقع الناس، وأمراض مجتمعِه، ويعالجها - كالطبيب الحاذق البصير - بحكمة وروِيَّة واعتدال من غير أن يهملَ تلك العواطف، مراعيًا بذلك مشاعرَ من يُخاطبهم، فلا يليق بالخطيب أن يُهمل مشاعِر مَن يخاطبهم، ويضرب بها عُرْضَ الحائط، كان يتكلَّم مثلاً في تفاصيل لا يَليق به أن يذكرَها على المِنبر، بل يُشير إذا اقتضى الأمرُ إشارة، أو يتطرَّق إلى ما يُخالِف عاداتِ القوم وتقاليدَهم في الحَضَر والبدو.

 

سادسًا: أن يكون كلامُه جامعًا مانعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكير هادئ، وألاَّ يحولَ بينه وبين المستمعين أيُّ حائل نفسي؛ إلا مراقبةَ الله، وأن يكون نظرُه إلى المستمعين نظرَ المشفِق عليهم، الحريصِ على هدايتهم، فلا يميِّز بين فقير أو غني، ولا حاكم أو محكوم - لكن في حدود الأدب، وانتقاء للألفاظ.

 

ولهذا ينبغي له قبلَ الشُّروع في الخُطبة، وارتقاء المنبر: تصفيةُ النفس من الشوائب والأكدار، وتحليتُها بالأخلاق السامية، والآداب الفاضلة، والدُّعاء بصِدق أن يوفِّقه الله في وعْظه، وأن يُسدِّد كلامَه، وأن يكون لكلامه وقعٌ طيِّبٌ في نفوس السامعين؛ قال تعالى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

 

خلاصة ما تقدم:
إنَّ الخطيب هو رجلٌٌ سياسي[15] حكيم، وطبيبٌ حاذِق، يعرف أمراضَ الناس وعِللها، والأدوية التي تناسبها، يدعو بالحِكمة، والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصلُ إلى ما يكرهون من حيثُ لا يشعرون، فيشتدُّ في موضِع الشِّدَّة، ويلين في موضع اللِّين، وهو رجل داعيةٌ، قادرٌ على أن يعظَ الناس كلَّهم على اختلاف أصنافهم، وتباين مشاربهم، يُرْشِدُهم إلى غاية عظيمة، وهي ابتغاءُ مرضاةِ الله، وتقديم رِضاه على رِضا المخلوقين، ومحابِّه ومحابِّ رسوله على محابِّ الخَلْق أجمعين، ومِن ثَمَّ التطلُّع إلى ما عند الله - سبحانه - من النعيم المقيم.

 

والله أعلم وأحكم، وأجلُّ وأعظم، وصلَّى الله على سيِّدنا وإمامنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ويليه بإذن المولى سبحانه: "المعوِّقات النفسيَّة للخطيب".

 

ومِن الله المعونةُ والسداد.

 

 

ــــــــــــــــــ

[1] هذه أدوات التبليغ، وكلها تدخل تحت مضمون القول، انظر شرح هذه الأدوات بالتفصيل في كتاب "أصول الدعوة"؛ للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 342) وما بعدها.

[2] انظر: بحث "مميزات الخطبة الناجحة، ونماذج من صناعة الخطب"؛ للباحث مرشد الحيالي على موقع (الألوكة). [3] كتاب "جامع العلوم والحكم"؛ للعلاَّمة ابن رجب الحنبلي (ص: 243)، دار المعرفة، ببيروت. [4] "زاد المعاد في هدي خير العباد"؛ للإمام ابن القيم - رحمه الله (1/117). [5] رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عباس (رقم: 4972). [6] حديث العرباض بن سارية: ((وعظَنا رسولُ الله موعظةً بليغة، وَجِلتْ منها العيون، وذرَفت منها العيون..........))؛ رواه الترمذي (رقم: 2676)، وقال: حديث حسن صحيح. [7] رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله (رقم: 867) [8] القصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي، يمدح بها الرسول الأعظم، وهي بعنوان (ولد الهدى). [9] الحديث رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك (رقم: 4621). [10] تقدم رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله (رقم: 867). [11] انظر: شرح الإمام النووي - رحمه الله - لصحيح مسلم (6/222). [12] "أصول الدعوة"؛ للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 256). [13] "المدخل"؛ لابن الحاج (2/270) فصل (فرش السجادة على المنبر).
 وليس معنى ما ذُكِر أن يكون الخطيب علاَّمة زمانه، ووحيدَ أوانه، ولكن المطلوب المقاربة، وأن يتخلَّق بخلق سيِّد الأنبياء، واللهُ لا يُكلِّف نفسًا إلاَّ وسعها. [14] بعض المناسبات كمناسبة العيد، يحتاج الخطيب إلى التنويع في المواضيع، ولكن يربطها بالأصل العام، وهو: تقوى الله وطاعته، حتى تُؤتي الخطبةُ ثمارَها. [15] ليس المقصود من السياسة الدهاء والمكر، بل الحِكمة ومراعاة شؤون الناس، ومعرفة أحوالهم، ومعالجة أمراضهم.   نوشته : مرشدالحيالي   http://www.alukah.net/Sharia/0/8211/  

ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۰ ] [ مشاوره مديريت ]

 

دواعي قوة الخطيب

تنقسم دواعي قوة الخطيب إلى قسمين: أساسي، وفرعي.

القسم الأساسي منها كالآتي:

1 – استعداده الفطري: ويمكن له أن يقوي هذا الاستعداد وينمِّيه بالتدريب، وكثرة مزاولة الخطابة.

2 – اللسَن والفصاحة: ومنه حسن المنطق، وصحة إظهار الحروف، ثم قوة التعبير، واختيار الألفاظ.

3 – التزود بالعلوم من شتى الفنون: وهذا يساعده على الذي قبله ويمده في كل موقف وعلاج كل موضوع.

4 – حضور البديهة: وهي الَّتي تعينه على مواجهة الطوارئ حسَب مقتضيات المواقف المختلفة.

5 – معرفة نفسيَّة السَّامعين: ليتجاوب معهم ما أمكن؛ ولهذا العنصر أهمية كبرى؛ لأنه آذان السامعين، والنافذة الَّتي ينفذ منها إلى القلوب.

6 – العواطف الجياشة بمعاني الموضوع الذي تتناوله الخطبة: وإيمان الخطيب بفكرته، وثقته بنجاحه.

والعاطفة خاصة هي الطاقة الَّتي تحركه، والقوة الَّتي تدفعه، كما أن إيمان الخطيب بفكرته هو الأساس الذي يرتكز عليه، والدعامة الَّتي يقوم عليها بين الجماهير، وثقته بالنجاح هي الرابطة بين موضوعه وشعور الجماهير.

أما العوامل الفرعية، فهي عوامل شكلية تكسب الخطيب هيبةً ووقارًا تدعم موقفه منها:

1 – حُسن سَمْتِه: مما يَلفِت الأنظار إليه ويُعلِي قدره قبل تحدثه.

2 – رَوعة إلقائه: وتكييف نبرات صوته، وحُسْن جَرسِه مما يستولي على أسماع الحاضرين.

3 – حسن إشارته: ومجيئها في مواضعها عند الحاجة.

4 – إخلاصه، وسمو أخلاقه، وحسن سيرته: وخاصَّة في الخطابة الدينية، وقد سمع الحسَن البصري - رحمه الله - خطيبًا، ولم يتأثر به فقال: "يا هذا، إن بقلبك لشرًّا أو بقلبي".

وأخيرًا؛ مراعاة كل ما يلزم قبل الإقدام على الخطابة.

 

عيوب الخطابة، وما ينبغي للخطيب تجنُّبه

تنقسم العيوب في الخطابة إلى قسمين:

1 – قسم خَلْقي: في الخطيب يتعلق بالنطق، كاللثغ، والفأفاة، والتأتأة.

أ – واللثغ: هو تغيير بعد الحروف كالراء ينطقها غينًا أو ياء أو بينهما، ويرى كبار العلماء أنه أخفها بل ويستعذبها بعض الناس ويعدها الجاحظ من (محاسن النبلاء والأشراف)، وواصل بن عطاء من كبار الخطباء وكان ألثغ في الراء، فكان يحاول مجانبتها باستعمال كلمات خالية من الراء بدلاً مما هي فيها.

ومن طريف ما ينقل عنه في بشار بن برد يرد عليه قال: "أما لهذا الأعمى الملحد المشنَّف المكنَّى بأبي معاذ مَن يقتله، أما والله، لولا أن الغيلة سجيَّة من سجايا الغالية لبعثت إليه من يَبْعَج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله أو في حفله"، فتراه قد جانب الراء في (بشار)، وفي (المرعث)، وفي (ابن برد) واستبدلها بأوصافه المشنَّف، أبي معاذ، واستعمل (الملحد) بدلاً من (الكافر)، واستعمل (بعثت) بدلاً من (أرسلت)، و(يبعج) بدلاً من (يبقر)، و(مضجعه) بدلاً من (فراشه)، و(منزله) بدلاً من (داره).

ومثل ذلك ما حُكِيَ من أن بعض الناس أراد إحراجه وهو يخطب فناوله ورقةً مكتوب فيها: "أمَرَ أمِيرُ المؤمِنِين بِحفر بئر على قارعة الطريق؛ ليرِدَه الجائي والرائح"، فتناولها وعلم المقصود منها لكثرة الراء فيها، فقال: "حكم الخليفة بشق جب على جانب السبيل ليتزود منه الجائي والغادي"، ومثل ذلك وإن كان لا يخلو من الصنعة إلاَّ أنه يعطي صورة لمحاولة تجنُّب اللثغة في الخطابة.

ب – والفأفأة: كثرة ظهور الفاء في الكلام لثقل في اللسان، ومثلها التأتأة، وبعض الناس يظهر ذلك في نطقه العادي، فإذا أخذ في الخطابة، قل ظهوره في كلامه، إما لحماسة، أو لسرعة إلقائه، أو لشدة عنايته.

2 – وقسم عارض أثناء الخطابة: كالحصر، والإعياء، والاستعانة.

أما الحصر: وهو احتباس اللسان عن الكلام، فقد يطرأ على الخطيب بسبب الدهشة مما يفجأ نظره أو سمعه، أو بالحيرة مما يواجهه أو يتوهمه، قال أبو هلال العسكري: "الحيرة والدهشة، يورثان الحبسة والحصر، وهذا من أخطر المواقف على الخطيب، سرعان ما تظهر آثاره على وجهه، فيشحب لونه، ويتصبَّب عرقه، ويجف ريقه، وربما دارت رأسه، وطنَّت أذنه، وخارت قواه، وقل أن يوجد لهذه الأزمة حلٌّ إلاَّ جَلَدَ الخطيب وقوة شخصيته، وخير وسيلة لتدارك موقفه، إما بالجلوس وتناول شيء من الماء، أو طلبه إن لم يكن موجودًا، ولو لم تكن لديه شدة حاجة، وإما بتناوله كتابًا أو جريدةً أو أوراقًا يقلب صفحاتها، أو قلما يتأمل فيه، أو أي شيء يتشاغل به نسبيًّا، حتى تذهب عنه الدهشة، وهو في أثناء ذلك يعالج بفكره افتتاح الكلام، ولو أن يقرأ فاتحة الكتاب، ومن هنا كانت قوة شخصية الخطيب وإعداده للخطبة أقوَى عدة لنجاح الخطابة.

وقد يسعف الخطيب عبارة موجزة تغطي الموقف فيكتفي بها، وكأنه ما أراد إلاَّ هي فيحسن التخلُّص من المأزق بها.

صور من ذلك:

1 – في أول خلافة عثمان صعد المنبر ليخطب الناس فأرتج ، فقال: "أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن أَعِشْ تأتكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد العسر يسرًا"[1]، هكذا يروي علماء الأدب، وابن كثير يقول: "لم أجد ذلك بسند تسكن النفس إليه"[2].

2 – ما ينقل عن ثابت بن قطنة على منبر سجستان يوم الجمعة، وقد أحصر، فقال: "سيجعل الله بعد عسر يسرًا، وبعد عِيٍّ بيانًا، وأنتم إلى أميرٍ فعالٍ أحوج منكم إلى أميرٍ قوَّال:

فَإنْ لا أكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإنَّنِي        بِسَيْفِي إذَا جَدَّ الْوَغَي لَخَطِيبُ

فكان اعتذاره أبلغ من خطابة غيره، حتى قال خالد بن صفوان لما بلغه خبره: "والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه في كلماته هذه".

3 – وقال المبرد: حُدِّثْتُ أن أبا بكر ولَّى يزيد بن أبي سفيان رَبْعًا من أرباع الشام، فرقي المنبر فتكلم فأُرْتِجَ عليه، فاستأنف فأرتج عليه، فقطع الخطبة، فقال: "سيجعل الله بعد عسر يسرًا، وبعد عي بيانًا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال"، فبلغ كلامه عمرو بن العاص، فقال: "هن مخرجاتي من الشام، استحسانًا لكلامه".

4 – وقد يسعف الخطيب نفسه بحسن تصرفه في مال أو نحوه، كما فعل عبدالله بن عامر بالبصرة، لما أرتج عليه يوم العيد، فقال: "والله، لا أجمع عليكم عيًّا ولؤمًا، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي".

وعلى الخطيب أن يحتال ليخلص نفسه ولا يُرمَى بما يجري على لسانه بدونه أن يزنه، فقد يوقع نفسه في أسوأ مما هو فيه، كما وقع من مصعب بن حيان، دُعي ليخطب في نكاح فأرتج عليه، فقال: "لقنوا موتاكم (لا إله إلاَّ الله)"، فقالت أم الجارية: "عجل الله موتك، ألهذا دعوناك".

وقريب منه ما وقع لعبدالله العشري لما أرتج عليه، وهو على المنبر، فقال: "أطعموني ماء"، فعُيِّر بذلك؛ لاستعماله أطعموني بدل اسقوني.

أما الاستعانة، فهي: ما يتحيَّل به الخطيب لاستجداء فكره وكلامه، وقد يصبح عادة، وهو لا يدري.

من ذلك أن يعبث بأصابعه أو مسبحته أو أنفه أو لحيته أو عمامته... إلخ، أو أن يأتي بعبارات ليست ذات معنى جديد: إما إعادة لعبارات مضت، أو قوله كمثل: "علمتم، أيها الناس، اسمعوا ما أقول، أفهمتم ما مضى؟" قال رجل للعتابي: ما البلاغة؟ فقال: كل ما أفهمك حاجته من غير إعادة، ولا حبسة ولا استعانة، فهو بليغ، قال: قد عرفت الإعادة والحبسة، فما الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا، ويا هيه، واسمع مني، واستمع إلي.

قال المبرد (1/ 19): أما ما ذكرناه من الاستعانة فهو: أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه؛ ليصحح به نظمًا أو وزنًا إن كان في شعر، أو ليتذكر به ما بعده إن كان في كلام منثور، كنحو ما تسمعه في كثير من كلام العامة، مثل قولهم: ألست تسمع؟ أفهمت؟ أين أنت؟ وما أشبه هذا، وربما تشاغل العيِيُّ بفتل أصابعه، ومس لحيته، وغير ذلك من بدنه، وربما تنحنح، وقد قال الشاعر يعيب بعض الخطباء:

مَلِيءٌ  بِبَهْرٍ  وَالْتِفَاتٍ  وَسَعْلَةٍ        وَسَمْحَةِ عَثْنُونٍ وَفَتْلِ الأصَابِعِ

وقال رجل من الخوارج يصف خطيبًا منهم بالجبن، وأنه مجيد لولا أن الرعب أذهله:

نَحْنَحَ  زَيْدٌ   وَسَعَلْ        لَمَّا رَأى وَقْعَ الأسَلْ
وَيْلُمِّهِ  إذَا   ارْتَجَلْ        ثُمَّ  أطَالَ   وَاحْتَفَلْ

قوله (ويلمه)، أي: ويل لأمه، عبارةُ تعجب، أي: إذا ارتجل كان فصيحًا وأطال واحتفل، ولكنه نحنح وسعل لما رأى وقع السلاح.

وقد يتعود الخطيب بعض تلك الأشياء، فتصبح ملازمة له بدون حاجة، فليحذر المتكلم التعود عليها، وأحسن طريق لتجنُّب هذه العيوب، هو حسن التحضير، والإيجاز في التعبير، والتمهُّل في الإلقاء، حتى يكون كلامه بقدر ما يسعفه تفكيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 62)، وضعَّفه مشهور سلمان في كتابه (قصص لا تثبت 2/ 72) بأن في إسناده الواقدي وهو متروك. 

[2]   البداية (7/ 148)، (حاشية في الأصل).

منبع :

كتاب: "أصول الخطابة والإنشاء".

الشيخ عطيه محمد سالم



ادامه مطلب
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۰۹ ] [ مشاوره مديريت ]
[ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸ ][ ۱۴۹ ][ ۱۵۰ ][ ۱۵۱ ][ ۱۵۲ ][ ۱۵۳ ][ ۱۵۴ ][ ۱۵۵ ][ ۱۵۶ ][ ۱۵۷ ][ ۱۵۸ ][ ۱۵۹ ][ ۱۶۰ ][ ۱۶۱ ][ ۱۶۲ ][ ۱۶۳ ][ ۱۶۴ ][ ۱۶۵ ][ ۱۶۶ ][ ۱۶۷ ][ ۱۶۸ ][ ۱۶۹ ][ ۱۷۰ ][ ۱۷۱ ][ ۱۷۲ ][ ۱۷۳ ][ ۱۷۴ ][ ۱۷۵ ][ ۱۷۶ ][ ۱۷۷ ][ ۱۷۸ ][ ۱۷۹ ][ ۱۸۰ ][ ۱۸۱ ][ ۱۸۲ ][ ۱۸۳ ][ ۱۸۴ ][ ۱۸۵ ][ ۱۸۶ ][ ۱۸۷ ][ ۱۸۸ ][ ۱۸۹ ][ ۱۹۰ ][ ۱۹۱ ][ ۱۹۲ ][ ۱۹۳ ][ ۱۹۴ ][ ۱۹۵ ][ ۱۹۶ ][ ۱۹۷ ][ ۱۹۸ ][ ۱۹۹ ][ ۲۰۰ ][ ۲۰۱ ][ ۲۰۲ ][ ۲۰۳ ][ ۲۰۴ ][ ۲۰۵ ][ ۲۰۶ ][ ۲۰۷ ][ ۲۰۸ ][ ۲۰۹ ][ ۲۱۰ ][ ۲۱۱ ][ ۲۱۲ ][ ۲۱۳ ][ ۲۱۴ ][ ۲۱۵ ][ ۲۱۶ ][ ۲۱۷ ][ ۲۱۸ ][ ۲۱۹ ][ ۲۲۰ ][ ۲۲۱ ][ ۲۲۲ ][ ۲۲۳ ][ ۲۲۴ ][ ۲۲۵ ][ ۲۲۶ ][ ۲۲۷ ][ ۲۲۸ ][ ۲۲۹ ][ ۲۳۰ ][ ۲۳۱ ][ ۲۳۲ ][ ۲۳۳ ][ ۲۳۴ ][ ۲۳۵ ][ ۲۳۶ ][ ۲۳۷ ][ ۲۳۸ ][ ۲۳۹ ][ ۲۴۰ ][ ۲۴۱ ][ ۲۴۲ ][ ۲۴۳ ][ ۲۴۴ ][ ۲۴۵ ][ ۲۴۶ ][ ۲۴۷ ][ ۲۴۸ ][ ۲۴۹ ][ ۲۵۰ ][ ۲۵۱ ][ ۲۵۲ ][ ۲۵۳ ][ ۲۵۴ ][ ۲۵۵ ][ ۲۵۶ ][ ۲۵۷ ][ ۲۵۸ ][ ۲۵۹ ][ ۲۶۰ ][ ۲۶۱ ][ ۲۶۲ ][ ۲۶۳ ][ ۲۶۴ ][ ۲۶۵ ][ ۲۶۶ ][ ۲۶۷ ][ ۲۶۸ ][ ۲۶۹ ][ ۲۷۰ ][ ۲۷۱ ][ ۲۷۲ ][ ۲۷۳ ][ ۲۷۴ ][ ۲۷۵ ][ ۲۷۶ ][ ۲۷۷ ][ ۲۷۸ ][ ۲۷۹ ][ ۲۸۰ ][ ۲۸۱ ][ ۲۸۲ ][ ۲۸۳ ][ ۲۸۴ ][ ۲۸۵ ][ ۲۸۶ ][ ۲۸۷ ][ ۲۸۸ ][ ۲۸۹ ][ ۲۹۰ ][ ۲۹۱ ][ ۲۹۲ ][ ۲۹۳ ][ ۲۹۴ ][ ۲۹۵ ][ ۲۹۶ ][ ۲۹۷ ][ ۲۹۸ ][ ۲۹۹ ][ ۳۰۰ ][ ۳۰۱ ][ ۳۰۲ ][ ۳۰۳ ][ ۳۰۴ ][ ۳۰۵ ][ ۳۰۶ ][ ۳۰۷ ][ ۳۰۸ ][ ۳۰۹ ][ ۳۱۰ ][ ۳۱۱ ][ ۳۱۲ ][ ۳۱۳ ][ ۳۱۴ ][ ۳۱۵ ][ ۳۱۶ ][ ۳۱۷ ][ ۳۱۸ ][ ۳۱۹ ][ ۳۲۰ ][ ۳۲۱ ][ ۳۲۲ ][ ۳۲۳ ][ ۳۲۴ ][ ۳۲۵ ][ ۳۲۶ ][ ۳۲۷ ][ ۳۲۸ ][ ۳۲۹ ][ ۳۳۰ ][ ۳۳۱ ][ ۳۳۲ ][ ۳۳۳ ][ ۳۳۴ ][ ۳۳۵ ][ ۳۳۶ ][ ۳۳۷ ][ ۳۳۸ ][ ۳۳۹ ][ ۳۴۰ ][ ۳۴۱ ][ ۳۴۲ ][ ۳۴۳ ][ ۳۴۴ ][ ۳۴۵ ][ ۳۴۶ ][ ۳۴۷ ][ ۳۴۸ ][ ۳۴۹ ][ ۳۵۰ ][ ۳۵۱ ][ ۳۵۲ ][ ۳۵۳ ][ ۳۵۴ ][ ۳۵۵ ][ ۳۵۶ ][ ۳۵۷ ][ ۳۵۸ ][ ۳۵۹ ][ ۳۶۰ ][ ۳۶۱ ][ ۳۶۲ ][ ۳۶۳ ][ ۳۶۴ ][ ۳۶۵ ][ ۳۶۶ ][ ۳۶۷ ][ ۳۶۸ ][ ۳۶۹ ][ ۳۷۰ ][ ۳۷۱ ][ ۳۷۲ ][ ۳۷۳ ][ ۳۷۴ ][ ۳۷۵ ][ ۳۷۶ ][ ۳۷۷ ][ ۳۷۸ ][ ۳۷۹ ][ ۳۸۰ ][ ۳۸۱ ][ ۳۸۲ ][ ۳۸۳ ][ ۳۸۴ ][ ۳۸۵ ][ ۳۸۶ ][ ۳۸۷ ][ ۳۸۸ ][ ۳۸۹ ][ ۳۹۰ ][ ۳۹۱ ][ ۳۹۲ ][ ۳۹۳ ][ ۳۹۴ ][ ۳۹۵ ][ ۳۹۶ ][ ۳۹۷ ][ ۳۹۸ ][ ۳۹۹ ][ ۴۰۰ ][ ۴۰۱ ][ ۴۰۲ ][ ۴۰۳ ][ ۴۰۴ ][ ۴۰۵ ][ ۴۰۶ ][ ۴۰۷ ][ ۴۰۸ ][ ۴۰۹ ][ ۴۱۰ ][ ۴۱۱ ][ ۴۱۲ ][ ۴۱۳ ][ ۴۱۴ ][ ۴۱۵ ][ ۴۱۶ ][ ۴۱۷ ][ ۴۱۸ ][ ۴۱۹ ][ ۴۲۰ ][ ۴۲۱ ][ ۴۲۲ ][ ۴۲۳ ][ ۴۲۴ ][ ۴۲۵ ][ ۴۲۶ ][ ۴۲۷ ][ ۴۲۸ ][ ۴۲۹ ][ ۴۳۰ ][ ۴۳۱ ][ ۴۳۲ ][ ۴۳۳ ][ ۴۳۴ ][ ۴۳۵ ][ ۴۳۶ ][ ۴۳۷ ][ ۴۳۸ ][ ۴۳۹ ][ ۴۴۰ ][ ۴۴۱ ][ ۴۴۲ ][ ۴۴۳ ][ ۴۴۴ ][ ۴۴۵ ][ ۴۴۶ ][ ۴۴۷ ][ ۴۴۸ ][ ۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶۹ ][ ۴۷۰ ][ ۴۷۱ ][ ۴۷۲ ][ ۴۷۳ ][ ۴۷۴ ][ ۴۷۵ ][ ۴۷۶ ][ ۴۷۷ ][ ۴۷۸ ][ ۴۷۹ ][ ۴۸۰ ][ ۴۸۱ ][ ۴۸۲ ][ ۴۸۳ ][ ۴۸۴ ][ ۴۸۵ ][ ۴۸۶ ][ ۴۸۷ ][ ۴۸۸ ][ ۴۸۹ ][ ۴۹۰ ][ ۴۹۱ ][ ۴۹۲ ][ ۴۹۳ ][ ۴۹۴ ][ ۴۹۵ ][ ۴۹۶ ][ ۴۹۷ ][ ۴۹۸ ][ ۴۹۹ ][ ۵۰۰ ][ ۵۰۱ ][ ۵۰۲ ][ ۵۰۳ ][ ۵۰۴ ][ ۵۰۵ ][ ۵۰۶ ][ ۵۰۷ ][ ۵۰۸ ][ ۵۰۹ ][ ۵۱۰ ][ ۵۱۱ ][ ۵۱۲ ][ ۵۱۳ ][ ۵۱۴ ][ ۵۱۵ ][ ۵۱۶ ][ ۵۱۷ ][ ۵۱۸ ][ ۵۱۹ ][ ۵۲۰ ][ ۵۲۱ ][ ۵۲۲ ][ ۵۲۳ ][ ۵۲۴ ][ ۵۲۵ ][ ۵۲۶ ][ ۵۲۷ ][ ۵۲۸ ][ ۵۲۹ ][ ۵۳۰ ][ ۵۳۱ ][ ۵۳۲ ][ ۵۳۳ ][ ۵۳۴ ][ ۵۳۵ ][ ۵۳۶ ][ ۵۳۷ ][ ۵۳۸ ][ ۵۳۹ ][ ۵۴۰ ][ ۵۴۱ ][ ۵۴۲ ][ ۵۴۳ ][ ۵۴۴ ][ ۵۴۵ ][ ۵۴۶ ][ ۵۴۷ ][ ۵۴۸ ][ ۵۴۹ ][ ۵۵۰ ][ ۵۵۱ ][ ۵۵۲ ][ ۵۵۳ ][ ۵۵۴ ][ ۵۵۵ ][ ۵۵۶ ][ ۵۵۷ ][ ۵۵۸ ][ ۵۵۹ ][ ۵۶۰ ][ ۵۶۱ ][ ۵۶۲ ][ ۵۶۳ ][ ۵۶۴ ][ ۵۶۵ ][ ۵۶۶ ][ ۵۶۷ ][ ۵۶۸ ][ ۵۶۹ ][ ۵۷۰ ][ ۵۷۱ ][ ۵۷۲ ][ ۵۷۳ ][ ۵۷۴ ][ ۵۷۵ ][ ۵۷۶ ][ ۵۷۷ ][ ۵۷۸ ][ ۵۷۹ ][ ۵۸۰ ][ ۵۸۱ ][ ۵۸۲ ][ ۵۸۳ ][ ۵۸۴ ][ ۵۸۵ ][ ۵۸۶ ][ ۵۸۷ ][ ۵۸۸ ][ ۵۸۹ ][ ۵۹۰ ][ ۵۹۱ ][ ۵۹۲ ][ ۵۹۳ ][ ۵۹۴ ][ ۵۹۵ ][ ۵۹۶ ][ ۵۹۷ ][ ۵۹۸ ][ ۵۹۹ ][ ۶۰۰ ][ ۶۰۱ ][ ۶۰۲ ][ ۶۰۳ ][ ۶۰۴ ][ ۶۰۵ ][ ۶۰۶ ][ ۶۰۷ ][ ۶۰۸ ][ ۶۰۹ ][ ۶۱۰ ][ ۶۱۱ ][ ۶۱۲ ][ ۶۱۳ ][ ۶۱۴ ][ ۶۱۵ ][ ۶۱۶ ][ ۶۱۷ ][ ۶۱۸ ][ ۶۱۹ ][ ۶۲۰ ][ ۶۲۱ ][ ۶۲۲ ][ ۶۲۳ ][ ۶۲۴ ][ ۶۲۵ ][ ۶۲۶ ][ ۶۲۷ ][ ۶۲۸ ][ ۶۲۹ ][ ۶۳۰ ][ ۶۳۱ ][ ۶۳۲ ][ ۶۳۳ ][ ۶۳۴ ][ ۶۳۵ ][ ۶۳۶ ][ ۶۳۷ ][ ۶۳۸ ][ ۶۳۹ ][ ۶۴۰ ][ ۶۴۱ ][ ۶۴۲ ][ ۶۴۳ ][ ۶۴۴ ][ ۶۴۵ ][ ۶۴۶ ][ ۶۴۷ ][ ۶۴۸ ][ ۶۴۹ ][ ۶۵۰ ][ ۶۵۱ ][ ۶۵۲ ][ ۶۵۳ ][ ۶۵۴ ][ ۶۵۵ ][ ۶۵۶ ][ ۶۵۷ ][ ۶۵۸ ][ ۶۵۹ ][ ۶۶۰ ][ ۶۶۱ ][ ۶۶۲ ][ ۶۶۳ ][ ۶۶۴ ][ ۶۶۵ ][ ۶۶۶ ][ ۶۶۷ ][ ۶۶۸ ][ ۶۶۹ ][ ۶۷۰ ][ ۶۷۱ ][ ۶۷۲ ][ ۶۷۳ ][ ۶۷۴ ][ ۶۷۵ ][ ۶۷۶ ][ ۶۷۷ ][ ۶۷۸ ][ ۶۷۹ ][ ۶۸۰ ][ ۶۸۱ ][ ۶۸۲ ][ ۶۸۳ ][ ۶۸۴ ][ ۶۸۵ ][ ۶۸۶ ][ ۶۸۷ ][ ۶۸۸ ][ ۶۸۹ ][ ۶۹۰ ][ ۶۹۱ ][ ۶۹۲ ][ ۶۹۳ ][ ۶۹۴ ][ ۶۹۵ ][ ۶۹۶ ][ ۶۹۷ ][ ۶۹۸ ][ ۶۹۹ ][ ۷۰۰ ][ ۷۰۱ ][ ۷۰۲ ][ ۷۰۳ ][ ۷۰۴ ][ ۷۰۵ ][ ۷۰۶ ][ ۷۰۷ ][ ۷۰۸ ][ ۷۰۹ ][ ۷۱۰ ][ ۷۱۱ ][ ۷۱۲ ][ ۷۱۳ ][ ۷۱۴ ][ ۷۱۵ ][ ۷۱۶ ][ ۷۱۷ ][ ۷۱۸ ][ ۷۱۹ ][ ۷۲۰ ][ ۷۲۱ ][ ۷۲۲ ][ ۷۲۳ ][ ۷۲۴ ][ ۷۲۵ ][ ۷۲۶ ][ ۷۲۷ ][ ۷۲۸ ][ ۷۲۹ ][ ۷۳۰ ][ ۷۳۱ ][ ۷۳۲ ][ ۷۳۳ ][ ۷۳۴ ][ ۷۳۵ ][ ۷۳۶ ][ ۷۳۷ ][ ۷۳۸ ][ ۷۳۹ ][ ۷۴۰ ][ ۷۴۱ ][ ۷۴۲ ][ ۷۴۳ ][ ۷۴۴ ][ ۷۴۵ ][ ۷۴۶ ][ ۷۴۷ ][ ۷۴۸ ][ ۷۴۹ ][ ۷۵۰ ][ ۷۵۱ ][ ۷۵۲ ][ ۷۵۳ ][ ۷۵۴ ][ ۷۵۵ ][ ۷۵۶ ][ ۷۵۷ ][ ۷۵۸ ][ ۷۵۹ ][ ۷۶۰ ][ ۷۶۱ ][ ۷۶۲ ][ ۷۶۳ ][ ۷۶۴ ][ ۷۶۵ ][ ۷۶۶ ][ ۷۶۷ ][ ۷۶۸ ][ ۷۶۹ ][ ۷۷۰ ][ ۷۷۱ ][ ۷۷۲ ][ ۷۷۳ ][ ۷۷۴ ][ ۷۷۵ ][ ۷۷۶ ][ ۷۷۷ ][ ۷۷۸ ][ ۷۷۹ ][ ۷۸۰ ][ ۷۸۱ ][ ۷۸۲ ][ ۷۸۳ ][ ۷۸۴ ][ ۷۸۵ ][ ۷۸۶ ][ ۷۸۷ ][ ۷۸۸ ][ ۷۸۹ ][ ۷۹۰ ][ ۷۹۱ ][ ۷۹۲ ][ ۷۹۳ ][ ۷۹۴ ][ ۷۹۵ ][ ۷۹۶ ][ ۷۹۷ ][ ۷۹۸ ][ ۷۹۹ ][ ۸۰۰ ][ ۸۰۱ ][ ۸۰۲ ][ ۸۰۳ ][ ۸۰۴ ][ ۸۰۵ ][ ۸۰۶ ][ ۸۰۷ ][ ۸۰۸ ][ ۸۰۹ ][ ۸۱۰ ][ ۸۱۱ ][ ۸۱۲ ][ ۸۱۳ ][ ۸۱۴ ][ ۸۱۵ ][ ۸۱۶ ][ ۸۱۷ ][ ۸۱۸ ][ ۸۱۹ ][ ۸۲۰ ][ ۸۲۱ ][ ۸۲۲ ][ ۸۲۳ ][ ۸۲۴ ][ ۸۲۵ ][ ۸۲۶ ][ ۸۲۷ ][ ۸۲۸ ][ ۸۲۹ ][ ۸۳۰ ][ ۸۳۱ ][ ۸۳۲ ][ ۸۳۳ ][ ۸۳۴ ][ ۸۳۵ ][ ۸۳۶ ][ ۸۳۷ ][ ۸۳۸ ][ ۸۳۹ ][ ۸۴۰ ][ ۸۴۱ ][ ۸۴۲ ][ ۸۴۳ ][ ۸۴۴ ][ ۸۴۵ ][ ۸۴۶ ][ ۸۴۷ ][ ۸۴۸ ][ ۸۴۹ ][ ۸۵۰ ][ ۸۵۱ ][ ۸۵۲ ][ ۸۵۳ ][ ۸۵۴ ][ ۸۵۵ ][ ۸۵۶ ][ ۸۵۷ ][ ۸۵۸ ][ ۸۵۹ ][ ۸۶۰ ][ ۸۶۱ ][ ۸۶۲ ][ ۸۶۳ ][ ۸۶۴ ][ ۸۶۵ ][ ۸۶۶ ][ ۸۶۷ ][ ۸۶۸ ][ ۸۶۹ ][ ۸۷۰ ][ ۸۷۱ ][ ۸۷۲ ][ ۸۷۳ ][ ۸۷۴ ][ ۸۷۵ ][ ۸۷۶ ][ ۸۷۷ ][ ۸۷۸ ][ ۸۷۹ ][ ۸۸۰ ][ ۸۸۱ ][ ۸۸۲ ][ ۸۸۳ ][ ۸۸۴ ][ ۸۸۵ ][ ۸۸۶ ][ ۸۸۷ ][ ۸۸۸ ][ ۸۸۹ ][ ۸۹۰ ][ ۸۹۱ ][ ۸۹۲ ][ ۸۹۳ ][ ۸۹۴ ][ ۸۹۵ ][ ۸۹۶ ][ ۸۹۷ ][ ۸۹۸ ][ ۸۹۹ ][ ۹۰۰ ][ ۹۰۱ ][ ۹۰۲ ][ ۹۰۳ ][ ۹۰۴ ][ ۹۰۵ ][ ۹۰۶ ][ ۹۰۷ ][ ۹۰۸ ][ ۹۰۹ ][ ۹۱۰ ][ ۹۱۱ ][ ۹۱۲ ][ ۹۱۳ ][ ۹۱۴ ][ ۹۱۵ ][ ۹۱۶ ][ ۹۱۷ ][ ۹۱۸ ][ ۹۱۹ ][ ۹۲۰ ][ ۹۲۱ ][ ۹۲۲ ][ ۹۲۳ ][ ۹۲۴ ][ ۹۲۵ ][ ۹۲۶ ][ ۹۲۷ ][ ۹۲۸ ][ ۹۲۹ ][ ۹۳۰ ][ ۹۳۱ ][ ۹۳۲ ][ ۹۳۳ ][ ۹۳۴ ][ ۹۳۵ ][ ۹۳۶ ][ ۹۳۷ ][ ۹۳۸ ][ ۹۳۹ ][ ۹۴۰ ][ ۹۴۱ ][ ۹۴۲ ][ ۹۴۳ ][ ۹۴۴ ][ ۹۴۵ ][ ۹۴۶ ][ ۹۴۷ ][ ۹۴۸ ][ ۹۴۹ ][ ۹۵۰ ][ ۹۵۱ ][ ۹۵۲ ][ ۹۵۳ ][ ۹۵۴ ][ ۹۵۵ ][ ۹۵۶ ][ ۹۵۷ ][ ۹۵۸ ][ ۹۵۹ ][ ۹۶۰ ][ ۹۶۱ ][ ۹۶۲ ][ ۹۶۳ ][ ۹۶۴ ][ ۹۶۵ ][ ۹۶۶ ][ ۹۶۷ ][ ۹۶۸ ][ ۹۶۹ ][ ۹۷۰ ][ ۹۷۱ ][ ۹۷۲ ][ ۹۷۳ ][ ۹۷۴ ][ ۹۷۵ ][ ۹۷۶ ][ ۹۷۷ ][ ۹۷۸ ][ ۹۷۹ ][ ۹۸۰ ][ ۹۸۱ ][ ۹۸۲ ][ ۹۸۳ ][ ۹۸۴ ][ ۹۸۵ ][ ۹۸۶ ][ ۹۸۷ ][ ۹۸۸ ][ ۹۸۹ ][ ۹۹۰ ][ ۹۹۱ ][ ۹۹۲ ][ ۹۹۳ ][ ۹۹۴ ][ ۹۹۵ ][ ۹۹۶ ][ ۹۹۷ ][ ۹۹۸ ][ ۹۹۹ ][ ۱۰۰۰ ][ ۱۰۰۱ ][ ۱۰۰۲ ][ ۱۰۰۳ ][ ۱۰۰۴ ][ ۱۰۰۵ ][ ۱۰۰۶ ][ ۱۰۰۷ ][ ۱۰۰۸ ][ ۱۰۰۹ ][ ۱۰۱۰ ][ ۱۰۱۱ ][ ۱۰۱۲ ][ ۱۰۱۳ ][ ۱۰۱۴ ][ ۱۰۱۵ ][ ۱۰۱۶ ][ ۱۰۱۷ ][ ۱۰۱۸ ][ ۱۰۱۹ ][ ۱۰۲۰ ][ ۱۰۲۱ ][ ۱۰۲۲ ][ ۱۰۲۳ ][ ۱۰۲۴ ][ ۱۰۲۵ ][ ۱۰۲۶ ][ ۱۰۲۷ ][ ۱۰۲۸ ][ ۱۰۲۹ ][ ۱۰۳۰ ][ ۱۰۳۱ ][ ۱۰۳۲ ][ ۱۰۳۳ ][ ۱۰۳۴ ][ ۱۰۳۵ ][ ۱۰۳۶ ][ ۱۰۳۷ ][ ۱۰۳۸ ][ ۱۰۳۹ ][ ۱۰۴۰ ][ ۱۰۴۱ ][ ۱۰۴۲ ][ ۱۰۴۳ ][ ۱۰۴۴ ][ ۱۰۴۵ ][ ۱۰۴۶ ][ ۱۰۴۷ ][ ۱۰۴۸ ][ ۱۰۴۹ ][ ۱۰۵۰ ][ ۱۰۵۱ ][ ۱۰۵۲ ][ ۱۰۵۳ ][ ۱۰۵۴ ][ ۱۰۵۵ ][ ۱۰۵۶ ][ ۱۰۵۷ ][ ۱۰۵۸ ][ ۱۰۵۹ ][ ۱۰۶۰ ][ ۱۰۶۱ ][ ۱۰۶۲ ][ ۱۰۶۳ ][ ۱۰۶۴ ][ ۱۰۶۵ ][ ۱۰۶۶ ][ ۱۰۶۷ ][ ۱۰۶۸ ][ ۱۰۶۹ ][ ۱۰۷۰ ][ ۱۰۷۱ ][ ۱۰۷۲ ][ ۱۰۷۳ ][ ۱۰۷۴ ][ ۱۰۷۵ ][ ۱۰۷۶ ][ ۱۰۷۷ ][ ۱۰۷۸ ][ ۱۰۷۹ ][ ۱۰۸۰ ][ ۱۰۸۱ ][ ۱۰۸۲ ][ ۱۰۸۳ ][ ۱۰۸۴ ][ ۱۰۸۵ ][ ۱۰۸۶ ][ ۱۰۸۷ ][ ۱۰۸۸ ][ ۱۰۸۹ ][ ۱۰۹۰ ][ ۱۰۹۱ ][ ۱۰۹۲ ][ ۱۰۹۳ ][ ۱۰۹۴ ][ ۱۰۹۵ ][ ۱۰۹۶ ][ ۱۰۹۷ ]
.: Weblog Themes By iranblag :.

درباره وبلاگ

تيم مشاوران مديريت ايران IranMCT ----------------- http://iranmct.com ---------------- Iran Management Consultants Team
پنل کاربری
نام کاربری :
پسورد :
لینک های تبادلی
فاقد لینک
تبادل لینک اتوماتیک
لینک :
خبرنامه
عضویت   لغو عضویت
امکانات وب
شمارنده