مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 20181
دیروز : 33302
افراد آنلاین : 27
همه : 4348663
  ما كل موضوع أو حديث صحيح تحدَّث به العامة   قال القاسمي في كتابه "قواعد التحديث" ما نصُّه: "الثمرة التاسعة: ما كلُّ حديث صحيح تحدَّث به العامة، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن معاذ - رضي الله عنه - قال: كنتُ رِدْفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حمار، فقال: ((يا معاذ، هل تدري ما حقُّ الله على عباده، وما حقُّ العباد على الله؟))؛ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّ حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله أن لا يعذب مَنْ لا يشرك به شيئًا))؛ قلتُ: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ به الناس؟ قال: ((لا تبشِّرهم فيتَّكِلوا!)).

وفي روايةٍ لهما عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ وهو رِدْفِه: ((ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه - إلا حرَّمه الله على النار)). قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذًا يتَّكِلوا)). فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا.

وروى البخاري عن عليٍّ - رضي الله عنه -: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يكذَّب الله ورسوله؟!". ومثله قول ابن مسعود: "ما أنت محدِّثٌ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم - إلا كان لبعضهم فتنة"[1].

قال الحافظ ابن حجر: "وممن كره التحديث ببعضٍ دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على الأمير، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب؛ ومن قبلهم أبو هريرة كما روى عنه في الجرابين[2]، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن: أنه أنكر تحديث أنس للحُجَّاج بقصة العُرَنِيِّين[3]؛ لأنه اتخذها وسيلةً إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي؛ وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد؛ فالإمساك عنه عند مَنْ يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوبٌ"؛ انتهى.

ولما كان النهي للمصلحة لا للتحريم؛ أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ.

قال بعضهم: النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبشِّرهم" مخصوصٌ ببعض الناس، وبه احتجَّ البخاري على أن للعالِم أن يخصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ؛ كراهة ألاَّ يفهموا، وقد يُتخذ أمثال هذه الأحاديث البَطَلَة [4] والإباحية ذريعةً إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام، وذلك يُفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى، وأين هؤلاء ممَّن إذا بُشِّروا زادوا جِدًّا في العبادة؟! وقد قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أتقوم الليل وقد غَفَرَ اللهُ لكَ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))"[5]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]   رواه مسلم.  [2]   في مسند أحمد أن أبا هريرة قال: "حفظت ثلاثة أجربة، بثثت منها جرابين". وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم".  [3]   العُرَنِيُّون: نفر قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا، فاجتوو المدينة، فأمرهم أن يأتوا الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحُّوا، فارتدوا وقتلوا رعاتها، واستقوا الإبل؛ فبعث في آثارهم، فأُتي بهم؛ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. والحديث في "الصحيحين" وغيرهما؛ راجع "فتح الباري": (جـ12، ص98).  [4]   يقال أبطل: إذا جاء الباطل: والبَطَلَة: السحرة والشياطين، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أُمامة: ((إقرؤا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة))؛ وأخرجه مسلم في الصلاة.  [5]   أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن شعبة.    منبع :   كتاب كيف تكون خطيبًا "التيسير في الخطب والوعظ والتذكير".
الشيخ سعيد عبدالعظيم
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۹ ] [ مشاوره مديريت ]
  خُطب الجمعة   كان وفد من العلماء يزور واحدًا من كبار أولي الأمر من عهد قريب، يشكو إليه فساد الأخلاق، وانتشار المعاصي، وهذه المنكرات البادية، فقال لهم: "أنا أعجب من أمركم؛ عندكم هذه المنابر التي تستطيعون أن تصلحوا بها كل فاسد، وتقوِّموا كلَّ معوجٍّ، ثم تَشْكُون إليَّ ما تجدون!!". وهي كلمة أجراها الله على لسانه لتقوم بها الحجة علينا مرتين: مرة لأنها كلمة حق، لا ينازع في صحتها منازع، ومرة لأنها جاءت موعظة منه هو لمن يتصدُّون لوعظ الناس!! ولو كان عُشْر هذه المنابر في أيدي جماعة من الجماعات العاملة المنظمة؛ لصنعت بها العجائب؛ فما بالنا وهي في أيدينا لا نصنع بها شيئًا؟!

وما أذهبُ في الاستدلال إلى عرض أوجه الاحتمال، وعندي الواقع الذي ليس فيه جدال، هو منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه المنابر.. كان للرسول - صلوات الله عليه - منبر واحد: درجات من الخشب، ليس فيها براعة النقش، ولا فيها روعة الفن، ليس عليها قُبَّة، ولا لها باب، دعا منها فلبَّت الدنيا واستجاب العالم، وترك بها على الأرض أعظم أثرٍ عرفه تاريخ الأرض، وعندنا اليوم مائة ألف منبر، مبثوثة ما بين آخر أندونيسيا وآخر المغرب، كلها مزخرفٌ منقوشٌ، استنفد جَهْد أهل العمارة وعبقرية أهل الفن، وفيها المكبرات والإذاعات تحمل الصوت منها إلى آفاق الأرض؛ فيُسمع خطباؤها الملايين، ولا نرى لها مع ذلك أثرًا في إصلاحٍ ولا عملاً في نهضة؛ فما هو السر في تلك القوة، وفي هذا الضعف؟

تعالوا نفكر في ذلك جميعًا، نعرض أحوال هذه الخُطَب، ونفتِّش عن حالها، ولا يغضب مني أحدٌ، فما أريد الفضيحة ولا التشهير؛ إن أريد إلا الإصلاح، وأنا بعدُ واحدٌ من الخطباء، لستُ غريبًا عنهم ولا مبرَّأ من عيوبهم، وما يُقال فيهم يُقال مثله فيَّ أنا، ومن أجراكَ مجرى نفسه ما ظلمكَ.

ولو سألت مَنْ شئت من المصلين عن هذه الخُطَب؛ لسمعت منه طرفًا من عيوبها:
فمن عيوبها: هذا التطويل وهذا الإسهاب، حتى لتزيد الخطبة الواحدة - أحيانًا - إلى نصف ساعة، مع أنَّ السنَّة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة، وألا تزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصَّل؛ أي على صفحتين اثنتين فقط.
وهذه خطب الرسول المأثورة، وخطب الصحابة، منها ما هو صفحة واحدة أو أقل من ذلك، ويا ليت دائرة الإفتاء أو الأوقاف تُلزم الخطباء بألا تزيد أطول خطبة يلقونها عن ربع ساعة.
وأنا أخطب في مسجد جامعة دمشق؛ فلا تمرُّ ثُلُث ساعة، أو خمس وعشرون دقيقة على أذان الظهر - حتى تكون قد انتهت الخطبة والصلاة، ذلك لأننا تركنا هذه البدع التي تكون قبل الخطبة؛ فلا نقرأ ما يسمَّى (الصمديَّة)، ولا يجهر المؤذن بهذه الصلوات؛ بل نسمع أذان الظهر فنصلِّي السنَّة، ويصعد الخطيب المنبر فورًا.
وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا خير فيما لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

ومن عيوبها: أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين؛ بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء، وينتقل من موضوع إلى موضوع، فلا يوفِّي موضوعًا منها حقَّه من البحث، فإذا جاء الجمعة الثانية عاد إلى مثل ما كان منه في الجمعة الأولى؛ فتكون الخطب كلها متشابهة متماثلة، وكلها لا ثمرة له، ولا يخرج السامع له بنتيجة عمليَّة، ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد - جلَّ أو دَقَّ، كَبُرَ أو صغر - فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره؛ لكان لخطبته معنى، ولأخذ السامع منها عبرة، وحصَّل منها فائدة.

ومن عيوبها: أن الخطيب - أعني بعض مَنْ يخطب - يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة، فلا يخاطب الناس قَدْرَ عقولهم، ولا يكلِّمهم على مقتضى أحوالهم، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوةً خطوة؛ بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محالٌ.

ومن عيوبها: أنها صارت (كليشات) معيَّنة، ألفاظ تُردَّد وتُعاد، لا سيَّما في الخطبة الثانية، مع أن الخطبة الثانية لا تختلف في أصل السنَّة عن الأولى، وما يلتزمه الخطباء فيها من الصلاة الإبراهيمية، والترضِّي على الخلفاء والتابعين بأسمائهم - لم يلتزمه أحدٌ من السلف.

وخطبة الجمعة عند الحنفية لا يُشترط لصحَّتها إلاَّ أن تكون دينية، وأن يكون فيها تذكيرٌ بالشَّرع، وهذه (الكليشات) كلها ليست من شروط الخطبة.

والدعاء الذي يكون في آخر الخطبة ليس شرطًا، ولا كان السلف يواظبون عليه.

والدعاء مطلوبٌ، وهو مخُّ العبادة وروحها، ولكنَّ الدعاء المطلوب هو الذي يكون عن قلبٍ حاضر، ومراقبة الله، وثقةٍ بالإجابة، فإن كان الدعاء بالمأثور كان أحسن، أما أن يكون الغرض منه إظهار سَعَة الحفظ وبلاغة اللفظ؛ فلا.

والدعاء للسلاطين بأسمائهم بدعة، وقد نصَّ الحنفية على أنه مكروهٌ إن ذُكِرَ السلطان بالتعظيم، فإن قال عنه ما ليس فيه - كما كان بعض الخطباء في مصر يقولون عن فاروق - فكذبٌ وافتراءٌ.

وآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] التي يلتزمها الخطباء في آخر الخطبة، ويظنها العامَّة من شرائط الخطبة - ليست شرطًا فيها، فإن تلاها أو تلا غيرها، أو لم يتل في ختام الخطبة شيئًا - لم يكن عليه شيءٌ.

وكونهما خطبتَيْن والقعود بينهما سنَّة؛ فإن جعلها خطبةً واحدةً – ولو جملاً معدودات – فقالها ونزل - لا شيء عليه عند الحنفية.

ولما ولي عثمان الخلافة؛ صعد المنبر ليخطب أول جمعة فأُرْتِجَ[1] عليه ولم يستطع الكلام؛ فقال: "إنَّ مَنْ كان قبلي كان يُعِدُّ لهذا المقام كلامًا، وأنا إن أَعِشْ فستأتيكم الخطب على وجهها - إن شاء الله"، ونزل! وكانت هذه هي الخطبة ولم يعترض عليها أحدٌ من الصحابة.

ومن عيوبها: هذا التكلُّف في الإلقاء، وهذا التشدُّق في اللفظ، وهذه اللهجة الغريبة، وخير الإلقاء ما كان طبيعيًّا لا تكلُّف فيه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كره المتشدِّقين وذمَّهم.

ومن أعظم عيوب الخطبة في أيامنا: أن الخطيب ينسى أن يقوم مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتكلَّم بلسان الشَّرع، وأنَّ عليه أن يبيِّن حكم الله فقط لا آراءه هو وخطرات ذهنه، ويحرِّض على رضا الله وحده لا على رضا الناس، فلا يتزلَّف إلى أحد، ولا يجعل الخطبة وسيلةً إلى الدنيا، وسببًا للقبول عند أهلها.

ومن عيوبها: أن من الخطباء مَنْ يأتي بأحكام غير محقَّقة ولا مسلَّمة عند أهل العلم، يُفتي بها على المنبر، ويأمر الناس بها، ولو اقتصر على المسائل المتَّفق عليها وأمر بها العامَّة، وترك الخلافيَّات لمجالس العلماء - لكان أحسن.

ومنهم - وهذا كثير - من يأتي بالأحاديث الموضوعة أو الضعيفة المتروكة، مع أنه لا يجوز لأحد أن يُسنِد حديثًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتوثَّق من صحَّته، بأن يصحِّحه أحد المحدِّثين الموثوق بهم؛ كأصحاب الكتب الستة - على اختلاف شروطهم في تصحيح الأحاديث - أو يعتمده فقهاء مذهب من المذاهب الأربعة، ويتفقوا على الأخذ به. ومَنْ أخذ كل حديث يجده في كتاب، أو يسمعه من فم إنسان، فنسبه على المنبر إلى الرسول من غير أن يعرف درجته من الصحة، ومن غير أن يبحث عن مخرجه وراويه - أوشك أن يكون داخلاً تحت حديث: ((مَنْ كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوَّأ مقعده من النار)). فليتنبَّه الخطباء إلى هذا؛ فإنه لمن أهمِّ المهمَّات.

ويا ليت خطيب كل مسجد يُعِدُّ لخطب الشهر برنامجًا يعلقه على باب المسجد، أو يبيِّن للناس على الأقل أن خطبة الجمعة القادمة موضوعها كذا، ومدتها كذا؛ ليكون المصلِّي على بيِّنة من أمره، ويجعل الخطبة الثانية مطلقةً، يتكلم فيها عمَّا يجد بعد إعلان موضوع الخطبة الأولى، أو يجعلها موعظة عمليَّة.

وأن يكون منهج الخطيب: أن يعمل لإصلاح الأفراد أولاً، ثم يتكلم عن إصلاح الأُسَر والبيوت، ثم يبحث في الإصلاح العام، وأن يبدأ بما بدأ به الشَّرع؛ فيصحِّح التوحيد أولاً، ثم يأمر باجتناب المحرَّمات، ويعددها، ويجعل لكل منها خطبةً: من آفات اللسان (كالكذب والغيبة والنميمة)، إلى السرقة، والزنا، والغشّ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور وأمثالها. ثم يأمر بالفرائض، ويجعل لكلٍّ منها خطبةً يبيِّن فيها أحكامها، لا بيان الفقيه الذي يعدِّد الشروط والأركان والسنن والمكروهات؛ بل بيان المُرْشِد الذي يبيِّن الأعمال، ويدل على طريق الإخلاص فيها، فيتكلم عن الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، وما إلى ذلك.

وعلى السامعين أن يعلموا أن سماع الخطبة ليس للبركة فقط؛ بل للاتعاظ بها، والعمل بما يتعلَّمه منها، والعاقل منهم مَن استفاد من صحة القول ولو شكَّ في حال القائل، والحكمة ضالَّةُ المؤمن؛ يأخذها من حيث وجدها.

هذه خواطرٌ في الموضوع، لم أقصد فيه لمَّ جوانبه، وجمع أطرافه، واستيفاء القول فيه؛ لأن الكلام فيه طويل، والمجال قليل، والقصد التنبيه. [1]  أي: انسد عليه باب الكلام، والإرْتاجُ: الإغلاق، ومنه رتاج الباب.    منبع : كتاب فصول اسلاميه /  الشيخ علي الطنطاوي
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۸ ] [ مشاوره مديريت ]
  مفاهيم خاطئة     - هل لابد من تخصُّص وشهادة علميَّة شرعيَّة للقيام بالخطابة والوعظ؟ - لا يشترط كمال الحال في الخطيب والواعظ. - هجر الخطابة والتفريط في الوعظ بزعم خوف الرِّياء! - عليكم أنفسكم ليس معناها ترك الوعظ والتَّذْكير.

- هل لابد من تخصُّص وشهادة علميَّة شرعيَّة للقيام بالخطابة والوعظ؟ اتفقت الأمَّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذهب الجمهور إلى أنه فرض على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإذا لم يقم البعض بذلك أَثِمَ القادرون عليه، وذهب الشاطبي إلى أن الكل يأثم بشيءٍ من التجوُّز؛ وذلك لأن غير القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده مقدرة من نوع آخر، وهي إقامة القادر في هذا الفرض.

ومعنى قيام الفرض: أي حصول المأمور به في عالم الواقع؛ بحيث يصبح المعروف معروفًا والمنكر منكرًا، ومن هنا تدرك لماذا قال الإمام النووي – رحمه الله – عن هذا الفرض أنه ضُيِّعَ عبر أزمان متطاولة؛ بحيث لم يَبْقَ إلا رسمه، وهذا على زمنه هو؛ فكيف بزمننا نحن؟!

فالواجب على الأمة أن تنهض لإقامة هذا الواجب، وإعداد الكفاءات والتخصُّصات اللازمة لذلك، فإذا تخلَّف البعض عن دوره ومهمَّته فإن هذا لا يعفي الآخرين عن القيام لله بحقِّه نصحًا وبيانًا؛ ليحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك أيضًا عن بينة.

ودائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تسع عموم الأمَّة، ويجب الأمر على مَنْ رأى المنكر وعنده المقدرة على تغييره، ولم يقم أحدٌ بذلك؛ فحينئذٍ يلزمه الإنكار لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))[1].

ومن علم مسألةً فهو بها عالم، ولا يشترط تحصيل أدوات الاجتهاد والنظر المباشر في الكتاب والسنَّة؛ إذ يكتفي العالِم بما سيأمر به وينهي عنه؛ بل العالِم إذا جهل مسألةً فليس له أن يتكلم فيها.

فاتضح بذلك أن الأمر مداره على العلم، والعلم يتجزَّأ، وقد كان الناس عبر عصورهم المتطاوِلة يخطبون ويعِظون ويذكِّرون دون تحصيل شهادات علمية أو تخصُّصات شرعية، فالمطلوب هو العلم والإتقان، وإلا لَحَرُمَ الأمر؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

- لا يشترط كمال الحال في الخطيب والواعظ: العدالة ليست شرطًا في الآمِر النَّاهي؛ ولذلك قالوا: "حقًّا على شارِبَي الكؤوس أن يتناصَحا، وإذا لم يتناصَحا فالذنب ذنبان، والإثم إثمان، إثم شرب الخمر، وإثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وما من إنسان إلا تجوز عليه المعصية، وكل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون، أما الأنبياء فهم معصومون فيما يبلِّغونه عن الله - جلَّ وعلا.

وهذا لا يمنع من مجاهدة النفس حتى يتوافق القول مع الفعل والعلم، حتى تكون الدعوة أوقع في النفوس؛ إذ الدعوة بالسلوك أبلغ من الدعوة بالقول، وقد قال تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88]، وقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3]، والذَّم في هذه الآيات إنما يلحق مَنْ تعدَّى حدود الله ولم يعمل بعلمه، وليس فيها ذمٌّ لمَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.

فالإنسان يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا مطلب، والمطلب الثاني: يجب عليه أن يمْتَثِل، وأن يعمل بعلمه، فإذا تخلَّف عن مطلبٍ من هذين المطلبَيْن، فليس له أن يتخلَّف عن المطلب الثاني؛ فيكون قد جرَّ تفريطًا إلى تفريط.

وبالتالي؛ فالبعض الذي يفرِّط في الدعوة إلى الله لكونه يقترف بعض المعاصي والذنوب، أو يفرِّط في بعض الواجبات والسُّنن - يقال له: عليك بالدعوة إلى الله، والمسارعة بالتوبة والاستجابة لأمر الله، وقد كان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: "أخاف أن يُقال لي يوم القيامة: يا عويمر، هل علمت؟ فأقول: نعم؛ فيقال: ماذا عملت فيما علمت؟".
وقالوا: "العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل". وقال أبو الدرداء: "ويلٌ لمَنْ لا يعلم ولا يعمل مرة، وويلٌ لمَنْ يعلم ولا يعمل سبع مرات". وقالوا: "إن الذي يعظ الناس وينسى نفسه كالمصباح؛ يحرق نفسه ويضيء لغيره"!. وقال ابن مسعود: "كونوا للعلم وعاة، ولا تكونوا له رواة"، وقال معاذ: "اعلموا ما شئتم أن تعلموا؛ فلن يأجركم الله حتى تعملوا". وقال سفيان الثوري: "كان العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شُغلوا فُقدوا، فإذا فُقدوا طُلبوا، فإذا طُلبوا هربوا". وقال مالك بن دينار: "إن العالم إذا لم يعمل زلَّت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا"[2].

- هجر الخطابة والتفريط في الوعظ بزعم خوف الرِّياء! الخطبة والوعظ والتذكير طاعات، يُتقرَّب بها لخالق الأرض والسماوات، وهي داخلةٌ ضمن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشأن هذه الطاعات كشأن غيرها؛ لا بدَّ فيها من إخلاص ومتابعة: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ  يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

فلو كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، ولو كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا، والخالص: ما كان ابتغاء وجه الله، والصواب: ما وفق سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

والكل مطالَب بإخلاص العمل لله تعالى ومجاهدة النفس في ذلك؛ قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وفي الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه))[3]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أَخْوَف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء)). يقول الله - عزَّ وجلَّ - يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: ((اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا: هل تجدون عندهم الجزاء؟))[4].

والإخلاص عزيز، وهو يتطلَّب مجاهدة للنفس، وقد كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: "لو أعلم أن الله تقبَّل مني سجدةً؛ لكان فرحي بالموت أشد من فرح الأهل بقدوم الغائب"، وذلك لقوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

وقد روى البخاري عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: "أدركتُ ثلاثين من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف على نفسه النفاق، ما منهم من أحدٍ يقول إن إيمانه مثل إيمان جبرائيل وميكائيل"!.

والنفاق ما أَمِنَه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن؛ فلا بد من تخوُّف الرِّياء على النَّفْس، ولكن ليس السبيل في ترك الخطبة والوعظ والتذكير، وإنما هو في المحافظة على هذه الطاعات، مع مجاهدة النفس في إخلاص العمل لله، وتنقيته من شوائب النفس وحظوظها؛ بحيث يكون الدَّافع هو ابتغاء مرضاة الله، لا استجلاب مدح الناس أو دفع مذمَّتهم، وكان الفُضَيْل بن عِيَاض - رحمه الله - يقول: "العمل من أجل الناس شركٌ، وترك العمل من أجل الناس رياءٌ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما"، وقال البعض: "مَنْ ترك العمل خوفًا من الإخلاص؛ فقد ترك الإخلاص والعمل".

ولك في سيد المخلصين ومَنْ تابعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أسوةٌ حسنةٌ وقدوةٌ طيبةٌ؛ فهل ترك هؤلاء الخطب والدروس وسائر صور الدعوة لمخافتهم الرياء؟! ولك أن تتخيَّل لو اجتمع الناس على التفريط في الدعوة إلى الله بزعم الخوف من الرياء، فماذا يكون الحال والشأن إلا غَلَبَة الشرِّ والفساد، وهلاك البلاد والعباد؛ فأخلص عملك، واستمرّ في دعوتك.

- عليكم أنفسكم ليس معناها ترك الوعظ والتَّذْكير: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، قال القرطبي: "وظاهر هذه الآية يدلُّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا استقام الإنسان، وأنه لا يؤخَذ أحدٌ بذنب غيره، لولا ما ورد من تفسيرها في السنَّة وأقاويل الtn8>[8]     رواه النسائي بإسناد صحيح. [9]     رواه أبو داود والترمذي قال: حديث حسن واللفظ لأبي داود.   نوشته : الشيخ سعيد عبدالعظيم
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۷ ] [ مشاوره مديريت ]
  ابن تيمية واعظًا وخطيبًا     لم يرتقِ الإمام ابن تيمية - رحمه الله - المنبر على الأرْجح، يلقي من خلاله خطبة الجمعة، خلافًا لما ذكره الرحَّالة ابن بطوطة في مذكراته[1].

وإن كان الشَّيخ قد دخل الدَّعوة من جميع جوانبها، وشتَّى مجالاتها، وربَّما لو رقي الشَّيخ المنبر لسطر ذلك من جملة مآثره، وسجّل له في سيرته العطِرة، ولدوِّنت مواعظُه وخطبُه في مصنَّف، وأصبحت زادًا للخطباء في مجال وعظهم وإرشادهم؛ لما يمتلك الشَّيخ من قوَّة الحجَّة ووضوحها، ولما له من الأسلوب البياني الرائع، والعلم الغزير في جَميع الفنون والعلوم، شهِد له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء[2]، ولكان قد أضيفت تلك الخطب والمواعظ إلى تراث الشَّيخ ضِمْن ما ألَّفه وصنَّفه في بيان المنهج الصَّحيح في العقيدة والسلوك، كما نقل إليْنا تلامذته رسائله ومؤلَّفاته، علمًا أنَّ الشَّيخ جلس للوعْظ والتَّدريس وعُمره تسعَ عشرة سنة.

وكانت دروسه ومواعظه موضع اهتمام وإكبار من أهل العلم قاطبة[3]؛ لكثرة ما تضمَّنت دروسه من فوائد ودُرر، وكان - رحمه الله - "يتكلَّم في الجوامع على المنابر - مواعظ لا خطب - بتفْسير القرآن وغيره، من بعد صلاة الجمُعة إلى العصر"[4]، وبحضور جهابِذة من علماء عصْره، والسَّبب في كوْن الشَّيخ لم يلتزِمْ هذا النَّوع من الوعْظ في رأيي يَرجع إلى ما يلي:
1- لَم يتقيَّد الشَّيخ بهذا النَّوع من التَّبليغ والوعظ، رغْم أهميَّته وكونه وسيلةً مؤثِّرة في التوجيه؛ بسبَب ما لقِيه من تضْييق وإيذاء طوال مسيرته العلميَّة، ومن قبل بعض علماء عصرِه، ووزراء دولته؛ ممَّا أدَّى إلى صدور مرسوم المنْع في حقِّه من إلْقاء الدروس والفتيا لعدَّة مرَّات، ممَّا كان يصعب - والحال تلك - من ممارسة وظيفة التَّعليم والتَّوجيه في المسجِد وخارجه، فكيْف من ارتِقاء المنبر وإلقاء الخطب؟! ومع ذلك فالشَّيخ لم يمتنِع من التَّوجيه والتَّربية حتَّى وهو في داخل محبسِه، كما سيأتي توضيحُه.

2- كرَّس الشيخ - رحمه الله - حياته كلَّها في سبيل الدِّفاع عن قضايا الأمَّة، وتحمَّل من أجْل ذلك المتاعب والمصائب، وحمل راية الإصْلاح والتَّوجيه والتَّربية في السلْم والحرْب، والسرَّاء والضرَّاء، ودخل إلى معترك حياة النَّاس الاجتماعية يوجِّه ويعلم، ويربِّي وينقُد ويصحِّح، ممَّا أغْناه ذلك عن الاقتِصار على هذا النَّوع من أنواع القول والتَّبليغ، وهو الخطابة.

3- برز دور الشَّيخ كواعظٍ وخطيب وبقوَّة في مجالات عدَّة؛ لما يمتلِك من أسلوب بياني، وحجَّة قاهرة تُزلزل الباطل وتقهره وتقمعه، وشجاعة نادِرة وقوَّة إيمان عميق، وثقة بالله لا حدودَ لها، أعطتْه الجراءة في مواقف كان الكثير من علماء عصره - على جلالةِ قدرهم وعلوّ كعبِهم - يُحجم عن الإقدام عليها[5]، بل تسبَّبت - تلك الجراءة - في بعْض الأحيان إلى تخلِّي بعض الأصحاب والأحباب عنه، فكان لا يعتدّ ولا يهتم لما يقال ويُشاع عنْه بذلك لقوَّة تمسُّكه بالحق، وثباته عليه، ومن هذه المواقف التي برز فيها الشَّيخ كواعظٍ وخطيب مفوّه ما يلي:
أوَّلاً: مواعظه للملوك:
ومن ذلك تصدِّيه للملك التَّتري قازان، هذا الملك الذي تنخلِع القلوب من أماكنِها عند رؤيتِه، وترتعِد الفرائص خوفًا من بطشِه وجبروته، فكان لمواعظ الشَّيخ التي اتَّسمتْ بقوَّة الحجَّة وأسلوب بياني رائع، وبعبارات قاسيةٍ أحيانًا، لكنَّها صادرة من قلبٍ امتلأ يقينًا وخوفًا من الله، كسَرَ بِموعظتِه وبصوتِه الجهْوري شهوة قازان المادّيَّة الظَّالمة، وكبح جماح هواه، وكان لها أبْلغ الأثر في نصْرة الإسلام وأهله، ودفْع شرور عظيمة عن أمَّة الإسلام، ويذكر البزار: أنَّه لما ظهر الملك التتري على دمشْق قام الشَّيخ من فورِه، وشجَّع المسلمين، وألْهب حماسَهم في خطبة وموعظة لم تكن من فوق أعواد المنبر، بل كان في مُجتمع النَّاس وناديهم، ووعدهم بالنَّصر والظَّفر، وتلا عليهم الآيات والأحاديث المتضمّنة للجهاد، أمَّا هو فانتدب ومَن معه لملاقاة الملِك نفسِه، وما أن رآه حتَّى أوْقع الله في قلْب الملك الهيبة، وأدْناه وأجلسه بجنبِه، يقول الحافظ ابن كثير في تصوير مشهد لقاء الشَّيخ بالملك: "ولقد قال أحد الَّذين شاهدوا اللقاء: كنت حاضرًا مع الشَّيخ، فجعل يحدِّث السُّلْطان بقول الله ورسولِه في العدل، ويرفع صوته ويقرب منْه ... والسلطان مع ذلك مقبلٌ عليْه مصغٍ لما يقول، شاخص إليْه لا يُعْرِض عنه، وإنَّ السلطان من شدَّة ما أوْقع الله في قلبه من الهيْبة، والمحبَّة، سأل: مَن هذا الشَّيخ؟ إنِّي لَم أر مثله ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوْقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتُني أعظم انقيادًا لأحد منه، فأُخْبِر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل".

وممَّا خاطبه به في هذه المقابلة وعن طريق الترجمان: "قُل لقازان: أنت تزعُم أنَّك مسلم، ومعك قاض وإمام، وشيخ ومؤذِّنون على ما بلغنا، وأبوك وجدّك كانا كافرَين، وما عمِلا الَّذي عمِلت؛ عاهدا فوَفَيا، وأنت عاهدت فغدرْت، وقُلتَ فما وفيت، وجُرت، ثمَّ خرج بعد هذا القوْل من عنده معزَّزًا مكرَّمًا"[6].

وكان لتلك الخطبة - لما حوتْه من أسلوب رادع، وحجَّة قوية، ودعاء مؤثر في آخِرِها عليْه - والموعظة المؤثرة التي أوْقعت في قلب قازان الخوف والرهبة - أثرُها في تخليص أسْرى المسلمين من بطْش ذلك الجبَّار العنيد.

ثانيًا: مواعظه لولاة الأمر:
فقدِ اتَّسمت بالرحمة والحكمة؛ لعلم الشيخ بما يجب لولاة أمر المسلمين من الحقوق، والواجبات الشرعيَّة من النصح بالرفق، والتعامُل معهم بالحسنى وفق منهج السَّلف، "وألا يشهِّر بهم علانية، فيتَّخذ من أخطائهم سبيلاً لإثارة الفتن؛ لأنَّ ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدث من الشر والفتنة[7] ما لا يعلمه إلاَّ الله"، ففي رسالة يوجِّهها للسلطان، ينصحُه فيها بإقامة شعائر الإسلام وتنفيذها، يقول: "من أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ووليِّ أمر المؤمنين، نائب رسول الله في أمَّته بإقامة فرْض الدين وسنَّته، أيَّده الله تأييدًا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظَّاهرة ...".

ثم يقول: "وقد استجاب الله الدعاء في السلطان فجعل فيه الخير الَّذي شهدت به قلوب الأمَّة، ما فضَّله به على غيره، والله المسؤول أن يعينَه؛ فإنَّه أفقر خلْق الله إلى معونة الله وتأييده"[8].

تأمَّل ما تحت تلك الكلمات، من اللُّطف في القول، والحرْص على إقامة شرع الله بأسلوب حكيم، ومن تلك المواعظ قولُه لسلطان مصر لما وجده قد دخل القاهرة، وتفرَّق الجند عنْه بعد سماعهم أنَّ السلطان خارج لملاقاة التَّتر، فقال له: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمْنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن.... إلى أن قال: لو قدّر أنَّكم لستم حكَّامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم"[9]، ثم حث الأمراء والسلطان بالخروج بالجيش إلى ملاقاة العدو.

ثالثًا: مواعظه في مجامع النَّاس العامة:
وتشمل مجالات عدَّة من حياة الناس، مثل المحافل الشعبية والمناسبات الاجتماعية والنَّوادي الثقافية، انطلاقًا من قوْل الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((الذي يخالط الناس ...))، فلم يكُن ينتظر ليأتيَ إليه الناس يستفْتونه، ويسألونه فيعِظهم ويوجِّههم، بل كان يخرج بنفسه، وأحيانًا مع بعض الأصحاب وبقوَّة إلى حياة النَّاس الاجتماعية، ينصح ويحثّ، ويوجِّه ويدعو، ويأمُر بالتَّمسُّك بالمنهج السَّليم في كلِّ مناحي الحياة، وبما يناسب المقام، مع سداد الرَّأي، وقوَّة الأسلوب ووضوح الحجَّة، يقول البزار: "كان - رضي الله عنْه - من أشْجع النَّاس وأقواهم قلبًا، ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناءً في جهاد العدوِّ منه، كان يُجاهد في سبيل الله بقلبِه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم"[10].

"وأخبر غير واحد أنَّ الشَّيخ - رضي الله عنْه - كان إذا حضر مع عسْكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم، وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضِهم هلعًا أو رقَّة أو جبانة، شجَّعه، وثبَّته وبشَّره، ووعدَه بالنَّصر والظفر والغنيمة، وبيَّن له فضْل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السَّكينة".

بل كان واعظًا وخطيبًا حتَّى وهو في محبسه، فقد دخل الحبس ووجد المحابيس مشتغِلين بأنواع من اللعب، يلتهون بها عمَّا هم فيه، كالشطْرنج والنرْد ونحو ذلك من تضْييع الصَّلوات، فأنكر الشَّيخ عليهم ذلك أشدَّ الإنكار وأمرهم - من خلال خطبةٍ مؤثرة - بملازمة الصَّلاة، والتوجُّه إلى الله بالأعمال الصَّالحة، والتَّسبيح والاستِغْفار، والدّعاء، وعلَّمهم من السنَّة ما يحتاجون إليْه، ورغَّبهم في أعمال الخير، وحضَّهم على ذلك، حتَّى صار الحبْس بما فيه من الاشتِغال بالعلم والدين خيرًا من الزَّوايا والربُط والخوانق والمدارس"[11].

أي موعظة بليغة تلك التي تجعل من السجن - بالرغْم ممَّا يحيط به من ظروف - خيرًا من المدارس والزَّوايا؟!

وللشَّيخ مواقف عديدة في موعظة النَّاس وتذكيرهم، شملت مجالات عدَّة من حياة النَّاس، لا يسَع البحث لسردِها كلها، وقد تميَّزت تلك المواعظ المؤثرة بجملة ميزات جعلتها القمَّة في التأْثير والقبول، ولنبدأ ببيان صفة وعظِه، وطريقة إرشاده، وبما كان يستفتح دروسه، ثمَّ نتبع ذلك بمميزات الوعظ:
صفة مجالس وعظه:
أفضل مَن نقل إليْنا صفة وعظِه وإرشاده تلامذتُه وأصحابه، يقول البزَّار: "وأمَّا ذكْر دروسه، فقد كنت في حال إقامتي بدمشْق لا أفوِّتُها، وكان لا يهيِّئ شيئًا من العلم ليلقيَه ويُورده، بل يجلس بعد أن يصلِّي ركعتَين، فيحمد الله ويثني عليْه، ويصلِّي على رسوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على صفة مستحْسَنة مستعذبة لم أسمعها من غيره، ثم يَشْرع فيفتح الله عليْه إيراد علوم، وغوامض ولطائف، ودقائق وفنون، ونقول، واستدلالات بآيات وأحاديث، وأقوال العلماء، ونصْر بعضها وتبْيين صحَّته، أو تزييف بعضِها وإيضاح حجَّته، واستشهاد بأشعار العرب، وربَّما ذكر اسم ناظمها، وهو مع ذلك يَجري كما يجري السيل، ويفيض كما يفيض البحْر، ويصير منذ يتكلَّم إلى أن يفرغ كالغائِب عن الحاضرين مغمضًا عينيْه، وذلك كله مع عدم فكر فيه أو رويَّة، من غير تعجرُف ولا توقُّف، ولا لحْن بل فيض إلَهي، حتَّى يبهر كلَّ سامع وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يصمت، وكنت أراه حينئذ كأنَّه قد صار بحضرة مَن يشغله عن غيره، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب، ويُحيِّر الأبصار والعقول، وكان لا يذكُر رسولَ الله قطّ إلا ويصلِّي ويسلِّم عليه، ولا - والله - ما رأيت أحدًا أشدَّ تعظيمًا لرسول الله، ولا أحرص على اتّباعه ونصر ما جاء به منْه، حتَّى إذا كان ورد شيءٌ من حديثه في مسألة ويرى أنَّه لم ينسخْه شيء غيره من حديثِه يعمل به ويَقضي ويُفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا مَن كان، وقال - رضي الله عنه -: "كلّ قائل إنَّما يحتجّ لقولِه لا به إلاَّ الله ورسوله"[12].

أمَّا تواضُعه مع المدعوين، فيقول:
"وكان لا يسأَم ممَّن يستفْتيه، أو يسأله، بل يُقبل عليْه ببشاشة وجْه ولين عريكة، ويقِف معه حتَّى يكون هو الَّذي يفارقه، كبيرًا كان أو صغيرًا، رجُلا أو امرأة، حرًّا أو عبدًا، عالمًا أو عاميًّا، حاضرًا أو باديًا، ولا يجبنه، ولا يحرجه، ولا ينفِّره بكلام يُوحشه، بل يجيبه ويفهمه، ويعرفه الخطأ من الصَّواب بلُطْف وانبساط".

وأمَّا صفة خاتمة دروسه فيقول أيضًا:
"وكان إذا فرغ من درْسه يفتح عينيْه، ويقبل على النَّاس بوجه طلق بشيش، وخلق دمث كأنَّه قد لقِيهم حينئذ، وربَّما اعتذر إلى بعضِهم من التَّقصير في المقال مع ذلك الحال، ولقد كان درْسه الَّذي يورده حينئذٍ قدْر عدَّة كراريس، وهذا الَّذي ذكرته من أحوال درْسه أمر مشهور يوافقُني عليه كلُّ حاضر بها، وهم بِحمْد الله خلق كثير لَم يحصر عددهم، علماء ورؤساء وفضلاء، من القرَّاء والمحدّثين، والفقهاء والأدباء، وغيرهم من عوامّ المسلمين"[13].
أمَّا ما تميَّزت به مواعظه من ميزات ومقوِّمات، فهي:
1- التَّأكيد على معاني العقيدة:
وهو الذي جاهد الشَّيخ طيلة حياته من أجل توضيحها، وغرس معانيها في النفوس، والتَّحذير من وسائل الشرك المضادَّة لها، وشدّ النَّاس إلى غاية عظيمة وهي ابتغاء مرضاة الله، وتقْديم رضاه على رضا المخلوقين، والتطلُّع إلى ما عند الله من النَّعيم، ومن تلك المواعظ المؤثرة أنَّه:
كان مرَّة عند بعض أمراء التَّتر بالمشرِق، وكان له صنم يعبده، قال: فقال لي: هذا الصَّنم يأكُل من هذا الطَّعام كلَّ يوم، ويبقى أثر الأكْلِ في الطَّعام بيِّنًا يُرى فيه، فأنكرتُ ذلك، فقال لي: إنْ كان يأكل أنت تَموت؟ فقلت: نعم.

فأقمتُ عنده إلى نصْف النَّهار ولم يظهر في الطَّعام أثر، فاستعظمَ التَّتريُّ ذلك، وأقسم بأيمان مغلَّظة أنَّه كلَّ يوم يرى فيه أثرَ الأكل لكن اليوم بحضورِك لم يظهر ذلك، فقلتُ لهذا الشَّيخ - تأمَّل موعظة الشَّيخ وأسلوبه في الإقناع -: أنا أبيِّن لك سبب ذلك، ذلك التَّتري كافر مشرك، ولصنمِه شيطان يُغْويه بما يظهرُه من الأثَر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأْييد الله تعالى ما أوْجب انصراف الشَّيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتَّتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتَّتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض، فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا.

وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا: تريد أن نظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن عمِلْتموها بحضور مَن ليس من أهل الشَّأن من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة، أو جمهور المتفقهة والمتفقِّرة والمتصوفة - لم يحسب لكم ذلك، فمن معه ذهَب، فليأتِ به إلى سوق الصَّرف إلى عند الجهابذة الَّذين يعرفون الذَّهَب الخالص من المغشوش من الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهْل بذلك، فقالوا لي: لا نعمل هذا إلاَّ أن تكون همَّتك معنا، فقلت: همَّتي ليست معكم بل أنا معارض لكم مانع لكُم؛ لأنَّكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -  فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا، فانقلبوا صاغرين"[14].

2- اتباع السنَّة في الموعظة:
فقد كان الشَّيخ كثيرًا ما يبدأ بخُطبة الحاجة، ويقتصد في الموعظة، ولا يتحدَّث إلاَّ فيما يعقله النَّاس من مسائل الدين، قال البزار: "وفي يوم الجمعة صلَّى الشَّيخ في جامع الحاكم، وجلس فاجتمع إليه خلْق عظيم، وسأله بعضهم أن يتكلَّم بشيء يسمعونه منه، فلم يُجِبْهم إلى ذلك، بل كان يتبسَّم وينظر يمنة ويسرة، فقال له رجل: قال الله في كتابه الكريم: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، فنهض الشيخ قائمًا، وابتدأ بخُطبة الحاجة - خطبة ابن مسعودٍ، رضي الله عنْه - ثمَّ استعاذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم وقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 1 - 7].

وتكلَّم على تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وفي معنى العِبادة والاستعانة إلى أن أذَّن مؤذِّن العصر"[15].

ويقول أيضًا: "وكان غالبًا لا يقطع إلاَّ ويفهم السَّامعون أنَّه لولا مضيّ الزَّمن المعتاد، لأوْرد أشياءَ أُخَر في معنى ما هو فيه من التَّفسير، لكن يقطع نظرًا في مصالح الحاضرين"[16].

3- الإخلاص والصدق: فكانت مواعظه تصدرُ من قلبٍ صادق، لا يَحول بيْنه وبين المدعوِّين أيّ حائل سوى مخافة الله ومراقبته، وكانت مواعظه تأتي بنتائج إيجابيَّة مؤثرة، بخلاف ما كان يعتقِد أصحابه وأتْباعه من أنَّها سوف تؤدِّي إلى قتله، أو إحداث فتنة كبيرة، ومن ذلك قيام جماعة من الغوْغاء على الشَّيخ بجامع مصر، وضرْبه وقيام أهل الحسينيَّة وغيرهم انتصارًا للشيخ، ثمَّ صفْحه هو عمَّن آذوه، فقد تكلَّم الشَّيخ في تفسير: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وفي المسألة التي كانت الفتنة بسببها، لكن بأسلوبٍ بليغ وواضح، قطَع به الحجَّة، وأزال الشُّبَه، فقال خصومُه بعد سماعهم للموعظة البليغة: "والله لقد كنَّا غالطين في هذا الرَّجُل لقيامنا عليه، والله إنَّ الَّذي يقوله هذا هو الحق، ولو تكلَّم هذا بغير الحقّ لم نمهِلْه إلى أن يسكت، بل كنَّا نبادر إلى قتله"[17].
وهذا السّرُّ في تأثير مواعظ الشَّيخ فيمن يخاطبهم ويدعوهم؛ لصدقه وإخلاصه أوَّلاً، وثانيًا فقد كان لا يكتفي بالخطب والمواعظ الرنَّانة، بل كان يقارن الموعظة بالتَّطبيق، والقول بالعمل والمشاركة الفعَّالة.

4- قوَّة الحجَّة ووضوح البرهان:
وقد تميَّزت مواعظ الشَّيخ ومحاورته - خاصَّة لضعاف البصيرة - بوضوح الحجَّة، وحسن البيان، وضرْب المثل، وسرعة البديهة، مع الرِّفْق في القول، والحرص على الهداية، ومن ذلك:
"لمَّا قدم التَّتار سنة 702 وأحاطوا بدمشق، وعظَهم وذكَّرهم ووعدَهم بالنصر، وكان يتأوَّل قوله تعالى: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60]، وجعل يحلِف بالله الَّذي لا إلهَ إلاَّ هو إنَّكم لمنصورون، فيقول له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله، فيقول: أقولُها تحقيقًا لا تعليقًا، وأفتى النَّاس بالفِطْر إذ كانت هذه وقعة "شقحب" في رمضان"[18]، ومن ذلك لمَّا وقعت الشبهة في كون التَّتر مسلمين، وأنَّه لا يجوز لذلك قتالُهم، فوعظَهم وخطب بهم حيث تردَّد بعض الجند في قتال هؤلاء لأنَّهم يزعمون أنَّهم مسلمون، فأفتاهم ابن تيمية وبيَّن حكم الإسلام فيهم، وأنَّهم من جنس الخوارِج الَّذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية، حتَّى كان يقول لهم: "إذا رأيتُموني وأنا في ذلك الجانب – أي: معهم - وعلى رأْسي المصحف فاقتلوني"، وكان يدور على الجند والأمراء في الميدان فيأكُل أمامهم، ليبيِّن لهم أنَّه مفطِر، ويروي لهم قولَ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في عام الفتْح: ((إنَّكم ملاقو العدوّ غدًا والفطر أقوى لكم))[19].

5- الرفق واللطف بالقول والكلام:
وهذا ديْدنه في الدَّعوة؛ لعلمه أنَّ الرفق ما كان في شيء إلاَّ زانه، وأحيانًا يُغْلِظ في الكلام لمناسبته للحال، ومع بعض الأصحاب ومقصوده نصرة الدين، يقول الشيخ: "وتعلمون أيضًا أنَّ ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان، ما كان يجري بدمشق وممَّا جرى الآن بمصر، فليس ذلك غضاضة ولا نقصًا في حقّ صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغيُّر منَّا ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التَّغليظ والتخشين أرفع قدرًا، وأنبه ذكرًا، وأحب وأعظم، وإنَّما هذه الأمور هي من مصالح المؤْمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإنَّ المؤمن للمؤمن كاليديْن تغسل إحداهُما الأخرى، وقد لا ينقلِع الوسخ إلاَّ بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النَّظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التَّخشين، وتعلمون أنَّا جميعًا متعاوِنون على البرّ والتَّقوى، واجب عليْنا"[20].

6- الوضوح التام الَّذي لا لبس فيها ولا غموض:
فمواعظ الشَّيخ خالية من الألفاظ المعقَّدة، تجمع بين العقل والعاطفة، بعيدًا عن ترَّهات وخزعبلات الصوفيَّة، وتعقيدات الفلاسفة؛ لأنَّ الغرض هو إيصال المعاني المطْلوبة إلى النَّاس ليفهموها، ويطبِّقوها حتَّى يسعدوا في حياتِهم وبعد مماتهم، فكانت تتضمَّن الآيات القرآنيَّة، والاستدلال بالأحاديث الصَّحيحة، ففي القرآن والسنَّة الوعظ التَّامّ والشفاء، والتَّرغيب في الجنَّة ونعيمها، والتَّخويف والتَّرهيب من الشَّرّ وموجباته، وكانت مجالس الوعظ تضمّ من مختلف الشَّرائح من الجند والفلاحين، والصنَّاع، والعمَّال والعُلماء، والمتفقِّهة، والصوفيَّة والمرابطين، يقول البزار: "وكان مجلسه عامًّا للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحرّ والعبد، والذَّكر والأنثى، قد وسع على كلّ مَن يرد عليه من الناس، يرى كلٌّ منهم في نفسِه أن لم يكرم أحدًا بقدره"[21].

والكلّ يفهم ما يتحدَّث به الشيخ، فليس في مجالس الشَّيخ ألغاز أو أسرار، أو باطن أو ظاهر، أو ما هو خاصّ للخاصَّة أو خاصَّة الخاصَّة دون العامَّة، فالشَّيخ يؤمن كمال الإيمان أنَّ الله أتمَّ الدين، وأكمل النعمة، ووضَّح لجميع الخلق الشرع والدين، يقول الشَّيخ - رحمه الله - في ردِّه على من ادَّعى أنَّ في مواعظ ابن عربي سرًّا لا يعلمه إلاَّ الخواصّ: "ومَن قال: إنَّ لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطن حق، وأنَّه من الحقائق التي لا يطّلع عليها إلا خواصّ خواص الخلق - فهو أحد رجلين: إمَّا أن يكون من كبار الزَّنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال؛ فالزنديق يجب قتلُه، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتِقاد الباطل بعد قيام الحجَّة عليه، وجب قتلُه"[22].

الخلاصة: يُستفاد مما تقدم:
أنَّ الشيخ كان واعظًا وخطيبًا، حمل راية الإصلاح والتوجيه، والتَّربية على معاني الإسلام، في شتَّى الميادين، حيث كانت عمليَّة الوعظ عند الشَّيخ تسدّ أكثر الثغرات في المجتمع الإسلامي؛ لما يملك من أسلوب حكيم، وجراءة على قوْل الحقّ، وعلم راسخ، وحجَّة داحضة للشُّبهات، ومهابة في قلوب الخلق، وكانت مواعظُه تعالج معظم الانحرافات التي ابتُلي بها عصره، من بِدَع وخرافات، وأمراض اجتماعيَّة، وقد قام بها كلّها أحسن قيام، لما تمتَّع به من مزايا وصفات، ذكرنا طرفًا منها، ومن هنا نقول: إنَّ عمليَّة الوعظ والخطابة لا تقتصِر على نوع معين كالخُطبة يوم الجمعة - مع أهميَّتها - بل تتَّسع الدائرة لتشمل أنواعًا أخرى لها الدَّور والتأثير الأكبر في الإصلاح والتربية، مثل التَّوجيه والخطابة في الميادين العامَّة الجامعة للنَّاس، والنَّوادي الثقافيَّة، وفي وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة؛ لأنَّ مَن يأتون إلى المسجد هم صِنف معيَّن من شرائح المجتمع المختلفة، وعلى المؤسَّسات والهيْئات المسؤوليَّة في إعداد خطباء ووعَّاظ في تذْكير النَّاس في مختلف مرافق المجتمع، تتوفَّر فيهم الصِّفات المطلوبة من أجْل توعية المجتمع على مبادئ الإسلام وتعاليمه.

والموضوع - مواعظ شيخ الإسلام ابن تيمية ودوْرها في التربية - يحتاج إلى أُطروحة أو رسالة، ووفق خطَّة واضحة المعايير[23]، تتوفَّر فيها كلُّ المتطلَّبات، تتناول الموضوع من جميع جوانبِه، والحديث عمَّا يمكن للدَّاعية أن يستفيد من دُروس وتجارب في مجال عمله؛ لتكون زادًا علميًّا غنيًّا يكون موضع اهتمام الخطيب والواعظ وطلبة العلم؛ للتعرف على منهج الشيخ في وعظه ودروسه للأخذ بها والاستفادة منها ثانيًا، وبالله التوفيق.   وصلَّى الله على عبْدِه ونبيِّه محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.  


ـــــــــــــــــــــــ
[1] زعم الرحالة ابن بطوطة أنَّه شاهد ابن تيمية - رحمه الله - على منبر الجامع بدمشْق يعظ الناس، ويشبّه نزول الله إلى السَّماء الدنيا بنزوله هو من درجة المنبر.
وقد ذكر العلماء أنَّ تلك الرواية لا قيمة لها، ولا وزْنَ في الميزان العلمي والبحْثي، وتناولوا رحلة ابن بطوطة بالتَّحليل والنقد، وتوصَّلوا إلى أنَّ الرواية لا سند لها، بل هي مختَلَقة لأدلَّة لا مَجال لذكرِها هنا، وممَّن فنَّد القصَّة الشَّيخ العلاَّمة أحمد بن حجر آل بو طامي - رحمه الله - في كتابه "نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيّين" ص 42، وفنَّدها قبله علامة العراق نعمان الآلوسي في كتابه "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" للآلوسي ص88، طبع مؤسَّسة الرسالة، ورسالة للمحقّق محمد بهجت البيطار بعنوان "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" تحت عنوان: دفع فرية عن ابن تيمية.
[2] انظر مكانة الشيخ العلمية، وثناء العلماء عليه في "العقود الدرية" لابن عبدالهادي ص6 وص23، وكتاب "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية" للبزار ص18 و19، وانظر "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير 14 /134.
[3] ذكر الحافظ في "البداية والنهاية" من حضر درس الشيخ من العلماء، وعمره إذ ذاك اثنان وعشرون سنة، وكان درسًا هائلاً كتبه الشَّيخ تاج الدين الفزازي بخطِّه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنَه الحاضرون.
انظر من الكتاب 13 /303، والعقود الدرية ص4 وما بعدها.
[4] الأعلام العلية، الفصل الثاني: في بيان غزارة علمه، وممَّن نقل ما تضمَّنته دروس الشَّيخ: العلامة مرْعي الكرمي في "الكواكب الدرية" ص156.
[5] انظر بعض المواقف العصيبة التي كان الشَّيخ يقدم عليْها برباطة جأش دون خوف في "الأعلام العلية" ص45، 46، وما موقفه الجريء من الملك قازان إلاَّ دليل على شجاعتِه، وقوَّة قلبه، انظر "الأعلام العلية" ص71 74، ويذكر البزار أنَّه اجتمع عليْه خلق كثير وتفرَّق عنه النَّاس خوفًا، فقال: إنْ هم إلاَّ كالذّباب، ورفَع كفَّه إلى فيه ونفخ فيه، قال - أحد أصحابه -: وقام وقمنا معه حتى خرجنا، فأتي بحصان فركبه ويختل بذؤابته، فلم أر أحدًا أقوى قلبًا، ولا أشدَّ بأسًا منه، انظر "العقود الدرية" ص285.
[6] انظر تفصيل الحادث في "الأعلام العلية" ص71 - 74، وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" 14 /89 عند ذكر ترجمة الشَّيخ البالسي، قال الحافظ ابن كثير: وقد سمِعْت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد قال له قاضي القضاة ابن صصري: كدت تهلكنا وتهلك نفسك! والله لا نصحبك من هنا، فقال له الشَّيخ: وأنا والله لا أصحبُكم، أمَّا الشَّيخ فما وصل إلى دمشق إلاَّ في نحو ثلاثمائة، وأمَّا مَن رفض صحبتَه فخرج عليهم التتر!
[7] من كتاب "مقاصد الإسلام" للشيخ صالح العثيمين ص393، وكتاب "حقوق الراعي والرعية" للشيخ محمد صالح العثيمين - رحمه الله - وانظر مجموع كلام العلماء في "الدرر السنية" 9 /199.
[8] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 28 /241 - 243.
[9] دار هذا الحوار قبل أحداث موقعة شقحب الشَّهيرة في مواجهة جند التتر، وقد ذكر الحادثة بالتفصيل ابن كثير في "البداية والنهاية" ج17 /735، ومن خلال تحليل موضوعي رائع ذكر ابن عبدالهادي دروس الرسالة والحادثة وما يستفاد منها في 52 صفحة، وقد ربط الإمام الشَّيخ حادثة معركة شقحب بغزوة الأحزاب، وما رافقها وصاحبها من ظروف وملابسات، وتفاصيل دقيقة، انظر "العقود الدرية" من ص120 لغاية ص 175.
[10] الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، ص69 و70.
[11] سجن الشيخ مرَّات عديدة، منها: سجنه في سجْن القضاة في مصر سنة 707، وسجن أيضًا في سجن الإسكندرية سنة 709، وسجن في قلعة دمشق مرَّات كان آخرها سنة 726 هجرية، فكان دخوله للسجْن عبارة عن دخول واعظ مصلح، يرشِد ويعلِّم السُّجَناء، ويجعلهم أداةً للإصْلاح والسلوك الجيّد، على أنَّ بعض مؤلَّفات الشَّيخ سطرت في غيابات السجون، وكانت ترْسَل إليه الفتاوى من الأمصار ليجيبَ عليها، وهو فرح مسرور بما قسم الله له، منشرح الصدر، جنته في صدره، وانظر "العقود الدرية" ص286.
[12] الأعلام العلية، ص13 الفصل الثاني: في غزارة علومه ومؤلَّفاته ومصنفاته.
[13] ينظر في كتاب "الأعلام العلية" الفصل الثاني، ففيه تفصيل عن صفة مجلس الوعظ الذي كان الشَّيخ يلقي دروسه ومواعظه فيه.
[14] مناظرة الشَّيخ للبطحائية أو الرفاعية، وتأمَّل أسلوب الشيخ في الموعظة، حيث تمكَّن من إقناع قوْم من المتعصِّبين المحترقين للتصوُّف؛ لما يمتلك من أسلوب وحجَّة قويَّة، كم نحتاج اليوم من الدُّعاة مَن يمتلكون مثل هذه المقوِّمات في الدَّعوة، وانظر تفاصيل الخبر في "البداية والنهاية" 14 /36.
[15] العقود الدرية ص283 وما بعدها، حيث تبتدئ معاناة الشَّيخ من علماء عصره، وما لفَّقوا عليه من تُهم وأباطيل، جعلتْه ينتقل من سجن لآخر، حتَّى كانت وفاته في سجن القلْعة الشهير صابرًا محتسبًا، رحمه الله تعالى.
[16] الأعلام العلية ص6 وما بعدها، وكانت غالب مواعظِه في تفسير كتاب الله، حتى قيل إنَّه شرع في جمع تفسير لو أتمَّه لبلغ خمسين مجلدًا.
[17] العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ص302، في رابع شهْر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة، والعجيب أنَّ الشَّيخ كان يلتمس لهم المعاذير، وهم مُجتمِعون ومجمعون على قتله!
[18] ابن كثير في "البداية والنهاية" ج17 /735، العقود الدريَّة من ص120 إلى ص175.
[19] المصدر السابق.
[20] العقود الدرية 279 رسالة بعثَ بها الشَّيخ إلى أهلِه وإخوانه في دمشق، تضمَّنت قواعد عظيمة في التعامُل مع المخالفين، وبيان عفو الشيخ وصفحه عمَّن آذوه وظلموه.
[21] الأعلام العلية في بيان ذكْر دروسه ومن كان يحضرها، ص13وما بعدها.
[22] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (2 /378 - 379).
[23] حسب اطلاعي المتواضع لم أر مَن تناول هذا الموضوع الهام في رسالة مستقلَّة، فضلا عن رسالة ماجستير أو دكتوراه، وإنَّما معلومات متناثرة في صفحات الكتب والرسائل.   نوشته : مرشد الحيالي
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۶ ] [ مشاوره مديريت ]
  هيبة المنبر   سمعت بعض الخطباء يقول: "إنني برغم مدتي الطويلة في الخطابة إلا أنني أشعر بتهيّب بالغ له، وباحترام كبير، وأخشى نقد الناقدين، وتعقب المتعقبين" أو كلمة نحوها.
كذا فليكن الاهتمام والاستعظام لأمر المنبر! إنه موضع مَهيب، ومنزل موقَّر، يشحن المتقي الزكي بنفسية الهم والجد والاهتمام، فلا يغدو لمسجده إلا وهو خائف وَجِل، مهتم حريص، مستعد بصير، يخشى الخطأ، ويرتعب التقصير، وبقدر الهم يكبر العزم.
ليس الخوف من المنبر هو نقد الناقدين وتهكم الناقمين فحسب... كلا! بل هو شرفُ هذه المهنة، واستعلاؤها في قلوب المسلمين ومدى جاذبيتها في الأذهان والأبصار {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ}.
إن هيبة منبر الجمعة تكمن في علائه الديني، وسموه الأدبي، وإجلال الناس له، واصطفاء النخبة لأدائه، وكونه مشعل الأسبوع الوضاء، وكلمته المتجددة، وأمانته الناصحة، وموعظته البليغة، التي هي بإذكاء الهم أجدر، وبإيقاد البذل أحكم وأوفر.
وبقدر الجد والهم والاعتبار، تكون فاعلية الخطبة وتأخذ حجمها التأثيري والتوجيهي والتربوي في حياة الناس والمتلقين. إن المساحة واسعة بين خطبة مرقعة هزيلة، وأخرى منظمة محضرة، محكمة، والناس شهود الله في الأرض! من أحسن فله الحسنى، ومن أساء فعليها، وقد عبر عن مستوى عقله، وحدّه، ومدى اهتمامه الشرعي وحسه الإسلامي، وحِراكه الدعوي، فليستكثر أو ليستقل!
أيها الخطيب المقدام، ازرع الهيبة في نفسك من هيبة المنبر، ومحله الرفيع في قلبك، وتذكر أمانته الخطيرة، ومسئوليته الجسيمة، التي تجعلك تتوخى بتوجيهه مكامن الإفادة والإحسان والإتقان، المخضوبة برياحين الإخلاص والرهبة والإخبات، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
  • مواضع الهيبة في المنبر:
  • الإحساس الشرعي بأهميته وعلوه، وأنه من أزكى الطاعات وأعلا المقامات.
  • مخافة الزلل فيه، والتقصير في أدائه، وخشية التغافل عنه. 
  • إجلال الجماهير له، واحترامهم لمرتاديه والمتسنمين ذروته وقامته. 
  • انفصام العمل عن ثرثرة القول، وطول المواعظ الغاصة، والنصائح المتوالية! وهذه زلة شنيعة، ومزلق قبيح. قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]. 
  • صعود الفضلاء له من الأنبياء وأتباعهم من العلماء المصلحين والمؤثرين، وليس كل من اشتهاه ارتقاه! 
  • توالي التبعات بالكلمات المرصوفة، والحجج الدامغة على نفسية الخطيب، لأنه من أكثر الناس نصحاً، ومن أوائلهم باستحقاق التبعة، وإقامة الحجة. قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ   وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ   وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. [البقرة: 44] 
  • الانبهار بمجيديه ومتقنيه، وكثرة ثناء الناس عليهم، مما يخشى فساد النية، والتحول إلى مثوى الغرور والعجب. 
  • كشف المستوى العلمي والفكري لدى الخطيب، حيث إنه يعرض عقله كل جمعة، ويقدم بضاعته كل أسبوع، مما يمكن الناس من معرفة قدراته، والإحاطة بمحاسنه ومساوئه. 
  • محك اختبار المنطق وسيلانه، أو تعقده وانقباضه كما قد حصل لغير واحد، انشلت قدراته الكلامية، وتعطلت مداركه الفكرية.
  • كما قد نقل عن بعض أمراء خُراسان واسمه ثابت قطنه. أنه صعد المنبر فارتج عليه، فنزل وقال: فَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُم خَطِيبًا فَإِنَّنِي        بِسَيْفِي إِذَا جَدَّ الْوَغَى لَخَطِيْبُ فقال له الناس: " لو قلتها على المنبر لكنت أخطب الناس".   نوشته : حمزة بن فايع الفتحي
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۵ ] [ مشاوره مديريت ]
      خطبة الجمعة: الواقع والمأمول   على الرغم منَ التَّطَوُّر المُذْهِل الذي لحق بوسائل الاتِّصال وتكنولوجيا المعلومات، وما نتج عن ذلك من دخول وسائل اتصالات جماهيرية جديدة؛ كالإنترنت، والفضائيات، ومِن قَبْلها الإذاعة، لعبت ولا تزال تلعب دورًا مهمًّا في حياة الناس، وفي تشكيل أفكارهم، والتأثير على سُلُوكيَّاتهم وأفعالهم - إلا أنَّ دورَ المنبر وخطيب الجمعة يظل الأقوى فاعليةً في نفوس الناس، والأقرب إلى قلوبهم ووجدانهم، والأعظم تأثيرًا في المجتمع ربما من جيوش حاشدة؛ وذلك لكونِه وسيلة إعلامية يُقْبل عليها الناسُ أداءً لفريضة دينيَّة، الأمر الذي يُضفي عليها صيغة القَدَاسة، بخلاف أيَّة أداة إعلاميَّة أخرى، مما يجعل المُتَلَقِّي أكثر استعدادًا للقَبُول والاقتناع.

    فإذا كان منَ المستحيل أن تجبرَ أي سلطة - مهما بلغتْ من القوة والجبروت - الناس على قراءة صحيفة، أو مجلة، أو مشاهدة برنامج تلفزيوني ما، فإن جميع فئات المجتمع على تنوعها؛ رجالاً ونساءً، أطفالاً وشبابًا وكهولاً - تجتمع على صلاة الجمعة، كما تلتقي شرائح المجتمع على اختلاف ثقافاتها ومشاربها؛ قادة وسياسيين، وعلماء وأدباء، وأطباء ومهندسين، وكذلك العمَّال والزُّراع، والصناع والتجار، أغنياء وفقراء، جميعهم إلى المنبر، تَشْرئب أنظارُهم، ولكلمات الخطيب تصغي آذانُهم في سكينة ووقار، وقد ملأ الرضا قلوبهم، وتشوقت جوارحهم إلى ما عنده، راغبين طائعين.

    وفي الوقت الذي يتعَيَّن على جموع الحاضرين بعد انقضاء الجمعة الحديث عن فائدة ألَمّوا بها، أو مسألة فقهيَّة تعلَّموها، أو موعظة أثَّرت في نفوسهم، يكون الحديث غالبًا عنْ خطيبهم الذي أطال، متأفِّفينَ ضَجرينَ، في حين يكون الآخرونَ على النقيض متباهين مفتخرينَ َمسرورين؛ لأن خطيبهم حطَّمَ الأرقام القياسية في قِصَر الخطبة.

    وما بين هؤلاءِ وهولاءِ تكمُن المأساة، وتقع اللائمة على كثير منَ الخطباء، الذين لم يدركوا المقاصد الجليلة السامية من خطبة الجُمُعة، ولم يستشعروا عظمة المهمَّة التي أُسندتْ إليهم، فلم يقتدوا بما كان عليه إمام الخطباء، وخاتم الأنبياء والمرسلينَ، نبيُّنا صلوات ربي وسلامه عليه، ومن بعده الخلفاء الراشدون، ومَن تَبِعَهم.

    فنُلاحظ أنَّ كثيرًا منَ الخُطَباء يطيل الخطبة؛ لدرجة أن يملَّها الحاضرون ويسأموها، فتجد الكثير منهم يَتَثَاءبون، وربما ثقلت رؤوسهم، وأدركهم النعاس، وشعروا بالضَّجر تجاه خطيبهم، وانشغلوا بالتذمُّر والتأفُّف والضِّيق عن سماع خطبته، وإطالة الخطبة على هذا النحو مخالف لهدْيه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: ((إِنَّ طول صلاة الرجل، وقصَر خطبته مَئِنَّة – أي: علامة - من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإِنَّ منَ البيان لسحْرًا))؛ رواه مسلم. فالواجبُ على الخُطَباء مراعاة أحوال المأمومينَ على اختلافهم؛ ففيهم الشيخ المُسِن الهرم والمريض، والصغير والضعيف، وصاحب الحاجة، ومن يُطمَع في تأليف قلبه للطاعة والعبادة، وقصرُ الخطبة لا يعني بحال الإخلال بها، فتخرج مفتَقرة للهدف الذي جُعلتْ من أجله، كما يفعل البعض الآخر على النقيض،
    كذلك منَ الأمور التي يجب مراعاتها لدى الخطيب - تنوُّع موضوعات خُطَبِه، وملاءمتها لواقع أمته ومجتمعه، فالخطيبُ الناجح لا بدَّ وأن يكون معايشًا لإخوانه في همومهم، وأفراحهم وأتراحهم، يشاركهم ويوجههم، ويرشدهم ويُذَكِّرهم.

    وممَّا يحزُّ في النفس أن تجد خطيبًا قدِ اجتمع عنده الناس راغبينَ طائعينَ لله، غير مُجْبَرين، ولا راهبين، وهو مع ذلك يوبِّخهم ويحذِّرهم في فظاظةٍ وغلظة، بصوت مرتفع، ونبرة نشاز، وكأنهم قد أساؤوا الأدب معه، أو خالفوه في أمر ما، وهذا الفعل مع ما فيه من مُخَالفةِ هدي الكتاب والسنة، فهو مدعاة للتَّنفير منه، وعدم الاقتناع بما يدعو إليه، وهو أيضًا سبيل العاجز؛ والله - تعالى - يقول : {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 158، 159].

    ما سبق ليس هجومًا على الخطباء، ولا تنقُّصًا منهم؛ بل هو محاولة لرصد الأخطاء وعلاجها، ودعوة للتصدِّي لقلَّة قليلة لا تعي خطورة وعظمة الدور المناط بها.

    وإذا كان مِن عتب ولوْم، فإنه يقع في المقام الأول على كاهِل الجهات المعنيَّة في الدول الإسلامية، مِن وَزَارات الشؤون الإسلامية، ومِن قَبْلها الجامعات، خاصة الكليات المعنية - كليات أصول الدين، والشريعة، وغيرها - التي لم تساهمْ في إعداد الخطيب على الوجه الأمثل، وكيف لها أن تفعلَ، وهي في الغالب لا تضم إلا ضعاف الطلبة، وأقلهم مجموعًا دون تمييز؟!

    ومنَ المعلوم أنَّ الخطابة في الأساس موهبة، فمهما درس الدارس وتعلَّم، فلن نستطيع أن نصنعَ من العَيِيِّ خطيبًا، ولا من معقود اللسان فصيحًا طلقًا، فالكُتُب والمناهج والدراسات إنما هي كالسراج، يضئ في العتمة، ومعلوم أنَّ السراج المنير لا يستفيد منه سوى المبصر، فلا بد أن يكونَ هناك اختيار دقيق وعناية في اختيار الطلاب والراغبين في دراسة العلوم الشرعيَّة؛ سيما الخطابة والوعظ والإرشاد، كذلك يجب أن يكونَ هناك تدريب عملي على الخطابة والوعظ للخطيب وللدارس في الكليات المعنية - أصول الدين، الشريعة، وغيرها - طوال فترات دراسته، مثلما يحدث في نظيراتها منَ الكلِّيات الأخرى؛ كالطب، والهندسة، وفي رأيي أن الخطيب والواعظ والداعية حاجته إلى التدريب وحُسن الإعداد أحوج من غيره، فبكلماته تَتَشَكَّل العقول، وتوقظ القلوب الميتة، وبسببه - بإذن الله - يُبْصر الغافلون، ويرجع التائِهون، وتنهض الأمة.   نوشته : عمر غازي
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۴ ] [ مشاوره مديريت ]
      هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبه   خطب - صلوات الله وسلامه عليه - على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة، وكان قبل اتخاذ المنبر يخطب إلى جذع يستند إليه، ثم صنع له المنبر من طرفاء الغابة، وكان ذا ثلاث درجات.

    وكان إذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتَدَّ غضبه؛ كأنَّهُ مُنذِرُ جيش يقول: ((صبَّحكم ومسَّاكم))، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))؛ ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: ((أمَّا بعد؛ فإنَّ خَيْرَ الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة)).

    وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وأمَّا قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير، فليس معهم فيه سُنَّة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألبتة، وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله، وهو أحد الوجوه الثلاثة للإمام أحمد، وهو اختيار الحافظ ابن تيميَّة - رحمه الله - وكان يخطب قائمًا.

    وكان إذا صعِدَ على المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: ((السلام عليكم))، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك، وكان في خطبته يتشهد بعد الحمد والثناء، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم، وصح عنه أنه قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)) - المقطوعة - وكان يقول بعد الثناء والتَّشهُّد: ((أمَّا بعد))، وكان يَخْتِمُ خُطبَتَهُ بِالاستغفار.

    وكان كثيرًا ما يَخطُب بالقُرآن، وفي صحيح مُسلم عن أمِّ هِشام بنت حارثة قالتْ: "ما أخذْتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقْرَؤُها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس ".

    وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار، والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، وكان يقول في خطبه: ((أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أُمِرْتُم به؛ ولكن سدِّدُوا وأبْشِروا))، وكان يخطب في كلِّ وقْتٍ بِما تقتضيه حاجة المُخاطبين ومصلحتهم.

    وكان إذا عرض له في خُطْبَتِه عارض اشتَغَلَ به، ثم رجع إلى خطبته؛ جاء سليك الغطفاني، وهو يخطُب، فجلس فقال له: ((قم يا سليك فاركع ركعتين، وتجوز فيهما))، ثم قال وهو على المنبر: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّزْ فيهما))، ونَهى المتخطِّي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس، وكان يدعو الرجل في خطبته،  تعال اجلس يا فلان، وكان يأمر الناس بالدنو منه، والإنصات، ويخبرهم أن الرجل إذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغا - عدل عن الصواب - واللغو الساقط من القول، وكل ما لا فائدة فيه، ويقول: ((من لغا فلا خطبة له)).

    وكان يأمر بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها.

    وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده من غير شاوش يصيح بين يديه إذا خرج من حجرته، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعِد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلَّم عليهم، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان فقط، ولم يَقُلْ شيْئًا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فإذا أَخَذَ في الخُطْبَة لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ صوتَهُ بِشَيءٍ ألبتة، لا مؤذن ولا غيره.

    وكان إذا قام ليَخْطُبَ أخذ عصًا فتوكَّأ عَلَيْهَا، وهُوَ على المِنْبَرِ، كذا ذكره عنه أبو داود عنِ ابْنِ شهاب، وكان الخلفاءُ الثلاثة بعدَهُ يَفعلونَ ذلك، وكان أحيانًا يتوكَّأ على قَوْسٍ، ولَم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف ألبتة، وما يظنه بعض الناس أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، فهو جهل قبيح من وجهين: أحدهما: أن المحفوظ أنه - صلى الله عليه وسلم - توكأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي والحجة والبرهان، وأمَّا السيف فلِمَحْقِ أهل الضلال والشرك والقضاء على الفتنة؛ ومدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كان يخطب فيها إنَّما فُتِحَتْ بِالقُرآنِ، ولَم تُفْتَحْ بِالسَّيف.

    وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة.

    وكان يَخطب لِلنِّساء على حِدَةٍ في الأعياد، ويحرضهن على الصدقة.

    وكان يخطب في الجمعة قائمًا ووجهه قِبَل الناس، وكان بعد خطبته الأولى يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب الثانية فإذا فرغ أخذ بلال في الإقامة.

    وكان في العيدين يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي أولاً، ثم يقوم مقابل الناس وهم جلوس على صفوفِهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، وينهاهم، وإن كان يريد أن يقطع جيشًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به.

    ولم يكن هناك منبرٌ يرقى عليه، وإنَّما كان يَخْطُبهم قائمًا على الأرْضِ خارِجَ المدينة.

    وكان يَستسْقِي بِهم إذا قحط المطر في خطبته.

    وكانَتْ خُطَبُه - صلوات الله وسلامه عليه - بيانًا لأصول الإسلام، وأمهات الدين من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وذكر الجنة والنار، ولقاء الله تعالى، وما أعده لأوليائه، وأهل طاعته، وما توعد به أعداءه، وأهل معصيته، فيملأ القلوب بخطبته إيمانًا وتوحيدًا ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي لا تفيد إلا أمورًا مشتركة بين الناس؛ كالنوح على الحياة والتخويف بالموت، فهذا لا يحصل في القلوب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا ولا معرفة خاصَّة، ولا تذكيرًا بآياته، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا سوى أنَّهم يَموتون وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۳ ] [ مشاوره مديريت ]

     

    فن اختيار الوقت في الموعظة

    يُشكِّل اختيارُ الوقت ومناسبته للحال عاملاً مهمًّا في نجاح الواعِظ في دروسه مِن نواحٍ عدَّة، منها:

    1- اختيار الوقت المناسِب للوعْظ والإرشاد، فليس كلُّ وقت يصلح لوعْظ الناس وإرشادهم.

    2- ومِن ناحية الموضوع ومناسبته للحال، فليس كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كلُّ ما يُقال يناسِب الحال.

    3- ومِن ناحية استعداد المدعُوِّين نفسيًّا لسماع ما يُلقَى عليهم مِن دروسٍ ومواعظَ، لا بدَّ مِن مراعاة ذلك، مِن خلال التفرُّس في وجوه مَن يَحضُرون الدرس.

    ولهذا سنبيِّن - أولاً - منهجَ الرسول الداعي الأوَّل - صلَّى الله عليه وسلَّم - في استغلاله لعامِل الوقْت في الدعْوة إلى الله في مناسبات عِدَّة، تتعلَّق بمعاش العِباد، وأمور حياتهم ومعادهم، وما كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتَّبعه مِن أساليبَ في إيصال الحقِّ إلى الناس، ثم نبيِّن ما على الداعي إلى الحقِّ من أساليبَ ناجحة، تُمكِّنه من أن يؤثِّر فيمن يدعوهم ويعلِّمهم، ومِن الله التوفيق والسداد.

    منهج الرسول في اختياره للوقت في الدعوة:

    ويكمن ذلك المنهج السديد في نِقاط عدَّة، منها:

    1- عدم إطالة الموعِظة؛ خشيةَ الملل والسآمة:

    وهو ممَّا كان يحرِص عليه الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: "إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏- صلَّى الله عليه وسلَّم - ‏كانَ ‏يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ؛ كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا"[1]، ولم يكن مِن هديه إعطاءُ دروسٍ في جميع الأيام؛ ذلك لأنَّ دعوته تأخذ أشكالاً مختلفة، تارةً بالقول، وأخْرى بالسلوك والقُدوة الحسنة.

    2- استغلال الحَدَث والموقِف في التعليم والتربية:

    فقد جاء في الحديثِ عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: "خرجْنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهَيْنا إلى القبر، فجلَس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجلسْنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يدِه عُودٌ ينكت به في الأرض، فرفَع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله مِن عذاب القبر..))[2]، والموعظة عندَ القبر كان يفعلُها - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحيانًا.

    وجاء في حديث قدوم تجَّار البحرين، حيث رأى مِن حرْصهم، فاستغلَّ الموقف في توجيه نصيحةٍ تربوية انطوتْ على تحذيرٍ من فِتنة الدنيا، وتبشير للأمَّة بالرخاء المادي، فقال: ((فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسرُّكم، فواللهِ لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسطِت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أَهْلكتهم))[3].

    3- إطالة الموعظة أحيانًا لطارئٍ أو حادثٍ مهم:

    وممَّا يدلُّ على ذلك موعظتُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أمور جِسام ستَقع في الأمَّة، حتى طالتْ موعظتُه فوقَ العادة، ففي صحيح مسلم عن عمرِو بن أخطبَ - رضي الله عنه - أنَّه قال: "صلَّى بنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفجرَ، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاة الظهر، ثم نزَل فصلَّى بنا الظهر، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاةِ العصر، ثم نزَل فصلَّى العصر، ثم صعِد المنبر فخطبَنا حتى المغرب، فما ترَك شيئًا مما يكون إلاَّ أخْبر به أصحابَه، حفِظَه مَن حفِظه، ونسِيَه مَن نسيه، يقول: فأعْلَمُنا أحفَظُنا"[4].

    4- تحيُّن الموعظة عندَ إقبال السامِع وفراغِه ونشاطه، وتَرْكها عند انشغالهم، فهو أدْعَى إلى القَبول:

    ومِن ذلك: أمرُه  - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدعوين بالانصراف إلى أهلِهم؛ لما رأى من تشوُّقهم إليهم؛ فعن أبي سليمان مالكِ بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: "أتَيْنا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن شبَبَةٌ متقاربون، فأقمْنا عندَه عشرين ليلة، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقْنا أهلنا؛ فسَألْنا عمَّن تركْنا من أهلنا، فأخبرْناه، فقال: ((ارْجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم وبرُّوهم، وَصَلُّوا كذا في حين كذا، وصلُّوا كذا في حين كذا؛ فإذا حضرتِ الصلاة فليؤذِّن فيكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم))"[5]

    5- مناسبة المقال لمقتضَى الحال:

    فقد كانت مواعِظُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - واختياره الأمثل لمقتضَى الحال، مما له أبلغُ الأثر في المدعوِّين في حالة الفَرَح أو الحزن وغيرها مِن الأحوال في عامَّة مواعظِه وإرْشاده - صلَّى الله عليه وسلَّم.

    6- توجيه الأنظار للتدبُّر والتفكُّر:

    كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغلُّ عامِل الوقت والزمن؛ لأجْل صرْف العقول للتدبُّر في خلْق الله، وعجائب قدرته، مثْل وقت كسوف الشمس، وخسوف القمر وهبوب الرِّياح، فقد قال عندما وقَع الكسوف: ((إنَّ الشمس والقمر آيتان مِن آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوِّف بها عباده))[6].

    7- أوقات إقبال القلْب على ربِّه أدْعى لقَبول النُّصح والإرشاد، خاصَّة بعد صلاة الفجْر، وفي الحديث عن أبي نَجيح العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظةً بليغة، وجلتْ منها القلوب، وذرفَتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها موعظة مودِّع، فأوصِنا، قال: ((أُوصيكم بتقوى الله، والسَّمْع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، وإنَّه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة))[7]، وكان ذلك بعدَ صلاة الفجْر، وهو وقتٌ تكون فيه النفوس بعيدةً عن الشواغِل والملهيات.

    8- الترغيب في العمل الصالِح في أوقات ومناسَبات معروفة؛ مثل: صيام يوم عاشوراء ورمضان، وشوَّال وذي الحجَّة، وصلاة الاستسقاء، وما يناسِب تلك الحال مِن موعظة وإرشاد.

    9- الحثّ على التوبة في وقْت الاحتضار:

    وهي لحظةُ انتقال الإنسان إلى عالَم جديد، يتقرَّر فيه مصيرُه؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمَرِض، فأتاه يعوده، فقعَد عند رأسه، فقال له: ((أسْلِم))، فنَظَر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم، فأسلَمَ، فخرج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنْقذَه مِن النار))[8].

    لقد حقَّقت دعوة الرسول الكريم انقلابًا عجيبًا في كيان الإنسان، بفضْل ما كان يمتلكه من وسائلَ فعَّالة ناجحة في الدعْوة إلى الله، فقد تحوَّل ذلك الإنسانُ مِن محبٍّ عاشِق للدنيا يموت ويحَيا مِن أجلها، لا يُفكِّر أبعد مِن شهوته وبطنه، إلى إنسانٍ يفكِّر و/SPAN> أحاديثَ صحيحةً تأمُر المسلمين بالتبكير للحضور إلى المسْجد الجامع يومَ الجمعة، كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قَرَّب بقَرةً...، وهكذا حتى ذكَر الكبش والدجاجة والبيضة))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ حَضَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسلمين على التبكير في الرواح يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع ليس هو لسماعِ الدَّرْس وإلْقائه، وإنَّما هو للتفرُّغِ في هذا اليوم لعبادة الله - عزَّ وجلَّ - ولذِكْـره، وتلاوة كتابه، وبخاصَّة منه سورة الكـهف، والجلوس للصـلاة على النبـيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحقيقًا لقوله في الحديث الصحيح، والمروي في السُّنن وغيرها ألاَ وهو قوله - عليه السلام -: ((أكْثِروا عليَّ مِن الصلاة يومَ الجمعة؛ فإنَّ صلاتَكم تبلُغني))، قالوا: كيف ذلك وقد أَرِمْت؟! قال: ((إنَّ الله حَرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء.....)).

    أما بعْدَ الصلاة، فقد قال - رحمه الله تعالى -: "إنْ كان أحدٌ يريد أن يُدرِّس فبعْدَ الصلاة؛ حيث يتفرَّغ الناس لسماع مَن شاء منهم، ومَن شاء القضاء، أمَّا أن ينتصبَ المدرس قبلَ صلاة الجمعة فيَفْرِض نفسه على الناس فرضًا، وفيهم المصلِّي والتالي والذاكر، فهذا هو الإيذاءُ للمؤمنين، فلا يجوز"[10].

    أمثلة على ما مَرَّ:

    الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وعلى الداعي أنْ يتعود تدبر سيرة المصطفى والأحوال والظروف التي مر بها[11]، وهديه في موعظة الناس وإرشادهم؛ ليكون على بصيرة من دعوته.

    ثم الاستفادة من تجارب الآخرين؛ ليضيف إلى رصيده في الدعوة إلى الله، وهذه أمثلة عامة تناسب أحوال عامة:

    1- في بداية شهر رمضان يناسب إلقاء موعظة عن أحكام الشهر الفضيل، وما يَجوز وما ينبغي تجنبه، وفي شهر ذي الحجة ما يتعلق بأحكام الحج وأركانه، والترغيب فيه، وفي ليلة العيد - الأضحى والفطر - ما ينبغي فعله للمسلم من سنن وأعمال صالحة من صِلَةِ رحم وغير ذلك، مع تقديم الدروس مقرونة بالترغيب والترهيب، وفي ليلة الجمعة ما ينبغي على المسلم عمله للحصول على أجر وثواب الجمعة.

    2- يناسب في أيام الأفراح والأعراس التحدُّث عن الترغيب في الزواج، وبيان فضائله، وشكر نعمة الله على نعمة العِفَّة والإحصان، وفضل إدخال السُّرور على قلب المسلم، والصلح بين الإخوان.

    3- في يوم العزاء وفَقْد الأحبة الحث على الصبر، وتحمُّل المصائب، وثواب الصابرين، وما يترتب عليه من أجر وأهمية الإيمان بالقدر والقضاء، وأن الموت يَجري على كل نفس، وبيان عظم الجزاء للصابرين، والحذر من الجزع والتسخط، وأنَّه لا يأتي بنتيجة، بل يستوجب غضب الله ومقته، وبيان أهمية مواساة المسلم في المصيبة.

    4- في وقت حدوث نزاع أو قتال أهمية الصلح بين المسلمين، وأنَّه أفضل درجة من الصيام والقيام، وأن الساعي إليه من أفضل عباد الله، وأن المسلمين إخوة متحابون، وأن الساعي للفتنة من شر عباد الله، وخاصَّة الفتنة بين الزوجين والأحبة، والتفريق بينهما، وأنه من أقرب الناس للشيطان.

    5- في وقت احتلال بلاد الإسلام، وانتهاك دياره وحرماته، وسلب خيراته - الحث على الجهاد - النفس والعدو - وأنَّه عز المسلمين وسبب لنصرهم، وأنَّ التخاذُل يوجب تسلط الأعداء، والواجب على كل مسلم إعانة المجاهدين، ولو بالكلمة، وأن من لم يحدث بالغزو مات ميتة جاهلية، ويتم ذلك وَفْقَ مشورة أهل العلم والرأي الصائب؛ كي تؤتي ثمارها.

    6- في وقت انشغال الناس بالدنيا وملذاتها، وغفلتهم عن معاني الآخرة وأهوالها، والاستعداد لها - التذكير بأحوال الموتى، وما يلاقيه كل من المؤمن والكافر من نعيم أو عذاب في القبر، وربطه بمعاني التوحيد والعقيدة الإسلامية، وما بعد الموت من نعيم مقيم أو عذاب أليم، والحساب على الصغيرة والكبيرة وَفْقَ ميزانٍ دقيق لا يظلم فيه أحد من عباد الله، والاستشهاد الجيد بالآيات، والأحاديث، والتنوع ما بين حديث وآية وشعر، وقول مأثور، وحكمة جليلة.

    7- في وقت وقوع الزلازل والكوارث، ووقوع القتل والفتن، وتكالب الأعداء - الحث على الاعتصام بحبل الله والتوبة، والخروج من المظالم، والتضرع إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ما يقع هو بسبب ذنوب بني آدم وفسادهم، والواجب على كل مسلم التوبة والرُّجوع وعدم التسويف، بل المبادرة والإقلاع عن المعاصي.

    8- في وقت الحاجة والفقر، وانتشار العوز في بلاد الإسلام - الحث على الإنفاق في سبيل الله، وأنَّ المال هو وديعة بيد المسلم، وأنَّ الواجب تقديمُ الدعم المادي لإخوة الإسلام في أيِّ مكان مهما اختلفت أشكالُهم وألوانهم، وكذا في وقت نشر الأفكار الهدَّامة ودعمها من قبل المؤسسات الغربية، وغيرها، الواجب تذكير الأمة بأهمية التصدي للباطل، إما بالكلمة أو بالمال؛ لئلا يستشري الباطل، وتضل الأمة عن الطريق القويم، وأنَّ من لم يقم بواجبه فلا يَلومَنَّ إلا نفسه.

    9- في وقت خروج الفئات الباغية على شرع الله، ومنازعة أولي الأمر، وقيامهم بأعمال تضر بالمجتمع المسلم من قتل للأبرياء، وسَفْكٍ للدماء - الواجب التحذير منهم ومن أفعالهم، وبيان ما يعتقدونه من أفكار باطلة، وأنه الواجب طاعة أولي الأمر؛ لئلا ينفلت وتكون فوضى في بلاد الإسلام؛ مما يوجب العبث، وتسلُّط الكفرة على ديار المسلمين، ومثله التصدي لأفكار من ينتسب إلى الإسلام في الظاهر وهو يُخالفه في الاعتقاد كالرافضة، فالواجب بيان عقائدهم وضلالهم، وأنَّهم يستعملون التقيَّة في نشر الباطل، فالواجب الاعتصام بين المسلمين، والتصدي لترويج باطلهم وإفكهم.

    10- في وقت يرى فيه الداعية أنَّ المسلمين قد هجروا كتاب ربهم، وتدبر آياته، والعمل به - لا بُدَّ من بيان فضل تلاوته، وأنَّه حبل الله المتين، ونجاة المسلم في الدنيا والآخرة، وأنَّه يشفع لقارئه، وأنَّ هجرانه يعني ظلام القلوب والبيوت، والبُعد عن رحمة الله، وبيان فضائله من الآيات والأحاديث، وهذا مِمَّا ينبغي التذكير به في كل مناسبة. 

    جامع ينبغي التذكير به دومًا:

    ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأن نجاة المسلمين وسعادتهم في كل زمان ومكان تكمُن في تحقيق هذين الأمرين، وأي موعظة تخلو من التذكير بهذا الأصل القويم سيكون تأثيرها مؤقتًا، وتصل الموعظة إلى القلوب هامدة ميتة؛ ولهذا ينبغي التذكير بالهدف والغاية التي خلق من أجلها الخلق، ألاَ وهي عبادة الله وحدَه لا شريك له والعمل على مرضاته، وطاعة رسوله الكريم، والتطلع إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان، والسعادة الحَقَّة وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّ الله لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم، وقد أخبر الله أنَّ أهلَ طاعة الله وطاعة الرسول هُم من أهل الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: 72].

    وصَلَّى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ـــــــــــــــ [1] "صحيح البخاري"، (يتخول): يتعاهد، (السآمة): الملل والضجر.

    [2] أخرجه أبو داود وغيره مطوَّلاً ومختصرًا من حديث البراء - رضي الله عنه.

    وللأخ بلقسام عبدالدائم بحثٌ حول الموعظة عند القبر، وقد خلص إلى ما أشرْنا إليه، تجده على موقِع أهل الحديث.

    [3] حديث صحيح أخرجه الشيخان. ‏

    [4] رواه مسلم ح (2892).

    [5] أخرجه البخاري (5661).

    [6] متفق عليه.

    [7] العرباض بن سارية في سنن الترمذي - رقم (2676)، وهو حسن صحيح.

    [8] الحديث رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية للبيهقي: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).

    [9] مدارج السالكين (2/479).

    [10] من كتاب "الأنباء بأخطاء الخطباء" (ص: 60 - 78) بقلم سعود بن ملوح سلطان العنزي، قدَّم له الشيخ سُلَيم بن عيد الهلالي.

    [11] كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم، وكتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية من أفضل الكتب التي تفيد الواعظ، وتجعله مهتديًا مقتديًا بسنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

    نوشته : مرشدالحيالي


    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۲ ] [ مشاوره مديريت ]
        التعبير     وهو تصوير المعاني بالألفاظ، وشأنه في الخطابة عظيم؛ لأنه كساء الكلام به تنال الخطبة رونقها وبهاءها؛ كالثوب يزين لابسه ويكسبه حسنًا وجمالاً، فإذا لم يراع الخطيب حسن التعبير فلا أثر له في إرادة السامع، ولا سلطان له على قلبه؛ بل تبقى عواطفه نائمة لا حراك لها فلا يندفع إلى العمل بما يقصده منه.

    هذا؛ وإن التعبير يدخل في فن الإنشاء، ولما كان المنشئ والخطيب بمنزلة واحدة من حيث توجيه الكلام نحو الغير للإفهام - لم تكن للخطيب حاجة إلى قواعد خاصة لتأدية مراده أكثر مما هو معلوم في فن الإنشاء، وإنا نذكر لك الآن ما يهم الخطيب منه، وهو أمور:
    الأول: التفنُّن وهو أن يأخذ بأنواعٍ منَ الكلام وأفانينَ منَ القول، ويذهب فيه إلى طُرُقٍ شَتَّى، وأساليبَ مُتَنَوِّعة، فيلبس المعنى الواحد عدة أثواب، ويكسو غرضه حللاً مختلفة من الجمل والتراكيب، فيكون قد أتى بشيء يجذب النفوس إلى استماعه، فإنها ميالة إلى حب الجديد، بخلاف ما إذا التزم أسلوبًا واحدًا من الكلام، فإنه بذلك يوقع السامعين في الملل والسآمة، فقد جبل الإنسان على الملال من الاستمرار على شيء واحد، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره، وتجدَّدَ نشاطُه، وتَكامَلَ ذَوْقُه ولذَّتُه، وصار أقربَ إلى فهم معناه والعمل بِمُقتَضَاهُ، وكان كمنِ انْتَقَلَ من بلد إلى بلد، أو من بُستانٍ إلَى بُستان، أو فاكهةٍ لذيذةٍ إلَى أُخْرَى، وفي ذلك ما فيه من ترويح النفس وتنشيطها، قال أبو علي القالي: التفنن موجب لإيقاظ السامع وتحريكه للجد في الإصغاء، فإن تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم، ويستجلب مزيد رغبة فيه من المخاطب.

    والقرآن الكريم أعدل شاهد على التفنن مع متانة الأسلوب، وحسن السياق، وعذوبة الألفاظ، ودقة المعاني وبعدها عن مظنة التكرار، وذلك كما في قصة آدم - عليه السلام - وأكله من الشجرة، وهبوطه من الجنة، وكما في قصة إبراهيم - عليه السلام - مع ضيفه، ومع أبيه وقومه، وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، فإن هذه القصص ذكرت في القرآن الحكيم في عدة مواضع مع تفنن في العبارة مما يظنه الجاهل بأساليب البلاغة تكرارًا وليس به، بل هو غاية في الإبداع ونِهاية في الإعجاز، واعلم أنَّ التَّفنُّن المذكور غيرُ الافتنان الذي هو نوع من أنواع البديع، وهو ارتكابُ فنَّيْن من الكلام في سياق واحد عند ذكر ما يَقْتَضِيهِ كالجمع بين التعزية والتهنئة في قول عبدالله بن همام السلولي حين مات معاوية - رضي الله عنه - وتولَّى الخلافة بعده ابنه يزيد، وقد حار الناس فيما يقولون، أيعزون أم يهنئون؟ فدخل عليه وجمع بين التعزية والتهنئة حيث قال: آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت جسيمًا، ورزقت عظيمًا، فاشكر الله على ما رزقت، واصبر على ما رزئت فقد فُقِد الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلاً ووهبت جليلاً: اصْـبِـرْ يَـزِيـدُ فَـقَــدْ فَـارَقْــتَ ذَا مِـقَــةٍ        وَاشْـكُـرْ حِـبَـاءَ الَّـذِي بِـالـمُـلْـكِ أَصْـفَـاكَ
    لاَ رُزْءَ أَصْـبَــحَ فِــي  الأَقْــوَامِ  نَـعْـلَـمُــهُ        كَـمَـا رُزِئْــتَ وَلاَ عُـقْـبَــى كَـعُـقْـبَــاكَ
    وكالجمع بين الفخر والهجاء في قصيدة السموأل المشهورة، فقد جمع بين الفخر لنفسه وقومه، والهجاء لقبيلتي عامر وسلول في قوله: لَـنَـا جَـبَـلٌ يَـحْـتَـلُّـهُ مَـنْ نُـجِـيــرُهُ        مَـنِـيـعٌ يَـرُدُّ الـطَّـرْفَ وَهْــوَ كَـلِـيــلُ
    رَسَـا أَصْـلُـهُ تَـحْـتَ الـثَّـرَى وَسَـمَـا بِـهِ        إِلَـى الـنَّـجْـمِ فَـرْعٌ لاَ يُـنَــالُ  طَـوِيــلُ
    وَإِنَّـا لَـقَـوْمٌ مَـا نَـرَى الـقَـتْــلَ سُـبَّــةً        إِذَا مَــا رَأَتْـــهُ عَــامِــرٌ  وَسَــلُــولُ
    يُـقَـرِّبُ حُـبُّ الـمَـوْتِ آجَـالَـنَـا لَـنَــا        وَتَـكْـرَهُــهُ آجَـالُـهُــم  فَـتَــطُــولُ

    الثاني: متانة الأسلوب ومما ينبغي رعايته أن يعمد الخطيب بعد استحضار المعاني إلى الألفاظ التي يريد أداءها بها، فيفرغ المعنى في قالب يناسبه، فالمعاني الجزلة لا بد لها من جمل وتراكيب في غاية الضخامة والفخامة، والمعاني الرقيقة المستملحة لا بد لها من ألفاظ تناسبها رقة وسلاسة؛ ليحصل التشاكل بين النوعين، وتكون المعاني مع الألفاظ كالعروس المجلوَّة في الثوب القشيب، والحلي الفاخر، مع إعطاء كل موضوع حقه من شدة العبارة ولينها في النطق ليكون ذلك أدل على المعنى المقصود، كما سيأتي، وأصدق شاهد على ذلك ما تراه في قوارع القـيــعًــا        وَإِلَـــى رَبِّـــكَ  فَــارْغَـــبْ
    وقول الآخر: اعْـبُـدِ الـلَّــهَ وَدَعْ  عَــنْـ        كَ الـتَّـوَانِـي  بِـالـهُـجُـودْ
    وَمِـنَ الـلَّـيْـلِ فَـسَـبِّـحْـهُ        وَإِدْبَـــارَ   الـسُّــجُــودْ

    وقول الحريري في صفة عبد أراد شراءه: "وقد لبس ثوبًا من الجمال وحلة من الكمال، فلما تأملت خلقه القويم، وخلقه الصميم، خلته من ولدان جنة النعيم، وقلت: ما هذا بشرًا، إن هذا إلا ملك كريم" وما إلى ذلك؛ مما لا إفراط فيه، ولا خروج عن الغرض المسوق له.

    ومن الممنوع: قول عبدالله بن طاهر لابن السري حين ملك مصر، وقد ردَّ رسوله وهديَّتَهُ إليه: لو قَبِلْتُ هديَّتَكَ نَهارًا لقبِلْتُها ليلاً، بل أنتم بهديتكم تفرحون، وقال لرسوله: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}[4].

    وكقول رجلٍ لآخر جاء في وقت حاجته إليه: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى}[5]، وكقول الحجاج لمن في سجنه، وقد طلبوا الإفراج عنهم، والرحمة بهم: {اخْسَؤوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[6]، وعلة المنع ما فيه من صرف كلام الله تعالى عن وجهه، وإخراجه عن المعنى الذي سيق لأجله، ولما فيه من الإخلال بإجلال كلام الله وتعظيمه.

    هذا؛ والتضمين لا غنى للخطابة عنه، لكن على الخطيب أن يكون فيه حكيمًا يضع كل شيء في محله، والله الهادي إلى سواء السبيل.
    الرابع: الأداء الخطابي تمهيد قال الفلاسفة: النفس شَيْءٌ واحد، وإن تعدَّد ما يصدر عنها، وأقلُّ قُواها الإدراك الحسي، ولا يتعدَّى صفة الشيء إلى جوهره، وفوقه قوة الحس المشترك، وهي التي تجمع الإدراكات من الحواسِّ، وتقرن بعضها ببعض، وفوقه قوة الخيال، وبِها تَجتمع صور الأشياء من غير شعور بأنَّها من إدراكات حِسِّيَّة سابقة، وأعلى منها القوة التي تحفظ الصور مدركة لها من إدراكات حسية ماضية وتعرف بالحافظة، ويَليها قوة خامسة هي الذاكرة، تستطيع أن تحضر ما في الحافظة من صورٍ أمامَ العقل باختيارها، وفوقها العقل وتعرف قدرته على التفكير قبل الفعل بالعقل القابل، فإن فكر بالفعل سمي عقلاً فاعلاً.

    والأداء الخطابِي هو إلقاء الخطبة بما يليق بها من حسن اللفظ وموافقة الصوت وحركات الجسم، وشأنه في الخطابة عظيم؛ لأنه بحسن الأداء ينقل إلى نفس السامع مشاعره ويحرك أهواءه ويجذبه إلى حيث يقصد من الغاية، وبحسن الأداء يجعل للخطابة فضلاً على قراءتها في صحيفة، فكم من خطبة يحسن الرجل إلقاءها فيجد الناس في سماعها من الارتياح وهزة الطرب فوق ما يجدون عندما يقرؤونها في صحيفة، أو يستمعون إلى مَن يَسردها عليهم سردًا متشابِهًا، فالخطبة دون جودة الأداء شجرةٌ غير مثمرة، وجسم لا روح فيه، ولا بد في الأداء من أشياء، الذاكرة وحسن اللفظ، والصوت، والإشارة؛ لأن جودة الأداء تستدعي أن يتذكر الخطيب للحال ما يريد بيانه من المعاني، وأن يوصلها إلى السامعين بالصوت الخاص ناطقًا بها، ولا غنى له معهما عن إشارات تؤيد الكلام، وتزيد المعاني وضوحًا، وبذلك يصل إلى المقصود من قلوب الحاضرين.

    فالذَّاكرة قُوَّة يُقتدر بِها على استحضار المعاني، والحافظة قوَّة بِها تتمكَّنُ النَّفْسُ من حفظ المعانِي التي يدركها العقل، وليس للخطيب غِنًى عن هذه القوة، وما أحوجه إلى ذاكرة سريعة؛ لأن الخطب عادة تلقى عن ظهر القلب، فإن خانته ذاكرته تلعثم واضطرب، أو أدركه الحصر فسقط من عيون السامعين، وإن ارتجل الخطبة وجب عليه بقدر الإمكان أن يحكم معناها ويرتِّب أقسامها؛ ليأمَنَ من الاضطراب والتكرار ويسلم من الخروج عن الموضوع وتنال الخطبة رونقها وبَهاءها، وينتفع بِها السَّامعون، وهذا لا يتيسَّر إلا بقوة الذاكرة، وأقرب وسيلة إلى تقويتها الممارسة بأن يستظهر الخطيب طرفا من نظم القدماء، وملحًا من أقوال البلغاء، ويجهد ذاكرته في حفظها ومراجعتها، والتمرين على تأديتها بصوت عال دون عي، ولا لكنة، ولا تمتمة، مع التأني والتؤدة، فإنَّ الذاكرة مثل الحمَّال يقوى بالتمرين على حمل الأثقال، وترتيب أقسام الخطبة فإن المعاني الحسنة التنسيق يدعو بعضها بعضًا؛ كسلسلة متصلة الحلقات، وإن صعب عليه ذلك في أوَّل أمره فقريبًا يصير سهلاً بالتعود والتدريب، ففي الحكم المأثورة: من وقف حيث يكره وقف حيث يحب.

    وللصوت في الخطابة التأثير الأكبر، لأنه المترجم عن مقاصد الخطيب، والكاشف عن أغراضه لمصاحبته للألفاظ؛ كالشارح لما أريد بها مما لا تستقل بالكشف عنه، ولأنه الطريق إلى قلب السامع والممثل لصورة المعاني أمامه.

    وطبقة الصوت واللفظ وهيئة الوجه وحركات الجسم كلها تتضافر على بيان ما في النفس، وتصوير ما بالخاطر، فعلى الخطيب أن يراعي من جهة الصوت حسن اللفظ واعتدال الصوت والتفنن فيه، والمراد بحسن اللفظ أن يُعْطِي كل حرف حقَّه من الوضع المتعارف بين الأدباء، ويخرجه من مخارجه الطبيعية مع اجتناب لهجة العامة المُبْتَذَلة، والمُحافظة على الإعراب والبناء، فإنَّ التزامَ اللُّغة العربيَّة الفُصحى في الخطابة ألذُّ على الأسْماع، وأشهى للنفوس، وأقرب إلى فهْمِ السَّامعين من أي طبقة كانوا، متى كان الخطيب فصيح اللسان حسن البيان يعبر عما في نفسه بعبارة بليغة بعيدة عن اللبس والخفاء، ولا بأس إن تكلم بين الدهماء أن يتقرب منهم ويخاطبهم بلغتهم دون ركة ووحشية إذا اقتضى الحال ذلك.

    واعتدال الصوت موافقته للأحوال والظروف، فإنه يختلف باختلاف الحضور والمكان فيحتاج المكان الرحب مع وفرة السامعين إلى صوت أدق وأجهر.

    والتفنن فيه: أن يجعله طبق المعاني التي يصورها بالألفاظ ويمثلها بالصوت بأن يعطي ألفاظ الاستفهام والتعجب، والتوبيخ واللوم، والتقريع والزجر، والتفخيم والتهويل، والتحزن والندم، والحيرة والوعد والوعيد، وما إلى ذلك حقها في النطق، فيكيف الصوت فيها بكيفيات خاصة وانفعالات تتناسب مع المعنى الذي يقصد، حتى يثير ذلك في نفس السامع الرغبة والرهبة والانزعاج والندم، ويحدث فيها هزة الفرح والارتياح والنشاط تبعًا لسير المعنى الذي يتكلم فيه، وأن يخفض صوته في موضع الخفض واللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتأفف في موضع التأفف، ويَتَطَامَنُ في موضع التطامن؛ كالدعاء والاستعطاف، والاسترحام واستنداء الأكف عند جمع المال للأعمال النافعة أو الإنفاق على بيوتات مَجد أخنَى عليها الدهر، وما إلى ذلك، وأن يشمخ بأنفه ويُظْهِرَ العِزَّة وعلو النفس في مواضع الفخر والحماسة، وذكر شرف العلم والتقوى، وأن يتأثر حتى يظهر أثر الانفعال المعتدل في صوته وإشارته، وملامح وجهه عند ذكر حادثة مؤلمة أو حكاية خطب فظيع، أو ندم على فوات مطلب عزيز، بحيث تكون لهجته في جميع ذلك لهجة خطابة لا لهجة تِلاوة، يُسرد فيها الكلام سردًا، أو لهجة ترنُّمية تخرجها عن المألوف إلى نوع من الأغاني.

    وعلى الجملة ينبغي للخطيب أن يعطي الموضع حقه من: 1 - حسن العبارة. 2 - وقربها من الأفهام. 3 - وجودة الإلقاء والتشخيص لمقامات الخطابة، حتى يبكي أو يتباكى عندما تدعو إلى ذلك حاجة، مراعيًا ما يناسب الخطب الدينية وغيره من غير أن يظهر عليه أثر التصنع أو التكلف، وإلا سقط من العيون وانصرفت عنه الأسماع، وظل موضع النقد والسخرية، كما يلزم أن يتجنب التزام السجع البارد الممقوت، والجناس المتكلف، وعليه أن يرسل الكلام إرسالاً من غير تقعر ولا تكلف، فإن أتَى السَّجع أو الجناس عفوًا قارًّا في موضعه غير نادٍّ عن الذوق، ولم تظهر عليه مسحة التكلف فذاك، وإلا أساءَ حيث أراد الإحسان.

    أمَّا الإشارة الخطابية: فهي حركات تبدو من جسم الخطيب ووجهه ورأسه وجوارحه من شأنِها تأييدُ الكلام الذي يتفوَّه به، وحسنها من تمام حسن البيان باللسان، وأفضل الإشارات الطبيعية اللطيفة المتوسطة بين غِلْظَةِ العامَّة ومُبالغة المتصنِّعين، ولها في الخطابة شأن عظيم؛ لأنَّها تشارك النطق في نقل الفكر وانفعالات الخطيب، متَّخذة البصر لها سبيلاً فهي اللغة العمومية التي يفهمها كل إنسان، وما يحدثه من التأثير لا تأتي بمثله لغات العالم، ولا يكاد صاحب حديث يستغني عنها، قال تمام بن أشرس: لو كان ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر بن يحيى عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة، فهي ضرورية للخطيب، وبها يحرك الانتباه ويصل إلى ما ينبغي من التأثير، والصوت وحده لا يكفي للإفادة والإقناع والتعبير عن معاني اللذة والألم والغضب والرضا، واليأس والرجاء، والاحتقار والتوقير، وما إلى ذلك ما لم تساعده حركات اليد، وملامح الوجه وبريق العينين وإشارة الطرف والحاجب.

    ففي الكلام العادي المعتدل كالوصف يجب الإقلال من الحركة، أما في الحماسة وغيرها من مثيرات العواطف، فالحركة الكبيرة الواسعة لازمة.

    أما الوقفة الموافقة للخطابة: فهي الطبيعية أيضًا دون توتر في الجسم ولا تخنث، بحيث يبعد الخطيب فيها عن عظمة المتجبر، واضطراب الطائش الأرعن، ويحسن بالرأس أن يحيد عن الانتصاب الزائد، والانحناء المفرط، وبالوجه والنظر أن يكون كمرآة للنفس في بيان عواطفها، وباليدين أن لا ترخيا مهملتين، ولا تمدا بإفراط أو تلصقا بالصدر، وإن تحركت اليمنى فلا بد أن تشير بإشارات أنيقة حسنة الدلالة موافقة للمعنى وسابقة عليه سريعة في أولها كلما كان الكلام حادًّا ملتهبًا.

    وصفوة القول: يجب على الخطيب أن يكون في وقوفه بعيدًا عن التكلف، والخروج عن المألوف في إشاراته وإلقائه، مُحافظًا ما أمكن على صوته الطبيعي، غير مقلد لغيره من الخطباء والوعاظ والممثلين مُجتنبًا التزام نبرة واحدة، وحركة واحدة، لئلاَّ يكون كالتلميذ في تلاوة درسه لا الخطيب في فَيضِ بَلاغَتِه، بعيدًا عن الإكثار من الإشارة، أو الإتيان بحركات مستهجنة، وعن التَّنَحْنُح والسُّعال وكل ما يدل على الضعف أو يورث الملل جاعلاً من تأثر نفسه في صوته وحركاته ليخلع على كلامه لباس الحياة، هذا؛ وإنَّ الارتياض مع مراقبة الخطباء البلغاء، وحسن الذوق أحسن معلم لهذا الفن.

    ومن آداب الأداء أن يتمهَّل قليلاً بعد الوقوف وقبل التكلم؛ ليتم له الإصغاء ويوجه إليه أنظار السامعين، ولا سيما إذا كان صعوده إلى المنبر بعد نزول خطيب آخر عنه، فإن هذا التريث يساعد على لفت نظرهم، وجمع انتباههم بعد أن يتباعد عنهم صوت الخطيب السابق، ويذهب صداه من آذانهم فيكون للكلام الجديد أثره في القلوب، وأن يفتح الخطبة بصوت متوسط لا خافت ولا جهير، إلى أن تدعوه الحالة إلى الجهر شيئًا فشيئًا.

    واعلم: أن أحسن الكلام ما كان قليله يغني عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله عز وجل قد كساه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفًا واللفظ بليغًا وكان صحيح الطبع بعيدًا من الاستكراه والاختلال، مصونًا عن التكلف صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمهما عقول الجهلة، وقد قال عامر بن عبدالقيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وبالله تعالى التوفيق.
    [1]   سورة الزمر: 68 – 72. [2]   سورة الزمر: 73 – 75. [3]   سورة براءة: 43. [4]   سورة النمل الآية: 37. [5]   سورة طه الآية: 40 [6]   سورة المؤمنون الآية: 108.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۱ ] [ مشاوره مديريت ]
      حال الخطب اليوم وما يجب أن تكون عليه   إذا تتبَّعْتَ تاريخ الإسلام بعد القرون المشهود لها بالخير؛ تَجِدُ الخُطب الدينية في كل دولة قد تَراجَعَتْ إلى الوراء، حتَّى صارتْ إلى ما هي عليْهِ الآنَ من التأخُّر والانْحِطاط، فإنَّها لَمَّا كانت بيد الملوك؛ كان أكبر همِّهم حثُّ الناس على السمع والطاعة لهم، والاستنهاض إلى مُحاربة الأعداء بحقٍّ أو بغير حق، وقلَّ مَنْ ينظُر منهم في أحوال الناس وأمراضهم النفسية، فيعظهم من ناحيتها، ولَمَّا تَركها المُلوكُ والأمراءُ لترفُّعهم أو لغيره، ووكلوا أمرها إلى أئِمَّة المساجد، ساروا فيها على أهواء الملوك والأمراء - إلا من رحِمَ الله - حتَّى سقطت في تلك المَهْواة، ووَقَعَتْ في أَيْدِي مَن لا يُجِيدها، ما عدا القليل من الخُطباء الذين لم يَبْلُغوا بِها درجتَها اللاَّئِقَة بِها، ولم يكونوا كافين لقِلَّتِهم في دَعْوَةِ النَّاس إلى الله، وإرشادهم إلى الحق.

    وأصبحت الخطب اليوم عبارة عن كلماتٍ تُحْفَظُ وتُلْقَى، ومعظَمُها يَدورُ حولَ الدنيا وذمِّها والتَّزْهِيدِ فيها، والأمر بِالمَعروف والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَر، بِعباراتٍ مُجملةٍ لا تُغْنِي من أمراض النفوس شيئًا، ولا تَصِلُ إلى أعماق القلوب، وبعضها يَخْلِطُ الأوامِرَ بالنَّواهِي، ويجمع بيْنَ أمورٍ كثيرةٍ لا يستوفي الكلام على واحدٍ مِنْها، فيحذر مِنْ تَرْكِ الصلاة، وشُرْبِ الخُمور، والزنا، والربا، وما إلى ذلك من المنْكَرات، كل ذلك في خطبة واحدة، وما يسمعه الناس من الخطيب اليوم يسمعونه غدًا، وما يلقى في هذا العام يدور في العام القابل، مع أنَّ الواجِبَ - كما عَرَفْتَ - مُراعاة الخطيب لمُقْتَضَى الحال، وإصلاح السامعين على قدر ما فيهم من الشَّرِّ والفساد، لا فَرْقَ بيْنَ مُتَعَلِّم وجاهل، وكبير وصغير، وأمير ومأمور، شأن الهداية بالقرآن وشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين.

    وحيث كان الغرض من الخطابة الدينية دعوة الناس إلى الهدى ودين الحق، وإحياء الفضيلة، وإماتة الرذيلة، وإصلاح فساد قلوبهم، وتطهيرهم من الأمراض النفسية والاجتماعية - تعلم أن الخطب المجملة لا تفيد الجمهور شيئًا؛ لأنَّها لم تَلْمَس مواضعَ الداء، ولم تَهْتَدِ إلى الدَّواء.

    فمَثَلُ مَن يقول: إنَّ المعاصِيَ تُزِيلُ النِّعم، وإنَّ التَّعلُّق بالدُّنيا مُبْعِدٌ من الله تعالى، وقدِ استَحَقَّ النَّاسُ العذابَ لِظُهورِ الفسادِ في البَرِّ والبَحْرِ، ولوِ اسْتَقَمْنا ما انتقمنا، ما للمساجد خرِبَتْ، وبيوت اللَّهْوِ والفسوق عمرت، ما للقلوب قست، ما للعيون لا تبكي، ما للقلوب لا تتألم، قد انتهكتم الحُرُمات، وتعدَّيْتُم الحُدُودَ، وأغضبْتُمُ الجبَّار، فإنَّا لصلوات الله وسلامه عليه.

    وإذا تكلَّم على وفاته؛ فلا يذكرها مُجَرَّدةً عن بيان ما فيها من العبر؛ وإنما يتكلم عمَّا لاقاه من الشدائد في مرض الموت وسكراته مع الصبر والرضا، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان قد لقي مثل تلك الأهوال وهو المغفور له والمعصوم؛ فكيف بنا ونحن المذنبون، ولا ندري ما يُفعَل بنا؟!

    ثم ينبِّه العقول إلى الاحتفاظ بسيرته، وتعظيمه، ومحبته، والعمل على إحياء سنته، وإطعام الطعام شكرًا لله على نعمة وجوده العظمى، ويحثُّ الناس على إكثار الصلاة والسلام عليه؛ لتكون قلوبهم دائمًا معمورةً بمحبَّته - صلوات الله وسلامه عليه - ويبيِّن لهم أن المحبة دائمًا تقتضي الجري على ما يهوى المحبوب، وأن العاصي كاذبٌ في دعواه حبَّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويبيِّن أيضًا حقَّه على أمَّته، وأن هذا الخير العظيم، وتلك السعادة التي فيها العالم - كانت كلُّها على يديه - صلى الله عليه وسلم - ولذلك شُرِعَتْ الصلاة والسلام عليه؛ قيامًا له ببعض حقِّه على الناس.

    وهكذا يتكلم في كل وقت بما يناسبه مراعيًا حال السامعين، وأمراضهم، واستعدادهم.

    ويتكلَّم على القرآن الكريم؛ مبيِّنًا شيئًا من فضائله، وما يجب على التالي والسامع له، وأن القارئ إنما يتكلَّم بكلام الله كنائبٍ عنه في إسماع الناس ما شُرِعَ لهم فيه، وأنَّ مَنْ أعرض عن القارئ فقد أعرض عن الله، وأن من أَخَلَّ بالأدب عند سماعه فقد أَخَلَّ بالأدب بين يَدَيْ ملك الملوك، ويضرب لذلك الأمثال، ويذكر للناس إجمالاً ما في القرآن من المقاصد وأنواع الهداية، التي تكفل لمَنْ سلكها وتحلَّى بها سعادة الدين والدنيا، وأن تلاوته عبادة، وسماعه عبادة، عندها تتنزَّل الرحمات، وأنَّ الخُضُوعَ عند سَماعه والتأثُّر به خُضوعٌ لله ولجلاله، وآية الفلاح والهداية.

    وعلى الجملة؛ يحضُّ النَّاس على احترام مجلس القرآن، ويحذِّرهم من انتهاك حرمته بالتَّغنِّي به أو الإعراض عنه، ثم يلفت الناس إلى تعلُّمه وتدبُّره؛ لتتَّسع عقولهم وتستنير بصائرهم، ويحثُّ المسلمين على المحافظة عليه بحفظ طائفة كثيرة من أبنائهم له في كل عصر؛ محافظةً على ينبوع المِلَّة وأساس السَّعادة في العاجِل والآجِل.

    وقد علمتَ أن منهلك الصافي في هذا كله كتاب الله تعالى، وكتب السنَّة الصحيحة، لا سيَّما كتاب الإيمان والعلم والمغازى وفضائل القرآن، وشمائله - صلى الله عليه وسلم - وكتب حكمة التَّشريع، وإياك أن تذكر شيئًا من الآثار التي لم تثبت صحَّتها في مثل هذه المقامات، وإلا كنتَ هدفًا للطَّعن عليك في معلوماتك، والشكِّ في طريقك، وما أغناكَ عن هذا!!

    وصفوة القول: إنَّ أفْضَلَ الخطب الدينيَّة ما كان مُطابِقًا لِمُقْتَضَى الحال، ملائمًا لما تدعو إليه حاجة السامعين، وإنَّ مَنْ أَحَبَّ أن يكون نصحُه نافعًا وإرشاده مفيدًا؛ فلينظر إلى المنكرات الفاشية في الناس، والأمراض النفسيَّة المُنْتَشِرة فيهم، والحوادث الحاضرة الحديثة العهد بينهم، وليجعل شيئًا منها على حِدَّة موضوع خطابَتِه، ثُمَّ يُحْصِي ما في ذلك من الأضرار المالية والبدنية والخُلُقية والاجتماعية، ويعدُّها واحدًا واحدًا في ذهنه، ويدوِّنها بقلمه، ثم يستحضِر ما جاء في الموضوع من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة وآثار السلف وأقوال الحكماء، مجيدًا فَهْم ذلك، شارحًا منه ما تمسُّ الحاجة إلى شرحه، ثم يشرع في تدوين الخطبة إذا أراد ذلك مضمِّنًا لها أثار هذا المنكر، وما جاء فيه عن الشريعة الغرَّاء، مراعيًا في أسلوب الخطبة ما يلائم عقول السامعين.

    هذا إذا اقتضى الحال الترهيب من سيئة، أو التنفير من نقيصة، وإذا دعت الحاجة إلى الترغيب في نوعٍ من أنواع البرِّ، أو التحلي بفضيلة - فليجعل ما مَسَّت الحاجة إليه من أنواع الخير أو الفضائل موضوعَ الخطبة على حدةٍ، ثم يُفَكِّرُ في مزاياه ومنافعه العامَّة ويُحْصِيها عددًا، ثم يستحضر ما يلائم الموضوع من الكتاب والسنَّة، وما إلى ذلك من كلِّ ما يؤيِّده ويؤثر في نفوس السامعين من الدلائل الشرعية والعقلية والحسية، ثم إذا فرغ من تدوين الخطبة؛ فإن شاء استظهرها عن قلبه وألقاها، وإن شاء تكلَّم على مضمونها بما لا يخرج عنه إلا بمقدار ما يَعِنُّ له حالة الأداء ممَّا يَزِيدُ الموضوع بيانًا وجمالاً، والأحْسَنُ بِالمُرْشِد والخطيب الاجتماعي ألا يتقيَّد بعبارة خاصة؛ بل الأَلْيَق به بعد استحضار المعاني أن يؤدِّيَها بما يستطيع من العبارات والأساليب، وإذا اختار عدم تدوين الموضوع، واكتفى باستحضاره في ذهنه بعد التفكير فيه، ولم تَخُنْهُ ذاكرتَه عند الأداء - فذلك غاية الحسن ومنتهى الكمال.

    وقَدْ جَرَت العادة بالتزام صورةٍ واحدة في الخطبة الثانية للجمعة؛ سَمَّوْها (خطبة النعت)، وتلك عادة غَيْرُ معروفةٍ عن السلف الصالح؛ فهي مُحْدَثَة وغير لائقة بهذا الموقف العظيم الأسبوعي؛ بل اللائق به العناية بالخُطْبَة الثانية كالأولى، وباب الإرشاد واسعٌ وميدانه فسيح، وللناس حاجة إلى الإصلاح من وجوهٍ كثيرة، وفي الشرع الشريف أغذيةٌ للعامَّة وأدويةٌ للخاصَّة، فلا يصعب على الخطيب أن يستحضر للخطبة الثانية كل أسبوع من الآيات والأحاديث أو الآثار أو الحكم البليغة ما يناسب موضوع الخطبة؛ كما ترى هذا جليًّا في نماذج الخطب المنبرية في كتابنا "هداية المرشدين".

    هذا حال >

    الثالث: ألا يوافق الموضوع؛ فيكون قلقًا غير ملتئم معه.

    وأنواع الافتتاح أربعة: السهل، والجزل، والبدهي، والملوح.

    فالسَّهل: ما يبين فيه الموضوع بلا تكلف، ويسمَّى الساذج، وهو أحْرَى بالخُطَب العاديَّة، ومحافل الأدب، ومجالس العظات والتَّشاوُر.

    والجَزْل: ما كان أنيق اللفظ، شريف المعنى، يزينه حسن التعبير ورونقه، ويصلح للأحوال الخارقة للعادة، والوقائع الشريفة، والنوازل الهامة، إذ يتوقع الجمهور ما يكشف عن عظام الأمور؛ كقول أبي بكر - رضي الله عنه - يومَ مَوْتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّها النَّاسُ، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلا الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]، وكقول أبي الحسن الأنباري في افتتاح قصيدته في رثاء الوزير أبي طاهر، لما صَلَبَهُ عضُد الدولة؛ حيث قال:

    عُلُوٌّ فِي  الحَيَاةِ  وَفِي  المَمَاتِ        لَعَمْرِي تِلْكَ إِحْدَى المُعْجِزَاتِ
    والبَدَهي: ما أصاب السامع على غير انتظار، وأبرز عن حَميم العواطف والقلوب المتألِّمة، ومقامه الوقائع الباغتة والطوارئ المفجعة.

    والملوِّح - أو المعرِّض -: في اللغة: خلاف المصرِّح، وفي الاصطلاح: ما يخرج مخرج الكناية والتعريض، ويستعمل في سياسة النفوس النافرة، وترقيق القلوب العاتية المتكبرة الجبارة.

    وكثير من خطباء هذا العصر يقلِّد خطباء أوربا في ترك هذه المقدمات رأسًا، مكتفين بمقدمة أجنبيَّة، فيها ثناء أو اعتذار أو تنويه بشأن الموضوع، وهو خروج عن الطريقة المألوفة في الخطابة عند الصدر الأول على ما عرفت.

    المبحث الثاني

    في بيان المقصد

    هو أن يظهر الخطيب ما يبني عليه كلامه، بذكر ما سيلقي بعبارة جامعة جلية موجزة؛ لتكون كالعنوان للكتاب.

    ولبيان المقصد عند العرب أسماء أخرى، وقد يسمونه بالسِّمَة، وهي عنوان الخطاب، ليكون عند السامع إجمال ما يفصِّله الخطيب بعدُ.

    والصفات الملائمة لبيان المقصد ثلاث:

    الأولى: أن يكون مترتبًا على قضية واحدة فقط؛ كما لو أردت الكلام على العدل؛ فإنك تقول: إن العدل أساس عمران الممالك - مثلاً.

    الثانية: أن يكون واضحًا؛ لأن الغرض إذا كان خفيًّا بعيد المأخذ تبرَّم منه السامع، مثلاً: إذا كان الكلام على حسن الخُلُق قلتَ: "مَنْ حَسُنَ خُلُقُه وجبت محبته، ومَنْ ساء خُلُقُه تنكَّدت معيشته"، أو على شرف العقل قلتَ: "خير المواهب العقل، وشرُّ المصائب الجهل".

    الثالثة: أن ينشط السامعين بابتكار صورته ولطيف مخرجه؛ كما تقول في كثرة خطوب الدهر: "الليل والنهار غرسان، يثمران للبرية صنوف البلية"، أو: "زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا"، أو التحذير من المعاصي قلتَ: "رأس الحكمة مخافة الله".


    المبحث الثالث

    في تقسيم الخطاب

    التقسيم في اللغة: مصدر قسمت الشيء إذا جزَّأته، وفي اصطلاح الخطباء: هو تفصيل المقصد ببيان أجزائه بعد ذكره مجملاً، وله فوائد كثيرة منها ما يعود إلى نفس الخطيب من حيث إنه وقاية له من الهذر والخروج عن الموضوع، وتكرار المعاني، ومنها ما يعود على السامعين بتسهيل إدراك الموضوع، وترويح خاطرِهِم فينشطون لِلسماع بالانتقال من قسم إلى آخر، هذا إلى أن التقسيم يفيد الخطبة وضوحًا ويكسوها حسنًا وجمالاً، وصفات التقسيم الحسن أربع:

    الأولى: أن تكون القسمة شاملة لكل أجزاء الموضوع لا يخرج عنها جزء من أجزائه.

    الثانية: أن تكون الأقسام متباينة لا يدخل بعضها في بعض.

    الثالثة: أن تكون واضحة يتلقاها عقل السامع بسهولة فترسخ في ذهنه.

    الرابعة: أن تكون مبتكرة موجزة كقول بعضهم في دواعي المحبة: ثلاثة تورث المحبة: الأدب، والتواضع، والدين.

    المطلب الثاني

    في الإثبات

    وفيه مبحثان:

    هو في اللغة: التمكين، يقال: أثبت الأمر: جعله مكينًا، وفي الاصطلاح: تأييد القضية بالبرهان، وهو قطب الخطابة وعِمادُها، فإن كان معقولاً متين الدَّعائم، تلقَّاها الناس بالقبول، وإن كان ضعيفًا واهيًا سَقَطَتْ كما يسقط البناءُ القائِم على أساسٍ ضعيف، وهو نوعان:

    إيجابِي: وهُو ما اشْتَمَل على تصديق القضيَّة وتعزيزِها بالأدِلَّة الواضحة، والحُجَجِ الدَّامِغة، ويُسمَّى التبيان.

    وسلبي: يفند به الخطيب حجج الخصم، ويدحض مقاله، ويسمى التفنيد.

    المبحث الأول

    في بيان القضية

    وطريق التبيان معرفة البحث والجدل على ما هو مبسوط في علمي المنطق وآداب البحث وأمرهما هين عليك إلا أن القياس المنطقي يختلف عن القياس الخطابي من وجهين:

    الأول: أن المنطقي يتبع اليقينيات، أما الخطابي فيستند إلى المقبولات والمظنونات لكفايتها في الإقناع كما علمت.

    الثاني: أن المنطقي عادة لا يتصرف في القياس بخلاف الخطابي، فإنه يتصرف في المقدمات بالتقديم والتأخير على ما يراه أقرب لغايته، وأوفق بمقصوده.

    المبحث الثاني

    في التفنيد

    ويسمى أيضًا النقض، وهو في اللغة: التكذيب والتجهيل، وفي الاصطلاح: هو قسم من الخطابة يخطئ به المتكلم رأي خصمه ويرد على حججه، والمطلوب تفنيده في الخطابة أصناف ثلاثة:

    الأول: ما يسبق إليه توهم السامع، والأولى أن يفنده الخطيب في صدر خطابه كما لو أراد حمل الجند على الجهاد، فإن توهم الجند الخوف من العدو فلا ينجح كلامه فيهم ما لم يبطل خوفهم منه في مبدأ كلامه ببيان تفوقهم عليه ولو من بعض الوجوه.

    الثاني: ما يورده الخطيب على نفسه لكثرة علوقه بأذهان الناس ليبطله، ويبين خطأهم فيه كتفنيد حجج من يتهاون بالمعاصي اتكالاً على حلم الله وكرمه وسعة رحمته، أو من يرجئ التوبة رجاء أن ينيب إلى ربه في آخر حياته.

    الثالث: ما يأتي به الدفاع أمام القضاء في المنازعات، وهذه المحاجة تقدم أو تؤخر بحسب مقتضيات الأحوال.

    المطلب الثالث

    في الختام

    هو آخر ما ينتهي إلى آذان السامعين من كلام الخطيب، ويسمى حسن الانتهاء وحسن المقطع، وكما يجب التألُّق في المطلع تَجِبُ البراعة في المَقْطُعِ، إذْ هُوَ الأَثَرُ الباقي في نُفُوسِ السَّامعين بعد الإتمام، وآخر ما يتردَّدُ صداه في قلوبِهم، وبه تتم الفائدة، وأحسنه ما آذن بانتهاء الكلام بأن يشير المتكلم في كلامه إلى ما يشعر بانتهاء الغرض المقصود، وأمثلة حسن الختام كثيرة في القرآن الكريم، وخطب البلغاء.

    انظر في خواتِمِ السُّوَرِ تَجِدُها غاية في الحسن، ونهاية في الإبداع، فقد جاءت متضمنة للمعاني البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام؛ حتى لا يبقى معه للنفوس تشوف إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا، وفرائض وتحميد، وتهليل ومواعظ، ووعد ووعيد، وما إلى ذلك كالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، والفرائض التي ختمت بها سورة النساء، وحسن الختام لما فيها من أحكام الموت الذي هو آخر أمر كل حي، والتبجيل والتعظيم الذي ختمت به سورة المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت به سورة الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذي ختمت به سورة الأعراف، والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذي ختم به سورة الأنفال، ووصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدحه، وتسليته، ووصيته بالثقة بالله تعالى، والتهليل بالتفويض إليه سبحانه الذي ختمت به سورة براءة، وتسليته - صلى الله عليه وسلم - التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة سورة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختم به سورة يوسف، والوعد والوعيد والرد على من كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ختم به سورة الرعد، ومِن أحسن ما آذن بالختام خاتمة سورة إبراهيم: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [إبراهيم: 52]، ومثلها خاتمة سورة الأحقاف، وكذا خاتمة سورة الحجر بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وهو مفسر بالموت فإنها غاية في البلاغة، وانظر إلى سورة الزلزلة كيف بدئت بأهوال القيامة، وختمت بقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8].

    والغاية من حسن المقطع أمران: أن يتم إقناع السامعين حتى لا يبقى للنفوس بعده تطلع، وذا يكون بذكر مجمل ما أتى به مفصلاً، وأن يقوي فيهم الرغبة في العمل بما أذعنوا له، وذا يكون بإفراغ ما في الوسع في تحريك العواطف والمهارة في التأثير، وعلى الخطيب إذا لخص الخطبة أن يعمد إلى أهم ما جاء فيها من البيانات، فيبرزها في صورة جديدة وأسلوب رشيق لئلا تذهب طلاوتها، وحتى لا يكون إعادة أدلتها مثلاً من باب التكرار الممل المعيب.

    منبع :

    كتاب "فن الخطابة" / الشيخ علي محفوظ


    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۵۸ ] [ مشاوره مديريت ]
      لفظ الخطبة     فصل   ينبغي أن تكون ألفاظ الخطبة مُبَيِّنَةً مرتَّبةً مرتَّلةً، بعبارةٍ يفهمها السامعون، لا يزدريها العلماء، ولا يجهلها العوامُّ، عذبة الإيراد، سهلةً على الأفهام؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولحسن اللفظ في هذا أثرٌ ظاهر. يُكره تكلُّف السجع فيها، وتحرِّي دقائق الإعراب ووحشيِّ اللغة.

    وينبغي أن يقتصد فيها ولا يطوِّلها؛ لئلا يُضجر السامعين، وتذهب حلاوة السَّماع وجلالة المسموع من قلوبهم؛ خوفًا من أن يؤدِّي بهم إلى كراهة سماعها فيقعوا في المحذور، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوَّلهم بالموعظة كراهة السآمة عليهم، كما ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن مسعود.

    وثبت في "صحيح مسلم" عن عمَّار بن ياسر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأَقْصِروا الخُطْبة)). وقوله: ((مَئنَّة))؛ أي: علامة دالة على فقهه.

    وقال الزهري - رحمه الله -: "إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه نصيب".

    وينبغي أن يحافظ على الإتيان بالشهادتين فيها مع الثناء على الله تعالى؛ فقد روى التِّرمذي حديثًا حسنًا من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ؛ فهي كاليد الجَذْماء))؛ رواه أبو داود أيضًا.

    وينبغي أن يحافظ على الإتيان بقوله: "أما بعد" بعد الثناء وقبل الوصية بالتقوى؛ فهي سنَّةٌ ثابتةٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع خطبه في "الصحيحين" وغيرها.

    وهي فصل الخطاب الذي أوتِيَه داود - عليه السلام - في قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20]  في قول جماعةٍ من المفسِّرين.

    وينبغي أن يبيِّن كلامه ويوضِّحه؛ فقد روى البخاري في "صحيحه" عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا".

    وقد خطب رجلٌ بين يَدَي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال في خطبته: "مَنْ يُطِعِ الله ورسوله فقد رَشَد، ومَنْ يَعْصِهِما فقد غَوى"؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بئس الخطيب أنت! قُلْ: ومَنْ يَعْصِ الله ورسوله فقد غَوى))، لمَّا أوْهَم ذلك التَّشريك في اللفظ - بِعَوْدِ الضَّمير إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لغير ذوي الأفهام، مع أنه مَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومَنْ عصى الرسول فقد عصى الله، ولا يلزم في الأدب أنَّ مَنْ أطاع الله فقد أطاع الرسول - قبَّح عليه ذلك من عَوْد الضمير إليهما، للإيهام في الاشتراك عند غير أهل الفهم؛ فقال له: ((بئس الخطيب أنت))؛ لأنه كان في مقامٍ عامٍّ، فأرشده بالتَّقبيح إلى الإيضاح الذي لا يوهم اشتراكًا على بُعْدٍ بعيد،، والله أعلم.

    وينبغي للخطيب والواعظ والمدرِّس والمعلِّم ألاَّ يراقب مَنْ يسمعه أو يتعلَّم منه في شيءٍ ممَّا يلقيه ويتكلم به؛ بل يكون مراقِبًا لربه - سبحانه وتعالى - فيما أمره في تلك الحال من الإبلاغ والأداء والنَّفع للسَّامعين فيما يحتاجون إلى معرفته من أحكام دنياهم وآخرتهم، مُعْرِضًا عن مراقبة نفسه في هيئتها ومَنْ حَضَرَه من المستمعين وغيرهم،، والله أعلم.
    فصل
    وينبغي أن تكون الموعظة في كل وقت وزمان على حسب حاجة النَّاس إليها مما يجهلونه من الأحكام الشرعية، والتَّنزيهات الربَّانية، وما يَحْمِل على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قِصَر الأمل في الأمور الدنيويَّة دون الأخرويَّة، وما يحمل على الإيمان بالبَعْث والنُّشور، والجنة والنار، وعلى العمل والإخلاص فيه، وعلى التَّناصف والتَّواصل والتَّراحم، وترك التَّقاطع والتَّدابُر والتَّظالُم، وعلى التعاون على البرِّ والتقوى، ونصر المظلوم، ونصر الظالم بمنعه من الظلم، وحثِّ ولاة الأمر على العدل والإنصاف والإحسان، وتَرْك الجَوْر والإثم والعدوان، وحثِّ النَّاس على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي سببٌ لرفع البلاء، والنَّصر على الأعداء، وعدم تعميم العذاب، واستجابة الدعاء من ربِّ الأرباب، وإنزال البركات، وغفر الذنوب والتَّبِعات.

    ويذكرُ فضل الأزمنة والشهور والأعوام، ويحثُّ على الصلاة والصيام، والحج وإقامة الشعائر والمناسك والقيام.

    وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون، والأئمة والعلماء العارفون، واعتمادهم في خطبهم ووعظهم وتذكيرهم، ومقصودهم بإنذارهم وتبشيرهم. فهذا هو السنَّة، وما عداه هو البدعة.

    وليحذر كل الحذر من إيراد الأحاديث الموضوعة والضعيفة لقصد التَّرغيب - خصوصًا في البدع - والتَّرهيب، وذكر الأمور المشتبِهة لقصد ترك الاختلاف والتَّشبِيب، وليكن جُلَّ مقصوده بموعظته الائتلاف على طاعة الله وعدم الخلاف، والاجتماع على البرِّ والتقوى والإنصاف.

    فصل وينبغي أن يحافظ على الإتيان بأركان الخطبة التي لا تصحُّ إلا بها، وهي: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولفظ "الحمد" و "الصلاة" متعيِّنٌ؛ لأنه لم تُنقَل خطبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بلفظ "الحمد".

    وأمَّا لفظُ "الصلاة"؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّمهم لفظَهُ كما علَّمهم التشهُّد، كالسورة من القرآن، ومعناه في الصلاة؛ فكذلك لفظ "الصلاة" هنا، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلُّوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا كان عليهم حسرةً))، وهذا عامٌّ في كل مجلسٍ من الخطبة وغيرها.

    والوصية كالتقوى والطاعة؛ ولا يتعيَّن لفظ "التقوى" على الأصحِّ؛ بل يكفي معناها، وينبغي المحافظة على لفظها خروجًا من الخلاف، ولأنه أبلغ في المقصود؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
    وهذه الثلاثة لا بدَّ من الإتيان بها في الخطبتَيْن جميعًا.

    ويجب قراءةُ شيءٍ من القرآن، وهو ركنٌ في إحداهما لا بعينها على أصحِّ الأوْجُه. والثاني: تجب فيهما. والثالث: تختصُّ بالأُولى. وينبغي أن تكون القراءة مناسبة لمعنى الموعظة.

    ويجب الدعاءُ للمؤمنين، وهو ركنٌ، وأقلُّه ما ينطلقُ عليه اسم "الدعاء"، قال الله تعالى إخبارًا عن المؤمنين الذين جاؤوا بعد المهاجرين والأنصار: {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].

    فالدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالصَّلاة عليه واجبٌ، والدعاء للمؤمنين على العموم واجبٌ، والدعاء لبعضهم على الخصوص، خصوصًا إذا كانوا أخيارًا صالحين عادلين – جائزٌ؛ بل مستحبٌّ، وإن كانوا جائرين مخالفين، استُحِبَّ أن يُدعى لهم بالصَّلاح والتَّوفيق والتَّسديد والإصابة في هذا الموطن، وفي كل موطن يُرجى استجابة الدعاء فيه، وقد قال بعض السَّلف - رحمة الله عليه -: "لو أعلم أن لي دعوةً مستجابةً؛ لجعلتها لولاة أمور المسلمين".

    وينبغي للدَّاعي لهم من الخطباء وغيرهم ألاَّ يفخِّموا المدعوَّ له منهم بألقاب ونعوت التعظيم والكبرياء؛ لأنه موطن ذلٍّ وخضوع، وسؤالٍ بين يدي من العظمة إزاره والكبرياء رداؤه، ولو كانوا صالحين عادلين.

    فيا أيها الخطباء، الْحَظوا ما ذكرتُه لكم وبيَّنتُه، واحذروا من مخالفته؛ تُفتَنوا إن لم تَنْتَهوا، ولا تتهاونوا في ذلك وتغفلوا؛ تُقْصَموا، ولا يغرنَّكم الزينة والرِّياسة؛ فإنها ضدُّ السياسة، ولا تُراعوا جانب المربوب على جانب الربِّ، وقولوا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، كما: {تَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37].
    فصل
    ويجب موالاة ألفاظ الخطبتَيْن؛ فلا يقطع ألفاظهما بفصلٍ طويلٍ، فلو قطعهما بذلك استأنف ولم يَبْنِ.

    ويجب الترتيب بين الحمد والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوصيَّة والتقوى، فيبدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بالوصية. فلو قدَّم الوصيَّة قبل الصلاة، أو الصلاة قبل الحمد لله - لم تصحَّ في الخطبتَيْن.

    ويجب أن يكونا بلفظ العربية؛ لأن الله تعالى خاطبنا به وامتنَّ علينا به، فوجب الإتيان به، فلو خطب بالعجمية الفارسية أو العبرانية أو السريانية أو غيرها من اللغات لم تصحّ.

    وتجب  الطهارة لهما عن الأحداث والنَّجاسات كما تجب للصلاة.

    ويجب على الخطيب رفع الصوت فيهما؛ بحيث يسمع أربعين من أهل الكمال، ويَحْرُم الكلام على مَنْ يسمع الخطبة منهم، ومن سمعها زائدًا على الأربعين حَرُمَ عليه الكلام أيضًا في الإملاء من "كتاب" الإمام الشافعي - رحمه الله - الجديد والقديم، وهو الظاهر من عموم الأحاديث الصحيحة، ومدلول الكتاب العزيز، والمقصود من حضورها، وقد أجمع العلماء على شرعية ترك الكلام والإنصات فيهما،، والله أعلم.   منبع :   كتاب "أدب الخطيب". / علاء الدين بن العطار

    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۵۷ ] [ مشاوره مديريت ]
      سعة وشمول الخطبة الإسلامية   الخطبة الإسلامية تَتَّسع باتِّساع هذه الدعوة؛ لتشملَ كلَّ ناحية مِن نواحي الحياة؛ سواء كانتْ سياسيَّة، أم اقتصاديَّة، أم اجتماعيَّة، أم أخلاقيَّة، وسواء تعلَّقَتْ بالحرب أم بالسلم، بالمسجد أم بالسوق، بالحياة الخاصة أم العامة، وقد تحدَّثَ البعضُ في فُنُون الخطابة عن الخُطَب السياسيَّة، والخطب النيابيَّة، والخطب الانتخابيَّة، وخطب النوادي والمُجْتَمعات، وخطب المؤتَمَرات السياسية، كما تَكَلَّموا عن سمات الخطابة القضائيَّة، وخُطب الوعظ الدِّيني، والخطب العسكريَّة، والمحاضَرات العلميَّة العامَّة، وخُطَب التأبين، وخطب المَدْح والشُّكر، وقَسَّموا الخطابة العربيَّة من حيث تاريخُهtitle="" href="#_ftn2" name=_ftnref2>[2]، إلاَّ أعقبتْه بعدها عبرة، ولم يلقَ من سرَّائها بطنًا، إلاَّ منحته من ضرَّائها ظهرًا، ولم تصله منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحَرِيَّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة.

    وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعمًا، أرهقتْه من نوائبها غمًّا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها في قوادم[3] خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية فانٍ مَن عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التَّقوى، مَن أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومَن استكثر منها استكثر مما يوبقه[4]، كم واثقٍ بها قد فجعته! وذي طمأنينة إليها قد صرعته! وكم من مختال بها قد خدعته! وكم ذي أبهة قد صيرته حقيرًا! وذي نخوة قد ردته ذليلاً! وذي تاج قد كبته[5] لليدين والفم! سلطانها دول، وعيشتها رنق، وعذبها أجاج[6]، وحلوها مُر، وغذاؤها سمام[7]، وأسبابها زحام، وقطافها سَلع[8]، حيُّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وضعيفها وسليمها منكوب، وجامعها محروب[9].

    مع أنَّ وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل؛ {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31].

    ألستم في مساكن مَن كان قبلكم أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا، وأعد عديدًا، وأكتف جنودًا، وأعتد عتادًا، وأطول عمادًا؟! تَعَبَّدوها أيَّ تعبُّد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار.

    فهل بلغكم أن الدنيا سمحتْ لهم نفسًا بفدية، وأغنتْ عنهم مما قد أملتهم به؟ بل أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، وأعانتْ عليهم ريب المَنُون، وقد رأيتُم تنكرها لمن دان لها وآثرها، وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر الأمد، هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة؟!

    أفهذه تؤثرون، أو على هذه تحرضون، أو إليها تطمئنون؟! يقول الله - تبارك وتعالى -: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16].

    فبئست الدار لمن يتهمها، ولم يكن فيها على وَجَل منها.

    فاعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لا بُدَّ، فإنما هي كما نعت الله - عز وجل -: {لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} [الحديد: 20].

    واتَّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريعٍ آية، وبالذين قالوا: مَن أشد منا قوة، واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم، كيف حُملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانًا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانًا، وجُعل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيًا، ولا يمنعون ضيمًا، يُزارُون ولا يستزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى أضغانهم، وهم كمن لم يكن؛ قال الله تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ} [القصص: 58].

    استبدلوا بظهر الأرض بطنًا، وبالسعة ضيقًا، وبالآل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها حفاة عراة فرادى، وظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد؛ يقول الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].

    فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.
    ------------------------ [1]   أحد خطباء الخوارج. [2]   أثر نعمته وحسن. [3]   قوادم الطير: الريش الذي في مقدمة، والمراد هنا: مظاهر الخوف. [4]   يوبقه: يهلكه. [5]   كبه: صرعه أو رماه في هوة. [6]   الماء الأجاج: الملح المر. [7]   السمام: جمع سم. [8]   للقطاف: اسم لما يقطف من عنب أو نحوه، والسلع - بفتح اللام -: شجر مُر أو الصبر أو سم. [9]   المحروب: المسلوب.   منبع :   كتاب : "كيف تكون خطيبًا؟".
    الشيخ سعيد عبدالعظيم
    امتیاز:
     
    بازدید:
    [ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۵۶ ] [ مشاوره مديريت ]
    [ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸<"_blank">۳۰۰ ][ ۳۰۱ ][ ۳۰۲ ][ ۳۰۳ ][ ۳۰۴ ][ ۳۰۵ ][ ۳۰۶ ][ ۳۰۷ ][ ۳۰۸ ][ ۳۰۹ ][ ۳۱۰ ][ ۳۱۱ ][ ۳۱۲ ][ ۳۱۳ ][ ۳۱۴ ][ ۳۱۵ ][ ۳۱۶ ][ ۳۱۷ ][ ۳۱۸ ][ ۳۱۹ ][ ۳۲۰ ][ ۳۲۱ ][ ۳۲۲ ][ ۳۲۳ ][ ۳۲۴ ][ ۳۲۵ ][ ۳۲۶ ][ ۳۲۷ ][ ۳۲۸ ][ ۳۲۹ ][ ۳۳۰ ][ ۳۳۱ ][ ۳۳۲ ][ ۳۳۳ ][ ۳۳۴ ][ ۳۳۵ ][ ۳۳۶ ][ ۳۳۷ ][ ۳۳۸ ][ ۳۳۹ ][ ۳۴۰ ][ ۳۴۱ ][ ۳۴۲ ][ ۳۴۳ ][ ۳۴۴ ][ ۳۴۵ ][ ۳۴۶ ][ ۳۴۷ ][ ۳۴۸ ][ ۳۴۹ ][ ۳۵۰ ][ ۳۵۱ ][ ۳۵۲ ][ ۳۵۳ ][ ۳۵۴ ][ ۳۵۵ ][ ۳۵۶ ][ ۳۵۷ ][ ۳۵۸ ][ ۳۵۹ ][ ۳۶۰ ][ ۳۶۱ ][ ۳۶۲ ][ ۳۶۳ ][ ۳۶۴ ][ ۳۶۵ ][ ۳۶۶ ][ ۳۶۷ ][ ۳۶۸ ][ ۳۶۹ ][ ۳۷۰ ][ ۳۷۱ ][ ۳۷۲ ][ ۳۷۳ ][ ۳۷۴ ][ ۳۷۵ ][ ۳۷۶ ][ ۳۷۷ ][ ۳۷۸ ][ ۳۷۹ ][ ۳۸۰ ][ ۳۸۱ ][ ۳۸۲ ][ ۳۸۳ ][ ۳۸۴ ][ ۳۸۵ ][ ۳۸۶ ][ ۳۸۷ ][ ۳۸۸ ][ ۳۸۹ ][ ۳۹۰ ][ ۳۹۱ ][ ۳۹۲ ][ ۳۹۳ ][ ۳۹۴ ][ ۳۹۵ ][ ۳۹۶ ][ ۳۹۷ ][ ۳۹۸ ][ ۳۹۹ ][ ۴۰۰ ][ ۴۰۱ ][ ۴۰۲ ][ ۴۰۳ ][ ۴۰۴ ][ ۴۰۵ ][ ۴۰۶ ][ ۴۰۷ ][ ۴۰۸ ][ ۴۰۹ ][ ۴۱۰ ][ ۴۱۱ ][ ۴۱۲ ][ ۴۱۳ ][ ۴۱۴ ][ ۴۱۵ ][ ۴۱۶ ][ ۴۱۷ ][ ۴۱۸ ][ ۴۱۹ ][ ۴۲۰ ][ ۴۲۱ ][ ۴۲۲ ][ ۴۲۳ ][ ۴۲۴ ][ ۴۲۵ ][ ۴۲۶ ][ ۴۲۷ ][ ۴۲۸ ][ ۴۲۹ ][ ۴۳۰ ][ ۴۳۱ ][ ۴۳۲ ][ ۴۳۳ ][ ۴۳۴ ][ ۴۳۵ ][ ۴۳۶ ][ ۴۳۷ ][ ۴۳۸ ][ ۴۳۹ ][ ۴۴۰ ][ ۴۴۱ ][ ۴۴۲ ][ ۴۴۳ ][ ۴۴۴ ][ ۴۴۵ ][ ۴۴۶ ][ ۴۴۷ ][ ۴۴۸ ][ ۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶۹ ][ ۴۷۰ ][ ۴۷۱ ][ ۴۷۲ ][ ۴۷۳ ][ ۴۷۴ ][ ۴۷۵ ][ ۴۷۶ ][ ۴۷۷ ][ ۴۷۸ ][ ۴۷۹ ][ ۴۸۰ ][ ۴۸۱ ][ ۴۸۲ ][ ۴۸۳ ][ ۴۸۴ ][ ۴۸۵ ][ ۴۸۶ ][ ۴۸۷ ][ ۴۸۸ ][ ۴۸۹ ][ ۴۹۰ ][ ۴۹۱ ][ ۴۹۲ ][ ۴۹۳ ][ ۴۹۴ ][ ۴۹۵ ][ ۴۹۶ ][ ۴۹۷ ][ ۴۹۸ ][ ۴۹۹ ][ ۵۰۰ ][ ۵۰۱ ][ ۵۰۲ ][ ۵۰۳ ][ ۵۰۴ ][ ۵۰۵ ][ ۵۰۶ ][ ۵۰۷ ][ ۵۰۸ ][ ۵۰۹ ][ ۵۱۰ ][ ۵۱۱ ][ ۵۱۲ ][ ۵۱۳ ][ ۵۱۴ ][ ۵۱۵ ][ ۵۱۶ ][ ۵۱۷ ][ ۵۱۸ ][ ۵۱۹ ][ ۵۲۰ ][ ۵۲۱ ][ ۵۲۲ ][ ۵۲۳ ][ ۵۲۴ ][ ۵۲۵ ][ ۵۲۶ ][ ۵۲۷ ][ ۵۲۸ ][ ۵۲۹ ][ ۵۳۰ ][ ۵۳۱ ][ ۵۳۲ ][ ۵۳۳ ][ ۵۳۴ ][ ۵۳۵ ][ ۵۳۶ ][ ۵۳۷ ][ ۵۳۸ ][ ۵۳۹ ][ ۵۴۰ ][ ۵۴۱ ][ ۵۴۲ ][ ۵۴۳ ][ ۵۴۴ ][ ۵۴۵ ][ ۵۴۶ ][ ۵۴۷ ][ ۵۴۸ ][ ۵۴۹ ][ ۵۵۰ ][ ۵۵۱ ][ ۵۵۲ ][ ۵۵۳ ][ ۵۵۴ ][ ۵۵۵ ][ ۵۵۶ ][ ۵۵۷ ][ ۵۵۸ ][ ۵۵۹ ][ ۵۶۰ ][ ۵۶۱ ][ ۵۶۲ ][ ۵۶۳ ][ ۵۶۴ ][ ۵۶۵ ][ ۵۶۶ ][ ۵۶۷ ][ ۵۶۸ ][ ۵۶۹ ][ ۵۷۰ ][ ۵۷۱ ][ ۵۷۲ ][ ۵۷۳ ][ ۵۷۴ ][ ۵۷۵ ][ ۵۷۶ ][ ۵۷۷ ][ ۵۷۸ ][ ۵۷۹ ][ ۵۸۰ ][ ۵۸۱ ][ ۵۸۲ ][ ۵۸۳ ][ ۵۸۴ ][ ۵۸۵ ][ ۵۸۶ ][ ۵۸۷ ][ ۵۸۸ ][ ۵۸۹ ][ ۵۹۰ ][ ۵۹۱ ][ ۵۹۲ ][ ۵۹۳ ][ ۵۹۴ ][ ۵۹۵ ][ ۵۹۶ ][ ۵۹۷ ][ ۵۹۸ ][ ۵۹۹ ][ ۶۰۰ ][ ۶۰۱ ][ ۶۰۲ ][ ۶۰۳ ][ly:Tahoma; font-size:8pt; ">
    لینک :
    خبرنامه
    عضویت   لغو عضویت
    امکانات وب
    شمارنده
    [قالب وبلاگ : فتا بلاگ] [Weblog Themes By : themzha.com] شرکت مشاوره مدیریتبازارسازی مدیریت بازاریابی. بازدید تحقیقات بازاریابیآموزش مدیریت MBAدلایل ترک تحقیقات بازاریابی تحقیقات مدیریت شرایط سخت بازارکارت امتیازی متوازنارزیابی عملکرد . نمونه مطالعات موردی.برند برندینگانواع برند معرفی 21 نوع متفاوت از برندبرندسازی branding marketing . برندسازی.تحقیقات بازاریابی انگیزه بخش http://marketingbranding.ir سبک مدیریت است مدیریت بازاربازاریابیتحقیقات بازاریابی ویژگی های .حرفه ای مشاوره اموزش مدیریت.شناسایی مشتریان .تحقیقات بازاریابی استفاده از تحقیقات بازار و بازاریابی http://marketingsales.irmarketing مدیریت برندینگ . Business Management ConsultantIran Business Management ConsultantManagement . بازاریابیانواع بازاریابی 127 نوع بازاریابیبازاریابی. بازاریابی MarketingMix آمیختهآمیزه بازاريابیمدیریت بازاریابی. اخبار مدیریت و تجارتمدیریت.مشاوره بازاریابی مدیریت آموزش تکنیک‌های فروشندگی حرفه‌ای فروشندگی. اخبار مدیریت و تجارتبازاریابی برندینگ. http://iranmct.com/news/page/12مدیریت. مدیریت مشاوره بازاریابیآموزش. بیزینس پلن طرح توجیهی طرح business plan. برنامه بازاریابی Marketing Planبازاریابی. مشاوره تبلیغات مشاور تبلیغات مشاور مدیریت management مشاوره مدیریت انواع بازاریابی بازاریابی. Business Planبیرینس پلن طرح توجیهیمدیریت. کلینیک کاشت موی طبیعی آسمان