مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 3033
دیروز : 4574
افراد آنلاین : 12
همه : 5163996

 

الخطيب وقصص القرآن الكريم (۱)

للقصة تأثيرٌ كبير في النفس البشرية؛ فقارئُها ومستمعها يعيش بكليته مع أحداثها، وتؤثِّر في نفسه إيجابًا أو سلبًا، حسب هدف كاتبها منها، والرسالة التي يريد إيصالها للقارئ أو المستمع عن طريقها؛ ولذلك كثرتِ القصصُ والروايات، وازدهرتْ سوق كُتَّابها، وتنوَّعتْ تنوعًا كبيرًا؛ فقصص للأطفال، وأخرى لمن هم فوقهم، وقصص للمراهقين، وروايات للكبار، ومنها العاطفي، ومنها البوليسي، ومنها المرعب؛ بل منها قصص السحر والشعوذة والخرافة؛ ليسبح قارئها ومستمعها في خيالها، وينبت عن واقعه حال عيشه معها.

ومع الانفتاح الإعلامي عُرِفت كثيرٌ من الروايات الغربيَّة، وأصبح الوصول إليها سهلاً فور إصدارها، ومَن تابَعَ الضجة الإعلامية التي صاحبتْ صدور الأجزاء الأخيرة من رواية (هاري بوتر)، التي كانت مبيعاتها بمئات الملايين من النسخ، وتُرجمتْ إلى ما يقارب سبعين لغةً، أدركَ أثَرَ الرواية والقصة في نفوس البشر، ولو كانت خرافية؛ بل لا يجعل لها مثلَ هذا الصيت إلا كونُها خرافيةً.

ولا غرابة في أن نرى مثل هذه الروايات والقصص، التي أكثرها تعارض ديننا وأخلاقنا وأعرافنا، تتسلَّل إلى بيوتنا، وتفسد دين نسائنا وأولادنا وأخلاقَهم، ومع تطوُّر الصنعة الإعلامية صورت القصص والروايات المكتوبة في أفلام ومسلسلات ورسوم متحركة وغيرها، ولا تَسَلْ عن الإقبال عليها.

وهذا يبرز لنا أهمية القصة وأثرها العظيم، ووجوب العناية بقصص القرآن والسُّنة، وتقديمها للناس، والخطبة من أهم المنابر التي يمكن أن تكون مجالاً لعرض قصص القرآن والسنة؛ للاستفادة منها، والاهتداء بها.

الغرض من القصص في القرآن:
قارئ القرآن الكريم يلحظ كثرةَ القصص فيه، وتنوُّعها في موضوعاتها التي تعالجها، وفي شخصياتها التي تحكي أدوارها وأعمالها، وفي طولها وقصرها، وفي تَكرار بعضها بأساليبَ مختلفةٍ، ولهذه القصص أغراض عدة، منها:
أولاً: التذكرة والاعتبار: وذلك كقصص الظالمين ونهاياتهم، والمستكبرين ومآلاتهم؛ للتحذير من سلوك مسلكهم، ومنها قصص: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون، والنمرود بن كنعان، وبلعام، وصاحب الجنتين.

وجاء في بعض هذه القصص النصُّ على أن من أغراضها التفكُّرَ والاعتبار، كما في قصة بلعام الذي أنعم الله - تعالى - عليه بآياته، فانسلخ منها، واتَّبع هواه؛ إذ ختمها الله - سبحانه - بقوله - عز وجل -: {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]، ولما قص - سبحانه - في "الأعراف" قصص آدمَ ونوحٍ وهود، وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - ذيل ذلك بقوله - عز من قائل -: {تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ} [الأعراف: 101]، وفي قصة حشر بني النضير - حصارهم - قال الله تعالى فيها: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2].

وفي الإشارة إلى غزوة بدر في أوائل آل عمران؛ قال الله - تعالى -: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13].

وختم الله تعالى قصة يوسفَ - عليه السلام - بقوله - عز وجل -: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

ويدخل في ذلك قصةُ إبليسَ اللعينِ مع أبينا آدمَ - عليه السلام - لنحذر من إغوائه لنا، ونعتبر بما حصل لأبينا - عليه السلام - لما أطاع إبليسَ، فلا نطيعه؛ بل نتَّخذه عدوًّا؛ {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].

ثانيًا: التسلية والتثبيت: وهي قصص الابتلاء، كابتلاء الأنبياء وأتباعهم بالمكذِّبين والظالمين، وابتلاء بني إسرائيل بفرعون، وما جرى لهم على يديه من الذلِّ والهوان، وابتلاء يوسف - عليه السلام - وقد ذكر الله - تعالى - قصصَ جملةٍ من رُسُله - عليهم السلام - في سورة هود، ثم ختم ذلك بقوله - عز وجل -: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، وختم - سبحانه وتعالى - قصة نوح وما جرى له مع قومه، بقوله - عز وجل -: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، وقال - عز وجل - في فاتحة قصة يوسف - عليه السلام -: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ} [يوسف: 3]، وختمها بقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

ثالثًا: الاقتداء والتأسي: كقصص الأنبياء والصالحين في ثباتهم على الحق، وصبرِهم على الدعوة، وتحمُّل أذى المؤذين في ذات الله - تبارك وتعالى - وهكذا التأسي بهم في توكُّلهم ويقينهم، وثقتِهم بربِّهم - عز وجل - وكذلك اتِّباع هديهم في عباداتهم ومعاملاتهم، وزهدهم وأخلاقهم، وقد ذَكَرَ الله - تعالى - في الأنعام قصةَ إبراهيمَ - عليه السلام - ومباهلته لقومه، وأعقبها بالثَّناء على جملة من الأنبياء - عليهم السلام - ثم ختمها - عز وجل - بالأمر بالتأسي بهم؛ فقال - سبحانه -: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال - سبحانه - في قصة أهل الكهف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].

رابعًا: رفع الخلاف في مسائل كبيرة اختلف الناس فيها قبل إنزال القرآن: فجلاَّها الربُّ - جل جلاله - لعباده بما يزيل الخلاف، ومن ذلك قصة خلْق عيسى - عليه السلام - وولادته بلا أب، وطهارة أمِّه العذراء - عليها السلام - ورفعه إلى الله - تعالى - حيًّا في الدنيا، ونزوله في آخر الزمان حاكمًا بشريعة أخيه نبيِّنا محمدٍ - عليهما الصلاة والسلام.

وقصة مريم وعيسى - عليهما السلام - مما وقع فيه خلاف كبير بين طائفتي بني إسرائيل: اليهود والنصارى؛ ولذلك ختم الله - تعالى - هذه القصة العظيمة في آل عمران بقوله - سبحانه -: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران: 60 - 62]، وقال - سبحانه - في شأن قصة مريم - عليها السلام -: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].

فمن أكبر أغراض سياق قصة مريم وعيسى - عليهما السلام -: بيان الحق من الباطل فيما نسَجَهُ أهلُ الكتاب حولهما من القصص والأخبار، وقد قال الله - تعالى - في موضع آخر: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76].

ولو تأمَّلنا في أحوال الناس وحاجاتهم، لوجدنا أن الخطيب محتاجٌ إلى كل هذه الأغراض الهادفة من قصص القرآن، وأن من شأنها إصلاحَ أحوال الناس، والخطيبُ إنما يريد من الناس أن يعتبروا ويتَّعظوا، وفي ذكر مآل المكذِّبين وعاقبة الظالمين أبلغُ عظةٍ وعِبرة.

والخطيب محتاج إلى تثبيت الناس على إيمانهم، مع كثرة فتن السراء والضراء التي لا يكاد يَسلَم منها أحد في زمننا هذا، وفي ذكر قصص ثبات الأنبياء وأتباعهم تثبيتٌ لقلوب المؤمنين.

والخطيب يريد هداية من يستمعون إليه، وتأسِّيَهم بالصالحين من البشر، وفي ذِكر قصص الأنبياء وأتباعهم حثٌّ على الاقتداء بهم.

والخطيب لا يعرض في خطبته إلا ما يعتقد أنه صدق وحق، ويجب أن يربِّيَ الناس على تلمُّس الصدق، واتِّباعِ الحق، وقصصُ القرآن قد جلَّت لنا الحقائق، وبيَّنتِ الكذبَ والغبش في قصص السابقين.

تعامُل الخطيب مع قصص القرآن:
المتأمل للقصص القرآني يجد أنها مِن حيث مَن تتناوله القصةُ على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: قصص الأنبياء - عليهم السلام -: ومنها قصص تكررت في أكثر من موضع، وهي غالب قصص الأنبياء - عليهم السلام - مع أقوامهم، إضافة إلى قصة آدم - عليه السلام - مع إبليس، ومنها ما لم يتكرر؛ بل جاء في موضع واحد من القرآن، سواء كانت القصة طويلة، كقصة يوسف - عليه السلام - أم كانت قصيرة، كقصة إلياس - عليه السلام.

القسم الثاني: قصص السابقين من غير الأنبياء - عليهم السلام -: مثل: أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وذي القرنين، وأصحاب الجنة في سورة القلم، وقصة مريم - عليها السلام - في سورتي آل عمران ومريم.

القسم الثالث: قصص للنبي - عليه الصلاة والسلام -: مثل غزواته: بدر في الأنفال، وأُحُد في آل عمران، والخندق وقريظة في الأحزاب، وبني النضير في الحشر، والحديبية في الفتح، وتبوك في التوبة، وإيلائه من نسائه في التحريم، وقصة زواجه من زينب في الأحزاب.

أما من جهة طول هذه القصص وقصرها، فهي على أقسام ثلاثة أيضًا:
القسم الأول: قصص قصيرة:
وهي قليلة، مثل: قصة إلياس - عليه السلام - في سورة الصافات، وقصة يونس - عليه السلام - في سور يونس والأنبياء والصافات، وقصة أيوب - عليه السلام - في سورتي الأنبياء وص، وقصة أصحاب الأخدود في البروج، وقصة الذي انسلخ من آيات الله - تعالى - في الأعراف، فهذه القصص وأمثالها يكفي الواحدة منها خطبة واحدة بدروسها وفوائدها، وإن قصرت عن ذلك، فلا تخلو من حالين:

الأولى: أن يجد الخطيب لها في السنة والآثار ما يزيدها، بحيث تصلح خطبةً كاملة.

الثانية: ألاَّ يجد الخطيب في السنة والآثار شيئًا، وحينئذٍ لا بد أن يضع الخطيب مدخلاً مناسبًا لخطبته يغطي النقصَ الذي عنده.

مثال ذلك: يصدِّر الخطيب خطبته بالحديث عن منزلة الأنبياء عند الله - تعالى - وفضْلِهم على البشرية، وسيجد نصوصًا كثيرة في ذلك، ثم يأتي على قصة النبي الذي اختاره.

فإنْ اختار أن يخطب عن قصة أيوب - عليه السلام - صدَّر خطبته بالحديث عن ابتلاء الله - تعالى - لأنبيائه وعباده الصالحين، أو عن فوائد الأمراض، ويجعل قصة أيوب - عليه السلام - وصبْرَه مع شدة ما أصابه من البلاء مثالاً لذلك.

وهكذا في قصة يونس - عليه السلام - يتكلم عن الابتلاء والصبر، أو الكرب ودعاء المكروب.

وما من قصة إلا سيجد الخطيب لها مدخلاً يناسبها، بحيث لا تقصر عن أن تكون خطبة كاملة.

القسم الثاني: قصص متوسطة:
وهي الأكثر في القرآن؛ مثل قصص هود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - فهي وإن تكررت في الأعراف وهود والشعراء، وغيرها، فإنها ليست طويلة في كل المواضع التي تكررت فيها، بحيث لو جمع الخطيب ما يتعلَّق بها من تفصيلات في كل موضع من القرآن، لناسَبَ أن يجتمع منها خطبة واحدة، فإن طالتْ فخطبتان.

وقريب منها قصص أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وذي القرنين، وأصحاب الجنة في سورة القلم.

القسم الثالث: قصص طويلة جدًّا:
لا يمكن للخطيب أن يعرضها في خطبة واحدة، وإلا لأطال على الناس كثيرًا، وذلك مثل قصص آدم ونوح وإبراهيم ويوسف - عليهم السلام - وأطول منها قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، فقد أبدى فيها القرآن وأعاد، وكرَّرها مطولة في الأعراف، وطه، والشعراء، والقصص، وغافر، وجاءت أقلَّ من ذلك في يونس والنمل، وجاءت مختصرة في هود، والإسراء، والذاريات، والنازعات.

والمتأمِّل في هذه القصة العظيمة، يلاحظ أن تكرارها لا يخلو من فوائدَ وتفصيلاتٍ يكمل بعضُها بعضًا:

ففي سور طه والقصص: تفصيل لولادة موسى - عليه السلام - ونشأته في بيت فرعون، وكيف كان ذلك.

وفي الأعراف ويونس وطه والشعراء: مناظرة موسى - عليه السلام - لفرعون، وقصة السحرة، وانتهاء أمرهم إلى الإيمان، وقيام حُجة موسى - عليه السلام - على فرعون.

وفي سورة غافر: قصة الرجل المؤمن الناصح، الذي آزر موسى - عليه السلام - ودعا فرعون إلى الإيمان، ومناظرته له في ذلك.

وهناك قصص أخرى لموسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل، ومعالجته لعنادهم وعنَتِهم، وصبره - عليه السلبا نصر، ولِلحديث زكاةٌ؟ قال: نعَم، إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيح، استعملتموه"[32]، وعن أبي قِلاَبة قال: "إذا أحْدَثَ الله لك عِلمًا فأحدِثْ له عبادة، ولا يَكُن هَمّك أن تحدِّث به الناس"[33].

3- أن العمل بالعلم يدلُّ على انتفاع صاحبه به، وظهور آثاره عليه، فيزيده ذلك قربًا من الله - تعالى - وخشية ومحبة، قال الحسَن البصري - رحمه الله تعالى -: "كان الرَّجل يَطْلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخَشُّعه وهَدْيِه وفي لسانه وبصَرِه وبِرِّه"[34]، وقال أبو القاسم بن مَنِيع: "أردتُ الخروج إلى سُوَيد بن سعيد، فقلتُ لأحمد بن حنبل يَكتُب لي إليه، فكتب: وهذا رجلٌ يَكتب الحديث، فقلت: يا أبا عبدالله، ولزومي؟ لو كتبتَ: هذا رجل من أصحاب الحديث، قال: صاحب الحديث عندنا مَن يَستعمل الحديث"[35].

اعمل بالسُّنة ولو مَرَّة:

قد يَدعو الخطيب إلى سُنَّة، سواءٌ كانت السُّنَّة مهجورة، وهذا أعظم أجرًا؛ لما فيه من إحياء السُّنن، وقد تكون السُّنة معمولاً بها، لكن بعض الناس مقصِّرون فيها، وينبغي للخطيب أن يَعمل بالسُّنة التي يدعو الناس إليها ولو مرَّة على الأقلِّ؛ لِيُكتب من العاملين بما يقولون.

عن عمرو بن قيس المُلاَئي أنه قال: "إذا بلَغَك شيء من الخبَر فاعمل به ولو مرَّة تكُنْ من أهله"[36]، وقال النَّوويُّ - رحمه الله تعالى -: "ينبغي لمن بلَغَه شيءٌ من فضائل الأعمال أن يَعمل به ولو مرَّة؛ لِيَكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقًا، بل يأتي بما تيسَّر منه؛ لقوله: ((وإذا أمَرْتُكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم))"[37].

وهذه طريقة السَّلَف الصالح - عليهم رحمة الله تعالى - ومما نُقِل عنهم في ذلك:

1- قول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "ما كتبتُ حديثًا إلاَّ وقد عملتُ به"[38].

2- وقول أبي عبدالله محمَّد بن خفيف - رحمه الله تعالى -: "ما سمعتُ شيئًا من سُنَن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - إلا واستعملْتُه"[39].

3- وعن محمَّد بن أبي جعفر بن حمدان قال: "صلَّى بنا سعيدُ بن إسماعيل ليلةً بمسجده وعليه إِزَار ورداءٌ، فقلتُ لأبي: يا أبتاه، هو محْرِم؟ فقال: لا، ولكنه يَسمع منِّي "المستَخْرَج" الذي خرَّجْتُه على مُسْلم، فإذا مرَّت به سُنَّة لم يكن استعمَلَها فيما مضى أحَبَّ أن يستعملها في يومه وليلته، وأنَّه سَمِع من جملة ما قُرِئ عليَّ: أن النبي - صلى الله عليه وسلَّم - صلى في إزار ورداء، فأحَبَّ أن يستعمل هذه السَّنة قبل أن يُصْبِح"[40].

العوائد وتأثيرها في العبادات:

قد يَعتاد الناسُ في دولة أو مدينة أو قرية أو مسجد عادةَ جهلٍ تسرَّبَتْ إليهم، فلَزِمُوها على أنَّها سُنَّة، وتَرَكوا السُّنَّة، وأهل مكَّة في جاهليتهم ألِفُوا عبادة الأصنام بعد أن جلَبَها لهم عمرُو بن لحي، فما دون عبادة الأصنام من البِدَع، أو هَجْر السُّنَن، أو تبديل غيرها بها قد يتسرَّب للناس عند غلَبَة الجهل، وتصَدُّر ذوي الهوى أو الجهل، وإنما تموت السُّنن، وتنتشر البدَع بذلك.

ومِن ذلك: ما أحدَثَه بعضُ الناس في الخطبة من محْدَثات، أو قراءة سُوَر أو آيات مخصوصة في صلوات لم تَرِد بها السُّنة، أو هَجْر ما ورَدَت به السُّنة، مثل: ترك قراءة سورتي السَّجدة والإنسان فجْرَ الجمعة، أو ترك قراءة الجمعة والمنافقون، أو الجمعة والغاشية، أو الأعلى والغاشية، ونحو ذلك، فواجب على الخُطَباء ألاَّ يُجارُوا النَّاس في أهوائهم، ولا يتَّبِعوهم في أخطائهم، بل ينقلوهم من الخطأ إلى الصَّواب، ومن الجهل إلى العلم، ومن البدعة إلى السُّنة، وهذه مُهِمَّة المصلحين الصادقين أتْبَاع الرسل - عليهم السَّلام - فإن الله - تعالى - إنَّما بَعَث الرُّسل للنَّاس لأجْل هذا، وقد صلَّى رجلٌ ممَّن يَكتب الحديث بجنب ابن مهْدي فلم يَرفع يديه، فلمَّا سلَّمَ قال له: "ألَم تَكتب عن ابن عُيَينة حديثَ الزُّهري عن سالم عن أبيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلَّم - كان يرفع يديه في كلِّ تكبيرة؟ قال: نعم، قال: فماذا تقول لربِّك إذا لَقِيك في ترْكِكَ لهذا العلم وعدَمِ استعماله؟"[41].

إزراء الخطيب على نفسه:

من المُشاهَد أنَّ الخطيب في الغالِب يكون محَلَّ إعجاب النَّاس وثنائهم عليه؛ لأنَّهم يرَوْن فيه المُرْشِد لهم إلى ما يَنفعهم، الصَّادقَ في نُصْحِه لهم، ويَنْقَدِح في أذهانهم أنَّه يَعمل بما يقول لهم، فيكون عندهم محَلَّ توقير واحترام وغِبْطَة؛ لِمَا يظْهر لهم من استقامته، ولا يعلمون شيئًا عن سَرِيرته؛ ولذا يتحَرَّج كثير من الخطباء من مَدْح الناس وتزكيتهم لهم، وإعجابهم بهم، فيبادرون إلى الإزراء بأنفسهم والحطِّ منها، وقد ورَدَ عن السَّلَف نصوصٌ كثيرة في الإزراء على النَّفس، وكَسْرِها عن العلوِّ والكِبْر، والحطِّ مِنْ شأنِها؛ خشيةَ العُجْب والغرور، واستقلالهم العمل الصالح ولو كان كثيرًا؛ لأنه لا يُوازِي نِعَم الله - تعالى - عليهم؛ ولأنَّ استقلاله يحفِّز لمزيد العمل، كما أنَّ استكثاره يؤدِّي إلى العُجْب والكَسَل.

ويَكثر في كُتُب الرِّجال وصْفُ الواحد مِن السَّلف ومَن بعدهم مِن الصالحين: وكان مُزْريًا على نفسه، ومن أمثلة إزراء السَّلَف على أنفسهم:

1- قول أيُّوب السخْتِياني - رحمه الله تعالى -: "إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بِمَعزل"[42].

2- وقول مُطرِّف بن عبدالله - رحمه الله تعالى -: "لو حمَدْتُ نفسي لقَلَيت الناس"[43]؛ أيْ: هجَرْتُهم، وقال أيضًا في دعائه بعرفة: "اللَّهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي"[44].

3- وقول بكر بن عبدالله المُزَني - رحمه الله تعالى -: "لما نظَرْتُ إلى أهل عرفات ظنَنْتُ أنَّه قد غُفِر لهم لولا أنِّي كنتُ فيهم"[45].

قال الذَّهبي بعد أن ساقه: "قلتُ: كذلك ينبغي للعبد أن يُزْرِي على نفسه ويَهْضِمها"[46].

4- وقول يونس بن عبيدٍ - رحمه الله تعالى -: "إنِّي لأَعُدُّ مائة خصلة من خصال البرِّ ما فِيَّ منها خَصْلة واحدة"[47].

5- وقول محمد بن واسع - رحمه الله تعالى -: "لو كان يُوجَد للذنوب رِيحٌ ما قَدرتم أن تَدْنوا منِّي؛ من نتَنِ ريحي"[48].

ولكنْ في إظهار الإزراء على النَّفس مَدْخلٌ للشيطان على العبد؛ فقد يريد به استمالة الناس إليه، ومَدْحَهم به، فرغْمَ ما يَظهر لهم من صلاحه وعبادته، وكونه قدوة للناس يُكثِر من ذَمِّ نفسه فيهم، فيَنال مَدْحَهم بذلك، وجاء عن الحسَن - رحمه الله تعالى - قولُه: "ذَمُّ الرَّجل نفْسَه في العلانية مدْحٌ لها في السِّر"[49]، وكان يُقال: "مَن أظهر عيب نفْسِه فقد زَكَّاها"[50].

وتحقيق القول في ذلك أن يُقال: ينبغي الإزراء على النَّفس وهَضْمها في السِّر لا في العلن؛ لأنَّ ذلك من التواضُع لله - تعالى - والتطامن له، والاعتراف بعظيم حقِّه، وهذه عبادة من أجَلِّ العبادات، والأصل في العبادات إخفاؤها؛ ليتمحَّض الإخلاص، ويَنْأَى العبد بها عن الرِّياء، إلا إذا دعَتْ مصلحة راجحة لإظهار ذلك، مثل:

1- أن يكون له أتْباعٌ يريد تربيتهم على التَّواضع، وعدَمِ الكِبْر بالعلم.

2- أن يَرى إعجاب الناس بعِلْمه وعمَلِه وسَمْتِه، ويَسمع ثناءَهم عليه، فيَخشى من إسرافهم في ذلك، ويَخاف على نفسه، فيحُطَّ منها أمامهم لأجْل ذلك.

ولكن يجب عليه الحذَرُ من الإخبار بمعاصٍ ستَرَها الله - تعالى - عليه؛ لئلاَّ يكون من المُجاهِرين بها، وإنما يتكلَّم بالعمومات كما كان الصِّدِّيق - رضي الله عنه - إذا مُدح يقول: "اللَّهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنُّون، واغفِرْ لي ما لا يَعلمون، ولا تؤاخِذْني بما يقولون"[51]، وقال رجلٌ للإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "الحمد لله الذي رأيْتُك، قال: اقعد، إيش ذا؟ مَن أنا؟"[52].

3- أن يَحُطَّ مِن نفسه؛ لِيَفرَّ من ولاية أو مَنْصب؛ كما فَعَل أبو جعفر الفريابي - رحمه الله تعالى - حين عُرض عليه القضاء فذَمَّ نفسه، وجعل يقول مزريًا عليها: "أُعِيذك بالله أيُّها الأمير، مِثْلي يُولَّى القضاء؟!"[53].

4- أن يُدخِل نَفْسَه مع مجموع الناس، كقول الخطيب في خُطْبته إذا ذَكَر أهل المعاصي أو المقصِّرين في الطَّاعات: "وكلُّنا كذلك، ومَن مِنَّا يَسْلَم من ذلك؟ أدعوكم وأدعو نفسي، أو أوصيكم وأوصي نفسي"، فهذا كلُّه من الإزراء على النَّفس واستنقاصها، لكنه مع مجموع الناس فلا محذور فيه.

بل إنَّ هذا الخطاب يقرِّب الخطيب من اALIGN: justify">[23] رواه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - البخاري (6232) ومسلم (111).

[24] رواه من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - التِّرمذيُّ، وقال: حسن صحيح (1987).

[25] رواه ابن ماجه (4245) وصحَّحَه البوصيري في "مصباح الزجاجة"، 4/245 246، والألباني في "صحيح الجامع"، (5028)

[26] رواه بحشل في "تاريخ واسط"، 259.

[27] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (34).

[28] رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" (814).

[29] "قواعد التحديث"، ص359.

[30] أثر مجمع بن جارية رواه البيهقي في "الشُّعب" (1798) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (148) ، وأثر الشعبي رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم" (816) ، وأثر وكيع في "أمالي ابن طاهر"، (47).

[31] رواه ابن عبدالبرِّ في "جامع بيان العلم" (813) وجاء مثله عن ابن المنكدر في "اقتضاء العلم العمل" (41).

[32] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (180).

[33] رواه ابن عبدالبر في "الجامع لبيان العلم" (755) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل"، (37).

[34] رواه أحمد في "الزُّهد"، ص261 والبيهقي في "الشعب" (1809)

[35] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (183)

[36] "الباعث الحثيث"، 2/439

[37] "الأذكار" ص6، والحديث الذي ساقه في البخاري (6858) ومسلم (1337).

[38] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (184).

[39] رواه ابن عساكر، 52/406.

[40] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (185).

[41] "فتح المغيث" 2/360.

[42] رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ"، 2/140، وأبو نعيم، 3/5 6.

[43] رواه ابن سعد 7/144، وأبو نعيم 2/210.

[44] "إغاثة اللهفان"، 1/85.

[45] رواه البيهقي في "الشعب" (8252).

[46] "سِيَر أعلام النُّبَلاء"، 4 /534.

[47] رواه أبو نعيم، 3/18، والمِزِّيُّ في "تهذيب الكَمَال"، 32/524

[48] رواه أبو نعيم، 2/349.

[49] "الآداب الشرعية"، 3/446.

[50] "أدب الدُّنيا والدِّين"، 297.

[51] رواه ابن عساكر، 30/332.

[52] "الآداب الشرعية"، لابن مفلح، 3/438.

[53] "ترتيب المَدَارك"، للقاضي عياض، 1/507.

[54] "إغاثة اللَّهفان"، (1/87 - 88).

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/0/25716/


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۱۵ ] [ مشاوره مديريت ]

 

موافقة قول الخطيب عمله (۱)

حين يقفُ خطيب الجمعة أمام النَّاس متَحَدِّثًا، فهو يذكِّرهم ويَعِظهم، ويدلُّهم على ما ينفعهم في الدُّنيا والآخرة، ويحذِّرهم مما يضرُّهم فيهما، والأصْلُ أنه لا يبتغي مِنْ وراء ذلك جزاء دُنيويًّا، ولا شُكورًا مِنَ النَّاس، إنْ هو إلاَّ مُصْلِح يرْتَسِم خُطَى المرْسَلينَ - عليهم السَّلام - في دعواتهم، ويتأسَّى بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - في دعوته، ويَقتبس هدْيِ الصَّالحين من هذه الأمَّة؛ سلَفِها وخلَفِها، في أقوالهم وأفعالهم وسَمْتِهم.

ولَمَّا كانت الحِكْمة من مشروعيَّة الخُطبة نفْعَ الناس بها، كان الأَوْلى أن يَنتفع الخطيب بما ألقاه على الناس قَبل أن يُلقِيه؛ لعِلْمه به وقناعته بِمَضْمونه؛ فإنَّه ما نصَح به الناس إلاَّ وفيه خَيْر لهم، وهو أَولى بهذا الخَيْر مِنْ غَيْره.

ولكن النَّفسَ البشَريَّة مطبوعة على الظُّلم والجهل، إلاَّ أن يتعاهَدَها صاحبُها بالإيمان والتَّقوى والتوبة والاستغفار، ودليل ذلك كَثْرة ما يقع ممن يتصدَّرون للكلام في شؤون الناس الدِّينية والدُّنيوية؛ من مخالَفةِ أفعالهِم أقوالَهم، وليس ذلك حِكْرًا على الخُطَباء والدُّعاة والعلماء فحَسْب، بل حتَّى أهل السياسة والاقتصاد والطِّب والفِكْر والإعلام وغيرهم، يَكْثر فيهم مخالفة أقوالِهم أفعالَهم؛ فيُوصون الناس بأشياءَ لا يفعلونها هم، ويحذِّرونهم من أشياء يَقَعون هم فيها، ولكن هؤلاء لا يُؤاخِذُهم الناس كما يؤاخِذون أهلَ العلم والدَّعوة والخَطابة، ولا يُثرِّبون عليهم مثلهم؛ لأنَّ الناس وضَعوا أهل العلم والدَّعوة والخطابة قُدْوة لهم، وهذا حقٌّ وشرَف ومسؤولية، فكانتْ مخالفةُ العالِم أو الدَّاعية أو الخطيب أقوالهم أفعالَهم أشدَّ على الناس من مُخالفة غيرهم؛ ولهذا فإنَّه يجبُ على العالِم والدَّاعية والخطيب أن يُراعُوا هذه الخصوصيَّة لهم، ويُحافظوا على هذه المَنْزلة التي بوَّأَهم الله - تعالى - إيَّاها، ويحفظوا مكانتهم في قلوب الناس بإتْباع العلمِ العملَ، وعدَمِ مخالفة القول الفعل؛ لِيَصدر النَّاس عنهم، ويَقبل الناسُ منهم، ويكون لخِطابهِم وقْعٌ في القلوب، وتأثير في النفوس.

ذمُّ مُخالفة القول الفعل:

تظاهرَتْ نصوص الكِتَاب والسُّنة على ذمِّ مخالفة قول الإنسان عمَلَه؛ لأنَّ ذلك نوْعٌ من الكذب، ويدلُّ على ضعف الإيمان، وهو طريق إلى النِّفاق، نعوذ بالله - تعالى - من ذلك، والنُّصوص الواردة في ذلك على أنواع:

النوع الأول: نُصوصٌ تُثبِت أنَّ الأنبياء - عليهم السَّلام - وهم رُؤوس المُصْلِحين وأئمَّة الدُّعاة والخطباء تُوافق أقولهُم أفعالَهم، حتَّى إنَّ المكذِّبين بهم من أقوامهم لم يَرْموهم بمخالفة أفعالهِم أقوالَهم مع حاجتهم لمثل هذه التُّهمة في صَرْف النَّاس عن الدَّعوة، لكنهم لم يَفْعلوا ذلك؛ لِعِلمهم أن الناس لا يصدِّقونهم؛ لأنَّه من الكذب الظَّاهر.

ومن الأنبياء مَن صرَّح بذلك كما فعَل شُعَيب - عليه السَّلام - حين وعَظ قومه، فبيَّن لهم أنَّه أوَّل مَن يمتثِلُ ما يدعوهم إليه حين حكَى الله - تعالى - عنه أنه قال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]، فموافقة القَول العمل فيها تأسٍّ بالأنبياء - عليهم السَّلام.

النوع الثاني: نصوص تُفِيد أنَّ الله - تعالى - قد ذَمَّ بني إسرائيل على عدم إتْباع العِلمِ العملَ؛ فقال - سبحانه -: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، فإنَّهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبِتَقواه وهم يَعصُونه، فعَيَّرهم الله - تعالى[1].

وفي آيةٍ أخرى أخْبَر الله عنهم بقَوْله - سبحانه -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187]، قال مالك بن مغول - رحمه الله تعالى -: "تركوا العمل به"[2].

وفي قول الله - تعالى -: ﴿ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الأعراف: 53]، وقوله - سبحانه -: ﴿ نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾ [الأعراف: 51]، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ [الفرقان: 18]، قال المفسِّرون: "ترَكُوا العمل به، فصاروا كالنَّاسين"[3].

النوع الثالث: نصوص تُثْبِت الوعيد الشَّديد المتنوِّع في مُخالفة الإنسان قوله فِعْله:

1- فصاحبه متوعَّدٌ بمقْت الله - تعالى - كما في قوله - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2 - 3].

2- ومُتوعَّدٌ بالعذاب في النَّار، كما في قول الله - تعالى -: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُر0" name=_ftnref10>[10].

3- وعن بعض السَّلَف أنه قيل له: "حَدِّثنا، فسَكَت، ثم قيل له: حدِّثْنا، فقال: أتَرَونني أن أقول ما لا أفعل، فأستَعْجِل مقْتَ الله - تعالى"[11].

القول الثاني: لا يُشترط في المتصدِّي للخَطابة ألاَّ يَعِظ الناس إلاَّ بما وافَقَ فيه قولُه فعلَه، بل يعظهم بما يحتاجون ولو كان مخالفًا فيه، وهو قول عامَّة العلماء، ويُستدلُّ له بما يلي:

1- عموم أدلَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله - تعالى - إذْ ليس في شيء منها منْعُ من فرَّط في طاعةٍ من الدَّعوة إليها، ولا منعُ من وقَع في معصية من النهي عنها.

2- قول الله - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 79]، فذَمَّهم الله - تعالى - لأنَّ بعضهم لم ينه بعضًا عما قارفوا من المنكرات.

قال ابنُ عَطيَّة - رحمه الله تعالى -: "وقال حُذَّاق أهل العلم: ليس من شُروط النَّاهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل يَنهى العُصَاةُ بعضهم بعضًا، وقال بعض الأصوليِّين: فرْضٌ على الذين يتعاطون الكؤُوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدلَّ قائل هذه المقالة بقوله - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79]؛ لأنَّ قولَه: "يتناهون" و"فعَلُوه" يقتضي اشتراكهم في الفِعْل، وذمَّهم على تَرْك التَّناهي"[12].

3- أن حُكم الله - تعالى - في عِباده كتابة حسَناتهم وسيِّئاتهم، ومحاسبتهم على أعمالهم، وليس مِن لازم اكتساب السيِّئة بُطلانُ الحسنة، إلاَّ ما كان محبطًا للعمل وهو الشِّرك، ودعوة النَّاس إلى الخير وتحذيرهم من الشرِّ حسنةٌ يُثاب العبد عليها، ووقُوعه في المُنكَر سيِّئة يُحاسَب بها، فالجهة مُنفكَّة بين ميادين اكتساب الحسَنات، وميادين اجتراح السيِّئات.

وهذا القول هو الرَّاجح، وأمَّا الجواب عن النُّصوص المنفِّرة من مخالفة القول الفعل، فإنَّ الذمَّ فيها على المعصية مع العلم بها، وليس على النَّهي عنها، وعلى هذا المعنى اجتمعَتْ كلمة المحقِّقين من العلماء:

قال الجصَّاص - رحِمَهُ الله تعالى -: "من لَم يفعلْ سائر المعروف ولم يَنْتَه عن سائر المناكير، فإنَّ فرْضَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيرُ ساقط عنه"[13].

وقال القُرطبي - رحمه الله تعالى -: "اعْلَم - وفَّقكَ الله تعالى - أنَّ التوبيخ في الآية بسبب ترك فِعْل البِرِّ، لا بسبب الأمر بالبر"[14].

وقال النَّووي - رحمه الله تعالى -: "قال العلماء: ولا يُشترط في الآمر والنَّاهي أن يكون كامِلَ الحال ممتثلاً ما يأمر به، مجتنبًا ما يَنهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخلاًّ بما يَأمر به، والنَّهي وإن كان متلبِّسًا بما ينهى عنه"[15].

وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفِعْله واجبٌ لا يَسقط أحدُهما بترْك الآخَر على أصحِّ قوْلَي العلماء من السَّلف والخَلَف، وذهب بعضُهم إلى أنَّ مُرتكب المعاصي لا يَنهى غيره عنها، وهذا ضعيف... والصَّحيح أن العالِم يأمر بالمعروف وإنْ لم يفعله، ويَنهى عن المنكر وإنِ ارتَكَبَه"[16].

ونقل الحافظُ ابن حجَر عن بعض أهل العلم قولَه: "يجب الأمر بالمعروف لمن قَدر عليه ولم يَخَفْ على نفسه منه ضررًا، ولو كان الآمرُ متلبِّسًا بالمعصية؛ لأنَّه في الجملة يؤْجَر على الأمر بالمعروف، ولا سيِّما إن كان مُطاعًا، وأما إثْمه الخاصُّ به فقد يغفره الله - تعالى - له، وقد يُؤاخِذه به"[17].

وقال الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: "فالحقُّ أنَّ الأمر بالمعروف غيرُ ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنَّه في حدِّ ذاته ليس فيه إلا الخير"[18].

وأما الآثار الواردة عن ابن عبَّاس والنَّخعي وغيرهما فهي غير ثابتة، فإنْ ثبَت شيء منها أو ثبت مِثلها عن بعض السَّلَف، فتُحمَل على التَّشديد في إتْباع العلم العمل، والتَّرهيب من مخالفة القول للفعل، فإنْ ثبَت أنَّ أحدًا عمل بهذه الآثار فهو اجتهاد في مقابل النُّصوص لا يُتابَع عليه صاحبُه؛ إذ يجب على المتلبِّس بالمعصية أن يَنهى الناس عنها، كما يجب على المقصِّر في الطاعة أن يأمر الناس بها، وإلاَّ جمَع إثمَيْن: إثم التلبُّس بالمعصية والتَّقصير في الطَّاعة، مع إثْم تعطيل الأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وقد نُقل ع