مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 20535
دیروز : 33302
افراد آنلاین : 50
همه : 4349017

 

الإشارة في الخطابة

تُعتبر الإشارةُ باليد مِن الوسائل الهامَّة النافِعة في تدعيم الفِكرة، وترسيخ المعلومة في الذِّهن، وتدخُل ضمنَ ما يُسمَّى بلُغة الجسد، ومعنى لغة الجسد: تلك "الحَرَكات التي يستخدِمها بعضُ الأفراد إراديًّا، أو غير ذلك؛ مثل الإشارة باليَد، ونبرة الصَّوْت، وهز الكَتِف أو الرأس، أو نفض اليد"[1].

ونحو ذلك مِن أجْلِ تفهيمِ المخاطَب أو المدعو بشكلٍ آكد، ولها وسائلُ عِدَّة ليس الغرَضُ هنا بسطَها، أو تفصيل الكلام فيها، ولما كان لها مِن التأثيرِ في إيضاح المعنى جاءتِ السُّنة المطهَّرة بالاهتمام بها في بيانِ معاني الإسلام، واهتمَّ الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - باستخدامها كثيرًا في خُطَبه ومواعظه؛ للتعبيرِ عن مشاعرِه، وعن معاني الدِّين، كما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يفهمون ما يَرْمي إليه الرسولُ مِن رسائلَ من خلال إشاراته، ويُدركون معانيَها ودلالتها العظيمة، وحسبُنا أن نذكر بعضًا من النصوص النبوية التي استخَدَم فيها الإشارة باليدِ؛ لكونها ممَّا لها صلة بموضوعنا، وبعدَها نتكلَّم حولَ الضوابط العامة في الموضوع، ومِن الله التوفيق والإعانة.

1- الدَّلالة على الوَحْدة والائتلاف: وقد صحَّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيانِ، يشُدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك بيْن أصابعه))[2].

2- التحذير من بعضِ المحرَّمات: كحديثِ معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قلتُ: يا رسولَ الله، أخبِرْني بعملٍ يُدخلني الجنة، ويُباعِدني من النار، قال: ((لقدَ سألتَ عن عظيم، وإنَّه ليسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه، تعبُد الله لا تُشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُّ البيت، ثم قال: ألاَ أدلُّك على أبوابِ الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تُطفِئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل مِن جوف الليل، ثم تلا ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة : 17]، ثم قال: ألاَ أُخبرك برأسِ الأمر، وعموده، وذِروة سنامه؟)) قلت: بلى يا رسولَ الله، قال: ((رأسُ الأمرِ الإسلام، وعموده الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألاَ أخبرك بمِلاك ذلك كله؟)) قلت: بلى يا رسولَ الله، فأخَذ بلسانه، قال: ((كُفَّ عليك هذا))، قلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: ((ثكلتك أمُّك، وهل يَكبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح[3].

3- بيان معنًى مِن معاني العقيدة الإسلامية؛ حيث خطَب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أمَّتِه يومَ عرفة، فقال لهم: ((ألاَ هل بلغت؟)) قالوا: نعم، فرفَع إصبعَه إلى السماء يقول: ((اللهمَّ اشهد))، فهذا الفعْل منه - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدلُّ على علوِّ الله - عزَّ وجلَّ[4].

4- بيان أشراطِ الساعة وما يَسبِقها مِن أحداث وفِتن: عن ابن عمر  - رضي الله عنهما – قال: ذكَر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ باركْ لنا في يمننا))، قالوا: يا رسولَ الله! وفي نجْدِنا؟! قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في يمننا))، قالوا: يا رسولَ الله، وفي نجدنا؟! - فأظنُّه قال في الثالثة -: ((هنالك الزلازل والفتن، وبها يَطلُع قرْنُ الشيطان))؛ لفظ البخاري، في لفظ لمسلم: ((إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قام عندَ باب حفصةَ، فقال بيده نحوَ المشرِق: الفِتنة ها هنا من حيثُ يطلع قرْنُ الشيطان)) قالها مرَّتين أو ثلاثًا[5].

ولَمَّا كانتِ الإشارة باليد ممَّا يكثر استعمالُه للتعبيرِ عن المعاني، وخاصَّة مِن لدن الخطيب الذي يرْتَقي المِنبر، أو الواعِظ الذي يُلقي درسًا أو محاضرة؛ وجَب التنبيهُ على بعضِ الأمور، تجعَل الخطيب متوازنًا معتدلاً في تصرُّفاته وحركاته، كما هو مطلوبٌ منه أن يكون متوازنًا معتدلاً في كلامِه وطرْحه وأسلوبه، ومِن ذلك:

أولاً: عدَم الإكثار مِن الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبةِ المسرَح، بل يتمَّ توزيعُ ذلك باعتِدال تامٍّ أمامَ الحاضرين، والحرَكة الكثيرة هي مِن عادة بعضِ الخطباء ممَّا يجلب انطباعًا غير محمود، ولو كانتْ خطبته رنانة.

ثانيًا: أيضًا مِن غير المستحسَن أن يبقَى الخطيب جامدًا كأنَّه عمود لا يتحرَّك، فيبقَى طولَ الخُطبة لا يعبِّر بيده عمَّا يَجيش في صدْره، فيملّ الناس مِن موعظته[6].

ثالثًا: الالْتفات المعقول، والحِكمة في استعمالِ الإشارة، فلا يُشير إلى أحدٍ بعينه، أو طائفةٍ مِن النَّاس وهو يتكلَّم - مثلاً - عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقعَ في سوء الظَّنِّ، ويكون ذلك سببًا لنفور الناس عنه، وإنْ لم يقصدْ هو ذلك.

رابعًا: أن يكون متحكِّمًا في انفعالاتِه ومشاعره مِن غضِبٍ وتألُّم، وتحسُّرٍ وتأسُّف، وحبٍّ، فتكون مبنيةً على أساسٍ قويم، ومنهجٍ سليم، تتناسَب مع المقامِ والحال، وظروف مَن يخاطبهم؛ ولذا مِن غير المستحسَن أن يتخبَّطَ في حركاته أمامَ مَن يخاطبهم، فيضرب بقوَّة على المِنبر، أو يجذب إليه (الميكرفون)، أو يضطرب في حركاتِه، أو نحو ذلك[7].

خامسًا: من المهمِّ جدًّا - كما سَبَق - أنْ تتناسب حركةُ يده مع كلماته، وأن "يناسِب بيْن الحرَكة والنطق، والإشارة والعِبارة، ويراعي ألاَّ يشعر المتحدِّث أنه ملزمٌ بالجمود في بقعة محدَّدة، أو أنَّ أعضاء جسمِه ممنوعةٌ مِن الحرَكة، فالمهم ألاَّ ننفرَ مِن استخدام الإيماءات ونوظِّفها بنجاح"[8].

والمقصود أن يكونَ الخطيب ذا مهابة ووقار، وأن تكونَ له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خُلُقَ الورَع والخوف مِن الله، كما هو دَأب أوْلياءِ الله الصَّالِحين، حتَّى تعظِّمَه النفوس، وتنقاد إلى سماعِه الآذان، فلا يظهر بمظْهَر الهازل أمامَ مَن يدعوهم، وأعظم ما يُحقق له هذا المقصودُ هو تقوى الله، وترجمة ما يقوله إلى واقِعٍ ملموس، فإنَّ ما في الباطن يؤثِّر - بلا شكٍّ - على المظهر، ومَن خشَع قلبُه سَكِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، أي: البيان الذي يصحبه الإقناع ويثمر الاستجابة كما عاب العجز عن الإبانة في مقام الخصومة يصحبه الإقناع ويثمر الاستجابة كما عاب العجز عن الإبانة في مقام الخصومة وإثبات الحجة في قوله تعالى عن النساء: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18]، أي: لعجزهن عن مواجهة الخصم وإقامة الحجة.

ونوَّه عن مساندتها للرسالة في قصة بَعثَة مُوسَى - عليه السلام - ومساندته بأخيه هارون كما في قوله تعالى عن موسى - عليه السلام -: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 34، 35]، فكانت فصاحة أخيه من عوامل ترشيحه للرسالة وشد عضد أخيه.

وفي مقدم وفد بني تميم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - صورةٌ واضحةٌ لعِظم أثر الخطابة في الدعوة الإسلامية، وقد ساقها المفسرون والمؤرخون: أنهم قدموا عام الوفود واجتمع الناس في المسجد، ونادَوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرج إليهم وهم المعنيون بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4].

فلما خرج إليهم قالوا: جئنا نفاخرُك ونشاعرُك بخطيبنا وشاعرنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بالشعر بُعِثْت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا)).

فقال الزبرقان بن بدر لشاب: "افخر واذكر فضل قومك"، فقال: "الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عددًا ومالاً وسلاحًا، فمن أنكر علينا فليأتِ بقولٍ هو أحسن من قولنا، وفعلٍ هو أحسن من فعلنا".

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن شماس - وكان خطيبه -: ((قم فأجبه))، فقال: "الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمِّه أحسن الناس وجوهًا وأعظمهم أحلامًا فأجابوه، والحمد لله الذي جعلنا أنصارَ دينه، ووزراء رسوله، وعِزًا لدينه؛ فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمَن قالها منع نفسه وماله، ومن أباها قتلناه، وكان غرمه علينا هينًا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات".

ثم قام شاعرهم فأنشد، ثم أجابه حسان - رضي عنه - فقال الأقرع بن حابس - رئيس الوفد -: "والله، ما أدري: ما هذا الأمر؟ تكلم خطيبنا فكان خطيبُهم أحسنَ قولاً، وتكلم شاعرنا فكان شاعرُهم أشعرَ وأحسَنَ قولاً"، ثم دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنك رسول الله[1].

ففي تلك الواقعة بالذات ومثيلاتها، تسجيل لأهمية الخطابة ودورها الفعال في خصوص الدعوة، حيث نلمس النقاط الآتية: 1 - تخصيص الخطيب للرسول - صلى الله عليه وسلم - من قوله: فقال - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس - وكان خطيبه - مع أنه - صلى الله عليه وسلم - أُعطِي جوامعَ الكلِم، وأفصَحُ العربِ والعجم.

2 - كون الخطابة سلاحًا للدفاع عن الدعوة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لثابت: ((فأجبه))، ومعلوم أن الإجابة دفاعٌ كما قال حسان لأبي سفيان في أول الأمر: "هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ"[2]، فالإجابة دفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

3 - أن قوة الخطابة مدعاةٌ للإقناع والاستمالة، ومن ثم الاستجابة للدعوة؛ لقول الأقرع بن حابس بعد سماعه خطابة ثابت بن قيسٍ وتأثره بها: "والله، ما أدري: ما هذا الأمر؟" إلى أن قال: "فكان خطيبهم أحسنَ قولاً، وكان شاعرهم أشعر وأحسن قولاً"، ثم دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونطق بالشهادتين وأعلن إسلامه، فكان للخطابة أعظم الأثر في الدفاع عن الإسلام، وفي الدعوة إليه.

وكذلك كان لها الحظ الأوفى في قتال الأعداء؛ كما روي ابن إسحاق في غزوة بدرٍ: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحرَّضهم على القتال، وقال: ((والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر؛ إلاَّ أدخله الله الجنة))، فكان لكلماته - صلى الله عليه وسلم - أقوى تأثير على نفوسهم، جعل أحد المقاتلين - عمير بن الحمام - يستعجل الموت، ويستطيل الحياة، فيقول: "بخ، بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلاَّ أن يقتلني هؤلاء"، وكان بيده تمرات يأكلهن، فقذف بهن وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل"[3]، وبهذه الروح اندفع المؤمنون إلى قتال العدو ونصرهم الله تعالى، وهكذا كان في عهد الخلفاء والفتوحات الإسلامية، كانت الخطابة تسبق القتال، وكذلك في السلم؛ فقد عُنِي بها كل العناية حتى أصبحت جزءًا من العبادة، فنصبت لها المنابر في المساجد، وجعلت في مقدمة الجُمَع والأعياد، واختص بها أفاضل الناس وأئمتهم في مهام الأمور، للأمر والنهي، والتوجيه والبيان.

وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد بيان أمر أو جد جديد يحتاج إلى بيان صَعِدَ المنبر.

وخطب الناس، كما في قصة بُرَيْرَة لما اشترط أهلها على عائشة - - رضي الله عنها - أن تعتقها ويكون الولاء لهم، خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل: ((الولاء لمن أعتق))[6]   أخرجه مسلم (2892).  [7]   أخرجه البخاري (6604)، ومسلم (2891).  [8]   أخرجه البخاري (4454).  [9]   أخرجه البخاري (3668).    منبع :   كتاب: "أصول الخطابة والإنشاء".   الشيخ عطية محمد سالم

امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۰۳ ] [ مشاوره مديريت ]

 

فائدة تتعلق بالمبتدئين في الخطابة

نسيان المعاني   مراعاة معنى الخطبة ومبناها مطلوبٌ، فمن العيْب مثلاً أن ينصب الخطيب الفاعل ويرفع المفعول، مما يغير المعنى ويشوِّش على السامعين، ولكن مع حداثة العهد بالخطابة؛ قد يَصْعُب التركيز والجمع بين المعنى والمبني، وخصوصًا مع تَطَلُّع الناس بأبصارهم للخطيب وكثرتهم، فلو بدأ الخطيب عبارته الطويلة بحرف نصبٍ فقد ينسى، والنسيان يزداد مع حداثة العهد.

فعليه أن ينشغل بالمعنى، والتركيز عليه، والاهتمام به، وعلى المستمع أن يتغاضى عن الهفوات تقديرًا منه لطبيعة الموقف، وليتذكَّر قولَ عمر للرَّجل: "أما شغلك معناها عن مبناها، ثم مع اعتياد الخطابة والتمرُّس فيها - تَقْوَى بإذن الله معاني التذكُّر، وتخفّ معاني القلق والاضطراب، ويسهل الجمع بين المعنى والمبني.

وقد يحدث أحيانًا نسيان المعنى الذي نتحدث فيه، فلا بأس ولا حرج في الانتقال إلى معنى أو دليل آخر.

ونسيان المعاني يكثر أيضًا مع حداثة العهد بالخطابة للأسباب التي ذكرناها، فعلى المبتدأ أن يتحسَّب لذلك بإعداد موضوع كبير، والحرص على إتقانه، وحفظ سورة (ق) مثلاً، ومعرفة كيفية التَّذكير بتقوى الله والدعاء للمؤمنين، بحيث لو نسي بعض الموضوع؛ تدارك بالبعض الآخر. وينبغي عليه الإكثار من ذكر الله، والدعاء، وقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، والحرص على طاعة الله والعمل بما يعلم، فهذا من شأنه أن ييسِّر كل عسير - بإذن الله.

وليتعلَّم سيرة سَلَفِه الصالح في فتح أبواب الحديث وكيفية إغلاقه، وقد قيل عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - إنها ما أرادت فتح باب موضوع إلا وفتحته، وما أرادت إغلاق باب إلا وأغلقته.   منبع :   كتاب كيف تكون خطيبًا "التيسير في الخطب والوعظ والتذكير".   الشيخ سعيد عبدالعظيم

-->  

امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۰۲ ] [ مشاوره مديريت ]

 

آداب الخطابة

لما كان من غاية الخطيب التأثير في الأرواح وامتلاك القلوب، لم يكفه في بلوغ هذه الغاية الإتيان بالأدلة فقط؛ بل لا بد له مع ذلك من التجمل بالأحوال المرضية، والتحلي بالآداب النفسية، وبذلك يجذب إليه القلوب، ويستولي على النفوس، ويقودها إلى ما يريد منها، وهي عشر صفات:

  الصفة الأولى: سداد الرأي وأصالة العقل، وتمييزه لوجوه الأمور، ومعضلات المشاكل، ليهتدي إلى إثبات الحق وإدحاض الباطل بالأدلة المعقولة حتى يتأثر السامع لقوله وينقاد له، فإن كان ضعيف النظر، عاجزًا عن إقامة الأدلة سقطت دعواه أمام خصمه، وتنكب عنه السامع استهانة به، ويثبت لدى السامعين سداد رأيه بإيراد قضيته مثلاً على صورة جلية قريبة المنال، وإثباتها فعلاً بالحجج اللامعة والشواهد النيرة، ومعارضة أدلة الخصم وتفنيدها؛ كقول الإمام علي - كرم الله وجه - لما بلغه اتِّهامُ بَنِي أُمَيَّة له بالمشاركة في دم عثمان - رضي الله عنه -: أولم يَنْهَ أُمَيَّة علمُها بِي عن قرفى[1]، أو ما وزع الجهال سابقتي عن تهمتي، ولما وعظهم الله به أبلغ من لساني، أنا حجيج المارقين، وخصيم المرتابين، وعلى كتاب الله تعرض الأمثال، وبما في الصدور تجازى العباد.   الصفة الثانية: صدق اللهجة وصحة القول وحسن السيرة، ليقع في نفوس السامعين خلوص نيته، واستقامة عمله، وحرصه على الحقيقة، وعلامتها أن يظهر على ملامح وجهه أثناء الخطابة ما هو عليه من طهارة القلب والإخلاص في العمل، وبذلك تطمئن القلوب إلى تصديقه، وتمتلئ النفوس ثقة به، فيستمعون إلى قوله، وينقادون له، أما الكاذب سيئ السلوك فلا تركن النفوس إليه ولو جاء بالصدق، قال أبو العتاهية: وَالقَوْلُ  أَبْلَغُهُ  مَا   كَانَ   أَصْدَقَهُ        وَالصِّدْقُ فِي مَوْقِفٍ مُسْتَسْهَلٍ عَالِ
  الصفة الثالثة: التودد إلى الناس، وموجبات التَّحَبُّب إلَيْهِم كثيرة، منها التَّحلِّي بالوقار والتَّصوُّن والوفاء والأمانة والعِفَّة وعزَّة النفس وعلو الهمة؛ حتى يعلم أنه إنسان كامل خال عن الأغراض، يعمل الخير للخير، لا يريد عليه ثناء ولا جزاء من أحد إلا من الله الغني الكريم، فلذلك أثره في إقبال الناس عليه، ونجاحُه في مهمته.   الصفة الرابعة: رباطة الجأش وشدَّة القلب، وهي منشأ صفات كثيرة حميدة، فإنَّها تحفظ له كرامته في أعْيُنِ السَّامِعِينَ، وتستبقي عقله معه وهو يَخْطُب فيسدِّد ويتفنن، ويرتب قوله ويَحْكم مقاطِعَهُ، ويلحظ حركات القوم حتَّى ينهلهم المناهل التي يسوقهم الظمأ إليها.   الصفة الخامسة: البديهة الحاضرة وسرعة الخاطر، فقد يطرأ على الخطيب في أثناء خطابته أو على أثرها ما يلجئه إلى الكلام فإن لم تواتِه بديهَتُه بكلام يماثل الأول أو يتفوق عليه سقط ما بناه، ولا كذلك إذا كان يغترف من طبعٍ نافع وفؤاد ذكي.   الصفة السادسة: أن يكون طلق اللسان، بريئًا من الحصر[2]، والعي واللجلجة، والتمتمة والفأفأة، والجمجمة والثرثرة، وسماجة التكلف والإغراب، وما إلى ذلك من العيوب المشهورة.   الصفة السابعة: الحذق في إدراك مقتضى الحال، وملاحظة طوائف الناس من الأعلين والأوساط والأدنين، فيختار من الألفاظ ما يناسب كل طبقة، ولا يجرح أحدًا ممن يتحبب إليهم حتى تبقى لخطابته هزة في كل قلب، وتستريح لمغزاها كل نفس، والحاذق من يعرف الطباع الغالبة على الجمهور، فيأتي إليهم من ناحيتها إذ لا ريب أن لكل مقام مقالاً، ولكل فريق من الناس خطابًا يليق بحاله ويوافق عقليته، ويناسب سنه، فلا يخاطب أشراف الناس وأوساطهم وسوقتهم بخطاب واحد، فأولئك تكفيهم الإشارة وهؤلاء يحتاجون إلى بسط الكلام، فعلى الخطيب أن يكون مع كل طبقة على مقدار مبلغها من الفهم، والاستعداد لقبول ما يريد غرسه في نفوسها من المعاني, فعن ابن عمر - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم))؛ رواه مسلم. وعليه أن يراعي الأعمال في خطابه مع شاب فتي السن، وكهل تام القوة، وشيخ وقور مهيب، فإن لكل سن نزعة خاصة، وأخلاقًا خاصة، وأحوالاً تستدعي ما يناسبها من فنون الكلام، وبذلك يكون حكيمًا يضع الشيء في محله، ويداوي كل علة بدوائها، وقد غلب على الأمراء والوزراء والحكام عظمة السلطان وترفع الإمارة والأنفة، وإباء الطبع، وعلو الهمة، وتمام المروءة، إلا أن يظهر فيهم العجب والخيلاء ويكثر بينهم التكاثر والتفاخر بالمال والأتباع، يحبون الإطراء ويستميلهم الخضوع والثناء، ويأبون قبول التأديب ولا ينقادون إلى استماع النصح بسهولة، فلا بد لهم من المهارة في التلطف بهم، واللين معهم. وطبع الأغنياء غالبًا على التيه والصلف والسير وراء الهوى والشهوة، تبطرهم الكرامة، ويطغيهم المال والجاه، ويشغلهم الحذر والحرص على الدنيا عن الاستعداد للموت، وما بعد الموت، يترفعون على الفقراء، ويتعظَّمون على مَنْ دونَهم، يتكلَّفونَ طِباعَ السَّادة، وَقَدْ لا يَقِفُونَ عِنْدَ حدِّ الاعْتِدَال في المعاملة لا سيما حديثو العهد منهم بالنعمة، أمَّا العُلماء والأدباء ففيهم كرم الأخلاق ولين العريكة، وحسن السيرة، وسلامة الأعراض، وعدم الشره في عرض الحياة الدنيا، وقلة الطمع في الحطام الفاني، يَرتاحونَ إِلى حُسْنِ السُّمْعَة وجميل الأحدوثة، ويُحبُّونَ التَّوقير والتَّعظيم، ويَميلون إلى النُّعوت الدَّالَّة على التَّفرُّد بالفضل، والتفوُّق في العلم والأدب.
وجُملة القول: أنَّ لكلِّ طبقةٍ منَ الناس طباعًا وأخلاقًا وعاداتٍ وأحوالاً تُمَيِّزُهم على اختلاف وظائِفِهِمْ وصناعاتِهم ومذاهِبِهِمْ وأوطانِهم؛ لا بُدَّ للخطيب الاجتماعي من ملاحظتها، وعلى مقدار هذه الملاحظة تكون مكانته في النفوس، ونجاحُه في مهمته.   الصفة الثامنة: المهارة في إثارة العواطف وتحريك أهواء النفوس حتى يجعل أزمة الحب والبغض، والرغبة والنفور، والفرح والحزن، والرجاء واليأس، والشجاعة والخوف، والحمية والأنفة، والحلم والغضب، وغيرها من مشاعر النفس في قبضة يده، وسيأتي بيان طرق الوصول إلى إثارة الأهواء.   الصفة التاسعة: سعة الاطلاع: فإن الخطابة - كما تعلم - تتناول جميع الشؤون الدينية والدنيوية، ومسالك القول فيها متشعِّبة كمسالك الكتابة، فكما يكون الكاتب ملمًّا بكل العلوم كذلك يكون الخطيب؛ ولهذا لا يسمَّى من يخطب خطبة مَحفوظة أو يجيد الخطبة في شيء دون غيره خطيبًا، فلو برع بعض الخطباء في نوع من أنواع الخطابة كالسياسية أو القضائية، فإن هؤلاء لا يسمَّوْنَ خُطباءَ على الإطلاق إلا إذا كانوا يحسنون سوى ما برعوا فيه، وإن كان دونه.   الصفة العاشرة: التجمل في شارته وإشارته، وملابسه وهيئته، وحب النظام في كل ما يحتف بالخطبة، وهذا وإن لم يكن من الصفات التي تقوم عليها الخطابة إلا أنه أمر يجب العناية به لأنه مطمح الأنظار، والنظر يفعل في القلوب ما يفعل السمع، لا سيما في هذا الزمان المفتون الذي يحترم فيه المرء بمجرد حسن هيئته، فهو من هذه الناحية لا ينقص اعتباره عن اعتبار الصفات الأصلية، وجملة الأمر أنه يلزم أن يكون الخطيب أحرص الناس على الكمال، وأبعدهم عن النقص، فإن الذي ينصب نفسه لقيادة الناس يجب أن يكون من الفطانة والسداد بمنجاة من أقل الهفوات، فإن أدنى هفوة تسقط اعتباره، وتهون على الناس أمره، حتى يجعلوا مجلسه ملهاةً من الملاهي، لا عبرة من العبر،، وبالله تعالى التوفيق والهداية.
ـــــــــــــــــــــــــ [1]   قرفه قرفًا بالفتح: عابه. [2]   الحصر: ضيق الصدر عند النطق، والعي: ضد البيان، واللجلجة: ترديد الكلام، والتمتمة: رد الكلام إلى التاء والميم، والفأفأة: ترديد الفاء، والجمجمة: عدم تعيين الكلام، والثرثرة: التفريق والتبديد، والثرثار: المكثار.   منبع :   فن الخطابه / الشيخ علي محفوظ

امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۰۲ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الخطبة من الورقة، وكيف تكون مؤثرة؟

لَم يُعهَدْ عن الأوائل - خُلفاء أم خُطباء - أنَّهم كانوا يَعِظون الناس من خلال الورقة؛ لأنَّهم أهل فصاحة وبيان، وأنَّ البلاغة تجرِي على لسانهم جريانَ الماء في السَّيْل، فيعبِّرون بسُهولة عمَّا يجول في نفوسهم، ويَجيش في صدورهم، ويدور ويَحدُث في واقعهم بدون أدنى كُلْفة أو تصنُّع، ولم أسمع - حسب علمي - أنَّ أحدًا من الخُطباء ارْتقى المنبر وألْقى خُطْبته من خلال الورقة، وإنَّما حدَث ذلك في عهود متأخِّرة، حين انحسرتِ الخطب في دواوين - خُطب جاهزة - بعد أن كانتْ قائمةً على الارتجال والبديهة، وما كان يتمتَّع به الخطباء مِن أسلوب بياني رائِق مِن خلال بيانهم لأصول الدِّين، وقواعد الشريعة.

ولا يَعْني استغناءُ الأوائل عن الخُطبة من الورقة عدمَ استعدادهم وإعدادهم للموضوع ومعالِمه الرئيسة، بل الأدلَّة تُشيرُ إلى اهتمامهم بتحضيرها، ولو قُبَيل ارتقائهم المنبر، ومِن ذلك: قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "وقد كنت قد زورتُ في نفسي مقالة"[1]، وهذا الاهتمام ينبُع مِن حبِّهم للدِّين، وشعورهم بالمسؤولية أمامَ ربهم، وقد دوَّن التاريخُ الإسلامي عن خلفائنا وعلمائنا وقادتنا روائعَ الخُطب المِنْبريَّة، وما تضمنتْه من أسلوب بيانيٍّ مؤثِّر يستنهض الهِمم، ويقوِّي العزائم، ويبعث على الرُّوح والقوَّة المعنويَّة، والالْتزام بمعاني الدِّين الإسلامي، ومِن ذلك: الخُطُب التي يُلقيها قادةُ الفتح الإسلامي، وما لها من التأثير في شَحْذ الهِمم، والاستبسال في سبيل الدِّفاع عن الإسلام وحِياضه.

الحاجة إلى الخطبة من الورقة:

في رأيي أنَّ الحاجة دَعتْ للخُطبة من الورقة في زماننا لأسباب؛ منها:

1- الدَّواعي الاحترازية في بعض البلدان؛ وذلك لئلاَّ يخرجَ الخطيب عن مضمون الخُطبة، وإطارها العام، فينخرط الخطيبُ في الكلام عن السياسة، وما لا فائدة فيه، مما يجرُّ الفرْد والمجتمع إلى ما لا يُحمد عُقباه، وهو مما يتوجَّب على الخطيب الالْتزام به مِن باب طاعةِ أولي الأمْر، أو الإطالة غير المحمودة، والاستطراد في مواضيع لا صلةَ لها بصُلب الحَدَث، وعلى الرَّغْم من ذلك، فالخُطب المكتوبة الموجَّهة والمعدَّة مِن وزارة الأوقاف في تِلْكم البلاد فيها خيرٌ كثير، ويستطيع الخطيبُ الحريص على دِينه وهدايةِ الناس التأثير والتوجيه، ومِن خلال الورقة، وسيأتي بيانه - إنْ شاء الله.

2- إيثار بعضِ الخُطباء الخُطبة من الورقة عَلَى الارتجال، والمعلوم أنَّ الخُطباء يتفاوتون مِن ناحية الاستعداد والتحضير والتأثير؛ فالبعضُ منهم كالسيل الجارِف في أسلوبه وبيانه، ووضوح مقْصدِه، وقوَّة حافظته[2]، وله قوَّةٌ عجيبة في استحضار المعاني في قوالبَ من الألفاظ البلاغية والبيانية، دون أن يتلعثم أو يتردَّد، وهو بالكاد يَبْلع رِيقَه؛ ليستمرَّ في وعْظه وإرْشاده، والبعض الآخَر يحتاج للورقة؛ لضبط ألفاظ الخُطبة، ولتكون على قواعدِ اللغة؛ حتى لا يشطح ويَقَع في الخطأ، ولا يخرج عن مضمون ما يرْمي إليه، وينْسَى موضوعَ الخطبة، أو يُطيل في وعْظه، وقد رأينا علماءَ ومفكِّرين لا يُحبِّذون الارتجالية في الخُطبة، رغمَ علمهم الواسع، ورسوخِهم في الدِّين[3]، وليس ذلك بعيبٍ ما دام المقصودُ هو إيصالَ الفِكرة الحسنة إلى الناس، ودعوتهم إلى الاستقامة على المنهج السليم.

كيف تكون الخُطبة من الورقة مؤثِّرة؟

في مِثْل تلك الأحوال التي تُفرَض الخُطبة الورقية المعدَّة سلفًا على الخُطباء، فالبعض منهم يتشاءم منها، ويَعدُّ ذلك نقصًا في علمه وقدرته البيانية، وقد يكون ذلك صحيحًا إذا كانت مواضيعها لا تُلائم حالَ العصر، وهو يرَى أنَّ مرضًا ما أو حالةً اجتماعيَّة تنتشر في محيطه ومجتمعه، فلا يُمكنه - والحال تلك - أن يعبِّر عما يجول في خاطِره، ولكنَّ هناك أساليبَ في مثل تلك الأحوال يُمكن للخطيب الماهِر الناجح أن يستغلَّها في صالحه، ويجعل خُطبتَه مؤثِّرة، ويوجه الحاضرين لِمَا يريد من المعاني السامية، ويملك بها ناصيةَ الموقف، ومنها:

أولاً: الإخلاص، ولا شكَّ أنَّ الإخلاص له دورٌ عظيم في التأثير، وحمْل المستمعين على الالْتزام بمعاني الإسلام، ولو كان المتلوُّ هو آيةً من كتاب الله - تعالى - وقد كانتْ بعض خُطبُ ومواعظ الخلفاء ما هي إلا آياتٌ من كتاب الله تعالى، لكن اقترنَ بها الإخلاصُ والصِّدق، والعمل بالمضمون، فأثمرَتْ وأينعت خُطبُهم ومواعظُهم.

ثانيًا: قراءة الخُطبة بشكل جيِّد، وضبط ألفاظها من ناحية الشَّكْل؛ لتتميز كلُّ كلمة عن الأخرى؛ لتكونَ اللغة سليمة من الأخطاء، والتأكيد على تلاوة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بما يوافِق قواعدَ اللغة، وأحكام التجويد، ممَّا له أبلغ الأثَر في انتفاع المدعوين، وينبغي على الخَطيب الصادق ألاَّ يَستهينَ بذلك، فرُبَّ آيةٍ من كتاب الله أوجبتْ هدايةَ خلْق من الناس.

ثالثًا: هندسة الصَّوْت؛ أي: تكون نبراتُ صوته وَفقَ معاني الخُطبة، فيرفع من نبرة صوته عندما يُريد أن يحذِّر من عقوبة الله ومقْته، ويخفض عندَ الحاجة، فيكون إيقاعُ صوته كالرَّسم البياني؛ لأجْل أن يستوعبَ الحاضرون بيانه، وهم بالطبع ليسوا على مستوى واحدٍ من الاستيعاب والفَهْم، بخلاف ما لو كانت نبرةُ صوته على وتيرةٍ واحدة، فستملُّه الأسماع، وتمجُّ خُطبته النفوس، ويكون حاله كمَن يقرأ جريدة، أو مقالاً دون أن يحرِّك شعورًا، أو يلهب حماسًا.

رابعًا: توزيع النظر ما بيْن الورقة والجمهور، ويتمُّ ذلك باعتدال وتوازُن، ويعتمد ذلك على الإعداد الجيِّد، والقراءة للخطبة قبلَ ارْتقاء المنبر، ومِن الخطأ أن يُديمَ الخطيب نظرَه في الورقة[4]، وينسى أنَّه يخاطب بشرًا لهم أحاسيسُ ومشاعر، فلا يليق به أن يُعطيَهم ظهرَه، ويولِّيَهم دُبرَه، وهو يعظهم ويوجههم، وكذلك التفاعُل مع معاني الخُطبة له الأثرُ البالغ في جعْل الخطبة مؤثرةً في النفوس.

خامسًا: التمهُّل في قراءة الخُطبة، وعدم الإسراع في تلاوتها؛ مِن أجل أن يستوعبَ الحاضرون معانيَها، وليتجنَّبِ الخطيب كذلك الوقوعَ في الخطأ في ألفاظها، ولو كانتْ من الورقة.

والمقصود: أنَّ الخطيب والواعظ داعٍ إلى الله، يحمل في قلْبه همَّ الدعوة، وهو حريصٌ على استغلال كلِّ فرصة سانِحة من أجْل الإصلاح والهِداية، حتى ولو كانتْ كلمة واحدة، فكيف إذا كانت خُطبة مكتوبة، تتضمن آياتٍ كريمة، وأحاديثَ شريفة، قُصارى ما فيها أنها قد لا تتلاءم مع الظَّرف؟![5]، فليكن فَطِنًا ماهرًا في اقتناصِ الفُرص، ولو كان التركيزُ على تلاوة الآيات والأحاديث فحسبُ، وبشكل مؤثِّر وإيماني.

وهذا نموذجٌ من خُطبة مكتوبة، وتوجيهات هامَّة للخطيب في كيفية إلْقائها وتلاوتها، وليس المقصودُ هو التقييد بها، وإنَّما لينسجَ الخطيبُ على منوالها، ويتعلَّم الطريقة الصحيحة في إلْقائها.

المقدمة:

الحمدُ لله الذي لم يتَّخذْ ولدًا، ولم يكن له شريكٌ في المُلْك، المستحقِّ لأنواع العبادة دون غيره، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ هو وحْده لا شريكَ له، جبَّارُ السموات والأرض.

وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كلِّ مَن سار على نهْجه، واستنَّ بسُنَّته، واقتفى أثرَه إلى يوم الدِّين[6].

أما بعدُ:

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ [مريم: 72][7].

أيها المسلمون:

إنَّ يومَ القيامة هَولُه على الناس شَديد، فمِنهم شقيٌّ وسعيد؛ أمَّا الشقي فإلى نارٍ حرُّها شديد، وقعرُها بعيد، ومقامِعها حديد، يومَ يقوم الناس لربِّ العالمين، قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَطوي الله - عزَّ وجلَّ - السمواتِ يومَ القِيامة، ثم يأخذهنَّ بيده اليُمنى، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟ ثم يَطوي الأرْض بشِماله، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟))، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾  [الرحمن: 27] يُفني الخَلْق جميعًا، فينادي قائلاً: لِمَن الملك اليوم؟ فيُجيب نفسَه المقدَّسة بقوله: ﴿ لِلَّهِ الوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]))[8]، ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [ الزمر: 68].

يقِف الجميعُ في خشوع تامٍّ، وذلٍّ وخضوع، لا يتكلَّمون إلا مَن أذِن له الرحمن وقال صوابًا، يقِف الكلُّ في خشوع، يقف الجميع في ذلٍّ وخضوع، وتُدنَى الشمس يوم القيامة من رؤوس العِباد، فيبلغ الناس من الغمِّ والكَرْب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، وبعد شفاعة نبيِّنا محمَّد صاحب الشفاعة العُظْمى يقضي الله بيْن الخلائق، ثم يأمر الله أن يُؤتَى بجهنمَ، قال رسول الله  - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُؤتَى بجهنمَ يوم القيامة لها سبعون ألْف زِمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملَك يجرُّونها))، يؤتَى بها تتغيَّظ، يؤتى بها تتلظَّى، يؤتَى بها تتقطع من الغيْظ على العُصاة والمشركين، تأتي وهي تنطِق، وهَلْ كل نار الدنيا مجتمعة إلا وهي جزءٌ منها، الله أكبر! اللهمَّ إنَّا نستجير بك من النار[9].

لقد أُوقِد عليها ألف عام حتى احمرَّت، وأُوقد عليها ألف عام حتَّى ابيضَّتْ، وألف عام حتى اسودتْ، فهي سوداءُ مظلِمة، وكان ابن عمر يقول: "أكثِروا ذِكْرَ النار، أكثروا ذِكْرَ النار، فإنَّ قعرها بعيد، وإنَّ حرَّها شديد، وإنَّ مقامعها حديد".

أكْثِروا ذِكْر النار، يا مَن اشتغلتم بالمسلسلات والأفلام، يا مَن انغمستم في معصية الله - عزَّ وجلَّ.

أكْثروا ذِكْرَ النار، يا مَن ظلمتم خلْقَ الله، يا مَن جعلتم مناصبَكم وقوَّتَكم لظلم العباد، يا من تحدَّيْتم الله - جلَّ وعلاَ - يا مَن بارزتم الله بالمعاصِي[10].

وفي الحديث الصحيح الذي أخْرَجه مسلم من حديث النُّعمان بن بشير: أنَّ النبي   - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ أهونَ أهْل النار عذابًا يومَ القيامة: رجلٌ يَوضَع في أخمص قدميه حَجران، يَغلِي منهما دماغُه، كما يغلي المِرْجل، ما يرَى أنَّ أحدًا أشدُّ منه عذابًا، وإنَّه لأهونُهم عذابًا)).

أيها المسلمون:

اتَّقوا النار، فإنَّ قعرَها بعيد، قال الله - تعالى - في طعام أهل النار: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل: 13]، وقال رسولُ الله  - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لو أنَّ قطرةً من الزقُّوم قُطرَت في دار الدنيا لأفسدتْ على أهل الدنيا معايشَهم، فكيف بمَن يكون طعامه؟!)).

وقال - تعالى - عن شراب أهل النار: ﴿ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم: 17]؛ أي: يُسقَى من ماء صديد، شديد النتانة والكثافة، فيتجرعhref="#_ftnref5" name=_ftn5>[5] من المعلوم أنَّ الخُطبة المعدَّة مِن قِبل وزارة الأوقاف يُشرِف عليها علماء أكْفَاء، وفي بعض البلاد الإسلامية يتمُّ اختيار الموضوع على خطباء المساجد، وتُعطَى الحرية للخطيب في التعبير والأسلوب المناسِب.

[6] عادةً ما يكون الدخول إلى الموضوع من خلال مقدِّمة يتمُّ عرْضها وتلاوتها بشكل تدريجي وهادئ، وهو أفضل من الدخول إلى الموضوع بشكلٍ مفاجِئ، ونبرة قوية.

[7] يُستحسَن تلاوة الآية بتمهُّل وإعادة قراءتِها مرتين إن تطلَّب الأمر؛ لتذكير المستمِع بالموضوع الذي سيتمُّ طرحُه ومعالجته مِن خلال الآية.

[8] يُستحسن في مِثل تلك العبارات رفْعُ الصوت للتعبير عن معاني الحديث الشريف، وبيان أنَّ المُلْك زائل وفانٍ، إلا مُلْك الله - عزَّ وجلَّ - ولو صَدق الخطيب، لكان له من التأثير ما يفوق تأثيرَ المدافِع والدبَّابات، ولكن نجد بعضَ الخطباء - سامحهم الله - يقولها؛ ولكنَّ قلبَه وحبَّه لملذَّات الدنيا، وحِرْصه أعظم من حِرْص مَن يَعِظهم!

[9] في الأدعية يُستحسن أن تكونَ نبرة الخطيب فيها تذلُّلٌ، وطلب وشكْوى للخالق، ومِن أعماق القلب، وألا يكون مرورُه على الدعاء مرورَ السَّاهي الغافل.

[10] يَستحضر الواعظ قبل كل شيء نفسَه التي بين جنبيه؛ لأنها أوْلى بالتأنيب، ثم مَن يدعوهم، ويُستحسن في تلك المواضع رفْعُ الصوت، فبعض النفوس والقلوب لا ينفع معها إلا الماءُ الحار لغَسْل أدرانها، وإزالة أوساخها، إضافةً إلى حمْل المدعوِّ على الخُشوع والتوبة والإنابة.

[11] ابتداء من عبارة: "أيها المسلمون، اتَّقوا النار، فإنَّ قعْرها بعيد" إلى قُبَيل خاتمة الخطبة تكون نبراتُ الصوت كالخطِّ البياني، مرةً يرفع ومرَّة يخفض حسبَ الحال والمعنى.

[12] هذا آخِر الكلام في الخُطبة، وينبغي على الخطيب أن يُحسِن وضْع الدواء على الجرْح قبل أن يغادر المنبر، فتكون عباراتُه لطيفةً، تحمل في مضمونها الدِّفْء والحنان والعطف لِمَن يدعوهم، لا التشفِّي والانتقام، فهو طبيبٌ للقلوب؛ يداوي جَرْحاهم بحِكمة ورحمة.

[13] الخُطبة مُقتبَسة من خُطبة الشيخ محمد حسان في وصْف النار، وقد قمتُ باختصارها لطولها، والشيخ خيرُ مَن يمثِّل الخطيبَ الناجح في أسلوبه وبيانه وعلْمه - وفَّقه الله لنفع الأمَّة.


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۰۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  حسن اختيار الموضوع   إن موضوع الخطبة هو لبها وروحها، وبحسب الموضوع يكون أثر الخطبة، والخطيب الذي يُقَدِّرُ سامعيه ويحترمهم ويقدر أوقاتهم ويضَنُّ بها أن تضيع في غير فائدة يحرص غاية الحرص على موضوع الخطبة، ويجتهد غاية الاجتهاد في أن يكون موضوعها نافعًا للناس، ويتبدَّى فقه الخطيب وحسن اختياره للموضوعات في الملامح التالية:
  • استحضار الهدف: إنَّ من فقه الخطيب أن يكون مستحضرًا الهدف الذي يريد أن يتوصل إليه بخطبته ويكون ذلك الهدف مشروعًا، وبحسب ذلك الصف يبني خطبته وينظم عقدها، ويكون مقتنعًا بذلك الهدف فيكون اختياره للموضوع نابعًا من صلاحيته للعرض على الناس ومقدار النفع المتوقَّع لهم منه، لا أن يكون ناتجًا عن اندفاع عاطفي أو رغبة في إرضاء جمهور الناس إذ صار ذلك همّ بعض الخطباء - شعروا أو لم يشعروا - فهم يهتمون بطرح ما يرضي الناس وما يرغبون فيه، فيكون المؤثر في الخطيب الناس في حين المفترض العكس، ويمكن أن يكون هناك نوعان من الأهداف:

    أ - أهداف بعيدة المدى: بحيث يجعل الخطيب في الحي أو البلدة أو القرية مجموعة من الأهداف يسعى لتحقيقها في حيه أو بلدته فيرسم معالم للتغيير الذي ينشده وطرائق لمعالجات الواقع في مجتمعه مراعيًا في ذلك الموازنة من جلب المصالح ودرء المفاسد، ويكون وضع هذه الأهداف في ضوء دراسته للبيئة التي يعيش فيها.

    ب - الأهداف الخاصة بكل خطبة: بحيث يكون الخطيب قاصدًا لأهداف يريد تحقيقها وغايات وأغراض يريد الوصول إليها[1].
  • أن تكون الخطبة صادرة من شعور قلبي صادق: إن أحسن الخطب وأفضلها وأكثرها نفعًا وفائدة ما كان صادرًا من شعور الخطيب، وإحساسه بأهمية الموضوع، وبمقدار حاجة الناس إليه، فالداعية رحيم بالناس، مشفق عليهم كأنه النذير العريان؛ لأنه ينذر الناس ما هم مقدمون عليه من العذاب، وهذا ما يفسر لنا تأثير النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في الخطبة إذا ذكر الساعة، ففي حديث جابر بن عبد اللّه - رضي اللَه عنهما - في الكلام عن خطبة النبي - صلى اللّه عليه وسلم -: وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش، يقول: ((صبَّحكم ومسَّاكم0000))[2]
  • اختيار الوقت المناسب للموضوع: إن من المداخل الجيدة للموضوعات الخطابية يوم الجمعة أن يكون السياق الزمني داعيًا لها وإذا استغل الخطيب ذلك الظرف كان لخطبته أثر كبير، مثال ذلك:

    لو كانت الأمة في حالة خوف وفي خضم أمر عظيمٍ دهمها فركنت إلى القوى المادية، فخطب الخطيب عن التوكل على اللّه وأهميته، وأن اتخاذ الأسباب لا ينافي ذلك لوقع الموضوعُ في نفوسهم موقعه ولرسخ في الأذهان وردَّ الناس إلى الموقف الرشيد.
    ومن مراعاة الوقت أن يختار لكلِّ موسم ما يصلح له، فلرمضان من الخصائص ما ليس لغيره من الشهور، وفيه من الوظائف الشرعية ما ليس في غيره؛ فتكون الخطب في جمعه مراعية للظرف، وليس من الحكمة في شيء أن يخطب الإنسان بعد نهاية الظرف المناسب للموضوع عن الموضوع (فقد خطب أحد الخطباء في إحدى عواصم الدول الإسلامية عن ليلة القدر يوم الثلاثين من رمضان وليس هناك أمل بإدراك هذه الليلة)[3].
    وإنَّ فاعلية الخطبة في نفوس السامعين تزداد إذا قرن موضوعها بشيء من الواقع الذي يعيشونه فيستخدم الأحداث التي تقع وسيلة لإيصال الحقائق التي يريدها.
  • التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية: ومن فقه الاختيار التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية، وعدم تضخيم الجزئيات على حساب الكليات الأصول، قال ابن القيم - رحمه اللّه - "وكذلك كانت خطبته - صلى اللّه عليه وسلم - إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعد اللّه لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا ومعرفة باللّه وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت، فإن هذا أمرٌ لا يُحَصِّلُ في القلب إيمانًا باللّه، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي الترابُ أجسادَهم فيا ليت شعري أي إيمانٍ حصل بهذا؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟[4]
    ومع أنَّ هناك بعض الجزئيات أو الفروع التي قَد يرى الخطيب وجوب بيانها للناس، إلا أنه لابد من التأكيد على ربط تلك الجزئية بالكليات العامة، وهذا الربط له أثره في بيان حكم الأمر والنهي والحض على الالتزام بالأمْرِ، واجتناب النهي، وإذا جعل الخطيب مدخله إلى الجزئيات أمورًا كلية كان ذلك أدعى لقبول القول.

    مثال ذلك: تكلم خطيب عن حلق اللحية وحرمة ذلك بالنصوص، ونقل أقوال أهل العلم، وتكلم آخر عن نفس الموضوع جاعلاً المدخل من خلال قضيتين:
    الأولى: وجوب تعظيم السنة والتزام أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
    الثانية: حرمة التشبه بالكفار، وعزة المسلم بمظهره ودينه وشعائره الظاهرة، ودلف إلى موضوع اللحية بعد أن أصَّل هذين الموضوعين فكان لخطبة الثاني من الأثر والقبول ما ليس لخطبة الأول.

    وهذا الربط موجود في النصوص ذاتِها فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في أمر اللحية: ((جُزّوا الشوارب وأرخُوا اللحى وخالفوا المجوس))[5]. فأكد على موضوع المنع من التشبّه.
  • الحرص على عدم التكرار إلا لحاجة: ينزع بعض الخطباء إلى تكرار خطبهم كل سنة، ميلاً إلى الدعة ورغبة عن البحث والاطلاع "فيقع أسيرًا لبضعة مواضيع قد تكون هامة وقد لا تكون، ليَطْلُعَ بها علينا كلَّ أسبوع، مما يحدث الملل لدى الجمهور الذي يعاني تكرار الخطب التي لا جديد فيها، ويؤدي إلى إهدار قيمة هذا المنبر الخطير"[6].

    وهذه الظاهرة وإن كانت قلت - وخصوصًا في المدن والحواضر الكبرى – إلا أنها لها وجهان لا زالا باقيين:
    الأول: تكرار الخطبة الثانية: إذ يلتزم البعض خطبة واحدة محفوظة لا تتغير ولا تتبدل طوال العام وفوق هذا لم يرد في السنة فهو أيضًا أخذ لوقت الناس بدون فائدة، بل يسمعون كلامًا حفظوه لكثرة ترداده[7].

    نعم من المشروع أن يذكر في خطبه بعض الجمل الجامعة التي كان يكررها النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مثل قوله: ((فإن خير الحديث كتاب اللّه وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة))[8].

    ولكن ذلك لما تحويه هذه الجمل من الوصايا الجامعة الشاملة وأما ترديد غيرها مما لم ترد به السنة فغير محمود.
    الثانية: تكرار الخطب في المناسبات: ففي رمضان يخطب الخطيب في الأول عن البشارة برمضان، ثم يثُني بالكلام عن أحكام الصيام، ثم يثُلّث بالكلام عن العشر الأواخر وفضلها ويختم بالكلام عن أحكام صدقة الفطر، وكل ذلك خير ولكن يمكن أن ينوع الإنسان بين السنين فيخطب - مثلاً - عن القرآن ورمضان، وعن غزوات الرسول في رمضان، وعن استثمار رمضان في إصلاح الذات، وعن استثمار رمضان في إصلاح الآخرين، فيُنوع في خطبه ليتحقق بذلك استفادة الناس، خصوصًا أنهم يسمعون الكلام عن الأحكام من خلال أحاديث بعد صلاة العصر في المساجد.
  • التبكير بالاختيار: إنَّ الخطيب إذا بكر في الاختيار كان ذلك أدعى لضبط الموضوع إذا يصبح همًّا للخطيب طوال الأسبوع، يبحث عن مراجعه، ويدون بعض الملاحظات عنه، ويستفهم، ويسأل أهل العلم عن جوانبه المستغلقة، فيخرج الموضوع وقد تم نضجه واستوى على سوقه.
    ويزداد الأمر جودة إذا كان الخطيب قد وضع سلمًا لأولويات ما يخطب عنه، وحرص على إيجاد دفتر ملاحظات خاص يدون فيه ما يأتي على باله من موضوعات يراها جديرة بالطرح ويُدون مع تدوين العنوانات جملة من مراجع، وما كتب فيه من كتب مقالات.
  • الشمولية: إن الإسلام دين شامل ينظم الحياة كلها، وهذا الشمول سمة من سماته الرئيسة، وخطيب الجمعة حين يختار موضوعاته للناس يجب أن يراعي هذه السمة فلا يكون موغلاً في بيان جانب من الجوانب يركز عليه ويغفل ما سواه.

    إن الناس يحتاجون إلى بيان أمور الاعتقاد، ويحتاجون إلى تعليم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، كما يحتاجون للوعظ والرقائق، بل وإلى بيان أحوال الأمم السابقة وما جرى بينهم وبين أنبيائهم واستخلاص عبر تلك الأحداث {لَقَدْ كَانَ في قَصَصهمْ عبْرَةٌ لأُولي الْأَلْبَاب}[9].

    واللّه عز وجل ساق قصصهم في القران الكريم ليكون في ذلك العبرة والذكرى للمؤمنين، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر الناس بأيام اللّه فقال: {وَذَكّرْهُمْ بأَيَّام اللَّه}[10].

    ومن الملاحظ أن الخطيب قد يكون متخصصًا في أمرٍ أَوْ مُهتمًا بأمر فيركز عليه، كأن يكون متخصصًا في الفقه فتكون خطبه كلها فقهية، أو واعظًا فتكون جل خطبه عن المنكرات، وقَد تكون نفسه مائلة إلى جانب فيركز عليه، فتجد من الخطباء من هو دائم الترهيب والتخويف ومن هو دائم الترغيب، ومن حكمة الخطيب أن يجمع في خطبة بين الترغيب والترهيب وبين التعليم والوعظ وببن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • [1] ينظر يحيى سالم الأقطش، هدي الإسلام، عدد 4 مجلد 32 ص 52. [2] رواه مسلم 2 / 592 - 593 ورواه النسائي 3 / 188. [3] محمد الدويش كيف نستفيد من خطبة الجمعة، مجلة البيان عدد 65 ص 24. [4] ابن القيم: زاد المعاد 1 / 423 . [5] رواه مسلم. [6] د/ محمد عماد محمد، خطبة الجمعة في العالم الإسلامي (ملاحظات لابد منها) ص 58. [7] ينظر محمد الخولي، مجلة المنار 5 ص 342. [8] رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة (867) والنسائي 3 / 188، 189 في العيدين باب كيفية الخطبة بزيادة ( وكل ضلالة في النار ) وإسناده صحيح. [9] سورة يوسف آية 111. [10] سورة إبراهيم آية ه.   منبع :   كتاب: موضوعات خطبة الجمعة   د . عبدالرحمن بن معلا اللويحق

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۴۰:۰۰ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    خطباؤنا هل يحسنون اختيار موضوعاتهم؟

    يعدُّ اختيار موضوع الخطبة من أهمِّ ركائز الخطبة، ولابدَّ أن يدرك الخطيب أهمية الاختيار وصعوبته في نفس الوقت، وقبل الحديث عن ضوابط الاختيار لابدَّ أن نشير إلى ضرورة تحديد الهدف ووضوحه في ذهن الخطيب، ولذلك أثَرُه الكبير في عملية الاختيار؛ فلكلِّ خطبةٍ هدفٌ عامٌّ وهدفٌ خاصٌّ.

    أما الهدف العام؛ فيوضِّحه قول الإمام ابن القيِّم - رحمه الله - حيث يقول: "يُقصَد بها – أي: خطبة الجمعة - الثناء على الله وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيَّتهم بما يقرِّبهم إليه وإلى جنابه، ونهيهم عمَّا يقرِّبهم من سَخَطِه وناره؛ فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع إليها".

    وكُلَّما ابتعدت خطبة الجمعة عن هذا الهدف العام؛ صارت صورةً لا روح فيها، ويقلُّ أثرها - أو ينعدم - على المصلِّين. إنَّ صعوبة الاختيار لِخُطبةِ الجمعة يَرجِعُ في كثير من الأحيان إلى عَدَمِ وُضوح الهدف العامّ من الخطبة، ورُبَّما كانت الأهداف الخاصَّة الصغيرة تطْغَى على الهدف العام وتقلِّل منه، فيقلُّ أثرُها تبعًا لذلك، وأشيرُ فيما يلي إلى بعض الضوابط لاختيار خطبة الجمعة: 

    1- معرفة هَدْي النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الخطبة؛ قال الإمام ابن القيِّم - رحمه الله -: "وكذلك كانتْ خُطبَتُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنَّما هي تقريرٌ لأصولِ الإيمان، من الإيمان بالله وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه ولِقائِه، وذِكْر الجنَّة والنَّار، وما أعدَّ اللَّهُ لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته؛ فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا ومعرفةً بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشترَكة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتَّخويف بالموت؛ فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله ولا توحيدًا له، ولا معرفةً خاصةً به ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبَّته والشَّوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدةً غير أنهم يموتون وتقسَّم أموالهم ويُبلِي التراب أجسامهم!! فيا ليتَ شِعْري؛ أيُّ إيمانٍ حصل بهذا؟! وأيُّ توحيدٍ ومعرفةٍ وعلمٍ نافعٍ حصل به؟!".

    وقال أيضًا: "ومَنْ تأمَّل خطبَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذِكْر صفات الربِّ جلَّ جلاله، وأصول الإيمان الكليَّة، والدَّعوة إلى الله تعالى، وذكر آلائه التي تحبِّبه إلى خَلْقه، وأيامه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمر بذِكْره وشكره الذي يحبِّبهم إليه؛ فيُذَكَّرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحبِّبه إلى خلقه، ويؤمَرون من طاعته وشكره وذكره ما يحبِّبهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبَّهم".

    2- مراعاة نوع المصلِّين واهتمامهم واحتياجاتهم؛ فتختلف احتياجات المجتمع الزراعي عن المجتمع الصناعي، وتختلف الاحتياجات تبعًا للمستوى التعليمي والتركيب العُمْري، ولابدَّ للخطيب من مراعاة ذلك، وأن يكون الحُكْم للغالب. 

    3- مراعاة الزمن الذي تلقى فيه الخطبة، والعادات والأعراف، ويتعلق بذلك: مراعاة المناسبات كرمضان والأعياد والحج والإجازات، والظواهر الاجتماعية أو السلوكية الطارئة، والحوادث العارضة كالجفاف والزلازل والأمراض وغيرها.

    4- ضرورة التَّنويع في الخطب؛ فلا تأخذ الخُطَبُ نَمطًا واحدًا؛ بل يكون للخطيب القدرة على التنويع في افتتاح الخطبة وموضوعاتِها واختتامها؛ لئلاَّ يَمَلَّ المصلُّون، ولأنَّ في التنويع تشويقًا وحَفْزًا على الاستماع والإنصات.

    5- ضرورة التَّسلْسُل والارتباط في الخُطْبة؛ حيثُ إنَّ موضوع الخطبة قد يأخذ عدَّة عناصر؛ فلابدَّ من مراعاة تسلسلها وارتباطها ببعض؛ لئلاَّ يتشتَّت ذهن السامع.

    6- ضرورة التَّكامل بين الخطيب وغيره من خطباء الحيِّ الواحد أو المدينة الواحدة، ولابد من التكامل أيضًا عند الخطيب في خُطَبِه؛ حيث تلبِّي احتياجات الفرد والمجتمع خلال فترة زمنية معينة، فلا يغلِّب جانبَ السلوك - مثلاً - ويُهْمِل جانب العقيدة، أو يتوسَّع في الأحكام حتَّى لا يبقى مجالٌ لِغيرها، فالتَّكامُل يعني أن يتولَّى الخطيب عرضَ المعلومات المناسبة في الجانب العَقَدِي والتَّشريعي والاجتماعي والسُّلوكي والأخلاقي.

    وأخيرًا: فإن ممَّا يعين الخطيب على حسن اختيار الخطبة: توافر الصفات الأساسية من الفقه في الدِّين والعمل به، والثقة بالنفس، والاستشارة لأهل العلم والخبرة، ولا يعني اختيار الموضوع ألاَّ يتجاوز الخطيب موضوعَ الخطبة إلى غيره، ولا سيَّما عند وجود ما يستدعي ذلك من الحوادث العارضة.

    أمَّا توثيق خطبة الجمعة؛ فحقه أن يُفرَد بالحديث، ولكن أوجز ما يتعلَّق به في أمرَيْن: الأول: يختلف الخطباء في مسألة التوثيق؛ فبعضهم يتساهل حتى يورِد الأخبار الضعيفة والموضوعة، ويكتفي بِمُجرَّد النَّقل دون تمحيصٍ أو تحقيقٍ، وتكمن خطورة هذا الأمر في أنَّ كثيرًا من الناس يعدُّون الصواب ما قيل في المحراب.

    وعلى النَّقيض من هذا الصِّنْف؛ هناك مَنْ يُسْهِب في التَّخريج والتَّوثيق، ورُبَّما قال: "رواه الطبراني في "الأوسط"، وقال الهيثمي في "المجمع": "وفيه بقيَّة بن الوليد، وهو مُدَلِّسٌ، وبقية رجاله ثقات ..."! في كلامٍ يطول ويشتِّت أذهانَ المصلِّين، وقدرٌ من ذلك - أحيانًا - مطلوبٌ إذا اقتضته الحاجة والمصلحة لتصحيح مفهوم سائد أو إزالة شبهة، أما أن يكون المنبر ميدانًا للتَّوثيق العلمي؛ فهذا لا يسوغُ؛ لأن المستفيدين من الخطبة من عامَّة الناس.

    الثَّاني: بعض الخطباء يعتمد في خطبة الجمعة على الكتب المؤلَّفة في هذا الشأن؛ فينقلها بنصِّها، دون زيادة أو تعديل، أو يقوم بتصويرها، وقد يقتضي ذلك أن يتشبَّع بما لم يُعْطَ، ويظنُّ عامَّة المصلين أنها من إعداده، وهي ليست كذلك، والسؤال هنا: هل يعديمكن إنشاء خطب عدة منها، كل واحدة تتناول جانبًا مختلفًا، فتتكون مجموعةٌ من الخطب موضوعاتها كالتالي: 
  •   سرد أحداث الغزوة كما في كتب السير، وهذا يعمله أكثر الخطباء كل عام. 
  •  وصف حال المسلمين قبل الغزوة: (الهجرة - المطاردة - المحاصرة - الضعف - القلة - الخوف) وحالهم بعدها: (ارتفاع معنوياتهم بالنصر، عز الإسلام، قوة المسلمين، رهبة اليهود والمنافقين).  
  •  وصف حال الفريقين المتقابلين: حال المؤمنين: (الدعاء، الحماس للقتال، بوادر التضحية والفداء، التعلق بالله تعالى) حال المشركين: (الكبرياء، محادة الله ورسوله، الاعتداد بالنفس، الاغترار بالكثرة، ممارسة العصيان، شرب الخمر وغناء القينات، كما هو قول أبي جهل). 
  •  تأييد الله - عزّ وجلَّ - لعباده المؤمنين: (النعاس، المطر، قتال الملائكة معهم، وفيه عدة أحاديث صحيحة، الرَّبْط على قلوبهم، تقليل العدو في أعينهم..) وخذلان الكافرين. 
  • الحديث عن مصير المستكبرين عن دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويكون صرعى بدر من المشركين نموذجًا على ذلك، بذكر مجمل سيرتهم الكفرية وعنادهم، ثم ما جرى لهم، وفيه قصص مبكية من السيرة. 
  •      فهذه خمسة مواضيع، كل واحد منها يصلح أن يكون خطبة مستقلة، وهذه الموضوعات الخمسة في غزوة واحدة! ومن تدبَّر فيها أكثر استخرج موضوعات أخرى!!       والكلام عن المولد النبوي مثلاً يمكن تقسيمه أيضًا إلى عدة موضوعات منها:  
  • بيان حقيقة محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنها تكون باتّباعه لا بالابتداع، مع تقرير وجوب محبته من خلال نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وبيان العلاقة بين محبته وتطبيق سنته. وهذا موضوعٌ ثري جدًّا، يمكن صنع خطبٍ عدة فيه. 
  • تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي، وبيان أنه بدأ بعد القرون المفضَّلة في المائة الرابعة للهجرة على أيدي بني عُبَيْدٍ الباطِنِيّينَ، وظلّ قرنين من الزمن لا يعرفه أهل السنة، حتى انتقل إليهم في المائة السادسة على يد شيخ صوفي، استحسن هذه البدعة. وبيانُ أنَّ دوافع إحداث هذا العيد عند بني عبيد كانت سياسية، ولم تكن بدافع محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته.  ومع أهميَّة هذا البيان التاريخيّ في كشف حقيقة هذه البدعة النكراء، وتنفير الناس منها، فإنه قلّ أن سمِعْناه من خطبائنا ومحاضرينا. 
  • ذكر المخالفات الشرعية في احتفالات المولد، من الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قد يَصِلُ إلى حدّ الشرك، إلى الأناشيد والأهاجيز الصوفية، إلى سائر المنكرات الأخرى كالاختلاط في بعضها، وكونها تنشد على أنغام الموسيقى أو الدفوف.. 
  • التنبيه على أنَّ الاشتغال بالبدعة يشغل عن السنة، وجعل المولد مثلاً لذلك، فما يُصْرَفُ فيه من جهد ووقت ومال، قد يَصْرِفُ عن كثير من السنن؛ بل ربما صرف عن الفرائض. وكثير ممن يحتفلون بتلك الموالد تظهر عليهم مخالفات شرعية، ويعلم من سيرة بعضهم تضييعُه للفرائض فضلاً عن المندوبات. 
  •  أخذ جانبٍ من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مولده أو بعثته أو غير ذلك، ثم التنبيه على بدعة الاحتفال بمثل هذه المناسبات.
  •  فهذه خمسة موضوعات كل واحد منها يصلح لأن يكون خطبة مستقلة.       والكلام عن عاشوراء أيضًا يمكن استخراج موضوعات عدة منه، ولا سيما أنه متعلق بقصة نجاة موسى - عليه السلام - وغرق فرعون. وهي أكثر القصص ورودًا في القرآن، وفيها جوانب كثيرة يمكن أن تكون موضوعات، وفي نهاية كل خطبة منها يتم التنبيه على سنية صيام يوم عاشوراء، كذلك الحديث عن مراحل صوم عاشوراء، وأنه كان واجبًا، ثم نسخ الوجوب إلى السُنِّيَّة بعد فرض رمضان، ثم في آخر سَنَةٍ قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفة اليهود ،وأمر بصيام التاسع مع العاشر، وذكر فضل صيام هذا اليوم، وفضل شهر الله المحرم.       وهكذا يقال في بقيَّةِ المَوْضُوعات، تُطْرَحُ مِنْ جَوَانِبَ متعددة، كل جانِبٍ فيها يكون خطبة؛ مما يكون سببًا في إثراء المشروع الخطابي للأمة، وإفادة السامعين، والتجديد في الموضوعات التي يلقيها الخطيب. 
    • القسم الثاني: جمعات لا توافق مناسبات معينة: 
         وهذه هي الأكثر، ويستطيع الخطيب أن يضع لها مخطَّطًا يسير عليه، ويشتمل هذا المخطَّطُ على موضوعاتٍ عدَّةٍ، وفي فنونٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومن فوائد ذلك: 
  • عدم حيرته في اختيار موضوع الخطبة، ولا سيما إذا ضاق الوقت عليه. 
  • نضج الموضوعات التي يطرحها؛ إذْ قد يمرّ عليه شهور وهي تدور في مخيلته، وكلَّما حصَّل ما يفيده فيها من مطالعاته وقراءاته قيَّده، +أو استذكره. 
  • سهولة بحثه عدة موضوعات إذا كانت في فن واحد، وتوفير كثير من الوقت؛ فمثلاً إذا كان في خطته خمسة موضوعات في العقيدة، فإنَّ جلسته لبحث واحد منها، كجلسته لبحثها كلها؛ إذ إن مصادرها واحدة، ومظانها متقاربة. 
  • التنويع على المصلين وعدم إملالهم. 
  •      ويمكن تقسيم الموضوعات إلى أقسام كثيرة، يختار في كل جمعة منها قسمًا للحديث عن موضوع من موضوعاته ومن تلك الأقسام: 
  • العقيدة وما يتعلق بها: وفيها موضوعات كثيرة، وكل موضوع منها يمكن استخراج عدد من الخطب فيه. ومن طالع المطولات من كتب العقيدة تبين له ذلك. 
  • العبادات: وهي أيضًا باب واسع، وليس المعنى سرد الأحكام أو الإفتاء؛ ولكن المقصود تصحيح بعض الأخطاء فيها، وبيان فضائلها، والحث على المهجور منها... وهكذا. 
  • المعاملات: وفيها موضوعات كثيرة أيضًا، ولاسيما أن كثيرًا من صورها يتجدد. 
  • نص من الكتاب أو السنة، فيختار آية أو سورة قصيرة أو حديثًا ويذكر ما فيه من الفوائد، مع ربطه بواقع الناس ومعاشهم. ولا يكون مجرد سرد للفوائد، وقد لاحظت أنَّ لذلك أثرًا عظيمًا، حتى كأنَّ النَّاس لأوَّل مرة يستمعون إلى هذه السورة أو الآية، أو لأوَّل مرة يسمعون هذا الحديث مع أنه مشهور؛ ولكن لأنَّ فَهْمَهُمْ له كان خاطئًا، أو لأن الخطيب عرض لهم استنباطات جديدة، ومعانيَ مفيدة لم يعلموها من قبل. 
  • الأخلاق والآداب: وهي باب طويل عريض، وفيه كتب متخصصة كثيرة، متقدمة ومتأخرة. 
  • من قصص القرآن والسنة: ويمكن أن يلحق بفِقْرة (4) ويمكن أن يفصل عنها، ويكون هنا خاصًا بالقصص، وما سبق ذكره في غير القصص. 
  • السير والتراجم: يختار شخصية بارزة، ويلقي الضوء على صاحبها، وأسباب بروزه واشتهاره، والاستفادة من أقواله وسيرته. سواء كان من الصحابة - رضي الله عنهم - أم من التابعين لهم بإحسان، أم من العلماء المشاهير قديمًا وحديثًا. 
  • السيرة النبوية ومعارك الإسلام: يختار حدثًا أو معركة يتحدث عنها أو عن جانب منها، ويستخرج من ذلك الدروس والعبر. 
  • موضوعات فكرية: ويذكر فيه المستجدَّات من الأفكار والمصطلحات والأحداث وموقف الشرع منها، كالديمقراطية والعلمانية والحداثة، والحضارة الغربية وموقف المسلم منها.. 
  • الفتن والملاحم وأشراط الساعة: وكل فتنة أو ملحمة أو علامة من علامات الساعة الكبرى، صالحة لأن تكون خطبة مستقلة؛ بل ربما أكثر من خطبة؛ لغزارة ما فيها من نصوص ومعلومات شرعية. 
  • القيامة وأحوالها: وفيها من الموضوعات شيء كثير: الصراط، الميزان، البعث، الحساب، القنطرة، الحشر، الديوان... كذلك الجنة والنار، وفيهما موضوعات كثيرة: وصفهما، وصف أهلِهما، أعمال أهلهما، الطريق الموصلة إليهما.  
  • المواعظ والرقائق: وهو باب واسع أيضًا. 
  •      هذه بعض الموضوعات الكلية، ويمكن تقسيم كل موضوع منها إلى موضوعات جزئية، في كل موضوع منها خطب كثيرة.  فالخطيب إذا عمل هذا التقسيم، ورتّبه في خطة محكمة بحيث يتعرض في كل جمعة لموضوع من هذه الموضوعات استفاد الفوائد التي ذكرتها آنفًا، إضافة إلى أنه يعلم الناس مجمل الشريعة، ويطلعهم على ما يحتاجون إليه في معادهم ومعاشهم. ويريح نفسه بحصر ذهنه عند الاختيار في موضوع واحد، بدل التشتت في موضوعات كثيرة.       والملاحظ: أن كثيرًا من الخطباء - ممن لا يراعون مثل هذا التقسيم والتنظيم - تنحصر خطبهم في موضوعات قليلة. ولربَّما أن بعضهم لم يتعرض لموضوع من هذه الموضوعات الكلية المهمة طيلة حياته الخطابية، التي قد تمتد إلى عشرات السنوات. والسبب أن كثيرًا من الموضوعات قد تغيب عن باله إذا لم يكن لديه خطة مكتوبة يسير عليها.       ومن الملاحظ أيضًا: أن كثيرًا من الخطباء يطرح موضوعات عامة، لا يتأثر بها المصلون، ولا يتفاعلون معها، ولربما كانت معلوماتهم فيها أثرى من معلومات الخطيب؛ فمثلاً في الحديث عن القيامة وأحوالها، تجد أن كثيرًا من الخطباء يريدون استيعاب يوم القيامة بأحواله وما يجري فيه في خطبة واحدة! وهذا غير ممكن، ويؤدي إلى التطويل والتشعب والمشقة على السامعين، كما يؤدي إلى العمومية والسطحية في الطرح، وضعف المعالجة كما هو مشاهد. فيوم القيامة كألف سنة مما تَعُدُّون كما هو نص القرآن، فكيف يريد الخطيب أن يختزل الحديث عن أحداث ألف سنة في نِصْفِ ساعة أو أقل؟! لكن لو قسم أحواله وأهواله، وخصّ كل حال منها بخطبة؛ لكان أعمق في طرحه ومعالجته، وأوسع في معلوماته، وأكثر فائدة وتأثيرًا في السامعين، وهكذا يقال في بقية الموضوعات.  تتابع الخطب في موضوع واحد:       يحلو لبعض الخطباء التركيز على موضوع من الموضوعات العامة، وعمل خطب كثيرة فيه تطرح تباعًا لفترة تطول أحيانًا وتمتد إلى سنوات، وتقصر أحيانًا بحسب ما عنده من مادة علمية في الموضوع الذي يطرحه.        وكثير ممن يختطُّ هذه الطريقة ينوّه في آخر الخطبة بأنه سيكمل بقية الموضوع في الخطبة التالية، ويرى أصحاب هذا المسلك أنه مفيد من جوانب عدة: 
  • تشويق السامعين إلى الجمعة القادمة. 
  • ربط موضوعات الخطب بعضها ببعض. 
  • أن طرح موضوع كلي بهذا التسلسل أنفع للناس؛ فتكون الخطبة درسًا علميًّا إضافة إلى كونها خطبة، وأعرِفُ مِنَ الخُطَبَاءِ مَنْ حَصَرَ خُطَبَهُ في التفسير فقط سنواتٍ عدة، قد تزيد على عشر سنوات، وغيره حصرها في السيرة النبوية وهكذا. 
  •      وبعضهم يأخذ جانبًا معينًا كموضوع تربية الأولاد، أو أشراط الساعة، أو نحو ذلك، ويخطب فيه عشر خطب متتابعة أو أكثر، ثم ينتقل إلى موضوع آخر.       والذي يظهر لي أن الجمود على فن من الفنون كالتفسير أو السيرة.. أو على موضوع من الموضوعات، بحيث تكون الخطب فيه متوالية ليس حسنًا لما يلي: 
  •  أنه غير مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم أقِفْ - فيما اطّلعت عليه من سنته - أنه كان يقول لأصحابه - رضي الله عنهم -: سنُكْمِلُ في الخُطْبَةِ القادِمَةِ، أو موضوع الخطبة القادمة كذا، أو كان يذكر موضوعاتٍ مُتَوالية في فنٍّ واحد؛ بل المحفوظ من هديه - عليه السلام - أنه يذكر ما يحتاج الناس إليه، وما يُصْلِحُ شؤونَهُم، وهذا يكون متنوعًا في الغالب؛ لأنَّ حاجات الناس مختلفة باختلاف أفهامهم واهتماماتهم وأعمالهم. قال ابن القيم - رحمه اللهُ تعالى -: "وكان يُعَلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض لهم أمر.. وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته؛ فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضَّهم عليها... ".    
     
          وقد يُعْتَرَضُ على هذا بأنَّ أساليب الخطبة ووسائلها، والطريقة التي يختارها الخطيب اجتهادية، وليست توقيفية حتى يشترط أن يكون كل شيء فيها مأثورًا، وهذا محتمل، ولا سيما أن الفقهاء - فيما أعلم - لم يشترطوا تَجَنُّبَ ذلك في الخطبة لما ذكروا أركان وشروط الجمعة والخطبة. 

          وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ دواعِيَ ذلك موجودة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله، والقاعدة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ترك شيئًا مع توافر دواعي العمل به عُلم أنه قَصَدَ تركه. ولعل الأمر واسع في هذه المسألة، ولها حظ كبير من الاجتهاد والنظر. 
  •  أنه قد يُؤَدّي إلى عكس ما أراده الخطيب من التشويق؛ لأنهم عرفوا الموضوع الذي سيخطب فيه سلفًا. والإنسان بطبعه يميل إلى اكتشاف المجهول، ويحب المفاجأة في مثل هذا الأمر. 
  •  أن هذه الطريقة تقيّد الخطيب، وتجعله محصورًا في فنٍّ واحد على حساب فنون أخرى يحتاج الناس إليها. 
  • أن ما يستجد من أحداث يُربك خطة هذا النوع من الخطباء؛ فإما أن يخطبوا عما استجد، ويقطعوا سلسلتهم المتصلة في موضوع واحد، وإما أن يهملوا ما يحدث، وهذا غير مقبول عند السامعين. 
  • أن من المصلين من لم يحضر الخطبة الماضية، وقد يكون فَهْمُ الخطبة الحاضرة مبنيًّا على حضور الماضية؛ فيقل انتفاع هؤلاء بالخطبة. 
  • أن الخطيب قد يعرض له عارض من سفر أو مرض أو نحوه، فلا يستطيع الخطابة وإكمال الموضوع الذي ابتدأه؛ فيكون الموضوع مبتورًا. 
  •      لهذه الأسباب وغيرها أرى أن تلك الطريقة ليست حسنة، خاصة في المساجد العامة التي في المدن؛ لكن لو كان المسجد خاصًّا في مزرعة مثلاً أو قرية لا يحضر فيه غير أهلها فإنَّ كثيرًا من المفاسد المذكورة آنفًا قد ترتفع. ومع ذلك فلا أجد ميلاً لتلك الطريقة؛ لأنَّ الخطبة ليست درسًا، وبإمكان الخطيب أن يضع درسًا في مسجده، وتكون خطبه فيما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم. 

         وما من موضوع يرى الخطيب أنه طويل ويريد تغطيته إلا ويستطيع تجزئته بطريقة أو أخرى بحيث لا يحتاج إلى جعله موضوعات متتابعة.  وبكل حال فإن حرص الخطيب، وجدّه في اختيار موضوعات خطبه، واستفادته من الخطباء الآخرين سيُعِينُهُ في هذا المجال كثيرًا. كما أنَّ اطلاع الخطيب، وغزارة علمه، واجتهاده في تحصيل العلم وطلبه، ومعرفته بأحوال الناس، وتلمُّس حاجاتهم، وقربه منهم؛ يجعله قريبًا من قلوبهم، عارفًا بهمومهم، قادرًا على معالجة مشاكلهم، في كل أسبوع يصعد درجات المنبر، ويخطب فيهم وهم له منصتون.  وإذا كان الخطيب كذلك فإن المصلين سيشتاقون إلى الجمعة، وينتظرون خطيبهم برغبة كبيرة، ويفرحون بإطلالته عليهم؛ مما يجعل الخطيب قريبًا من مستمعيه، وهذا حقيق بأن يجعل الخطبة تؤتي ثمارها، وتظهر فائدتها التي شرعت من أجلها. [1]   هذه حكاية للحال، ولا يعني ذلك عدم الحديث عن تلك الغزوة إلا في رمضان؛ بل ينبغي أن يكون الحديث عنها في رمضان، وفي غيره بحسب الحاجة إلى الحديث عنها، وهكذا كل الغزوات والمناسبات الأخرى، لا يظهر لي مانع من الحديث عنها في أي وقت، ويراعى في ذلك حاجة الناس إلى الموضوع. ومن غير المناسب الحديث عن المناسبة في غير وقتها؛ كالحديث عن فضائل شهر رمضان في شهر شوال!!   نوشته :   الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل   http://www.alukah.net/Sharia/0/1213/
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۳۹:۵۸ ] [ مشاوره مديريت ]

    في مبادئ الخطاب

      الخطابة في اللغة: مصدر كالخطاب، توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، وفي اصطلاح الحكماء: مجموع قوانين يقتدر بِها على الإقناع الممكن في أي موضوع يراد، والإقناع حمل السامع على التسليم بِصحَّة المقُول، وصواب الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ.

    وهو نوعان: برهاني، وخِطابي؛ وغاية الأوَّل: إذْعَانُ العَقْلِ لنتيجةٍ مبنيَّة على مُقَدَّمات ثَبَتَتْ له صِحَّتُها كقولنا: الأربعة زوجٌ؛ لأنَّهُ مُنْقَسمٌ بِمتساوِيَيْنِ، وقولنا: العالم حادث لأنه متغيِّر، وغاية الثاني: إذعان العقل بِصِحَّة المَقول وصواب الفعل أو الترك بأقيسةٍ مؤلَّفة من أقوال مَظنونة، أخذ فيها بِالمُحتمل الراجِح، أو مقبولة صَدَرَتْ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ صِدْقُه وسدادُ رَأْيِه. ووصف بالمُمكن: لأنَّ شَأْنَ هذه الصناعة إعدادُ النفوس لقوة الإقناع، وإن لم تبلغ غايتها، وكذا الشأن في سائر الصنائع فإنها تعد النفس لعمل خاص بمقتضى قوانين محدودة، وإن لم تبلغ غايتها أحيانًا؛ مثلاً: الطب ترشد أصوله إلى معالجة الأمراض لغاية الشفاء ما لم يكن مانع.

    وفي أي موضوع يراد؛ لأنَّها لا تَخْتَصُّ بِشَيْءٍ مُعَيَّن، بَلْ تَتَنَاوَلُ كل شيء بخلاف غيرها من الصناعات؛ فمثلاً الخط: ينظر في رسم الحروف وهيئتها، والطب ينظر في أحوال جسم الإنسان والحيوان من جهة الصحة والمرض، فقد روى العلامة ابن رشد عن أرسطو: أن الخطابة ليس لها موضوع خاص تبحث عنه بمعزل عن غيره، فإنَّها تتناول كل العلوم والفنون، ولا شيء حقيرًا كان أو جليلاً، معقولاً أو محسوسًا إلا يدخل تحت حكمها، ويخضع لسلطانها، ومِن ثَمَّ قال الباحثون في شأنِها: يلزم أن يكون الخطيب ملمًّا بكل العلوم والفنون ما استطاع، وأن يسعى دائبًا إلى أن يزداد كل يوم علمًا.

    وصفوة القول أنَّ الفلاسفة اعتبروا الخطابة علمًا له أصول وقوانين، تمكن الدارس لها من التأثير بالكلام، وتعرفه وسائل الإقناع بالخطاب في أي غرض من الأغراض الكلاميَّة، وأنه يعنى بدراسة طرق التَّأثير، ووسائل الإقناع، وما يلزم أن يكون عليه الخطيب من صفات وآداب، وإلمام بميول السامعين، وما ينبغي أن تكون عليه أساليب الخطبة، وترتيب أجزائها، وهو بهذا نبراس يُهْتَدَى به، ومصباح ينير السبيل أمام من عنده استعداد للخطابة ليربي ملكته، وينمي استعداده.

    ويصح أن يُرادَ منَ الخَطابةِ ملكةُ الاقْتِدَار على الإقناع، واستمالة القلوب وحَمْل الغير على ما يُراد منه؛ بل هذا هو المعْتَبَرُ عِنْدَ المُحَقِّقين في معنَى العلم، ويؤيده ما نقل عن أرسطو في رسمها حيث قال: "هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة"، ومعناها أن الخطابة ملكة يطيق صاحبها إقناع المخاطبين في أي أمر يدعي أنه غرض صحيح. وفي عرف الأدباء تقال على معنيين أحدهما: أنها كالخطبة - بضم فسكون - اسم للكلام المنثور سجعًا كان أو مرسلاً، وثانيهما: أنها إلقاء الكلام المنثور مسجوعًا كان أو مرسلاً، لاستمالة المخاطبين إلى رأي أو ترغيبهم في عمل، وهذا ما يريدونه في قولهم: فلان يقوم على الخطابة أكثر مما يقوم على الكتابة.

    وأمَّا الخطابة عندَ المناطقة: فهي قياسٌ مؤلَّفٌ من مُقدمات مقبولة لصدورها مِمَّن يعتقد فيه، لاختصاصه بِمزيد عقل، أوتديُّن؛ كقولِه: العمل الصالح يُوجِبُ الفَوْزَ، وكلُّ ما كان كذلك لا يَنبغي إهْمالُه، وقد تقبل من غير أن تنسب إلى أحدٍ كالأمثال السائرة، لاشْتِمالِها على حِكَمٍ بليغة تستهوي العقول، وتستولي على المشاعر، أو مقدمات مظنونة، وهي قضايا يحكم بها العقل حكمًا راجحًا مع تجويز النقيض، كقولنا: فلان يطوف ليلاً بالسلاح، وكل من كان كذلك فهو لص، ففلان لص، والقصد منها ترغيبُ النَّاس فيما يَنْفَعُهم من أمور معاشهم، ومعادهم، وترهيبهم مِمَّا يضرُّهُم في المعاش والمعاد كما يفعله الخطباء، وهذا هو الأصل عندهم، وإلا فقد تستعمل للرَّدِّ على المدَّعي في دعواه، وبِما تقدَّم تعلم أنَّ المناطقة نظروا إلى الخطابة من حيثُ تأليفُها، وأرسطو نظر إليها من حيث ملكتها.

    وأمَّا المُحاضرةُ فهي لغة: ما بين القوم أن يجيب الواحد غيره بما يحضره من الجواب، والناس اليوم يقولون ألقى فلان مُحاضرة يعنون خطابًا، في غرض خاص، وعلم الحاضرة من علوم الآداب. والمناظرة في اللغة: المجادلة، تقول ناظرته مناظرة: جادلته مجادلة، والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته النظر، والبحث عند الأصوليين توجه خصمين في النسبة بين الشيئين إظهارًا للصواب.
    والمناظرة البيانية: عبارة عن تأليف أنيق، يوجه الكلام لمتخاصمين يفاخر أحدهما الآخر، وتكون بالجمع بين شيئين متضادين، أو متباينين في صفاتهما وآثارهما، بحيث تظهر خواصهما بالمقابلة، كالحجاب والسفور، والصيف والشتاء، والسيف والقلم.

    وغاية الخطابة عند الحكماء: الحصول على قوة التمكن من الإقناع، وفضلها عظيم، وشرفها جسيم، إذ فضل العلوم، والصناعات، وشرفها بشرف غاياتها، وللخطابة غاية ذات شأن خطير، وهي إرشاد الناس إلى الحقائق، وحملهم على ما ينفعهم في العاجل والآجل، والخطابة معدودة من وسائل السيادة والزعامة، وكانوا يعدونها شرطًا للإمارة، فهي تكمل الإنسان وترفعه إلى ذرى المجد والشرف، قال العلامة ابن سينا في "الشفاء": إن الخطيب يرشد السامع إلى ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، ويقيم له مراسيم لتقويم عيشه، والاستعداد إلى ميعاده، وحسبها شرفًا أنَّها وظيفة قادة الأمم من الأنبياء والمرسلين؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومَن على شاكِلَتِهم من العُلماء العاملين، وعُظماء الملوك، وكبار الساسة، وفوائدُها جمَّة، فهي التي تعرف صاحبها كيف يمتلك القلوب، ويستميل النفوس، ويحرك العواطف، ويهيج الخواطر نحو ما يريد، بنبراسها تستضيء موارد الدليل، وتتضح مصادر الحجة لإنفاذ كل أمر جليل، وإدراك كل غاية شريفة، وقوانينها ترشد الطالب إلى مواضع الضعف وشعب السهو والزلل فيقوى على دحض حجة المناظر، وتزييف سفسطة المكابر، وهي التي تثير الحماسة في النفوس الفاترة، وتُهدئ النفوس الثائرة، وهي التي ترفع الحق وتخفض الباطل، وتقيم العدل وترد المظالم، وهي التي تهدي الضال إلى سواء السبيل، وتفض النزاع وتقطع الخصومات، فالخطيب البارع يقف بين ذوي المنازع المختلفة والآراء المتضاربة، فلا يزال يبين لهم النافع من الضار والصواب من الخطأ حتى يجعل الجميع في قبضة يده، والخطيب البارع يقوم بين طائفتين استعرت بينهما نار العداوة والبغضاء فيذكرهم بعواقب التقاطع، ويحذرهم من نتائجه السيئة، فإذا القلوب مؤتلفة والنفوس متآخية.

    وبالجملة فقد تتعيَّن الخطابة طريقًا إلى التأثير والإقناع، حيثُ لا يفيد البرهان؛ قال العلاَّمة ابن رشد نقلاً عن أرسطو: ليس كل صنف من الناس ينبغي أن يستعمل معه البرهان في الأشياء النظرية التي يراد منهم اعتقادها، وذلك إمَّا لأن الإنسان قد نشأ على مشهوراتٍ تُخالف الحقَّ، فإذا سلك نحو الأشياء التي نشأ عليها سهل إقناعه، وإمَّا لأنَّ فطرته ليستْ معدَّة لقبول البرهان أصلاً، وإمَّا لأنَّه لا يُمكن بيانُه له في ذلك الزمان اليسير الذي يراد منه وقوع التصديق فيه، فهذا الصنف الذي لا يجدي معه الاستدلال المنطقي تهديه الخطابة إلى الحق الذي يراد اعتناقه، لأنها تسلك من المناهج ما لا يسلكه المنطق، وهذه مزية عظيمة لا يستهان بها، وقال العلامة ابن سينا: إن صناعة الخطابة عظيمة النفع جدًّا؛ لأن الأحكام الصادقة فيما هو عدل وحسن أفضل نفعًا، وأعظم من أضدادها فائدة، والإنسان لا يعيش وحده، فكان لا محالة محتاجًا إلى التعامل والتجاوز، وهما محتاجان إلى أحكام صادقة، وهذه الأحكام تحتاج إلى أن تكون مقررة في النفوس، ممكنة في القلوب، والبرهان قليل الجدوى في حمل الجمهور على الحق، فالخطابة هي المعنية بذلك. ا هـ بتصرف.

    وأصلها النظر والاختبار، وذلك أنَّ اللَّهَ تَعالى فَطَرَ بَعْضَ بَنِي الإنسان على قُوَّة البيان وملكة التأثير، فاقْتَدَرُوا بِها على حمل غيرهم على ما أرادوا منهم، فلحظ الأمر غيرهم ممن لم ينالوا تلك الملكة، واستخدام القلوب، فدونوا نتيجة أبحاثهم، ووسعوها حتى جاء أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد فضم شارد هذا الفن، وجمع شتاته في كتاب ضمنه قواعد هذه الصناعة سماه "الخطابة"، وهو الكتاب الذي عربه بشر بن متى، ولخصه ابن رشد، وأخذ عنه فلاسفة العرب؛ كابن سينا والفارابي، وعندما نقل هذا الكتاب إلى العربية في القرن الثالث من الهجرة عده كثير من هؤلاء الفلاسفة جزءًا مكملاً لعلم المنطق؛ كابن سينا فإنه جعل الخطابة قسمًا منه، ذلك أنهم رأوا أن أرسطو في كتاب الخطابة قد تكلم على الحد والرسم والدليل، وكيف يتألف القياس الخطابي؛ كما تكلم على التصديق الذي يكفي في الخطابة، واستمر أمر الفلاسفة على هذا الحال إلى أن قصر المتأخرون منهم النظر في المنطق على القياس وأشكاله. ومن هذا تعلم أن لفن الخطابة صلة وثيقة بفن المنطق من حيث إن علم المنطق خادم له، وإن بعض قوانين الخطابة يعتمد على مبادئ المنطق، وإن الخطابة مخلوقة مع الإنسان، وإن البحث عنها كان قبل الجاهلية والإسلام، وإن تأثير البلاغة في النفوس لا يخص أمة ولا جيلاً.

    وطرق تحصيلها إجمالاً أربعة: الأول: الفطرة والاستعداد الغريزي؛ وهذا هو الأساس. الثاني: معرفة الأصول والقوانين التي وضعها الحكماء. الثالث: الإكثار من مطالعة أساليب البلغاء ومصاقع الخطباء، ودراستها دراسة متعرِّف لمناحي التأثير وجهات الإقناع فيها، ومتذوّق لما فيها من متانة الأسلوب وحسن العبارة وجودة التفكير، قال ابن الأثير في "المثل السائر": إنَّ في الاطلاع على أقوال المتقدمين من المنظوم والمنثور فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس ونتائج أفكارهم ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فهذه الأشياء مما تقوي الذهن وتزكي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفًا بها تصير المعاني التي تعب في استخراجها كالشيء الملقى بين يديه يأخذ منها ما أراد، وأيضًا فإنه إذا كان مطلعًا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه، وعلى الجملة فدراسة كلام البلغاء تقدم للقارئ ألوانًا من المعاني والأساليب تنمي فيه ملكة الخطابة. الرابع: الارتياض والاحتذاء لأن الخطابة - كما علمت - ملكة نفسية، لا توجد دفعة واحدة؛ بل لا بدَّ لطالبها من الممارسة والمران كي تنمو مواهبه.

    فالارتياض هو التدريب على الخطابة، فإنَّ ملكَتَها تنمو وتقوى بالمرانة والممارسة، قال خالد بن صفوان: إنَّما اللسان عضو إن مرَّنْتَهُ مرن، فهو كاليد تخشنها بالممارسة، وكالبدن تقويه برفع الحرج، والرِّجل إذا عودت المشيَ مشتْ. وللارتياض وجوه منها: أن تتوسَّع في شرح بعض المعاني فتبيِّنه بأوجه شتى، وتزينه بوسائل التأثير، ثُمَّ تتعوَّد على تلخيص العبارات المبسوطة في عبارة وجيزة جامعة للمعاني التي حواها الموضوع؛ لتبقى في ذهن السامعين، ومنها: أنْ تَجتَهِدَ في وضع بعض مواضع علميَّة وجيزة؛ لتكون ذريعة إلى أفخم منها، فإنَّ المتروِّض ينجح على قدر ما يصرف من الهمة والثبات في ذلك، ومنها أن يكلف وصف المعاني التي يصل إليها من المشاهدات، بحيث ينقل ذلك إلى نفس السامع بحالةٍ تجعله كالمشاهد لها، فإنَّ الخطيب أحوجُ النَّاس إلى ضرب الأمثال وأنواع التشبيه في الوصول إلى غايته من نفس السامع، فإذا حَصَلَ على ملكة الاقْتِدارِ فله أن يَبْتَكِرَ ما شاءَ مِنْ وَسائِلِ التَّأْثير الَّتِي يَراها أرجى للوصل إلى ما يريد.

    والاحتذاء أن يعمد الطالب إلى أساليب المتقدمين، فيقتفي أثرها، ويَنسج على منوالها، فلا غنى له عن الاقتداء بالسابقين، والاقتباس من الأوَّلين فيما اخترعوه من معانيهم وسلكوه من طرقهم، والتقليد عريق في بني الإنسان

    وَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ        إِنَّ  التَّشَبُّهَ  بِالرِّجَالِ   فَلاحُ
    وكان بعض خطباء العرب يتصدَّى لتعليم الفتيان كيف يخطبون؛ كإبراهيم بن جبلة السَّكُونِي في عصر الدولة العباسية، ثُمَّ إنَّ الخطابة كسائِرِ الصَّنائع يتفاوَتُ النَّاسُ في إِتْقانِها والأخذ بِزِمامِها، فمِنْهُم مَنْ يَقْتَدِرُ عليها في أمدٍ قَرِيب، ومِنْهُم مَنْ يَحتاج إلى أن يَقْضِيَ في سَبِيلِها زمنًا بعيدًا، يقول أهل الأدب: إنَّهم لم يروا خطيبًا بلديًّا إلا وهو في أول تكلفه للخطابة كان مستثقلاً إلى أن يتوقح، وتستجيب له المعاني ويتمكن من الألفاظ إلا شبيب بن شيبة فإنه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره، وأن العرب كانوا يأخذون أنفسهم بالتدرب عليها إلى أن تصير لهم سجية وعادة، يقولون: إن عمر بن سعيد بن العاص الأموي كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقه، فلم يزل يَتشادق ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه، ولذا لقب بالأشدق، وفيه يقول الشاعر: تَشَدَّقَ حَتَّى مَالَ بِالقَوْلِ شِدْقُهُ        وَكُلُّ خَطِيبٍ لاَ أَبَا لَكَ أَشْدَقُ
    والأشدق: واسع الشدقين والفم الفصيح اللسن، وسعة الفم عندهم من سمات الفصاحة والبيان، وصفوة القول أنه لا يحصل على ملكة الخطابة إلا من أحكم وسائلها، وسلك سبيلها، وتدرب عليها يومًا فيومًا، وراض عليها لسانه في النوادي العامة والجموع العظيمة، وإن راعه الموقف أولاً أمنه آخرًا فقديمًا قيل: من وقف حيث يكره وقف حيث يحب، وبالله تعالى التوفيق.   منبع :   كتاب "فن الخطابة"
    الشيخ علي محفوظ

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۳۹:۵۷ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    فن الخطابة (التعريف - الأركان - الخصائص)

    تعريفها: هي نوع من أنواع المحادثات، وقسم من أقسام النَّثر، ولون من ألوانه الفنيَّة تَختَّص بالجماهير؛ بقصد الاستمالة والتأثير، وعليه فأتَمُّ وأسلَم تعريفٍ لها هو أنها: "فَنُّ مخاطبة الجماهير للتأثير عليهم واستمالتهم".

    وقد يزيد بعض الناس كونها بكلام بليغ، إلاَّ أنَّ هذا القيد شرط كمال يكون حسَب حالة المخاطبين؛ لأن حقيقة البلاغة في الكلام إنَّما هي مطابقة الكلام لمقتضيات الأحوال، وقد يقتضي الحال أحيانًا أن يتخلَّى الخطيب عن الأساليب البلاغيَّة الصناعيَّة.

    أركانها: ومِن هذا التعريف الموجز: "فن مخاطبة الجماهير للتأثير عليهم" نستخلِص عناصر الخطبة وأركانها، فنجد ضرورةَ وجود الآتي: 1- فن، أي: خبرة، ومعرفة، ومرانة، ومَلكة.  2- مخاطبة، أي: مشافهة، ومواجهة. 3- خطيب، أي: لا مقرئٌ أو ملقٍ يقرأ كتابًا أو يُلقي موضوعًا. 4- جمهور، أي: جَمْع كثير من المستمعين. 5- تأثير، أي: إثارة عواطف وتنبيه شعور.

    وإذا ما انعدم عنصر أو ركن من الخمس افتقدت الخطابة جزءًا مهمًّا منها، ولا ينبغي أن تسمى خطابة للآتي: أ - لأنَّه إذا انعدم الفنُّ والخبرة كان الكلام تهريجًا. ب - وإذا عدمت المخاطبة كان تلاوةً أو ترديدًا. ج - وإذا لم يوجد جمهور كان الكلام حديثًا أو وصيةً. د - وإذا لم يوجد خطيب كان إلقاءً، وقد يكون بالنيابة عن غيره. هـ - وإذا لم يحصل تأثير كانت عديمة الثمرة ومَضْيَعةً للوقت.

    نشأتها: بما أن الخطابة لون من المحادثات، فالمحادثات رافقت الإنسان منذ وجوده على التحقيق، ولكن الخطابة تميَّزت بحقيقتها عن مطلق محادثة إلى فَن، واختصت بالجماهير دون الأفراد، وقصد بها التأثير والاستمالة، لا مجرد التعبير عما في النفس.

    إذًا فلا بد أن تكون في نشأتها قد خطت خطوات تطور وتخصص من حديث إلى فن، ومن أفراد إلى جماهير، وكانت نشأتها استجابةً لما دعت إليه حاجة الجماهير بعد توسُّع ميادين الحياة وتعدُّد اتجاهاتها، وما يصحبه من اختلافات تدعو إلى توحيد فكر، أو إقناع برأي، والتأثير على المخاطبين، وإذا لاحظنا الأديان والرسالات السابقة أدركنا مقتضيات وجودها ونشأتها كفن متميز.

    فهي إذًا وليدة رقي فكري، وتقدُّم اجتماعيٍّ، قضت زمنًا حتى ارتفعت وتميَّزت أولاً بالجماهير، وثانيًا اختصَّت بأغراض خاصة ومواقف معيَّنة، وثالثًا اتَّسَمَت بأسلوب وهيئة حتَّى وَصلت إلى عصور التاريخ والتدوين على الحالة الَّتي وَصَلت إليها من حقيقة مميزة عن غيرها، ولم تَزَل في رقيٍّ وتقدُّم حتى أصبحت عنوانًا على منزلة الأمم ومكانتها كما في وَفد العرب على كسْرى.

    الفرق بينها وبين غيرها من فنون النثر: لا يخلو الكلام مَع الناس في كونه مع أفراد أو جماهير، فالكلام مع غير الجماهير إن كان للإفهام والبيان فهو حديث، وإن كان لحثٍّ على مصلحتهم شفقةً بهم فهو وصيَّةٌ.

    والكلام مع الجماهير، إما أن يكون لشرح حقيقة علمية، أو لبيان نظرية، فهو محاضرةٌ، وإما أن يكون لإثارة الشعور، وبث الحماسة وتحريك العواطف، واستمالة المخاطبين، فهو خطابةٌ.

    وعليه فالخطابة، والمحادثة، والوصية، والمحاضرة، تشترك كلها في فن النثر، وتختَص الخطابة والمحاضرة بالجماهير.

    الفرق بين الخطابة والمحاضرة: أ - المحاضرة هي القصد إلى حقيقةٍ علميةٍ أو نظريةٍ تلم بأطرافها، وتظهر غامضها، وتزيل لبسها، وعليه فهي تعتمد الحقائق لا الخيالات، وتخاطب العقول لا العواطف، وتستهدف العلم، لا الإثارة، وتخص غالبًا المثقفين.

    ب - أما الخطابة فهي القصد إلى فكرةٍ ورغبةِ تزيين أوضاعها وتحسُّنِ أهدافها، وقد تكون معلومةً من قبل فهي تعمد إلى الإثارة والإقناع، وتخاطب العواطف والشعور وتستهدف الاستمالة، وتعم المثقفين وغيرهم.

    ويلاحظ أن الخطابة بالنسبة إلى المحاضرة قد يجتمعان وقد يفترقان، وأن المحاضرة تكون موضوعاتها دائمًا وأبدًا علميةً، دينيةً كانت أو دنيويةً، كأن يأتي مهندس زراعي يشرح نظرية تلقيح النبات، وعوامل نقل اللقاح من الذكور إلى أزهار الإناث عن طريق الحشرات أو الماء أو الرياح، أو يأتي طبيبٌ يبين مراحل الحمل من حيوانٍ منويٍّ وبويضة إلى علقةٍ ومضغةٍ ووسائل تغذيته إلى بروزه طفلاً.

    أو يقوم عالم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيتناول ركنَ الزكاة: متى شرعت؟ وعلى مَن؟ ونوع المال الذي تجب فيه، وشروط وجوبه، ومصارفه، وما وراء ذلك من حِكَمٍ ومصالحَ.

    أما الخطابة فقد تكون موضوعاتها معلومةً بالفعل، كما في خطب الجمَع مثلاً إذا تناول الخطيب موضوع الصدق والأمانة يحث عليهما، أو موضوع الربا يحذر منه، فإن جميع السامعين يعلمون وجوب الصدق ولزوم الأمانة كما يعلمون تحريم الربا.

    إلا أن الخطيب حينما يتكلم عن المعلوم فإنما يريد إثارة العواطف والشعور بما علمت، ويؤثر على السامعين بما يلقيه عليهم، ويصل بهم إلى العمل بالفعل.

    فلا يعدِم من السامعين من يعزم على تحرِّي الصدق، أو مَن يندم على التعامل بالربا، وقد يوفق بالتزام هذا وإقلاع ذاك، وهذه هي الغاية من الخطابة الناجحة، ومن هذا تظهر خصائصها.

    خصائص الخطابة: بالنظر إلى أنواع النثر مِن حِكَم وأمثالٍ ووصايا ومفاخراتٍ ونحوها وخطابةٍ ومحاضراتٍ، نجدها كلها ما عدا الخطابة والمحاضرة تسير في مجال فردي، ويتسم أغلبها بالاختصار والإيجاز، وتؤدِّي بأي أسلوب، ويؤديها أيُّ إنسان.

    أما الخطابة فهي تخص الجماهير، والخطيب قد يواجه جمهورًا مختلف الطبقات، متنوع المشارب، مختلف المسالك، وقد يشتمل على من لا يعرفهم ولا يعرفونه.

    ثم هو يتقدَّم إليهم موجهًا ومرشدًا وقد يكون آمرًا ناهيًا، فعليه أن يستميلهم إلى جانبه ويقنعهم بمذهبه ويقودهم إلى مسلكه. وقد تكون الفكرة جديدة عليهم، أو ثقيلة على نفوسهم، مما يؤدي إلى تردد أو امتناع، ومن ثم فعليه أن يروض نفوسهم وإن كانت جامحة، ويقنع أذهانهم وإن كانت معاندة، فيصبح قائدًا للجماهير الأبية، ومحققًا لرغباته من كافة سامعيه، على اختلاف وجهاتهم، وليس هذا بالأمر الهيِّن، فقد يقدر الإنسان على ترويض الوحوش الكاسرة وتذليل الحيوانات النافرة، ويعجز عن استمالة بعض النفوس؛ لأنها فوق هذا وذاك كما شبَّههم عمر - رضي الله عنه -: "الناس كجمَل أنُف".

    ولعل مِن جميع ما تقدَّم مِن تعريف الخطابة، ونشأتها، وخصائصها تكون قد ظهَرَت لنا أهمية الخطابة وآثارها، ووجوب العناية بها.

    أهمية الخطابة وآثارها  تعتبر الخطابة أثرًا من آثار الرقي الإنساني ومظهرًا من مظاهر التقدم الاجتماعي، ولهذا عُنِيَ بها كل شعبٍ، واهتمت بها كل الأمم في كل زمانٍ ومكانٍ، واتخذتها أداةً لتوجيه الجماعات، وإصلاح المجتمعات.

    وقد كان للعرب في ذلك الحظُّ الأوفى، فحفلوا بها في الجاهلية وساعد عليها وجودُ عدة أسبابٍ اجتماعيةٍ أدت إلى ازدهارها ورفعة شأنها، فوصلت إلى القمة وتوَّجت بالشرف والاعتزاز من تلك الأسباب ما يأتي: 1 - طبيعة مواضيع الخطابة: وهي إما حثٌ على حربٍ، أو حض على سلمٍ، وبطبيعة الحال لا يتعرض لهذه المواضع إلاَّ من كان سيدًا مطاعًا؛ لأنه الذي يُسمَع قوله ويطاع أمره في مثل تلك المواقف، وهو الذي يملك إعلان الحرب وقَبول الصلح.

    2 - التهاني أو التعازي، وإذا أرادت قبيلة أن تهنئ قبيلةً أخرى بمكرمةٍ، كظهور فارسٍ أو نبوغ شاعرٍ أو غير ذلك، فإنها ستوفد من طرفها من يؤدي ذلك عنها، وبطبيعة الحال أيضًا لن تختار إلاَّ من أشرافها ليمثلوها ويعبروا عنها.

    3 - المفاخرات والمنافرات، ومن عادة هذين الغرضين ألاَّ يقعان إلاَّ بين قبيلين عظيمين، يرى كل قبيلٍ منهما أنه أعلى وأعظم من القبيل الآخر، فيرفع من شأنه ويحط مِن قدر مَن يقابله، وعليه فلن يتقدم لتعداد المفاخر إلاَّ الفضلاء، كل ذلك يجعل مهمةَ الخطابة فاضلة نبيلة، ويرفعها إلى المكانة العالية.   منبع :   الشيخ عطية محمد سالم
    كتاب: "أصول الخطابة والإنشاء".

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۳۹:۵۶ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    قِصَرُ الخُطْبة وطولُها

    إن الخطبة المؤثرة ينبغي أن تتَّصِفَ بِصِفاتٍ، وتشتمل على مقومات، ومنها قصر الخطبة، غير أننا لا نستطيع أن نحكم على الخطبة بالجودة والتأثير لمجرد كونها قصيرة وحسب، أو نحكم عليها بالفشل لكونها طويلة فحسب، فإن قصر الخطبة وطولها أَمْرٌ تُحَدّده عوامل كثيرة، وتدعو إليه أسباب متنوعة، ورُبَّما وصفتِ الخُطبةُ بأنها جامعةٌ مؤثّرة مستوفية لموضوعها، مع كونها قصيرة لم تتجاوزْ دقائِقَ معدودةً، ورُبَّما وُصِفَت بذلك مع كونها طويلة تجاوزت الوقت المعتاد لمثلها.

    وإنَّ مِنَ العَوَامِلِ التِي تَتَحَكَّمُ في وقت الخطبة طولاً وقِصَرًا:

    1- طبيعة الموضوع الذي يتناوله الخطيب، وأهميته بالنسبة للمخاطبين، وكونه مما يحتاج إلى البسط والإيضاح، أو يكفي فيه الاختصار والإيجاز.

    2- ومن العوامل كذلك سعة المسجد أو ضيقه، وكثرة المصلين أو قلتهم، وكذلك ما يطرأ على الناس من أحوال عامَّة تؤدي إلى اضطراب نفوسهم، واشتغال أذهانهم وعقولهم، وما يستجدُّ من أحداث لها آثارٌ على عقيدة المسلمين، أو أخلاقهم أو أمنهم واستقرارهم.

    فالخطبة وقت النوازل والكوارث والأحداث الجسام تختلف عنها في الأحوال المعتادة، والخطبة في مسجد السوق تختلف عنها في مسجد الحي، إذ ينبغي أن يعطي لهؤلاء من الوقت ما يناسبهم.

    والخطبة وقت الحرب والدعوة إلى الجهاد تختلف عنها وقت السلم، وهكذا فإن لظرف الزمان والمكان دورًا واضحًا في تحديد الحاجة إلى الطول، أو الحاجة إلى القصر في الخطبة، غير أننا نقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد رغَّب في قصر الخطبة وطول الصلاة بجعله ذلك علامة على فقه الخطيب.

    روى مسلم في "صحيحه" عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - خطبنا عمار رضي الله عنه فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست- أي: أطلت- فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مَئِنَّةٌ - أي: علامة - من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا))[1].

    فقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خصلتين عظيمتين إذا وجدتا في الخطيب تمكَّن من حسن الخطاب، وقوة التأثير، وهما: الفقه والعلم الشرعي الذي يمكنه من أداء الصلاة على وجهها قراءةً، وخشوعًا، وأحكامًا، وأداء الخطبة على وجهها، ثم البيان والفصاحة التي تمكنه من +جودة الخطاب، ورصانة الأسلوب، وسلامة التعبير، لتقع الخطبة موقعها من النفوس.
    إن مراعاة الأحوال المختلفة للمخاطبين، ثم القصد - أي: الاعتدال والتوسط - هو الأفضل بوجه عام، وذلك لأن الطول يفضي في الغالب إلى السآمة والملل بالنسبة للسامعين، وقد يؤخرهم عن بعض أعمالهم، ويشغلهم عن قضاء بعض حاجاتهم، وقد نبَّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى فضل ذلك بالصلاة التي هي أجل شأنًا، وأعظم قدرًا من الخطبة، فقال: ((يا أيها الناس إنَّ منكم مُنَفِّرينَ، فأيُّكُمْ أمَّ الناس فَلْيُوجِزْ، فإنَّ مِنْ ورائِهِ الكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجة))[2].

    وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: ((كان معاذ بن جبل - رضي الله عنه - يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجل، فكأن معاذًا تناول منه، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((فتان، فتان، فتان)) (ثلاث مرار) أو قال: ((فاتنًا، فاتنًا، فاتنًا)) وأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أواسِطِ المُفَصَّل))[3].

    وعن جابِرٍ - رضي الله عنه - أنَّه قال: ((اقرأ: والشمس وضحاها، والضحى، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى))[4].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا صلى أحدكم للناس فَلْيُخَفِّفْ، فإنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ، والسَّقِيم، والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء))[5].

    ومع أمره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بالقراءة بأواسط المفصل، إلا أنَّه كان يؤم الصحابة فيطيل في بعض الأحيان، ويسمع صراخ الصبي وهو يريد أن يطول في صلاته، فيتجوز في صلاته كراهية أن يشق على أمه[6].
    واختيار مسلك التوسط والاعتدال في الخطبة يمنع أن تكون الخطبة قصيرة قصرًا مخلاً بموضوعها، حائلاً دون تحقيق الفائدة والثمرة المرجوَّة منها، ويمنع كذلك من طروء السآمة والملل على نفوس المصلين مع إعطاء الموضوع حقه في التفصيل والبيان.

    وقد نبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((فإن خلفه الضعيف، والكبير، وذا الحاجة)) إلى تنوع الحاضرين إلى الصلاة، واختلاف طاقتهم وقوتهم، ففيهم الشاب، وفيهم الشيخ الكبير، وفيهم المتفرغ من الشواغل، وفيهم العامل وذو الحاجة، فعلى الإمام +أن يراعي هذا التنوع والاختلاف في قدرات الناس.
    والحاضرون إلى صلاة الجمعة وخطبتها هم كذلك تتعدد مشاربهم وثقافاتهم فعلى الخطيب أن يتنبه لذلك ويعطيه حقه.

    عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: ((كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكانت صلاته قَصْدًا، وخطبته قصدًا))[7].
    والقصد والاعتدال نهج إسلامي أصيل، حث عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأمور كلها، بل جعله جزءًا. من أجزاء النبوة.

    روى الترمذي من طريق عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة)) [8].
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن ينجي أحدًا مِنْكُمْ عَمَلَهُ، فقالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله برحمته. سَدِّدُوا وقارِبُوا واغْدُوا ورُوحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا))[9].

    ومن المعلوم أنَّ خطبة الجمعة هي غير المحاضرة، أو الندوة، أو الدرس الذي يتطلب البسط والشرح غالبًا، والوقوف عند أهم العناصر والأفكار والاستعانة بكثير من التكرار الذي يساعد على تثبيت المعلومة عند السامعين، وتقريبها.
    وكلما كان الخطيبُ أوْسَعَ فِقْهًا، وأَدَقَّ فَهْمًا، وأرحب ثقافة، وأملك لناصية البيان والفصاحة، كانَتْ خُطْبَتُهُ مُوجَزَةً بليغة عظيمة الواقع على قلوب المخاطبين، ولا يخفى أنه قد تدعو الحاجة أحيانًا إلى الإطالة في الخطبة، وذلك لأمور تعرض، أو أحداث تقع، فليس ثمة ما يمنع ذلك، وعلى الخطيب أن يكون لبقًا، ذا فراسة في وجوه المصلين ومعرفة تعابيرها، فيراعي أحوالهم في الخطبة والصلاة، بحيث لا يشق عليهم فيوقعهم في الضيق والحرج، وأن يعتذر لهم في لطف قبل أن يبتدئ الخطبة أو في نهايتها، وأنه ما لجأ إلى الإطالة إلا لخطورة الموضوع الذي يتناوله، والمهم أن قصر الخطبة وإطالة الصلاة هي الحالة الفضلى إذا تمكن الخطيب من الإتيان بمعاني الخطبة أو أفكارها ضمن ذلك، وإلا فالتوسُّط والقصد مع مراعاة أحوال المصلين والظروف العامة التي تحيط بهم.

    قال الشيخ عبدالله البسام: "إن قصر الخطبة، وإطالة الصلاة دليل على فقه الخطيب والإمام، فإنه استطاع أن يأتي بمعاني الخطبة بألفاظ قليلة، وبوقفة قصيرة، أما تشقيق الكلام وتطويله فهو دليل على العي والعجز عن الإبانة، فخير الكلام ما قل ودل"[10].

    والجمعة ليست مهرجانًا للخطابة وإبراز القدرة على البيان والفصاحة، بل كلمات قليلة تشتمل على التذكرة، والعظة، والتبصرة بالواقع، وترقيق القلوب وزيادة الإيمان.
    ـــــــــــــــــــــــــــ [1]  رواه مسلم ( الجمعة- 6 / 153 ). [2]  رواه البخاري ( الأذان، تخفيف الإمام- 702)، ومسلم (الصلاة، أمر الأئمة بتخفيف الصلاة- 466) وهذا لفظه من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه. [3]  رواه البخاري (الأذان- 701) بهذا اللفظ. [4]  رواه مسلم (الصلاة- 465). [5]  رواه البخاري (الأذان- 703)، وهذا لفظه، ومسلم (الصلاة- 467). [6]  رواه البخاري (الأذان- 707)، ومسلم (الصلاة- 470) من حديث أنس رضي الله عنه. [7]  رواه مسلم (الجمعة- 6 / 158). [8]  الترمذي (البر- 2010) وقال: حسن غريب، وأخرجه أحمد (1 / 296)، وأبو داود (الأدب- 4776) من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس بلفظ: الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة. وقابوس فيه لين. [9]   أخرجه البخاري (الرقاق- القصد والمداومة على العمل 6463) بهذا اللفظ ومسلم (صفات المنافقين- لن يدخل أحد الجنة بعمله 2816). [10]  توضيح الأحكام (2 / 333).   منبع :   عبدالغني أحمد جبر مزهر   كتاب: "خطبة الجمعة ودَوْرها في تربية الأمة"
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۳۹:۵۵ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    الصوت في الخطابة

    من دلائل تكريم الإنسان على سائر الحيوان: أن الله – تعالى - رزق الإنسان القدرة على الإبانة عمّا في نفسه باللسان أو بالإشارة أو بالكتابة. وحاجة المرء إلى القدرة على البيان لا تقلُّ أهمية عن حاجته إلى عقله؛ لأنه إن لم يستطع الإبانة عمّا في نفسه قلَّت فائدة عقله أو تلاشت. ولهذا فإن الله – تعالى - ما أرسل رسولاً إلا بلغة قومه؛ ليتحقق المقصود من الرسالة وهو: إبانة الطريق الموصلة إلى الله – تعالى - وتحذيرهم من سبل الشيطان فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لم يبعث الله نبيًّا إلا بلغة قومه))[1]. ولكل وسيلة من وسائل البيان أصولها وقواعدها وأسلوبها، تعارف البشر على ذلك وتواضعوا؛ إذ لا سبيل إلى التَّفاهم فيما بينهم إلا بذلك. والخطاب المباشر (الخطابة) هو أشهر وسائل البيان والإقناع، وأكثرها استعمالاً عند بني آدم؛ ولذا اعتَنَوْا به من قديم الزمان، وبحثه المتقدمون منهم والمتأخرون، وأدخلوه ضمن علوم الفلسفة قديمًا، وأنشئت له الأقسام في الجامعات، وخصصت له مناهج ومدرسون مختصون، وألِّفت فيه الكثير من الكتب والرسائل العلمية كما هو مشاهد في عالم اليوم. وهذه المقدمة المختصرة تلقي الضوء على جزء من الخطاب المباشر (الخطابة) يتعلق بصوت الخطيب الذي يلقي الخطبة؛ ذلك أن للصوت تأثيرًا ملحوظًا على السامع، وهو الوسيلة الموصلة للمعاني إلى آذان المستمعين.
    • أهمية الصوت: 
         صوت الخطـيب مترجم عن مقاصـده، وكاشف عن أغراضـه، ومصاحبته للألفاظ إذا كان الإلقاء جيدًا بمثابة بيان المعاني التي أرادها الخطيب، وهو المعول عليه في إيصال الخطبة إلى السامعين، ومن ثَمَّ إلى قلوبهم. وقد سمَّاه الأقدمون: نورًا؛ لأنه يحمل شعلة الضياء إلى الأذهان[2]. وكم من الخطباء الذين يبهرون السامعين بِحُسْنِ أصواتهم، وجودة إلقائهم أكثر من سحر بيانهم.       ومن دلائل تأثير الصوت في النفوس: أنه قد يَقرأ القرآن حافظ متقن مجود؛ لكنه لا يحسن الأداء في القراءة، فلا يؤثر في مستمعيه. وقد يقرأ القرآن من ليس بمجود ولا متقن؛ فيبكي سامعيه بجودة أدائه، وحسن صوته.       والخطبة الجيدة إذا ألقاها من لا يحسن الأداء كانت كالسيف البتّار في اليد الضعيفة، والخطيب المصقع الذي يلقي خطبة رديئة كالبطل المغوار الذي يقاتل بسيف كالٍّ. فإذا اجتمعت قوة السيف، وقوة اليد التي تحملها، وقوة قلب صاحبها عملت عملها، وهكذا الخطبة إن كانت جيدة في بلاغتها ولغتها وأسلوبها، وألقاها من يحسن الإلقاء عملت عملها في قلوب السامعين.  وكم من أشخاص سمعنا خطبهم، وتأثرنا بها، فلما قرأناها مكتوبة لم تكن كما سمعناها مع أنها لم تزد حرفًا ولم تنقص حرفًا؛ مما يدل على أن للإلقاء والصوت أثرًا كبيرًا على السامع. 
    • هل جمال الصوت خلقة أم اكتساب؟!
         للإجابة على هذا السؤال لابد من فهم المقصود منه؛ إذ إن الحكم على جمال شيء أو قبحه أمر نسبي يختلف باختلاف الأذواق، ثم في ماذا سيسخر الصوت، وما كيفية تسخيره؟ وهذا بلا شك له أثره في الحكم على جمال الصوت أو قبحه.  وكثير من الخطباء قد يحكم على صوته بأنه سيئ مع أن السوء في أدائه لا في صوته، فيقعد عن تحسين أدائه بحجة أن هذا هو ما أعطاه الله تعالى.  والأصوات أنواع، ولكل صوت ما يناسبه من طرق الأداء والإلقاء، فما يحسن من الأداء في صوت قد يقبح في آخر؛ بدليل أننا نستمع إلى خطيبين يقلد أحدهما الآخر في طريقة الإلقاء حتى كاد أن يكون مثله لولا اختلاف نغمة الصوت، ومع ذلك يُقبِل الناس على أحدهما، ويستهجنون الآخر؛ والسبب: أن أحدهما ناسب صوته طريقة إلقائه، بعكس الآخر.       وعلى الخطيب أن يكتشف طريقة الإلقاء المناسبة لصوته ونَفَسه؛ وذلك يكون بتجرِبة طرق عدة، والنظر في مدى أثرها على السامعين، مع سؤال أهل الخبرة في ذلك، وسيكتشف بعد عدة محاولات طريقة الأداء التي تناسب صوته. 
    • الهدي النبوي رفع الصوت في الخطبة: 
         روى جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه؛ حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم مسَّاكم... "[3]. ويفهم من هذا الحديث أمور منها:    1- الاعتناء بشأن الخطبة؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام - كان يهتم لها وبها، دلَّ على ذلك الأحوال التي تعتريه أثناءَ خُطبته، فلو لم يكن مهتمًّا بها لما علا صوته، واحمرَّت عيناه، واشتدَّ غضبه.  قال النَّووي - رحمه الله تعالى -: "يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب"[4]. 2- لا يفهم من الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع صوته دائمًا، ويشتد غضبه باستمرار، وتحمرُّ عيناه في كل خطبته؛ بل كان ذلك منه في أحوال تستلزم ذلك كذكر القيامة، أو إذا خولف في أمر غضب لله - تعالى - كما جاء في بعض روايات الحديث "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر الساعة احمرَّت وجنتاه، واشتدَّ غضبه، وعلا صوته.. "[5]. فهذا مقيد للإطلاق المذكور سابقًا بذكر الساعة.  وهذا ما فهمه شُرَّاح الحديث، قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: "كونه - صلى الله عليه وسلم - تحمرُّ عيناه، ويعلو صوته، ويشتدُّ غضبه في حال خطبته، كان هذا منه في أحوال. وهذا مشعر بأنَّ الواعظ حقه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ما يطابقه؛ حتّى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه. وأمَّا اشتداد غضبه فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان"[6]. 3- أن تغيّر أحوال الخطيب وانفعالاته يكون بحسب المعاني التي يلقيها على السامعين؛ كما دل عليه الحديث، وأقوال العلماء الذين شرحوه؛ حتى لا يكون إلقاؤه مخالفًا للمعاني التي يلقيها. فألفاظ الاستفهام والتعجب والتوبيخ واللوم والعتاب والزجر والتفخيم والتهويل والتحزين والحيرة والوعد والوعيد ونحوها، لها كيفيات صوتية في الإلقاء تدل على المعنى المراد. وكذلك يقال في خفض الصوت ورفعه ولينه وشدته وتكرار الكلمة وقطعها ومد الصوت بها لها مواضعها في الخطبة؛ حتى يستثير الخطيب السامعين، ويلفت انتباههم، مما يكون عونًا على الاستفادة من الخطبة؛ إذ هو المقصود من شرعيتها.  ولا شكَّ في أنَّ الخطيب إذا لم يراعِ معانيَ الألفاظ في صَوْتِه فَقَدَتْ معانِيَها، ولربما استعجمتْ على السامعين، وفي هذا المعنى يُذكر أنَّ رجُلاً اتُّهم بِالسَّرِقَةِ، وليس ثَمَّة دليلٌ يدينه، فوعده القاضي بأن يُطْلِقَ سراحه بشرط أن يقوم أمام الناس ويعترف بأنه لص! فوافق، فلما صار أمامهم قال بصيغة السؤال والاستنكار "أنا لص؟!" كأنه يستنكر ذلك؛ فتعاطف الناس معه، ولم يحقق القاضي ما أراده[7]
    • ما ينبغي مراعاته في الصوت: 
      1- موافقته لظروف الخطبة؛ فإن الصوت يختلف باختلاف الحضور واختلاف المكان والزمان، وموضوع الخطبة. فصوت الخطيب يختلف في مناسبة الفرح عنه في مناسبة الحزن، كما يختلف في المكان الضيق عنه في المكان الرحب الغاص بالمستمعين[8]. فعلى الخطيب أن يراعي مثل هذه الظروف ويكيِّف صوته بما يتناسب معها.       ويرى بعض الباحثين أن المناسب في الخطبة أن يبدأ بها خافضًا صوته، ثم يعلو شيئًا شيئًا؛ لأن العلو بعد الانخفاض سهل، ووقعه على السامعين مقبول. أما الخفض بعد الارتفاع فلا يحسن وقعه[9].  وعلى الخطيب أن يعرف قدراته الصوتية فلا يتحمس حماسًا يرفع صوته عاليًا بحيث لا يستطيع إكمال خطبته على هذا النمط؛ لأنها طويلة، وقدرته الصوتية ضعيفة؛ فيقع في حرج بالغ، ويُفسد انجذاب السامعين إليه.    2- ألا يجعل صوته نمطيًّا بحيث يكون على وتيرة واحدة؛ فإنَّ ذلك يُلقي في نفس السامعين سآمة وملالاً، بل يُغَيّر النبرة الصوتية بما يتناسب مع المعاني التي تحويها الألفاظ، وقد كان كثير من الخطباء ـ خاصَّةً كبار السن ـ يُرَتّلونَ الخطبة كتَرْتِيل القرآن، أو كقراءة المتون العلمية على المشايخ، وهذا لا يَتَناسَبُ مع الخُطبة، وإن وجد السامعون له لذَّةً في مسامعهم؛ لكنها ليست لذة بالمعاني والألفاظ وإنما هي بصوت الخطيب ـ ولا سيما إن كان صوته حسنًا ـ وذلك يشغلهم عن معانيها وفوائدها، ولربما أنهم لم يدركوا ما فيها من معانٍ وألفاظ رغم طربهم بها.    3- أن يفرِّغ فكره أثناء الإلقاء للمعاني التي يلقيها، ويحرك بها قلبه، ويتفاعل معها قدر استطاعته. وللإخلاص في إعداد الخطبة وإلقائها حظٌّ كبير في تحرك القلب بها، ولا سيما إن كان في القلب حرقة لدين الله – تعالى - ولنفع إخوانه المسلمين. والشواغل الذهنية أثناء الإلقاء تؤثر كثيرًا على القلب، وتُفْقِدُه الكثيرَ مِنَ الخُشُوعِ والتَّدَبُّر.  فانشغال الخطيب أثناء الإلقاء مثلاً بالنحو ـ أي خوف اللحن ـ يجعله يركز على الإعراب وينصرف عن المعنـى. وسبب ذلك في الغـالـب: أنه لا يراجع خطبته قبل إلقائها مراجعة تجعله يتقنها، ولا يخاف اللحن فيها. ومن كان دائم الانشغال بذلك حتى لو راجعها كثيرًا فينبغي له أن يعربها ـ أي يضبطها بالشكل ـ لأن تفريغ ذهنه للمعاني أهم من انشغاله بأمور يستطيع إصلاحها قبل الإلقاء. وقد يكون الخطيب مرتجلاً ـ يخطب بلا ورقة ـ فينشغل بما سيقوله عن تدبر ما يقول، أي: أن فكره يسبق كلامه، فيهيئ في ذهنه الجملة التي سيقولها، وهو لازال في الجملة الأولى، وهذا بلا شك يجعله لا يتدبر، وربما دخلت الجملة الثانية قبل اكتمال الأولى؛ فيفسد المعنى كما هو ملاحظ على كثير ممن لا يحسنون الارتجال.       وبكل حال فإن الإعداد الجيد للخطبة مع الإخلاص كفيل بانفعال الخطيب في خطبته، ومن ثم انفعال المستمعين. وكلما ضعف الإعداد وقلّ الإخلاص كان الانفعال أقلّ وتأثير الخطبة أضعف. وفي هذا المعنى قال عامر بن عبدالقيس - رحمه الله تعالى -: "الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان"[10]. ولما سأل معاوية - رضي الله عنه - صحار بن عياش العبدي عن سر بلاغتهم قال: "شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا"[11]، وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - لواعظ لم تؤثر فيه موعظته: "يا هذا، إن بقلبك لشرًّا أو بقلبي"[12]. 4- عناية الخطيب بأجهزة الصوت التي توصل خطبته للسامعين؛ فهذه الأجهزة نعمة من الله – تعالى - خدمت الخطباء وأراحتهم من رفع أصواتهم رفعًا يُضِّرُ بهم، ومعنى العناية بها: أن يكون الصوت فيها موزونًا بما لا يزعج المستمع ولا يشوش عليه. وبعض الخطباء لا يرتاح حتى يرتد إليه صوته من شدة جلبة مكبرات الصوت، وبعضهم قد تكون أجهزته لا توصل الصوت من شدة خفوتها، والموازنة مطلوبة، وأصوات الناس تختلف، والأجهزة أيضًا تختلف، فينبغي أن يضبط صوت الجهاز بما يتناسب مع صوت الخطيب ضعفًا وقوة، فإن كان في صوت الخطيب ضعفًا؛ رفع صوت الجهاز حتى يسمع الناس. وإن كان الخطيب جهير الصوت خفض صوت الجهاز؛ حتى لا يحصل الإزعاج. فالإزعاج وضعف الصوت مانعان من الاستفادة من الخطبة.    5- الاعتدال في سرعة الصوت؛ فلا يتمهل تمهلاً يصيب السامعين بالملال، ولا يسرع سرعة تمنعهم التدبر وفهم المعاني. والسرعة تجهد الصوت لا سيما في الخطب الطويلة. وحدد بعضهم متوسط ذلك بما يقارب (120) كلمة في الدقيقة[13]. وفي ظني أن هذا يختلف باختلاف الأصوات وطريقة الإلقاء، ولكل خطيب ما يناسبه.  ولو أسرع في بعض الجمل ليتمهل في كلمة منها بقصد لفت الانتباه إلى أهميتها، فذلك أسلوب من أساليب شد الانتباه، وقد كان بعض مشاهير خطباء الإفرنج ينطق بعدة كلمات بسرعة كبيرة حتى يصل إلى الكلمة أو العبارة، التي يريد تأكيدها ثم يبطئ صوته عندها، ويضغط عليها[14].    6- أن يجتنب الخطيب ما قد يضايقه ويضعف صوته؛ كالضغط على الحنجرة بأزرار الثوب، وإن كان ممن يحتاج إلى ماء لتقوية صوته فلا بأس أن يشرب قبل الخطبة، أو في الجلسة بين الخطبتين، أو حتى في الخطبة إن لم يخش انقطاع الأفكار، وانصراف المستمعين عنه.       وعلى كل حال فإنه ينبغي للخطيب العناية بما يكمل خطبته، ويجعلها مؤثرة في قلوب المستمعين، محصلة لمقاصدها التي شرعت من أجلها، كذلك ينبغي العناية بالصوت، والبحث عن الطريقة الإلقائية الملائمة له.       وتمرينات الحلق واللسان على الأساليب الخطابية مما يجب على الخطباء صرف الاهتمام له؛ فليس ذلك بأقلَّ من الاهتمام بإعداد الخطبة موضوعًا ولغة وبلاغة ومعنى؛ إذ الصوت ناقل لها، وبجمال الإلقاء تكون الخطبة جميلة، وبرداءة الإلقاء تكون الخطبة رديئة، ولو كان إعدادها جيدًا.  [1]   أخرجه أحمد من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - (5/185)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (7357) ثم الألباني في صحيح الجامع (5197)·  [2]   انظر: "الخطابة" د. نقولا فياض، ط دار الهلال بمصر 1930م (ص53)، و"فن الخطابة" للشيخ علي محفوظ، ط دار الاعتصام (ص65) و"فن الإلقاء" محمد عبدالرحيم عدس دار الفكر، الأردن ط الأولى 1416هـ (ص14)، "الخطابة، أصولها، تاريخها، في أزهى عصورها عند العرب" للشيخ محمد أبي زهرة، دار الفكرالعربي، ط الثانية، 1980م (ص148).  [3]     أخرجه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، والنسائي في العيدين باب كيف الخطبة (3/188 ـ 189)، وابن ماجه في المقدمة باب اجتناب البدع والجدل (45) وغيرهم.  [4]   شرح النووي على صحيح مسلم (6/222).  [5]   هذه الرواية صححها ابن خزيمة (1785)، وابن حبان (3062).  [6]   "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/506)، وانظر أيضًا: شرحي الأبي والسنوسي على صحيح مسلم (3/232 ـ 233)، وشرح الطيبي على المشكاة (4/1283).  [7]   "فن الإلقاء" (17)، وانظر أيضًا: "الخطابة في صدر الإسلام" د. محمد طاهر درويش، ط دار المعارف، مصر (46)، و"فن الخطابة" د. أحمد محمد الحوفي دار النهضة، مصر، ط الرابعة (31)، و"قواعد الخطابة" د· أحمد غلوش 1399هـ (183 ـ 184)، و"الخطابة" للشيخ أبي زهرة (147).  [8]   انظر: "فن الخطابة" لأنطوان القوَّال، دار العلم للملايين، ط الأولى (24).  [9]   "الخطابة" لمحمد أبي زهرة (149)، و"فن الخطابة" لمحفوظ (68).  [10]   "فن الخطابة" لمحفوظ (68)، عن "البيان والتبيين" للجاحظ (1/84)، و"الحيوان" (4/210).  [11]   "فن الخطابة" للحوفي (26).  [12]   "البيان والتبيين" للجاحظ (1/84) ط دار الجيل بيروت.  [13]   "فن الخطابة"، أنطوان القوال (ص25).  [14]   انظر: "قواعد الخطابة" لغلوش (184).    نوشته :   الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۳۹:۵۴ ] [ مشاوره مديريت ]
      تعريف الخطبه   أولا: تعريفها في اللغة:  
    الخُطْبَةُ: هي بضم الخاء، وهي ما يُقال على المنبر، يُقال: خَطَبَ على المنبر خُطْبَة - بضم الخاء - وخَطَابة، وأما خِطْبَة - بكسر الخاء - فهي طلب نكاح المرأة. وهي مشتقة من المخاطبة، وقيل: من الخطب، وهو الأمر العظيم؛ لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا عنده. قال في تهذيب اللغة: "والخطبة مصدر الخطيب، وهو يخطب المرأة ويخطِبُها خِطبة وخِطِّيبى... قلت: والذي قال الليث أن الخطبة مصدر الخطيب لا يجوز إلا على وجه واحد، وهو أن الخُطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب، فيوضع موضع المصدر، والعرب تقول: فلانٌ خِطْبُ فلانة، إذا كان يخطبها" [1]. وقال في القاموس: "... وخَطَبَ الخاطب على المِنْبَر خَطابة بالفتح، وخُطبة بالضم، وذلك الكلام خُطبة أيضًا، أو هي الكلام المنثور المُسَجَّع ونحوه، ورجل خَطِيبٌ حسن الخُطبة بالضم" [2].
    - وقال في مختار الصحاح: "خاطَبَه بالسلام مُخَاطَبة وخِطَابا، وخطب على المنبر خُطْبَة - بضم الخاء - وخَطَابة، وخَطَب المرأة في النكاح خِطْبَة - بكسر الخاء - يخْطُبُ بضم الخاء فيهما، واختَطَبَ أيضًا فيهما، وخَطُبَ من باب ظَرُفَ صار خطيبًا" [3].
    وقال في المصباح: "خَاطَبَه مُخَاطَبَة وخِطَابا، وهو الكلام بين متكلم وسامع، ومنه اشتقاق الخُطبَة - بضم الخاء وكسرها - باختلاف معنيين، فيُقال في الموعظة: خَطَبَ القوم وعليهم من باب قتل، خُطبة - بالضم -، وهي فُعلة بمعنى مفعولة... وجمعها خُطب، وهو خطيب القوم إذا كان هو المتكلم عنهم، وخَطَبَ المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة - بالكسر -..... [4].
    وقال في حلية الفقهاء: "وأما الخُطْبة فاشتقاقها من المُخاطبة، ولا تكون المخاطبة إلا بالكلام بين المُخاطَبين، وكذلك خِطْبَة النكاح، وقال قوم: إنما سمِّيتْ الخُطبة لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا في الخَطْب والأمر العظيم، فلهذا سميت خُطْبة" [5].
    ثانيا: تعريفها في الاصطلاح:  
    عرَّفها بعضهم بأنها: الكلام المؤلف المُتضمِّن وعظًا وإبلاغًا [6]. ولكن هذا فيه إجمال. وأوضح منه تعريف من قال: إنها قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة، من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم [7].
    وعرَّف بعض المعاصرين الخطابة: بأنها فنّ من فنون الكلام، يقصد به التأثير في الجمهور عن طريق السمع والبصر معا [8]. وكل هذه التعريفات ونحوها تدور حول التعريف بالخطبة عمومًا، ومعناها متقارب.
    وأما خطبة الجمعة بخصوصها فلم أطلع على تعريف صريح لها - فيما بين يدي من كتب الفقهاء - لعلهم تركوا ذلك لوضوحها عندهم، وقد جاء في بدائع الصنائع في معرض كلامه على أحكام خطبة الجمعة قوله: " والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم" [9].
    وهذا بيان لمعناها حسب المتعارف عليه، وليس تعريفًا دقيقًا تتوفر فيه الشروط المعتبرة عند الأصوليين. ولكن بعد تأمل ما تقدم ذكره من التعريف اللغوي والتعاريف الأخرى، وبناءً على ما ترجح في أحكامها يمكن أن أعرّفها تعريفًا تقريبيًا بأنها: ما يُلقى من الكلام المتوالي الواعظ باللغة العربية قبيل صلاة الجمعة بعد دخول وقتها بنية جهرًا قيامًا مع القدرة على عدد يتحقق بهم المقصود.
      [1]   تهذيب اللغة الأزهري ، مادة " خطب " 7/246.   [2]   القاموس المحيط ، مادة "خطب" 1/65.   [3]   مختار الصحاح ، مادة "خطب" ص (76).   [4]   المصباح المنير للفيومي ، مادة " خطب " 1/173.   [5]   حلية الفقهاء لابن فارس ص (87).   [6]   تحرير ألفاظ التنبيه ، أو المسمى بـ " لغة الفقهاء " للنووي ص (84 - 85).   [7]   التعريفات للجرجاني ص (99).   [8]   الخطابة في الإسلام للدكتور مصلح سيد بيومي ص (11).   [9]   بدائع الصنائع1/262.   منبع : كتاب: خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية
    د . عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله الحجيلان
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۴:۳۹:۵۳ ] [ مشاوره مديريت ]
    [ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸ ][ ۱۴۹ ][ ۱۵۰ ][ ۱۵۱ ][ ۱۵۲ ][ ۱۵۳ ][ ۱۵۴ ][ ۱۵۵ ][ ۱۵۶ ][ ۱۵۷ ][ ۱۵۸ ][ ۱۵۹ ][ ۱۶۰ ][ ۱۶۱ ][ ۱۶۲ ][ ۱۶۳ ][ ۱۶۴ ][ ۱۶۵ ][ ۱۶۶ ][ ۱۶۷ ][ ۱۶۸ ][ ۱۶۹ ][ ۱۷۰ ][ ۱۷۱ ][ ۱۷۲ ][ ۱۷۳ ][ ۱۷۴ ][ ۱۷۵ ][ ۱۷۶ ][ ۱۷۷ ][ ۱۷۸ ][ ۱۷۹ ][ ۱۸۰ ][ ۱۸۱ ][ ۱۸۲ ][ ۱۸۳ ][ ۱۸۴ ][ ۱۸۵ ][ ۱۸۶ ][ ۱۸۷ ][ ۱۸۸ ][ ۱۸۹ ][ ۱۹۰ ][ ۱۹۱ ][ ۱۹۲ ][ ۱۹۳ ][ ۱۹۴ ][ ۱۹۵ ][ ۱۹۶ ][ ۱۹۷ ][ ۱۹۸ ][ ۱۹۹ ][ ۲۰۰ ][ ۲۰۱ ][ ۲۰۲ ][ ۲۰۳ ][ ۲۰۴ ][ ۲۰۵ ][ ۲۰۶ ][ ۲۰۷ ][ ۲۰۸ ][ ۲۰۹ ][ ۲۱۰ ][ ۲۱۱ ][ ۲۱۲ ][ ۲۱۳ ][ ۲۱۴ ][ ۲۱۵ ][ ۲۱۶ ][ ۲۱۷ ][ ۲۱۸ ][ ۲۱۹ ][ ۲۲۰ ][ ۲۲۱ ][ ۲۲۲ ][ ۲۲۳ ][ ۲۲۴ ][ ۲۲۵ ][ ۲۲۶ ][ ۲۲۷ ][ ۲۲۸ ][ ۲۲۹ ][ ۲۳۰ ][ ۲۳۱ ][ ۲۳۲ ][ ۲۳۳ ][ ۲۳۴ ][ ۲۳۵ ][ ۲۳۶ ][ ۲۳۷ ][ ۲۳۸ ][ ۲۳۹ ][ ۲۴۰ ][ ۲۴۱ ][ ۲۴۲ ][ ۲۴۳ ][ ۲۴۴ ][ ۲۴۵ ][ ۲۴۶ ][ ۲۴۷ ][ ۲۴۸ ][ ۲۴۹ ][ ۲۵۰ ][ ۲۵۱ ][ ۲۵۲ ][ ۲۵۳ ][ ۲۵۴ ][ ۲۵۵ ][ ۲۵۶ ][ ۲۵۷ ][ ۲۵۸ ][ ۲۵۹ ][ ۲۶۰ ][ ۲۶۱ ][ ۲۶۲ ][ ۲۶۳ ][ ۲۶۴ ][ ۲۶۵ ][ ۲۶۶ ][ ۲۶۷ ][ ۲۶۸ ][ ۲۶۹ ][ ۲۷۰ ][ ۲۷۱ ][ ۲۷۲ ][ ۲۷۳ ][ ۲۷۴ ][ ۲۷۵ ][ ۲۷۶ ][ ۲۷۷ ][ ۲۷۸ ][ ۲۷۹ ][ ۲۸۰ ][ ۲۸۱ ][ ۲۸۲ ][ ۲۸۳ ][ ۲۸۴ ][ ۲۸۵ ][ ۲۸۶ ][ ۲۸۷ ][ ۲۸۸ ][ ۲۸۹ ][ ۲۹۰ ][ ۲۹۱ ][ ۲۹۲ ][ ۲۹۳ ][ ۲۹۴ ][ ۲۹۵ ][ ۲۹۶ ][ ۲۹۷="_blank">۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶۹ ][ ۴۷۰ ][ ۴۷۱ ][ ۴۷۲ ][ ۴۷۳ ][ ۴۷۴ ][ ۴۷۵ ][ ۴۷۶ ][ ۴۷۷ ][ ۴۷۸ ][ ۴۷۹ ][ ۴۸۰ ][ ۴۸۱ ][ ۴۸۲ ][ ۴۸۳ ][ ۴۸۴ ][ ۴۸۵ ][ ۴۸۶ ][ ۴۸۷ ][ ۴۸۸ ][ ۴۸۹ ][ ۴۹۰ ][ ۴۹۱ ][ ۴۹۲ ][ ۴۹۳ ][ ۴۹۴ ][ ۴۹۵ ][ ۴۹۶ ][ ۴۹۷ ][ ۴۹۸ ][ ۴۹۹ ][ ۵۰۰ ][ ۵۰۱ ][ ۵۰۲ ][ ۵۰۳ ][ ۵۰۴ ][ ۵۰۵ ][ ۵۰۶ ][ ۵۰۷ ][ ۵۰۸ ][ ۵۰۹ ][ ۵۱۰ ][ ۵۱۱ ][ ۵۱۲ ][ ۵۱۳ ][ ۵۱۴ ][ ۵۱۵ ][ ۵۱۶ ][ ۵۱۷ ][ ۵۱۸ ][ ۵۱۹ ][ ۵۲۰ ][ ۵۲۱ ][ ۵۲۲ ][ ۵۲۳ ][ ۵۲۴ ][ ۵۲۵ ][ ۵۲۶ ][ ۵۲۷ ][ ۵۲۸ ][ ۵۲۹ ][ ۵۳۰ ][ ۵۳۱ ][ ۵۳۲ ][ ۵۳۳ ][ ۵۳۴ ][ ۵۳۵ ][ ۵۳۶ ][ ۵۳۷ ][ ۵۳۸ ][ ۵۳۹ ][ ۵۴۰ ][ ۵۴۱ ][ ۵۴۲ ][ ۵۴۳ ][ ۵۴۴ ][ ۵۴۵ ][ ۵۴۶ ][ ۵۴۷ ][ ۵۴۸ ][ ۵۴۹ ][ ۵۵۰ ][ ۵۵۱ ][ ۵۵۲ ][ ۵۵۳ ][ ۵۵۴ ][ ۵۵۵ ][ ۵۵۶ ][ ۵۵۷ ][ ۵۵۸ ][ ۵۵۹ ][ ۵۶۰ ][ ۵۶۱ ][ ۵۶۲ ][ ۵۶۳ ][ ۵۶۴ ][ ۵۶۵ ][ ۵۶۶ ][ ۵۶۷ ][ ۵۶۸ ][ ۵۶۹ ][ ۵۷۰ ][ ۵۷۱ ][ ۵۷۲ ][ ۵۷۳ ][ ۵۷۴ ][ ۵۷۵ ][ ۵۷۶ ][ ۵۷۷ ][ ۵۷۸ ][ ۵۷۹ ][ ۵۸۰ ][ ۵۸۱ ][ ۵۸۲ ][ ۵۸۳ ][ ۵۸۴ ][ ۵۸۵ ][ ۵۸۶ ][ ۵۸۷ ][ ۵۸۸ ][ ۵۸۹ ][ ۵۹۰ ][ ۵۹۱ ][ ۵۹۲ ][ ۵۹۳ ][ ۵۹۴ ][ ۵۹۵ ][ ۵۹۶ ][ ۵۹۷ ][ ۵۹۸ ][ ۵۹۹ ][ ۶۰۰ ][ ۷۵۳ ][ ۷۵۴ ][ ۷۵۵ ][ ۷۵۶ ][ ۷۵۷ ][ ۷۵۸ ][ ۷۵۹ ][ ۷۶۰ ][ ۷۶۱ ][ ۷۶۲ ][ ۷۶۳ ][ ۷۶۴ ][ ۷۶۵ ][ ۷۶۶ ][ ۷۶۷ ][ ۷۶۸ ][ ۷۶۹ ][ ۷۷۰ ][ ۷۷۱ ][ ۷۷۲ ][ ۷۷۳ ][ ۷۷۴ ][ ۷۷۵ ][ ۷۷۶ ][ ۷۷۷ ][ ۷۷۸ ][ ۷۷۹ ][ ۷۸۰ ][ ۷۸۱ ][ ۷۸۲ ][ ۷۸۳ ][ ۷۸۴ ][ ۷۸۵ ][ ۷۸۶ ][ ۷۸۷ ][ ۷۸۸ ][ ۷۸۹ ][ ۷۹۰ ][ ۷۹۱ ][ ۷۹۲ ][ ۷۹۳ ][ ۷۹۴ ][ ۷۹۵ ][ ۷۹۶ ][ ۷۹۷ ][ ۷۹۸ ][ ۷۹۹ ][ ۸۰۰ ][ ۸۰۱ ][ ۸۰۲ ][ ۸۰۳ ][ ۸۰۴ ][ ۸۰۵ ][ ۸۰۶ ][ ۸۰۷ ][ ۸۰۸ ][ ۸۰۹ ][ ۸۱۰ ][ ۸۱۱ ][ ۸۱۲ ][ ۸۱۳ ][ ۸۱۴ ][ ۸۱۵ ][ ۸۱۶ ][ ۸۱۷ ][ ۸۱۸ ][ ۸۱۹ ][ ۸۲۰ ][ ۸۲۱ ][ ۸۲۲ ][ ۸۲۳ ][ ۸۲۴ ][ ۸۲۵ ][ ۸۲۶ ][ ۸۲۷ ][ ۸۲۸ ][ ۸۲۹ ][ ۸۳۰ ][ ۸۳۱ ][ ۸۳۲ ][ ۸۳۳ ][ ۸۳۴ ][ ۸۳۵ ][ ۸۳۶ ][ ۸۳۷ ][ ۸۳۸ ][ ۸۳۹ ][ ۸۴۰ ][ ۸۴۱ ][ ۸۴۲ ][ ۸۴۳ ][ ۸۴۴ ][ ۸۴۵ ][ ۸۴۶ ][ ۸۴۷ ][ ۸۴۸ ][ ۸۴۹ ][ ۸۵۰ ][ ۸۵۱ ][ ۸۵۲ ][ ۸۵۳ ][ ۸۵۴ ][ ۸۵۵ ][ ۸۵۶ ][ ۸۵۷ ][ ۸۵۸ ][ ۸۵۹ ][ ۸۶۰ ][ ۸۶۱ ][ ۸۶۲ ][ ۸۶۳ ][ ۸۶۴ ][ ۸۶۵ ][ ۸۶۶ ][ ۸۶۷ ][ ۸۶۸ ][ ۸۶۹ ][ ۸۷۰ ][ ۸۷۱ ][ ۸۷۲ ][ ۸۷۳ ][ ۸۷۴ ][ ۸۷۵ ][ ۸۷۶ ][ ۸۷۷ ][ ۸۷۸ ][ ۸۷۹ ][ ۸۸۰ ][ ۸۸۱ ][ ۸۸۲ ][ ۸۸۳ ][ ۸۸۴ ][ ۸۸۵ ][ ۸۸۶ ][ ۸۸۷ ][ ۸۸۸ ][ ۸۸۹ ][ ۸۹۰ ][ ۸۹۱ ][ ۸۹۲ ][ ۸۹۳ ][ ۸۹۴ ][ ۸۹۵ ][ ۸۹۶ ][ ۸۹۷ ][ ۸۹۸ ][ ۸۹۹ ][ ۹۰۰ ][ ۹۰۱ ][ ۹۰۲ ][ ۹۰۳ ][ ۹۰۴ ][ ۹۰۵ ][ ۹۰۶ ][ ۹۰۷ ][ ۹۰۸ ][ ۹۰۹ ][ ۹۱۰ ][ ۹۱۱ ][ ۹۱۲ ][ ۹۱۳ ][ ۹۱۴ ][ ۹۱۵ ][ ۹۱۶ ][ ۹۱۷ ][ ۹۱۸ ][ ۹۱۹ ][ ۹۲۰ ][ ۹۲۱ ][ ۹۲۲ ][ ۹۲۳ ][ ۹۲۴ ][ ۹۲۵ ][ ۹۲۶ ][ ۹۲۷ ][ ۹۲۸ ][ ۹۲۹ ][ ۹۳۰ ][ ۹۳۱ ][ ۹۳۲ ][ ۹۳۳ ][ ۹۳۴ ][ ۹۳۵ ][ ۹۳۶ ][ ۹۳۷ ][ ۹۳۸ ][ ۹۳۹ ][ ۹۴۰ ][ ۹۴۱ ][ ۹۴۲ ][ ۹۴۳ ][ ۹۴۴ ][ ۹۴۵ ][ ۹۴۶ ][ ۹۴۷ ][ ۹۴۸ ][ ۹۴۹ ][ ۹۵۰ ][ ۹۵۱ ][ ۹۵۲ ][ ۹۵۳ ][ ۹۵۴ ][ ۹۵۵ ][ ۹۵۶ ][ ۹۵۷ ][ ۹۵۸ ][ ۹۵۹ ][ ۹۶۰ ][ ۹۶۱ ][ ۹۶۲ ][ ۹۶۳ ][ ۹۶۴ ][ ۹۶۵ ][ ۹۶۶ ][ ۹۶۷ ][ ۹۶۸ ][ ۹۶۹ ][ ۹۷۰ ][ ۹۷۱ ][ ۹۷۲ ][ ۹۷۳ ][ ۹۷۴ ][ ۹۷۵ ][ ۹۷۶ ][ ۹۷۷ ][ ۹۷۸ ][ ۹۷۹ ][ ۹۸۰ ][ ۹۸۱ ][ ۹۸۲ ][ ۹۸۳ ][ ۹۸۴ ][ ۹۸۵ ][ ۹۸۶ ][ ۹۸۷ ][ ۹۸۸ ][ ۹۸۹ ][ ۹۹۰ ][ ۹۹۱ ][ ۹۹۲ ][ ۹۹۳ ][ ۹۹۴ ][ ۹۹۵ ][ ۹۹۶ ][ ۹۹۷ ][ ۹۹۸ ][ ۹۹۹ ][ ۱۰۰۰ ][ ۱۰۰۱ ][ ۱۰۰۲ ][ ۱۰۰۳ ][ ۱۰۰۴ ][ ۱۰۰۵ ][ ۱۰۰۶ ][ ۱۰۰۷ ][ ۱۰۰۸ ][ ۱۰۰۹ ][ ۱۰۱۰ ][ ۱۰۱۱ ][ ۱۰۱۲ ][ ۱۰۱۳ ][ ۱۰۱۴ ][ ۱۰۱۵ ][ ۱۰۱۶ ][ ۱۰۱۷ ][ ۱۰۱۸ ][ ۱۰۱۹ ][ ۱۰۲۰ ][ ۱۰۲۱ ][ ۱۰۲۲ ][ ۱۰۲۳ ][ ۱۰۲۴ ][ ۱۰۲۵ ][ ۱۰۲۶ ][ ۱۰۲۷ ][ ۱۰۲۸ ][ ۱۰۲۹ ][ ۱۰۳۰ ][ ۱۰۳۱ ][ ۱۰۳۲ ][ ۱۰۳۳ ][ ۱۰۳۴ ][ ۱۰۳۵ ][ ۱۰۳۶ ][ ۱۰۳۷ ][ ۱۰۳۸ ][ ۱۰۳۹ ][ ۱۰۴۰ ][ ۱۰۴۱ ][ ۱۰۴۲ ][ ۱۰۴۳ ][ ۱۰۴۴ ][ ۱۰۴۵ ][ ۱۰۴۶ ][ ۱۰۴۷ ][ ۱۰۴۸ ][ ۱۰۴۹ ][ ۱۰۵۰ ][ ۱۰۵۱ ][ ۱۰۵۲ ][ ۱۰۵۳ ][ ۱۰۵۴ ][ ۱۰۵۵ ][ ۱۰۵۶ ][ ۱۰۵۷ ][ ۱۰۵۸ ][ ۱۰۵۹ ][ ۱۰۶۰ ][ ۱۰۶۱ ][ ۱۰۶۲ ][ ۱۰۶۳ ][ ۱۰۶۴ ][ ۱۰۶۵ ][ ۱۰۶۶ ][ ۱۰۶۷ ][ ۱۰۶۸ ][ ۱۰۶۹ ][ ۱۰۷۰ ][ ۱۰۷۱ ][ ۱۰۷۲ ][ ۱۰۷۳ ][ ۱۰۷۴ ][ ۱۰۷۵ ][ ۱۰۷۶ ][ ۱۰۷۷ ][ ۱۰۷۸ ][ ۱۰۷۹ ][ ۱۰۸۰ ][ ۱۰۸۱ ][ ۱۰۸۲ ][ ۱۰۸۳ ][ ۱۰۸۴ ][ ۱۰۸۵ ][ ۱۰۸۶ ][ ۱۰۸۷ ][ ۱۰۸۸ ][ ۱۰۸۹ ][ ۱۰۹۰ ][ ۱۰۹۱ ][ ۱۰۹۲ ][ ۱۰۹۳ ][ ۱۰۹۴ ][ ۱۰۹۵ ][ ۱۰۹۶ ][ ۱۰۹۷ ]
    .: Weblog Themes By iranblag :.

    درباره وبلاگ

    تيم مشاوران مديريت ايران IranMCT ----------------- http://iranmct.com ---------------- Iran Management Consultants Team
    پنل کاربری
    نام کاربری :
    پسورد :
    لینک های تبادلی
    فاقد لینک
    تبادل لینک اتوماتیک
    لینک :
    خبرنامه
    عضویت   لغو عضویت
    امکانات وب
    شمارنده
    شرکت مشاوره مدیریتبازارسازی مدیریت بازاریابی. بازدید تحقیقات بازاریابیآموزش مدیریت MBAدلایل ترک تحقیقات بازاریابی تحقیقات مدیریت شرایط سخت بازارکارت امتیازی متوازنارزیابی عملکرد . نمونه مطالعات موردی.برند برندینگانواع برند معرفی 21 نوع متفاوت از برندبرندسازی branding marketing . برندسازی.تحقیقات بازاریابی انگیزه بخش http://marketingbranding.ir سبک مدیریت است مدیریت بازاربازاریابیتحقیقات بازاریابی ویژگی های .حرفه ای مشاوره اموزش مدیریت.شناسایی مشتریان .تحقیقات بازاریابی استفاده از تحقیقات بازار و بازاریابی http://marketingsales.irmarketing مدیریت برندینگ . Business Management ConsultantIran Business Management ConsultantManagement . بازاریابیانواع بازاریابی 127 نوع بازاریابیبازاریابی. بازاریابی MarketingMix آمیختهآمیزه بازاريابیمدیریت بازاریابی. اخبار مدیریت و تجارتمدیریت.مشاوره بازاریابی مدیریت آموزش تکنیک‌های فروشندگی حرفه‌ای فروشندگی. اخبار مدیریت و تجارتبازاریابی برندینگ. http://iranmct.com/news/page/12مدیریت. مدیریت مشاوره بازاریابیآموزش. بیزینس پلن طرح توجیهی طرح business plan. برنامه بازاریابی Marketing Planبازاریابی.