مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
لینک دوستان
باِت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أَهْلكتهم))[3].

3- إطالة الموعظة أحيانًا لطارئٍ أو حادثٍ مهم:

وممَّا يدلُّ على ذلك موعظتُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أمور جِسام ستَقع في الأمَّة، حتى طالتْ موعظتُه فوقَ العادة، ففي صحيح مسلم عن عمرِو بن أخطبَ - رضي الله عنه - أنَّه قال: "صلَّى بنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفجرَ، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاة الظهر، ثم نزَل فصلَّى بنا الظهر، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاةِ العصر، ثم نزَل فصلَّى العصر، ثم صعِد المنبر فخطبَنا حتى المغرب، فما ترَك شيئًا مما يكون إلاَّ أخْبر به أصحابَه، حفِظَه مَن حفِظه، ونسِيَه مَن نسيه، يقول: فأعْلَمُنا أحفَظُنا"[4].

4- تحيُّن الموعظة عندَ إقبال السامِع وفراغِه ونشاطه، وتَرْكها عند انشغالهم، فهو أدْعَى إلى القَبول:

ومِن ذلك: أمرُه  - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدعوين بالانصراف إلى أهلِهم؛ لما رأى من تشوُّقهم إليهم؛ فعن أبي سليمان مالكِ بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: "أتَيْنا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن شبَبَةٌ متقاربون، فأقمْنا عندَه عشرين ليلة، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقْنا أهلنا؛ فسَألْنا عمَّن تركْنا من أهلنا، فأخبرْناه، فقال: ((ارْجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم وبرُّوهم، وَصَلُّوا كذا في حين كذا، وصلُّوا كذا في حين كذا؛ فإذا حضرتِ الصلاة فليؤذِّن فيكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم))"[5]

5- مناسبة المقال لمقتضَى الحال:

فقد كانت مواعِظُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - واختياره الأمثل لمقتضَى الحال، مما له أبلغُ الأثر في المدعوِّين في حالة الفَرَح أو الحزن وغيرها مِن الأحوال في عامَّة مواعظِه وإرْشاده - صلَّى الله عليه وسلَّم.

6- توجيه الأنظار للتدبُّر والتفكُّر:

كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغلُّ عامِل الوقت والزمن؛ لأجْل صرْف العقول للتدبُّر في خلْق الله، وعجائب قدرته، مثْل وقت كسوف الشمس، وخسوف القمر وهبوب الرِّياح، فقد قال عندما وقَع الكسوف: ((إنَّ الشمس والقمر آيتان مِن آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوِّف بها عباده))[6].

7- أوقات إقبال القلْب على ربِّه أدْعى لقَبول النُّصح والإرشاد، خاصَّة بعد صلاة الفجْر، وفي الحديث عن أبي نَجيح العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظةً بليغة، وجلتْ منها القلوب، وذرفَتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها موعظة مودِّع، فأوصِنا، قال: ((أُوصيكم بتقوى الله، والسَّمْع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، وإنَّه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة))[7]، وكان ذلك بعدَ صلاة الفجْر، وهو وقتٌ تكون فيه النفوس بعيدةً عن الشواغِل والملهيات.

8- الترغيب في العمل الصالِح في أوقات ومناسَبات معروفة؛ مثل: صيام يوم عاشوراء ورمضان، وشوَّال وذي الحجَّة، وصلاة الاستسقاء، وما يناسِب تلك الحال مِن موعظة وإرشاد.

9- الحثّ على التوبة في وقْت الاحتضار:

وهي لحظةُ انتقال الإنسان إلى عالَم جديد، يتقرَّر فيه مصيرُه؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمَرِض، فأتاه يعوده، فقعَد عند رأسه، فقال له: ((أسْلِم))، فنَظَر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم، فأسلَمَ، فخرج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنْقذَه مِن النار))[8].

لقد حقَّقت دعوة الرسول الكريم انقلابًا عجيبًا في كيان الإنسان، بفضْل ما كان يمتلكه من وسائلَ فعَّالة ناجحة في الدعْوة إلى الله، فقد تحوَّل ذلك الإنسانُ مِن محبٍّ عاشِق للدنيا يموت ويحَيا مِن أجلها، لا يُفكِّر أبعد مِن شهوته وبطنه، إلى إنسانٍ يفكِّر ويجول نظره في الكون الفسيح، إلى ما وراء ذلك مِن الشوق إلى نعيمِ الآخِرة ولذَّتها، يحمل هَمَّ الدعوة والجهاد في سبيل الله، وإخراج مَن حوْله مِن البشر مِن ظُلم العباد إلى عدْل الإسلام ومساواته، ومِن عبادة الحجَرِ والبشر إلى عبادة الديَّان الذي لا يموت.

وما في قصص الصحابة الأوائل مما عجَز التاريخُ عن تفسيره، إلا بفِعْل الإيمان والتربية الحقَّة التي تلقَّوْها من المربِّي الأول، والمعلِّم الكريم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ما ينبغي على الداعي مراعاته:

ينبغي على الداعي أن يُراعيَ عامِلَ الوقت؛ حتى يكونَ ناجحًا في مواعظه، وإلا ملَّتْه النفوسُ، وسَئِمت مِن سماعه، ومن ذلك:

أولاً: ليس كلُّ وقت يصلُح لوعْظ الناس وإرشادهم، فليس مِن الحِكمة - مثلاً - موعظةُ الناس بعْد صلاة الظهر، وهو وقتُ انشغال الناس بأعمالهم وأمور معاشِهم، أو وقت انصرافِ الناس إلى نومِهم وراحتهم في اللَّيْل، وهو مِن أخطاء بعض الوعَّاظ، يُريد أن يُلْقي مواعظَه دون إعطاء أهميَّة لحالِ مَن يدعوهم، وكأنَّه لا يخاطِب بشَرًا، لهم مشاعِرُ وأحاسيس.

ثانيًا: مناسبة الموعظة للحال، والبعض منهم يُلقي دروسًا في الصبر على البلاء، والفِتن الواقعة في الأمَّة، وتحمُّل المصائب والنكبات في يومِ فرَح الناس وأعراسهم، حتى يُحوِّل الفرح إلى عزاء ومصيبة، ومِن الحكمة استغلالُ تلك المناسبة في موعِظة عن الشُّكر، وبيان هَدْي الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الأعراس والمناسبات.

ثالثًا: على الداعي أن يتفرَّسَ في وجوه الحاضرين، ومدَى استعدادهم لتلقِّي ما يُقال لهم، فالموعظةُ الغرضُ منها هو أن يستفيدَ الحاضرون، والبعضُ من الوعَّاظ يرى تملْمُلَ الناس من درْسه وترْكهم لمجلسه، ومع ذلك تراه يستمرُّ في درسه ووعْظه، ويطيل الكلام ويُكرِّر الموعظة، وكأنه يطلب إعادةَ الثقة به، وهذا له نتائجُ عكسية تمامًا، وقد كان مِن هديه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه يُحدِّث بالحديث لو عدَّه العادُّ لأحصاه؛ لذا فمِن الحكمة قطعُ الموعظة إن لم يكن فيها مرغِّب أو مشوق آخر.

رابعًا: عدم توفُّر الوقت الملائم لإلْقاء الموعظة، وليس مِن الضروري إلْقاء الموعظة وكأنَّها حِمْل على كاهله يريد التخلُّص منه، بل الموعظة دُررٌ وفوائدُ أثمنُ مِن المال، لا بدَّ من تحيُّنِ فرصة مناسبة؛ ليُنتفعَ منها، وتقعَ موقعها في النفوس، فتدعوهم للعمل الصالح، وترْك ما أَلِفوه من المنكرات، ويحصُل ذلك عندما يتهيَّأ الداعي إلى إلْقاء موعظته، فيحدُث أمرٌ مفاجئ؛ لذا عليه أن يدَّخِر الموعظة لوقتٍ مناسب آخر.

خامسًا: خيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ: إنَّ إطالة المواعِظ لتتعدَّى أحيانًا ساعة وأكثر، هي مشكلةُ بعض الوعَّاظ، وليعلمْ هؤلاء أنَّ طاقة ذهْن الإنسان محدودةٌ لا يمكن في العادة أن تتابعَ الكلام بتركيز وانتباه لأكثرَ مِن رُبع ساعة، وبعدَها يُصاب الذِّهن بالشرود والتعب؛ ولهذا مِن الأفْضل على الواعظ أن يتَّخذ بعضَ التدابير، مثل: تدوين رؤوس الدرس والخطوط العامَّة منه في ورقة صغيرة؛ لئلاَّ يتحرَّج فيخلط في الكلام، أو يستطرد في أمْر لا علاقة له بصُلب الموضوع، كما يُشاهَد على بعض القنوات الفضائية مِن مواعظَ تتجاوز مدتها الزمنية السَّاعة والساعتين.

ومِن الأخطاء أيضًا في هذا الجانب أنَّ بعض الوعَّاظ يضع له مواعظَ مُقسَّمة على الأيام والشهور، وكأنَّها قوالِب لوضع المستمعين والمدعوين فيها، وهو خطأٌ منهجي في الدعوة، والمنهجُ السليم أن تكون الموعظةُ مما يتلاءَم مع حال المدعوين، فينظر الداعي أيَّ مرَض أو آفة اجتماعية تغلُب على قومِه أو مجتمعه، فيتحدَّث فيها، ويُحذِّر منها، وقد قيل في تعريف الحِكمة هي: فِعْل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.[9]

إلقاء الدرس قبْلَ وبعْد صلاة الجمعة:

سُئِل عن ذلك فضيلةُ العلاَّمة الألْباني، فأجاب - رحمه الله تعالى -: "الذي نعتقِده ونَدين الله به أنَّ هذه العادة التي سَرَت في بعض البلاد العربية، وهي: أن ينتصبَ أحدُ المدرِّسين أو الخُطباء ليلقيَ درسًا، أو كلمةً، أو موعظةً، قبل أذان الجمعة بنِصْف ساعة أو ساعة من الزَّمان، هذا لم يكن مِن عمل السلف الصالح - رضي الله عنهم - هذا مِن جهة.

ومِن جهة أخرى، فمن المعلوم لدَى علماء المسلمين قاطبةً أنَّ هناك أحاديثَ صحيحةً تأمُر المسلمين بالتبكير للحضور إلى المسْجد الجامع يومَ الجمعة، كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قَرَّب بقَرةً...، وهكذا حتى ذكَر الكبش والدجاجة والبيضة))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ حَضَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسلمين على التبكير في الرواح يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع ليس هو لسماعِ الدَّرْس وإلْقائه، وإنَّما هو للتفرُّغِ في هذا اليوم لعبادة الله - عزَّ وجلَّ - ولذِكْـره، وتلاوة كتابه، وبخاصَّة منه سورة الكـهف، والجلوس للصـلاة على النبـيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحقيقًا لقوله في الحديث الصحيح، والمروي في السُّنن وغيرها ألاَ وهو قوله - عليه السلام -: ((أكْثِروا عليَّ مِن الصلاة يومَ الجمعة؛ فإنَّ صلاتَكم تبلُغني))، قالوا: كيف ذلك وقد أَرِمْت؟! قال: ((إنَّ الله حَرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء.....)).

أما بعْدَ الصلاة، فقد قال - رحمه الله تعالى -: "إنْ كان أحدٌ يريد أن يُدرِّس فبعْدَ الصلاة؛ حيث يتفرَّغ الناس لسماع مَن شاء منهم، ومَن شاء القضاء، أمَّا أن ينتصبَ المدرس قبلَ صلاة الجمعة فيَفْرِض نفسه على الناس فرضًا، وفيهم المصلِّي والتالي والذاكر، فهذا هو الإيذاءُ للمؤمنين، فلا يجوز"[10].

أمثلة على ما مَرَّ:

الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وعلى الداعي أنْ يتعود تدبر سيرة المصطفى والأحوال والظروف التي مر بها[11]، وهديه في موعظة الناس وإرشادهم؛ ليكون على بصيرة من دعوته.

ثم الاستفادة من تجارب الآخرين؛ ليضيف إلى رصيده في الدعوة إلى الله، وهذه أمثلة عامة تناسب أحوال عامة:

1- في بداية شهر رمضان يناسب إلقاء موعظة عن أحكام الشهر الفضيل، وما يَجوز وما ينبغي تجنبه، وفي شهر ذي الحجة ما يتعلق بأحكام الحج وأركانه، والترغيب فيه، وفي ليلة العيد - الأضحى والفطر - ما ينبغي فعله للمسلم من سنن وأعمال صالحة من صِلَةِ رحم وغير ذلك، مع تقديم الدروس مقرونة بالترغيب والترهيب، وفي ليلة الجمعة ما ينبغي على المسلم عمله للحصول على أجر وثواب الجمعة.

2- يناسب في أيام الأفراح والأعراس التحدُّث عن الترغيب في الزواج، وبيان فضائله، وشكر نعمة الله على نعمة العِفَّة والإحصان، وفضل إدخال السُّرور على قلب المسلم، والصلح بين الإخوان.

3- في يوم العزاء وفَقْد الأحبة الحث على الصبر، وتحمُّل المصائب، وثواب الصابرين، وما يترتب عليه من أجر وأهمية الإيمان بالقدر والقضاء، وأن الموت يَجري على كل نفس، وبيان عظم الجزاء للصابرين، والحذر من الجزع والتسخط، وأنَّه لا يأتي بنتيجة، بل يستوجب غضب الله ومقته، وبيان أهمية مواساة المسلم في المصيبة.

4- في وقت حدوث نزاع أو قتال أهمية الصلح بين المسلمين، وأنَّه أفضل درجة من الصيام والقيام، وأن الساعي إليه من أفضل عباد الله، وأن المسلمين إخوة متحابون، وأن الساعي للفتنة من شر عباد الله، وخاصَّة الفتنة بين الزوجين والأحبة، والتفريق بينهما، وأنه من أقرب الناس للشيطان.

5- في وقت احتلال بلاد الإسلام، وانتهاك دياره وحرماته، وسلب خيراته - الحث على الجهاد - النفس والعدو - وأنَّه عز المسلمين وسبب لنصرهم، وأنَّ التخاذُل يوجب تسلط الأعداء، والواجب على كل مسلم إعانة المجاهدين، ولو بالكلمة، وأن من لم يحدث بالغزو مات ميتة جاهلية، ويتم ذلك وَفْقَ مشورة أهل العلم والرأي الصائب؛ كي تؤتي ثمارها.

6- في وقت انشغال الناس بالدنيا وملذاتها، وغفلتهم عن معاني الآخرة وأهوالها، والاستعداد لها - التذكير بأحوال الموتى، وما يلاقيه كل من المؤمن والكافر من نعيم أو عذاب في القبر، وربطه بمعاني التوحيد والعقيدة الإسلامية، وما بعد الموت من نعيم مقيم أو عذاب أليم، والحساب على الصغيرة والكبيرة وَفْقَ ميزانٍ دقيق لا يظلم فيه أحد من عباد الله، والاستشهاد الجيد بالآيات، والأحاديث، والتنوع ما بين حديث وآية وشعر، وقول مأثور، وحكمة جليلة.

7- في وقت وقوع الزلازل والكوارث، ووقوع القتل والفتن، وتكالب الأعداء - الحث على الاعتصام بحبل الله والتوبة، والخروج من المظالم، والتضرع إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ما يقع هو بسبب ذنوب بني آدم وفسادهم، والواجب على كل مسلم التوبة والرُّجوع وعدم التسويف، بل المبادرة والإقلاع عن المعاصي.

8- في وقت الحاجة والفقر، وانتشار العوز في بلاد الإسلام - الحث على الإنفاق في سبيل الله، وأنَّ المال هو وديعة بيد المسلم، وأنَّ الواجب تقديمُ الدعم المادي لإخوة الإسلام في أيِّ مكان مهما اختلفت أشكالُهم وألوانهم، وكذا في وقت نشر الأفكار الهدَّامة ودعمها من قبل المؤسسات الغربية، وغيرها، الواجب تذكير الأمة بأهمية التصدي للباطل، إما بالكلمة أو بالمال؛ لئلا يستشري الباطل، وتضل الأمة عن الطريق القويم، وأنَّ من لم يقم بواجبه فلا يَلومَنَّ إلا نفسه.

9- في وقت خروج الفئات الباغية على شرع الله، ومنازعة أولي الأمر، وقيامهم بأعمال تضر بالمجتمع المسلم من قتل للأبرياء، وسَفْكٍ للدماء - الواجب التحذير منهم ومن أفعالهم، وبيان ما يعتقدونه من أفكار باطلة، وأنه الواجب طاعة أولي الأمر؛ لئلا ينفلت وتكون فوضى في بلاد الإسلام؛ مما يوجب العبث، وتسلُّط الكفرة على ديار المسلمين، ومثله التصدي لأفكار من ينتسب إلى الإسلام في الظاهر وهو يُخالفه في الاعتقاد كالرافضة، فالواجب بيان عقائدهم وضلالهم، وأنَّهم يستعملون التقيَّة في نشر الباطل، فالواجب الاعتصام بين المسلمين، والتصدي لترويج باطلهم وإفكهم.

10- في وقت يرى فيه الداعية أنَّ المسلمين قد هجروا كتاب ربهم، وتدبر آياته، والعمل به - لا بُدَّ من بيان فضل تلاوته، وأنَّه حبل الله المتين، ونجاة المسلم في الدنيا والآخرة، وأنَّه يشفع لقارئه، وأنَّ هجرانه يعني ظلام القلوب والبيوت، والبُعد عن رحمة الله، وبيان فضائله من الآيات والأحاديث، وهذا مِمَّا ينبغي التذكير به في كل مناسبة. 

جامع ينبغي التذكير به دومًا:

ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأن نجاة المسلمين وسعادتهم في كل زمان ومكان تكمُن في تحقيق هذين الأمرين، وأي موعظة تخلو من التذكير بهذا الأصل القويم سيكون تأثيرها مؤقتًا، وتصل الموعظة إلى القلوب هامدة ميتة؛ ولهذا ينبغي التذكير بالهدف والغاية التي خلق من أجلها الخلق، ألاَ وهي عبادة الله وحدَه لا شريك له والعمل على مرضاته، وطاعة رسوله الكريم، والتطلع إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان، والسعادة الحَقَّة وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّ الله لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم، وقد أخبر الله أنَّ أهلَ طاعة الله وطاعة الرسول هُم من أهل الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: 72].

وصَلَّى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــ [1] "صحيح البخاري"، (يتخول): يتعاهد، (السآمة): الملل والضجر.

[2] أخرجه أبو داود وغيره مطوَّلاً ومختصرًا من حديث البراء - رضي الله عنه.

وللأخ بلقسام عبدالدائم بحثٌ حول الموعظة عند القبر، وقد خلص إلى ما أشرْنا إليه، تجده على موقِع أهل الحديث.

[3] حديث صحيح أخرجه الشيخان. ‏

[4] رواه مسلم ح (2892).

[5] أخرجه البخاري (5661).

[6] متفق عليه.

[7] العرباض بن سارية في سنن الترمذي - رقم (2676)، وهو حسن صحيح.

[8] الحديث رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية للبيهقي: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).

[9] مدارج السالكين (2/479).

[10] من كتاب "الأنباء بأخطاء الخطباء" (ص: 60 - 78) بقلم سعود بن ملوح سلطان العنزي، قدَّم له الشيخ سُلَيم بن عيد الهلالي.

[11] كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم، وكتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية من أفضل الكتب التي تفيد الواعظ، وتجعله مهتديًا مقتديًا بسنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

نوشته : مرشدالحيالي


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۲ ] [ مشاوره مديريت ]
    التعبير     وهو تصوير المعاني بالألفاظ، وشأنه في الخطابة عظيم؛ لأنه كساء الكلام به تنال الخطبة رونقها وبهاءها؛ كالثوب يزين لابسه ويكسبه حسنًا وجمالاً، فإذا لم يراع الخطيب حسن التعبير فلا أثر له في إرادة السامع، ولا سلطان له على قلبه؛ بل تبقى عواطفه نائمة لا حراك لها فلا يندفع إلى العمل بما يقصده منه.

هذا؛ وإن التعبير يدخل في فن الإنشاء، ولما كان المنشئ والخطيب بمنزلة واحدة من حيث توجيه الكلام نحو الغير للإفهام - لم تكن للخطيب حاجة إلى قواعد خاصة لتأدية مراده أكثر مما هو معلوم في فن الإنشاء، وإنا نذكر لك الآن ما يهم الخطيب منه، وهو أمور:
الأول: التفنُّن وهو أن يأخذ بأنواعٍ منَ الكلام وأفانينَ منَ القول، ويذهب فيه إلى طُرُقٍ شَتَّى، وأساليبَ مُتَنَوِّعة، فيلبس المعنى الواحد عدة أثواب، ويكسو غرضه حللاً مختلفة من الجمل والتراكيب، فيكون قد أتى بشيء يجذب النفوس إلى استماعه، فإنها ميالة إلى حب الجديد، بخلاف ما إذا التزم أسلوبًا واحدًا من الكلام، فإنه بذلك يوقع السامعين في الملل والسآمة، فقد جبل الإنسان على الملال من الاستمرار على شيء واحد، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره، وتجدَّدَ نشاطُه، وتَكامَلَ ذَوْقُه ولذَّتُه، وصار أقربَ إلى فهم معناه والعمل بِمُقتَضَاهُ، وكان كمنِ انْتَقَلَ من بلد إلى بلد، أو من بُستانٍ إلَى بُستان، أو فاكهةٍ لذيذةٍ إلَى أُخْرَى، وفي ذلك ما فيه من ترويح النفس وتنشيطها، قال أبو علي القالي: التفنن موجب لإيقاظ السامع وتحريكه للجد في الإصغاء، فإن تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم، ويستجلب مزيد رغبة فيه من المخاطب.

والقرآن الكريم أعدل شاهد على التفنن مع متانة الأسلوب، وحسن السياق، وعذوبة الألفاظ، ودقة المعاني وبعدها عن مظنة التكرار، وذلك كما في قصة آدم - عليه السلام - وأكله من الشجرة، وهبوطه من الجنة، وكما في قصة إبراهيم - عليه السلام - مع ضيفه، ومع أبيه وقومه، وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، فإن هذه القصص ذكرت في القرآن الحكيم في عدة مواضع مع تفنن في العبارة مما يظنه الجاهل بأساليب البلاغة تكرارًا وليس به، بل هو غاية في الإبداع ونِهاية في الإعجاز، واعلم أنَّ التَّفنُّن المذكور غيرُ الافتنان الذي هو نوع من أنواع البديع، وهو ارتكابُ فنَّيْن من الكلام في سياق واحد عند ذكر ما يَقْتَضِيهِ كالجمع بين التعزية والتهنئة في قول عبدالله بن همام السلولي حين مات معاوية - رضي الله عنه - وتولَّى الخلافة بعده ابنه يزيد، وقد حار الناس فيما يقولون، أيعزون أم يهنئون؟ فدخل عليه وجمع بين التعزية والتهنئة حيث قال: آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت جسيمًا، ورزقت عظيمًا، فاشكر الله على ما رزقت، واصبر على ما رزئت فقد فُقِد الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلاً ووهبت جليلاً: اصْـبِـرْ يَـزِيـدُ فَـقَــدْ فَـارَقْــتَ ذَا مِـقَــةٍ        وَاشْـكُـرْ حِـبَـاءَ الَّـذِي بِـالـمُـلْـكِ أَصْـفَـاكَ
لاَ رُزْءَ أَصْـبَــحَ فِــي  الأَقْــوَامِ  نَـعْـلَـمُــهُ        كَـمَـا رُزِئْــتَ وَلاَ عُـقْـبَــى كَـعُـقْـبَــاكَ
وكالجمع بين الفخر والهجاء في قصيدة السموأل المشهورة، فقد جمع بين الفخر لنفسه وقومه، والهجاء لقبيلتي عامر وسلول في قوله: لَـنَـا جَـبَـلٌ يَـحْـتَـلُّـهُ مَـنْ نُـجِـيــرُهُ        مَـنِـيـعٌ يَـرُدُّ الـطَّـرْفَ وَهْــوَ كَـلِـيــلُ
رَسَـا أَصْـلُـهُ تَـحْـتَ الـثَّـرَى وَسَـمَـا بِـهِ        إِلَـى الـنَّـجْـمِ فَـرْعٌ لاَ يُـنَــالُ  طَـوِيــلُ
وَإِنَّـا لَـقَـوْمٌ مَـا نَـرَى الـقَـتْــلَ سُـبَّــةً        إِذَا مَــا رَأَتْـــهُ عَــامِــرٌ  وَسَــلُــولُ
يُـقَـرِّبُ حُـبُّ الـمَـوْتِ آجَـالَـنَـا لَـنَــا        وَتَـكْـرَهُــهُ آجَـالُـهُــم  فَـتَــطُــولُ

الثاني: متانة الأسلوب ومما ينبغي رعايته أن يعمد الخطيب بعد استحضار المعاني إلى الألفاظ التي يريد أداءها بها، فيفرغ المعنى في قالب يناسبه، فالمعاني الجزلة لا بد لها من جمل وتراكيب في غاية الضخامة والفخامة، والمعاني الرقيقة المستملحة لا بد لها من ألفاظ تناسبها رقة وسلاسة؛ ليحصل التشاكل بين النوعين، وتكون المعاني مع الألفاظ كالعروس المجلوَّة في الثوب القشيب، والحلي الفاخر، مع إعطاء كل موضوع حقه من شدة العبارة ولينها في النطق ليكون ذلك أدل على المعنى المقصود، كما سيأتي، وأصدق شاهد على ذلك ما تراه في قوارع القرآن الكريم من جزالة المعاني، وفخامة التراكيب عند ذكر مفارقة الدنيا والحساب والعذاب وأهوال يوم القيامة.

وما تراه أيضًا عند ذكر الرحمة والمغفرة، وما يدل على البشارة والملاطفات في خطابات الأنبياء والمرسلين والتائبين والمنيبين من العباد، وغير ذلك مما استعمل فيه رقيق العبارة مع تمام الانسجام بين المعاني والألفاظ، فالأوَّل كقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}[1].
هذه الآيات الكريمة المتضمنة ذكر المحشر على تفاصيل أحواله، وشديد أهواله وذكر النار والعذاب لا تجد فيها كلمة إلا وهي جزلة مستعذبة على ما فيها من الضخامة الملائمة لجزالة المعنى المقصود منها، وكذلك كل آية سيقت للإرهاب والتخويف، والإنذار والوعيد، تراها في منتهى الجزالة، وضخامة التراكيب، ومتانة الأساليب البالغة حد الإعجاز.

والثاني: كقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}[2].
فإنها لاشتمالها على دخول الجنة والتمتع بما فيها من النعيم المقيم، والحصول على ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قد اشتملت على رقيق الألفاظ ولطيف المعاني المسوقة للتشويق إلى نيل تلك المنزلة العالية والمرتبة السامية.

وانظر إلى حسن الملاطفة ولطف الملاينة في أدق معانيها، وأرق مبانيها في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1 - 3]؛ فإنك تجدها تشفُّ عن تمام العطف عليه، والرضا عنه - صلوات الله وسلامه عليه - وانظر إلى تقديم العفو قبل العتاب في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}[3]، فإنها على وجازتها دلت على عدم المؤاخذة، وكمال الملاطفة، وتمام الرضا عنه - صلى الله عليه وسلم - وبالتأمل ترى سبيل القرآن الكريم في كلتا الحالتين من الجزالة والرقة على هذا الأسلوب الحكيم الذي أعجز أساطين البلاغة عن معارضته، والإتيان بأقصر سورة من مثله.

الثالث: الاقتباس وهو أن يأخذ المتكلِّم شيئًا من كلام غيره فيدرجه في كلام نفسه بعد التمهيد له لتأكيد ما أتى به من المعنى، فإن كان قليلاً فهو إيداع، وإن كان كثيرًا فهو تضمين، وعلى كل فإنه يكون من كلام الله - عز وجل - أو من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من كلام البلغاء وغيرهم، وقد رخَّص بعض العلماء في تضمين بعض آيات القرآن في الخطب والمواعظ من غير إفراط حتى استعمله كثير من الناس ما لم يخرج القرآن في التضمين عن الغرض المسوق له، وكان يعطي الكلام حلاوة وطلاوة وإلا منع منه، فمن الجائز قول بعضهم: اغْتَنِمْ فَوْدَكَ الفَاحِمَ قَبْلَ أَنْ يَبْيَضّْ        فَإِنَّمَا الدُّنْيَا جِدَارٌ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّْ
وقوله: رُبَّ بَـخِــيــلٍ لَـــوْ رَأَى سَــائِــلاً        لَـظَـنَّـهُ رُعْـبًــا رَسُــولَ الـمَـنُــونْ
لا تَـطْـمَـعُـوا فِـي الـنَّـزْرِ مِـنْ نَـيْـلِـهِ        هَـيْـهَـاتَ هَـيْـهَـاتَ لِـمَـا  تُـوعَـدُونْ

وقوله: أَيُّـهَــا الـسَّــائِــلُ  قَــوْمًــا        مَـا لَـهُـمْ فِـي الـخَـيْـرِ مَـذْهَـبْ
اتْــرُكِ  الـنَّــاسَ  ججة العامة المُبْتَذَلة، والمُحافظة على الإعراب والبناء، فإنَّ التزامَ اللُّغة العربيَّة الفُصحى في الخطابة ألذُّ على الأسْماع، وأشهى للنفوس، وأقرب إلى فهْمِ السَّامعين من أي طبقة كانوا، متى كان الخطيب فصيح اللسان حسن البيان يعبر عما في نفسه بعبارة بليغة بعيدة عن اللبس والخفاء، ولا بأس إن تكلم بين الدهماء أن يتقرب منهم ويخاطبهم بلغتهم دون ركة ووحشية إذا اقتضى الحال ذلك.

واعتدال الصوت موافقته للأحوال والظروف، فإنه يختلف باختلاف الحضور والمكان فيحتاج المكان الرحب مع وفرة السامعين إلى صوت أدق وأجهر.

والتفنن فيه: أن يجعله طبق المعاني التي يصورها بالألفاظ ويمثلها بالصوت بأن يعطي ألفاظ الاستفهام والتعجب، والتوبيخ واللوم، والتقريع والزجر، والتفخيم والتهويل، والتحزن والندم، والحيرة والوعد والوعيد، وما إلى ذلك حقها في النطق، فيكيف الصوت فيها بكيفيات خاصة وانفعالات تتناسب مع المعنى الذي يقصد، حتى يثير ذلك في نفس السامع الرغبة والرهبة والانزعاج والندم، ويحدث فيها هزة الفرح والارتياح والنشاط تبعًا لسير المعنى الذي يتكلم فيه، وأن يخفض صوته في موضع الخفض واللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتأفف في موضع التأفف، ويَتَطَامَنُ في موضع التطامن؛ كالدعاء والاستعطاف، والاسترحام واستنداء الأكف عند جمع المال للأعمال النافعة أو الإنفاق على بيوتات مَجد أخنَى عليها الدهر، وما إلى ذلك، وأن يشمخ بأنفه ويُظْهِرَ العِزَّة وعلو النفس في مواضع الفخر والحماسة، وذكر شرف العلم والتقوى، وأن يتأثر حتى يظهر أثر الانفعال المعتدل في صوته وإشارته، وملامح وجهه عند ذكر حادثة مؤلمة أو حكاية خطب فظيع، أو ندم على فوات مطلب عزيز، بحيث تكون لهجته في جميع ذلك لهجة خطابة لا لهجة تِلاوة، يُسرد فيها الكلام سردًا، أو لهجة ترنُّمية تخرجها عن المألوف إلى نوع من الأغاني.

وعلى الجملة ينبغي للخطيب أن يعطي الموضع حقه من: 1 - حسن العبارة. 2 - وقربها من الأفهام. 3 - وجودة الإلقاء والتشخيص لمقامات الخطابة، حتى يبكي أو يتباكى عندما تدعو إلى ذلك حاجة، مراعيًا ما يناسب الخطب الدينية وغيره من غير أن يظهر عليه أثر التصنع أو التكلف، وإلا سقط من العيون وانصرفت عنه الأسماع، وظل موضع النقد والسخرية، كما يلزم أن يتجنب التزام السجع البارد الممقوت، والجناس المتكلف، وعليه أن يرسل الكلام إرسالاً من غير تقعر ولا تكلف، فإن أتَى السَّجع أو الجناس عفوًا قارًّا في موضعه غير نادٍّ عن الذوق، ولم تظهر عليه مسحة التكلف فذاك، وإلا أساءَ حيث أراد الإحسان.

أمَّا الإشارة الخطابية: فهي حركات تبدو من جسم الخطيب ووجهه ورأسه وجوارحه من شأنِها تأييدُ الكلام الذي يتفوَّه به، وحسنها من تمام حسن البيان باللسان، وأفضل الإشارات الطبيعية اللطيفة المتوسطة بين غِلْظَةِ العامَّة ومُبالغة المتصنِّعين، ولها في الخطابة شأن عظيم؛ لأنَّها تشارك النطق في نقل الفكر وانفعالات الخطيب، متَّخذة البصر لها سبيلاً فهي اللغة العمومية التي يفهمها كل إنسان، وما يحدثه من التأثير لا تأتي بمثله لغات العالم، ولا يكاد صاحب حديث يستغني عنها، قال تمام بن أشرس: لو كان ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر بن يحيى عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة، فهي ضرورية للخطيب، وبها يحرك الانتباه ويصل إلى ما ينبغي من التأثير، والصوت وحده لا يكفي للإفادة والإقناع والتعبير عن معاني اللذة والألم والغضب والرضا، واليأس والرجاء، والاحتقار والتوقير، وما إلى ذلك ما لم تساعده حركات اليد، وملامح الوجه وبريق العينين وإشارة الطرف والحاجب.

ففي الكلام العادي المعتدل كالوصف يجب الإقلال من الحركة، أما في الحماسة وغيرها من مثيرات العواطف، فالحركة الكبيرة الواسعة لازمة.

أما الوقفة الموافقة للخطابة: فهي الطبيعية أيضًا دون توتر في الجسم ولا تخنث، بحيث يبعد الخطيب فيها عن عظمة المتجبر، واضطراب الطائش الأرعن، ويحسن بالرأس أن يحيد عن الانتصاب الزائد، والانحناء المفرط، وبالوجه والنظر أن يكون كمرآة للنفس في بيان عواطفها، وباليدين أن لا ترخيا مهملتين، ولا تمدا بإفراط أو تلصقا بالصدر، وإن تحركت اليمنى فلا بد أن تشير بإشارات أنيقة حسنة الدلالة موافقة للمعنى وسابقة عليه سريعة في أولها كلما كان الكلام حادًّا ملتهبًا.

وصفوة القول: يجب على الخطيب أن يكون في وقوفه بعيدًا عن التكلف، والخروج عن المألوف في إشاراته وإلقائه، مُحافظًا ما أمكن على صوته الطبيعي، غير مقلد لغيره من الخطباء والوعاظ والممثلين مُجتنبًا التزام نبرة واحدة، وحركة واحدة، لئلاَّ يكون كالتلميذ في تلاوة درسه لا الخطيب في فَيضِ بَلاغَتِه، بعيدًا عن الإكثار من الإشارة، أو الإتيان بحركات مستهجنة، وعن التَّنَحْنُح والسُّعال وكل ما يدل على الضعف أو يورث الملل جاعلاً من تأثر نفسه في صوته وحركاته ليخلع على كلامه لباس الحياة، هذا؛ وإنَّ الارتياض مع مراقبة الخطباء البلغاء، وحسن الذوق أحسن معلم لهذا الفن.

ومن آداب الأداء أن يتمهَّل قليلاً بعد الوقوف وقبل التكلم؛ ليتم له الإصغاء ويوجه إليه أنظار السامعين، ولا سيما إذا كان صعوده إلى المنبر بعد نزول خطيب آخر عنه، فإن هذا التريث يساعد على لفت نظرهم، وجمع انتباههم بعد أن يتباعد عنهم صوت الخطيب السابق، ويذهب صداه من آذانهم فيكون للكلام الجديد أثره في القلوب، وأن يفتح الخطبة بصوت متوسط لا خافت ولا جهير، إلى أن تدعوه الحالة إلى الجهر شيئًا فشيئًا.

واعلم: أن أحسن الكلام ما كان قليله يغني عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله عز وجل قد كساه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفًا واللفظ بليغًا وكان صحيح الطبع بعيدًا من الاستكراه والاختلال، مصونًا عن التكلف صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمهما عقول الجهلة، وقد قال عامر بن عبدالقيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وبالله تعالى التوفيق.
[1]   سورة الزمر: 68 – 72. [2]   سورة الزمر: 73 – 75. [3]   سورة براءة: 43. [4]   سورة النمل الآية: 37. [5]   سورة طه الآية: 40 [6]   سورة المؤمنون الآية: 108.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۴:۰۱ ] [ مشاوره مديريت ]
  حال الخطب اليوم وما يجب أن تكون عليه   إذا تتبَّعْتَ تاريخ الإسلام بعد القرون المشهود لها بالخير؛ تَجِدُ الخُطب الدينية في كل دولة قد تَراجَعَتْ إلى الوراء، حتَّى صارتْ إلى ما هي عليْهِ الآنَ من التأخُّر والانْحِطاط، فإنَّها لَمَّا كانت بيد الملوك؛ كان أكبر همِّهم حثُّ الناس على السمع والطاعة لهم، والاستنهاض إلى مُحاربة الأعداء بحقٍّ أو بغير حق، وقلَّ مَنْ ينظُر منهم في أحوال الناس وأمراضهم النفسية، فيعظهم من ناحيتها، ولَمَّا تَركها المُلوكُ والأمراءُ لترفُّعهم أو لغيره، ووكلوا أمرها إلى أئِمَّة المساجد، ساروا فيها على أهواء الملوك والأمراء - إلا من رحِمَ الله - حتَّى سقطت في تلك المَهْواة، ووَقَعَتْ في أَيْدِي مَن لا يُجِيدها، ما عدا القليل من الخُطباء الذين لم يَبْلُغوا بِها درجتَها اللاَّئِقَة بِها، ولم يكونوا كافين لقِلَّتِهم في دَعْوَةِ النَّاس إلى الله، وإرشادهم إلى الحق.

وأصبحت الخطب اليوم عبارة عن كلماتٍ تُحْفَظُ وتُلْقَى، ومعظَمُها يَدورُ حولَ الدنيا وذمِّها والتَّزْهِيدِ فيها، والأمر بِالمَعروف والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَر، بِعباراتٍ مُجملةٍ لا تُغْنِي من أمراض النفوس شيئًا، ولا تَصِلُ إلى أعماق القلوب، وبعضها يَخْلِطُ الأوامِرَ بالنَّواهِي، ويجمع بيْنَ أمورٍ كثيرةٍ لا يستوفي الكلام على واحدٍ مِنْها، فيحذر مِنْ تَرْكِ الصلاة، وشُرْبِ الخُمور، والزنا، والربا، وما إلى ذلك من المنْكَرات، كل ذلك في خطبة واحدة، وما يسمعه الناس من الخطيب اليوم يسمعونه غدًا، وما يلقى في هذا العام يدور في العام القابل، مع أنَّ الواجِبَ - كما عَرَفْتَ - مُراعاة الخطيب لمُقْتَضَى الحال، وإصلاح السامعين على قدر ما فيهم من الشَّرِّ والفساد، لا فَرْقَ بيْنَ مُتَعَلِّم وجاهل، وكبير وصغير، وأمير ومأمور، شأن الهداية بالقرآن وشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين.

وحيث كان الغرض من الخطابة الدينية دعوة الناس إلى الهدى ودين الحق، وإحياء الفضيلة، وإماتة الرذيلة، وإصلاح فساد قلوبهم، وتطهيرهم من الأمراض النفسية والاجتماعية - تعلم أن الخطب المجملة لا تفيد الجمهور شيئًا؛ لأنَّها لم تَلْمَس مواضعَ الداء، ولم تَهْتَدِ إلى الدَّواء.

فمَثَلُ مَن يقول: إنَّ المعاصِيَ تُزِيلُ النِّعم، وإنَّ التَّعلُّق بالدُّنيا مُبْعِدٌ من الله تعالى، وقدِ استَحَقَّ النَّاسُ العذابَ لِظُهورِ الفسادِ في البَرِّ والبَحْرِ، ولوِ اسْتَقَمْنا ما انتقمنا، ما للمساجد خرِبَتْ، وبيوت اللَّهْوِ والفسوق عمرت، ما للقلوب قست، ما للعيون لا تبكي، ما للقلوب لا تتألم، قد انتهكتم الحُرُمات، وتعدَّيْتُم الحُدُودَ، وأغضبْتُمُ الجبَّار، فإنَّا للَّه وإنَّا إليْهِ راجعونَ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما إلى ذلك من مُجْمَلات القول - مَثَلُ الطبيب الذي يَخْطُب الجُمهورَ فِي قواعد الصِّحَّة العامَّة، وفيهم المسلول، والمحموم، والمجذوم، والمبطون، وذو الرمد الصديديِّ، والبلهارسيا، والمصاب بالسيلان أو الزهري، وما شاكل ذلك من الأمراض المعدية، التي تحتاج إلى دواء خاص، وعلاج خاص، وحمية خاصة، ويقول: نظِّفوا غُرَفَ النَّوْمِ، وقلِّلوا من الغذاء، واحْتَرِسُوا من الرُّطوبة، ولا تأكلوا المغلظات، ولا تبصقوا في أماكن الاجتماع، وما شاكل ذلك أيضًا من الكليَّات العامة، التي تصلح للصحيح كما تصلح للمريض، فهم لا يلتفتون إليها؛ لأنَّها أصبحت لديهم في حكم المعلوم بالضرورة، لا تؤثر فيهم أدنى تأثير؛ لأنها لم تلمس موضع الألم فيحس المريض، ولم تصف دواء فيعلق عليه الأمل، وينشط في العمل.

لذلك يجب على الخطيب الديني أن يتكلم على الموضوع الخاص، ويحلله تحليلاً دينيًّا أخلاقيًّا اجتماعيًّا، فيتكلم على الإشراك بالله مثلاً؛ مبيِّنًا أنه نتيجة البله والسقوط من مرتبة الإنسان الحق مهما كان صاحبه ذكيًّا مُخترعًا في الدنيا، وماهرًا فيها؛ لأن مَنْ لم يعقل هذه العوالم الكبيرة المنظمة والآثار البديعة المحكمة، ولم يهتد بالسنن الكونية إلى وجوب وحدة الصانع الحكيم يكون كالأنعام؛ بل هو أضل، وذلك سِرُّ كون الله تعالى لا يَغْفِرُ أن يُشْرَك به؛ لأنَّ المشْرِكَ قد عطَّل مواهبه، وكلَّ حواسِّه منَ النَّظَرَ في الكائنات، وانكبَّ في الشهوات على وجهه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[1]؛ {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً *أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}[2]؛ وإنما كانوا أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنَّها تنقاد لمَنْ يتعهَّدها وتحبه، وتميِّز مَنْ يحسن إليها ممَّن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتنفر مما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربِّهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون رضاه وهو أعظم المنافع، ولا يتقون غضبه وهو أشد المضارِّ، ولأن الأنعام إن لم تعتقد حقًّا ولم تكسب خيرًا - لم تعتقد باطلاً ولم تكسب شرًّا، بخلاف هؤلاء، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذنب لها، وهؤلاء مقصِّرون مستحقُّون أعظم العقاب على تقصيرهم؛ ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تُفضِي إلى إثارة الفتن، وصدِّ الناس عن الحق، وقال تعالى في وصف الكفار: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}[3]، وكانوا شرَّ الدواب لإبطالهم ما مُيِّزوا به وفُضِّلوا لأجله من نعمة العقل والتمييز.

ثم إذا أراد أن يتكلَّم على الشِّرْكِ الخَفِيِّ الواقع في الناس؛ سواء جاء من طريق الرياء أوِ الاعتماد على الأسباب - يقول: إنَّ مِثْلَ هذا قد تغلَّب عليه الشَّيْطَانُ بِخَيْلِه ورجله، فأضاع عليه الوقت بضياع عمله؛ لأنَّ مَنْ يَعمل لغَيْرِه لا بد له من جزاءٍ إنْ كان عاقلاً؛ بل مَنْ يَعْمَلُ لنفسه لا بدَّ له من ثَمَرةٍ يتوخَّاها، والناس والأسباب المادِّيَّة لا تأثيرَ لَها، ولا تُجازى بثواب، وقدِ انْقَطَعَ مَدَدُ اللَّه عنه، فإنه لم يعمل له، وهذا هو الخسران المبين.. ثم يذكِّر آيات وأحاديث التحذير من الشرك بنوعَيْه، المنذرة بوخامة العاقبة وسوء المغبَّة.

ويتكلَّم على قتل النفس ظلمًا؛ مبيِّنًا ما فيه من الأضرار المادية والاجتماعية؛ كتولُّد الأحقاد والضغائن، وبقائها بين الأُسَر، وتربُّص الدوائر من كلٍّ منها بالأخرى، وانتقال ذلك الشر من الأصول إلى الفروع، والإخلال بالأمن والراحة. هذا إلى ما في هذه من الجناية الشنيعة الأثيمة؛ من تعريض النفس للإعدام، والأموال للإتلاف، والأولاد للضياع، فضلاً عن غضب الله ومقته، ذاكرًا الآيات والأحاديث الواردة في التحذير من جناية القتل، ويقبِّح أيضًا جريمة الانتحار، مبيِّنًا أنه نتيجة السَّفَه، وقلَّة الإيمان، وعدم الثقة بالله تعالى والرضاء عنه في قضائه وقدره، وأن المنتحر قد باء بإثمه، ولقي الله وهو عليه غضبان، تاركًا وراءه الخزي والعار وقبيح الأحدوثة، ثم يأتي بما يناسب المقام من الأدلة الشرعية؛ محذِّرًا من هذه البدعة السيئة غاية التحذير.

ومَنْ يخطب في الزنا؛ يذكر أضراره البدنية والأخلاقية والاجتماعية؛ من اختلاط الأنساب، وتفريق الوحدة، وأن زوج الزانية يضيع ماله على أولاد الأجانب، وأن الزانية والزاني قد هتكا حرمة الزوج، واعتديا على حقِّه الشرعي، وهتكا الأسرة، وسجَّلا عليها عارًا لا يُمحى، وخزيًا لا يزول، وتشبُّهًا بالحيوان الأعجم الذي ينزو ذَكَرُهُ على أنثاه بلا قيدٍ ولا شرط، وأن مَنِ اجترأ على الله بارتكاب هذه الجريمة الشنعاء يجترئ في سبيل شهوته على ضرر العباد، والسعي في الأرض بالفساد، فضلاً عمَّا في الزنا من التعرُّض لغضب الله ومقته، ثم يأتي بآيات وأحاديث الزنا وفظاعة عقوبته؛ حيث كان فاحشةً وساء سبيلاً، وينفِّر الناس من الزاني والزانية بأنهما وباءٌ على المجتمع؛ لأن مَنِ استَحْكَمَ فيه مرضٌ يوَدُّ أن يكونَ النَّاسُ مِثْلَه، والتنفير بابٌ عامٌّ يَنْبَغِي دخولُه في كلِّ المُهْلِكات. وقريب من الزنا السُّفور، وتبَرُّج النساء في الأسواق والطرقات.

ومَنْ يخطب في التحذير من الربا؛ يذكر ما فيه من الأضرار المالية والاقتصادية، وأنه ما انتشر في أُمَّة إلا ذلَّت بعد عزِّها، وافْتَقَرَتْ بعد غناها، وفقدتْ قوَّتَها واستقلالَها، ووقعتْ في قَبْضَة الاستِعْباد، هذا إلى ما في الربا من المَحْق، وذهاب البَرَكة، ومُحارَبَة اللَّه، والتَّعرُّض لغَضَبِه وعُقوبَتِه في العاجِل والآجِل، ويُستدلُّ على هذا كله بالأدلة النقليَّة والمشاهَدات الحسيَّة.

وإذا خطب في التحذير من تناوُل المُسْكِرات وتَعاطِي المُخَدرات - ذكر ما فيها من الأضرار الماليَّة، والصِّحِّيَّة، والخُلُقيَّة، والاجتماعيَّة، وأرْدَفَ ذلك بما جاء فيها من الوعيد الشَّديد الوارد في الكتاب والسنَّة.

وبِالجُملة؛ إذا تكلَّم في المنكرات يحلِّلها على هذا النحو؛ بادئًا بأشدها خطرًا، وأكثرها وقوعًا في الأُمَّة التي يخطب فيها، ويعالِجُهم بالطرق المتنوعة الحكيمة؛ كما بيَّنَّاه في الفصل العاشر من كتابنا "هداية المرشدين".

وإذا خَطَبَ في باب الأوامر والفضائل؛ عمد إلى شُعَب الإيمان شُعْبَةً شُعْبَةً، وتكلَّم عن كلِّ شُعْبَةٍ منها على حدةٍ؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدق، والوفاء، والأمانة، والحياء، مبينًا حكمة مشروعيَّتها، وآثارها التي تعود على صاحبها وعلى المجتمع الإنساني، وما في تركها من الاتِّصاف بأضدادها من الخسارة عليه، وعلى الحياة الاجتماعية، مشفوعًا ذلك بالأدِلَّة النقليَّة والعقليَّة والحسِّيَّة، مراعيًا أيضًا أكبَرَها خطرًا، وأكثرَها شُيوعًا في الناس.

ويَخطب في المواسم بِما يُناسِبُ الحال؛ فيتكلم في رمضان - مثلاً - في وجوب الصوم؛ حتَّى على الأمم السابقة، مبيِّنًا سرَّ مشروعيَّته من ضبط النَّفْس وإضعاف شهوتها، وكونه وسيلةً إلى تربية النفس وتهذيبها، وتعويدها على قوة الإرادة، فإنها إذا انقادت للامتناع عمَّا لا غنى له عنه من الغذاء؛ فأوْلى أن تنقاد للامتناع عمَّا لا حاجة لها فيه من الحرام، فكان سببًا في اتِّقاء المحارم وقوة العزيمة، وأنه يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالضعفاء، والعطف على البائسين، وأنه ينقي الجسم من الفضلات الرديئة والرطوبات المعوية، وما إلى ذلك من المزايا الصحية والخُلُقية والاجتماعية، كما سبق تفصيله في الفصل الثالث في أصول الخطابة في (الأدلة الذاتية)، ثم يبيِّن ما للصائم عند الله من عظيم المثوبة على هذا الجهاد العظيم، ويذكر ما ورد فيه من أحاديث الترغيب.

ويتكلَّم في العيدين عن الأعمال المطلوبة؛ من صدقة وأُضْحِيَة، وتهليل وتكبير، وصِلَة رحم وعطف على بائس وأرملة وإكرام يتيم، مرغِّبًا في العفو عن الهفوات، والصفح عن الزلات، وترك الخصومات والإصلاح بين الناس، ويحذِّر الناس من العوائد المحرمة والبدع القبيحة التي تقع في العيدين؛ كزيارة المقابر والمبيت بها، وتجديد الأحزان، ويبيِّن أيضًا أن رضا الله في مثل هذه الأيام أكبر، وغضبه أعظم، ويضرب لهم الأمثال بأنه لكل مَلِكٍ حالات غير اعتياديَّة عند رعيَّته، يعطي فيها الآلاف، ويطلق المساجين، ويعفو عن التائبين؛ كذلك أيام الله تعالى بالنسبة لملك الملوك ورب الأرباب، وإن غضب المَلِك في أوقات الصفاء قد يخرجه عن مألوف الغضب في بقية الأيام. وينبغي أن يتكلم على صدقة الفطر في الجمعة التي قبل العيد؛ ليُحْسِنَ الناس أداءها في الوقت الأفضل، على الوجه المطلوب.

ويتكلم في شهر ربيع الأول على سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر نَسَبَه وحَسَبَه، ومزايا قومه وعشيرته، وأخبار مولده وتربيته، وصفة معيشته في نفسه، وزواجه وسيرته مع أهله - تمهيدًا لبيان المقصد الأعظم؛ وهو نبأ بعثته التي كانت رحمةً للعالمين، مبيِّنًا ما كان عليه من الأخلاق الكريمة والآداب العالية، وما تَمَّ على يديه من الإصلاح وجلائل الأعمال، وما قاساه من الأهوال والمتاعب الشديدة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، مستمدًّا ذلك كلَّه من الكتاب المبين وصحيح السنَّة، وما تمس الحاجة إليه مما أثبته ثقاة المؤرِّخين، مجتنبًا كل ما لم تثبت صحته مما يتعلق بسيرته الشريفة، مبيِّنًا أن الفائدة المقصودة من ذلك هي تذكير الناس بخلاصة تاريخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليتذكَّر المؤمنون منَّة الله تعالى عليهم ببعثته، وتتغذَّى أرواحهم بزيادة الإيمان به وكمال محبَّته، ويزداد تعلُّقهم بهذا الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - ويحرصوا على اتِّباعه والاقتداء به، والتمسُّك بدينه، وإحياء سنَّته، والتحلِّي بآدابه، ولا يكفي ذكر نسبه الشريف مجرَّدًا عن ذكر مآثر آبائه، ولا ذكر أوصافه الجسمية؛ كما يفعله بعض الخطباء اليوم، فذلك لا يفي بالغاية المقصودة من ذكر حياته الشريفة - صلوات الله وسلامه عليه.

وإذا تكلَّم على وفاته؛ فلا يذكرها مُجَرَّدةً عن بيان ما فيها من العبر؛ وإنما يتكلم عمَّا لاقاه من الشدائد في مرض الموت وسكراته مع الصبر والرضا، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان قد لقي مثل تلك الأهوال وهو المغفور له والمعصوم؛ فكيف بنا ونحن المذنبون، ولا ندري ما يُفعَل بنا؟!

ثم ينبِّه العقول إلى الاحتفاظ بسيرته، وتعظيمه، ومحبته، والعمل على إحياء سنته، وإطعام الطعام شكرًا لله على نعمة وجوده العظمى، ويحثُّ الناس على إكثار الصلاة والسلام عليه؛ لتكون قلوبهم دائمًا معمورةً بمحبَّته - صلوات الله وسلامه عليه - ويبيِّن لهم أن المحبة دائمًا تقتضي الجري على ما يهوى المحبوب، وأن العاصي كاذبٌ في دعواه حبَّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويبيِّن أيضًا حقَّه على أمَّته، وأن هذا الخير العظيم، وتلك السعادة التي فيها العالم - كانت كلُّها على يديه - صلى الله عليه وسلم - ولذلك شُرِعَتْ الصلاة والسلام عليه؛ قيامًا له ببعض حقِّه على الناس.

وهكذا يتكلم في كل وقت بما يناسبه مراعيًا حال السامعين، وأمراضهم، واستعدادهم.

ويتكلَّم على القرآن الكريم؛ مبيِّنًا شيئًا من فضائله، وما يجب على التالي والسامع له، وأن القارئ إنما يتكلَّم بكلام الله كنائبٍ عنه في إسماع الناس ما شُرِعَ لهم فيه، وأنَّ مَنْ أعرض عن القارئ فقد أعرض عن الله، وأن من أَخَلَّ بالأدب عند سماعه فقد أَخَلَّ بالأدب بين يَدَيْ ملك الملوك، ويضرب لذلك الأمثال، ويذكر للناس إجمالاً ما في القرآن من المقاصد وأنواع الهداية، التي تكفل لمَنْ سلكها وتحلَّى بها سعادة الدين والدنيا، وأن تلاوته عبادة، وسماعه عبادة، عندها تتنزَّل الرحمات، وأنَّ الخُضُوعَ عند سَماعه والتأثُّر به خُضوعٌ لله ولجلاله، وآية الفلاح والهداية.

وعلى الجملة؛ يحضُّ النَّاس على احترام مجلس القرآن، ويحذِّرهم من انتهاك حرمته بالتَّغنِّي به أو الإعراض عنه، ثم يلفت الناس إلى تعلُّمه وتدبُّره؛ لتتَّسع عقولهم وتستنير بصائرهم، ويحثُّ المسلمين على المحافظة عليه بحفظ طائفة كثيرة من أبنائهم له في كل عصر؛ محافظةً على ينبوع المِلَّة وأساس السَّعادة في العاجِل والآجِل.

وقد علمتَ أن منهلك الصافي في هذا كله كتاب الله تعالى، وكتب السنَّة الصحيحة، لا سيَّما كتاب الإيمان والعلم والمغازى وفضائل القرآن، وشمائله - صلى الله عليه وسلم - وكتب حكمة التَّشريع، وإياك أن تذكر شيئًا من الآثار التي لم تثبت صحَّتها في مثل هذه المقامات، وإلا كنتَ هدفًا للطَّعن عليك في معلوماتك، والشكِّ في طريقك، وما أغناكَ عن هذا!!

وصفوة القول: إنَّ أفْضَلَ الخطب الدينيَّة ما كان مُطابِقًا لِمُقْتَضَى الحال، ملائمًا لما تدعو إليه حاجة السامعين، وإنَّ مَنْ أَحَبَّ أن يكون نصحُه نافعًا وإرشاده مفيدًا؛ فلينظر إلى المنكرات الفاشية في الناس، والأمراض النفسيَّة المُنْتَشِرة فيهم، والحوادث الحاضرة الحديثة العهد بينهم، وليجعل شيئًا منها على حِدَّة موضوع خطابَتِه، ثُمَّ يُحْصِي ما في ذلك من الأضرار المالية والبدنية والخُلُقية والاجتماعية، ويعدُّها واحدًا واحدًا في ذهنه، ويدوِّنها بقلمه، ثم يستحضِر ما جاء في الموضوع من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة وآثار السلف وأقوال الحكماء، مجيدًا فَهْم ذلك، شارحًا منه ما تمسُّ الحاجة إلى شرحه، ثم يشرع في تدوين الخطبة إذا أراد ذلك مضمِّنًا لها أثار هذا المنكر، وما جاء فيه عن الشريعة الغرَّاء، مراعيًا في أسلوب الخطبة ما يلائم عقول السامعين.

هذا إذا اقتضى الحال الترهيب من سيئة، أو التنفير من نقيصة، وإذا دعت الحاجة إلى الترغيب في نوعٍ من أنواع البرِّ، أو التحلي بفضيلة - فليجعل ما مَسَّت الحاجة إليه من أنواع الخير أو الفضائل موضوعَ الخطبة على حدةٍ، ثم يُفَكِّرُ في مزاياه ومنافعه العامَّة ويُحْصِيها عددًا، ثم يستحضر ما يلائم الموضوع من الكتاب والسنَّة، وما إلى ذلك من كلِّ ما يؤيِّده ويؤثر في نفوس السامعين من الدلائل الشرعية والعقلية والحسية، ثم إذا فرغ من تدوين الخطبة؛ فإن شاء استظهرها عن قلبه وألقاها، وإن شاء تكلَّم على مضمونها بما لا يخرج عنه إلا بمقدار ما يَعِنُّ له حالة الأداء ممَّا يَزِيدُ الموضوع بيانًا وجمالاً، والأحْسَنُ بِالمُرْشِد والخطيب الاجتماعي ألا يتقيَّد بعبارة خاصة؛ بل الأَلْيَق به بعد استحضار المعاني أن يؤدِّيَها بما يستطيع من العبارات والأساليب، وإذا اختار عدم تدوين الموضوع، واكتفى باستحضاره في ذهنه بعد التفكير فيه، ولم تَخُنْهُ ذاكرتَه عند الأداء - فذلك غاية الحسن ومنتهى الكمال.

وقَدْ جَرَت العادة بالتزام صورةٍ واحدة في الخطبة الثانية للجمعة؛ سَمَّوْها (خطبة النعت)، وتلك عادة غَيْرُ معروفةٍ عن السلف الصالح؛ فهي مُحْدَثَة وغير لائقة بهذا الموقف العظيم الأسبوعي؛ بل اللائق به العناية بالخُطْبَة الثانية كالأولى، وباب الإرشاد واسعٌ وميدانه فسيح، وللناس حاجة إلى الإصلاح من وجوهٍ كثيرة، وفي الشرع الشريف أغذيةٌ للعامَّة وأدويةٌ للخاصَّة، فلا يصعب على الخطيب أن يستحضر للخطبة الثانية كل أسبوع من الآيات والأحاديث أو الآثار أو الحكم البليغة ما يناسب موضوع الخطبة؛ كما ترى هذا جليًّا في نماذج الخطب المنبرية في كتابنا "هداية المرشدين".

هذا حال الخُطَب اليوم، وما يجب أن تكون عليه، وهذا داؤها ودواؤها كما هدتنا إليه التجربة وكثرة المران والممارسة، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. [1]   سورة الأعراف الآية: 179. [2]   سورة الفرقان الآية: 43، 44 [3]   سورة الأنفال الآية: 22.   منبع : كتاب "فن الخطابة". / الشيخ علي محفوظ
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۵۹ ] [ مشاوره مديريت ]

 

تنسيق الخطبة

وفيه ثلاثة مطالب:

وهو في اللغة: التنظيم والترتيب، وفي الاصطلاح: تنظيم معاني الخطبة وسياق أجزائها وذكر أدلتها، وهو من أعظم أركان البلاغة ووسائل التأثير؛ فإنه بمنزلة تنظيم صفوف الجند، فكما لا نصرة لجيش لم يراع فيه حسن النظام - كذلك لا قوة للخطبة ولا أثر لها إذا لم ترتب ترتيبًا حكيمًا؛ بحيث تكون أبين غرضًا، وأحسن في النفوس وقعًا، وأقسام الخطبة إجمالاً ترجع إلى ثلاثة أشياء: المقدمة، والإثبات، والخاتمة.

 
المطلب الأول

في المقدمة

وفيه مباحث:

المقدمة: هي فاتِحة الكلام ومرجع فحواه، ولما كانت بمثابة الأساس من البناء، والرأس من الأعضاء، وجب أن تكون محكمة الوضع، مناسبة مشوقة للسامعين إلى بسط الكلام فيما تشير إليه، فهي خطبة مُجملة.

المبحث الأول

في حسن الافتتاح

وهو أن يكون الابتداء لائقًا بموضوع الخطبة، بأن يأتي الخطيب في صدرها بما يدل على المقصود منها، وهو براعة الاستهلال.

قال أبو عثمان الجاحظ، نقلاً عن أبي علي القالي: "وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك؛ كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته - كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح - حتى يكون لكلٍّ من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناه، ولا يشير إلى مغزاه، ولا إلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت".

وجملة الأمر: أن المطلع هو أول ما يستأذن على السمع من الكلام، فإن كان حسنًا رائقًا ظريفًا مناسبًا للموضع؛ أُذِنَ له، وتقبلته النفوس، وتطلعت إلى ما يورده الخطيب بعد، وحثَّها الشوق إلى الآتي بإضافته إلى الماضي، وهذا هو سر حسن الافتتاح.

ويستهجن في الافتتاح أمور:

الأول: الإسهاب والاستطالة بما يمل السامع، منه ما دام في الإيجاز وفاءً بالغرض.

الثاني: أن يكون مبتذلاً مشاعًا، يصلح لكس ليبطله، ويبين خطأهم فيه كتفنيد حجج من يتهاون بالمعاصي اتكالاً على حلم الله وكرمه وسعة رحمته، أو من يرجئ التوبة رجاء أن ينيب إلى ربه في آخر حياته.

الثالث: ما يأتي به الدفاع أمام القضاء في المنازعات، وهذه المحاجة تقدم أو تؤخر بحسب مقتضيات الأحوال.

المطلب الثالث

في الختام

هو آخر ما ينتهي إلى آذان السامعين من كلام الخطيب، ويسمى حسن الانتهاء وحسن المقطع، وكما يجب التألُّق في المطلع تَجِبُ البراعة في المَقْطُعِ، إذْ هُوَ الأَثَرُ الباقي في نُفُوسِ السَّامعين بعد الإتمام، وآخر ما يتردَّدُ صداه في قلوبِهم، وبه تتم الفائدة، وأحسنه ما آذن بانتهاء الكلام بأن يشير المتكلم في كلامه إلى ما يشعر بانتهاء الغرض المقصود، وأمثلة حسن الختام كثيرة في القرآن الكريم، وخطب البلغاء.

انظر في خواتِمِ السُّوَرِ تَجِدُها غاية في الحسن، ونهاية في الإبداع، فقد جاءت متضمنة للمعاني البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام؛ حتى لا يبقى معه للنفوس تشوف إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا، وفرائض وتحميد، وتهليل ومواعظ، ووعد ووعيد، وما إلى ذلك كالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، والفرائض التي ختمت بها سورة النساء، وحسن الختام لما فيها من أحكام الموت الذي هو آخر أمر كل حي، والتبجيل والتعظيم الذي ختمت به سورة المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت به سورة الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذي ختمت به سورة الأعراف، والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذي ختم به سورة الأنفال، ووصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدحه، وتسليته، ووصيته بالثقة بالله تعالى، والتهليل بالتفويض إليه سبحانه الذي ختمت به سورة براءة، وتسليته - صلى الله عليه وسلم - التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة سورة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختم به سورة يوسف، والوعد والوعيد والرد على من كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ختم به سورة الرعد، ومِن أحسن ما آذن بالختام خاتمة سورة إبراهيم: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [إبراهيم: 52]، ومثلها خاتمة سورة الأحقاف، وكذا خاتمة سورة الحجر بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وهو مفسر بالموت فإنها غاية في البلاغة، وانظر إلى سورة الزلزلة كيف بدئت بأهوال القيامة، وختمت بقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8].

والغاية من حسن المقطع أمران: أن يتم إقناع السامعين حتى لا يبقى للنفوس بعده تطلع، وذا يكون بذكر مجمل ما أتى به مفصلاً، وأن يقوي فيهم الرغبة في العمل بما أذعنوا له، وذا يكون بإفراغ ما في الوسع في تحريك العواطف والمهارة في التأثير، وعلى الخطيب إذا لخص الخطبة أن يعمد إلى أهم ما جاء فيها من البيانات، فيبرزها في صورة جديدة وأسلوب رشيق لئلا تذهب طلاوتها، وحتى لا يكون إعادة أدلتها مثلاً من باب التكرار الممل المعيب.

منبع :

كتاب "فن الخطابة" / الشيخ علي محفوظ


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۵۸ ] [ مشاوره مديريت ]
  لفظ الخطبة     فصل   ينبغي أن تكون ألفاظ الخطبة مُبَيِّنَةً مرتَّبةً مرتَّلةً، بعبارةٍ يفهمها السامعون، لا يزدريها العلماء، ولا يجهلها العوامُّ، عذبة الإيراد، سهلةً على الأفهام؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولحسن اللفظ في هذا أثرٌ ظاهر. يُكره تكلُّف السجع فيها، وتحرِّي دقائق الإعراب ووحشيِّ اللغة.

وينبغي أن يقتصد فيها ولا يطوِّلها؛ لئلا يُضجر السامعين، وتذهب حلاوة السَّماع وجلالة المسموع من قلوبهم؛ خوفًا من أن يؤدِّي بهم إلى كراهة سماعها فيقعوا في المحذور، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوَّلهم بالموعظة كراهة السآمة عليهم، كما ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن مسعود.

وثبت في "صحيح مسلم" عن عمَّار بن ياسر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأَقْصِروا الخُطْبة)). وقوله: ((مَئنَّة))؛ أي: علامة دالة على فقهه.

وقال الزهري - رحمه الله -: "إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه نصيب".

وينبغي أن يحافظ على الإتيان بالشهادتين فيها مع الثناء على الله تعالى؛ فقد روى التِّرمذي حديثًا حسنًا من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ؛ فهي كاليد الجَذْماء))؛ رواه أبو داود أيضًا.

وينبغي أن يحافظ على الإتيان بقوله: "أما بعد" بعد الثناء وقبل الوصية بالتقوى؛ فهي سنَّةٌ ثابتةٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع خطبه في "الصحيحين" وغيرها.

وهي فصل الخطاب الذي أوتِيَه داود - عليه السلام - في قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20]  في قول جماعةٍ من المفسِّرين.

وينبغي أن يبيِّن كلامه ويوضِّحه؛ فقد روى البخاري في "صحيحه" عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا".

وقد خطب رجلٌ بين يَدَي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال في خطبته: "مَنْ يُطِعِ الله ورسوله فقد رَشَد، ومَنْ يَعْصِهِما فقد غَوى"؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بئس الخطيب أنت! قُلْ: ومَنْ يَعْصِ الله ورسوله فقد غَوى))، لمَّا أوْهَم ذلك التَّشريك في اللفظ - بِعَوْدِ الضَّمير إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لغير ذوي الأفهام، مع أنه مَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومَنْ عصى الرسول فقد عصى الله، ولا يلزم في الأدب أنَّ مَنْ أطاع الله فقد أطاع الرسول - قبَّح عليه ذلك من عَوْد الضمير إليهما، للإيهام في الاشتراك عند غير أهل الفهم؛ فقال له: ((بئس الخطيب أنت))؛ لأنه كان في مقامٍ عامٍّ، فأرشده بالتَّقبيح إلى الإيضاح الذي لا يوهم اشتراكًا على بُعْدٍ بعيد،، والله أعلم.

وينبغي للخطيب والواعظ والمدرِّس والمعلِّم ألاَّ يراقب مَنْ يسمعه أو يتعلَّم منه في شيءٍ ممَّا يلقيه ويتكلم به؛ بل يكون مراقِبًا لربه - سبحانه وتعالى - فيما أمره في تلك الحال من الإبلاغ والأداء والنَّفع للسَّامعين فيما يحتاجون إلى معرفته من أحكام دنياهم وآخرتهم، مُعْرِضًا عن مراقبة نفسه في هيئتها ومَنْ حَضَرَه من المستمعين وغيرهم،، والله أعلم.
فصل
وينبغي أن تكون الموعظة في كل وقت وزمان على حسب حاجة النَّاس إليها مما يجهلونه من الأحكام الشرعية، والتَّنزيهات الربَّانية، وما يَحْمِل على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قِصَر الأمل في الأمور الدنيويَّة دون الأخرويَّة، وما يحمل على الإيمان بالبَعْث والنُّشور، والجنة والنار، وعلى العمل والإخلاص فيه، وعلى التَّناصف والتَّواصل والتَّراحم، وترك التَّقاطع والتَّدابُر والتَّظالُم، وعلى التعاون على البرِّ والتقوى، ونصر المظلوم، ونصر الظالم بمنعه من الظلم، وحثِّ ولاة الأمر على العدل والإنصاف والإحسان، وتَرْك الجَوْر والإثم والعدوان، وحثِّ النَّاس على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي سببٌ لرفع البلاء، والنَّصر على الأعداء، وعدم تعميم العذاب، واستجابة الدعاء من ربِّ الأرباب، وإنزال البركات، وغفر الذنوب والتَّبِعات.

ويذكرُ فضل الأزمنة والشهور والأعوام، ويحثُّ على الصلاة والصيام، والحج وإقامة الشعائر والمناسك والقيام.

وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون، والأئمة والعلماء العارفون، واعتمادهم في خطبهم ووعظهم وتذكيرهم، ومقصودهم بإنذارهم وتبشيرهم. فهذا هو السنَّة، وما عداه هو البدعة.

وليحذر كل الحذر من إيراد الأحاديث الموضوعة والضعيفة لقصد التَّرغيب - خصوصًا في البدع - والتَّرهيب، وذكر الأمور المشتبِهة لقصد ترك الاختلاف والتَّشبِيب، وليكن جُلَّ مقصوده بموعظته الائتلاف على طاعة الله وعدم الخلاف، والاجتماع على البرِّ والتقوى والإنصاف.

فصل وينبغي أن يحافظ على الإتيان بأركان الخطبة التي لا تصحُّ إلا بها، وهي: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولفظ "الحمد" و "الصلاة" متعيِّنٌ؛ لأنه لم تُنقَل خطبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بلفظ "الحمد".

وأمَّا لفظُ "الصلاة"؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّمهم لفظَهُ كما علَّمهم التشهُّد، كالسورة من القرآن، ومعناه في الصلاة؛ فكذلك لفظ "الصلاة" هنا، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلُّوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا كان عليهم حسرةً))، وهذا عامٌّ في كل مجلسٍ من الخطبة وغيرها.

والوصية كالتقوى والطاعة؛ ولا يتعيَّن لفظ "التقوى" على الأصحِّ؛ بل يكفي معناها، وينبغي المحافظة على لفظها خروجًا من الخلاف، ولأنه أبلغ في المقصود؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
وهذه الثلاثة لا بدَّ من الإتيان بها في الخطبتَيْن جميعًا.

ويجب قراءةُ شيءٍ من القرآن، وهو ركنٌ في إحداهما لا بعينها على أصحِّ الأوْجُه. والثاني: تجب فيهما. والثالث: تختصُّ بالأُولى. وينبغي أن تكون القراءة مناسبة لمعنى الموعظة.

ويجب الدعاءُ للمؤمنين، وهو ركنٌ، وأقلُّه ما ينطلقُ عليه اسم "الدعاء"، قال الله تعالى إخبارًا عن المؤمنين الذين جاؤوا بعد المهاجرين والأنصار: {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].

فالدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالصَّلاة عليه واجبٌ، والدعاء للمؤمنين على العموم واجبٌ، والدعاء لبعضهم على الخصوص، خصوصًا إذا كانوا أخيارًا صالحين عادلين – جائزٌ؛ بل مستحبٌّ، وإن كانوا جائرين مخالفين، استُحِبَّ أن يُدعى لهم بالصَّلاح والتَّوفيق والتَّسديد والإصابة في هذا الموطن، وفي كل موطن يُرجى استجابة الدعاء فيه، وقد قال بعض السَّلف - رحمة الله عليه -: "لو أعلم أن لي دعوةً مستجابةً؛ لجعلتها لولاة أمور المسلمين".

وينبغي للدَّاعي لهم من الخطباء وغيرهم ألاَّ يفخِّموا المدعوَّ له منهم بألقاب ونعوت التعظيم والكبرياء؛ لأنه موطن ذلٍّ وخضوع، وسؤالٍ بين يدي من العظمة إزاره والكبرياء رداؤه، ولو كانوا صالحين عادلين.

فيا أيها الخطباء، الْحَظوا ما ذكرتُه لكم وبيَّنتُه، واحذروا من مخالفته؛ تُفتَنوا إن لم تَنْتَهوا، ولا تتهاونوا في ذلك وتغفلوا؛ تُقْصَموا، ولا يغرنَّكم الزينة والرِّياسة؛ فإنها ضدُّ السياسة، ولا تُراعوا جانب المربوب على جانب الربِّ، وقولوا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، كما: {تَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37].
فصل
ويجب موالاة ألفاظ الخطبتَيْن؛ فلا يقطع ألفاظهما بفصلٍ طويلٍ، فلو قطعهما بذلك استأنف ولم يَبْنِ.

ويجب الترتيب بين الحمد والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوصيَّة والتقوى، فيبدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بالوصية. فلو قدَّم الوصيَّة قبل الصلاة، أو الصلاة قبل الحمد لله - لم تصحَّ في الخطبتَيْن.

ويجب أن يكونا بلفظ العربية؛ لأن الله تعالى خاطبنا به وامتنَّ علينا به، فوجب الإتيان به، فلو خطب بالعجمية الفارسية أو العبرانية أو السريانية أو غيرها من اللغات لم تصحّ.

وتجب  الطهارة لهما عن الأحداث والنَّجاسات كما تجب للصلاة.

ويجب على الخطيب رفع الصوت فيهما؛ بحيث يسمع أربعين من أهل الكمال، ويَحْرُم الكلام على مَنْ يسمع الخطبة منهم، ومن سمعها زائدًا على الأربعين حَرُمَ عليه الكلام أيضًا في الإملاء من "كتاب" الإمام الشافعي - رحمه الله - الجديد والقديم، وهو الظاهر من عموم الأحاديث الصحيحة، ومدلول الكتاب العزيز، والمقصود من حضورها، وقد أجمع العلماء على شرعية ترك الكلام والإنصات فيهما،، والله أعلم.   منبع :   كتاب "أدب الخطيب". / علاء الدين بن العطار

امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۵۷ ] [ مشاوره مديريت ]
  سعة وشمول الخطبة الإسلامية   الخطبة الإسلامية تَتَّسع باتِّساع هذه الدعوة؛ لتشملَ كلَّ ناحية مِن نواحي الحياة؛ سواء كانتْ سياسيَّة، أم اقتصاديَّة، أم اجتماعيَّة، أم أخلاقيَّة، وسواء تعلَّقَتْ بالحرب أم بالسلم، بالمسجد أم بالسوق، بالحياة الخاصة أم العامة، وقد تحدَّثَ البعضُ في فُنُون الخطابة عن الخُطَب السياسيَّة، والخطب النيابيَّة، والخطب الانتخابيَّة، وخطب النوادي والمُجْتَمعات، وخطب المؤتَمَرات السياسية، كما تَكَلَّموا عن سمات الخطابة القضائيَّة، وخُطب الوعظ الدِّيني، والخطب العسكريَّة، والمحاضَرات العلميَّة العامَّة، وخُطَب التأبين، وخطب المَدْح والشُّكر، وقَسَّموا الخطابة العربيَّة من حيث تاريخُها إلى: خطابة في العصر الجاهلي، والخطابة عند المسلمين.

ويحلو للبعضِ تقسيم الخُطَب الإسلاميَّة إلى خُطب وعظيَّة، وخطب حكميَّة أو فقهيَّة، وخطب سياسية واقتصادية، وأحيانًا يَصِفُها البعضُ بأنها حماسيَّة، أو الغرض منها الإثارة والتهييج.

وقد يحدُث تفاوُت في التقييم، وتتداخل المعاني، فلِحَسْمِ ذلك لا بدَّ منَ الرُّجوع للكتاب والسنَّة، ومعرفة السُّنَن الشرعية، والسُّنَن الكونيَّة، وإلا فلا بُدَّ مِن صبغ جميع نواحي الحياة بشَرْع الله، ولا فصل بين السياسة والاقتصاد، والحرب والسلام، وبين دين الله - جل وعلا - وكما قال العلماء: الفصل بين الدِّين والسياسة أقصر طريق إلى الكفر؛ وقال تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِينًا} [المائدة: 3]، وقال: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163].

ومَن تَتَبَّع الخطب المأثورة عنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة مِن بعده، فلن يجدَ مثل هذه التقسيمات، التي أدَّتْ إلى فصل الدِّين عن الدُّنيا في جانب، وإلى استهانة ببعض صور الخطابة؛ كالخُطَب الوعظيَّة عند قطاع المسلمين في جانب آخر.

قد يغلب على الخطبة: إثارة بواعث الجِهاد في سبيل الله، أو تناوُل موضوع سياسِي أو اقتصادي، وهذا لا يمنع أبدًا منَ التذكير بمعاني التوحيد والاتِّباع، وربط الشرع بالواقع، والتخويف من عذاب الله، والتذكير بالجنة والنار، والموت والقبور والآخرة.

ومع حرص الخطيب على تجنُّب الفِتَن، والتباعُد عن الإثارة والتهييج، فاتِّهامه بذلك قد يكون بغير حقٍّ، ونتيجة اعتياد سماع الخطب النمطيَّة التي لا تحرِّك ساكنًا، وقد يتفاوَتُ الأمر زمانًا ومكانًا وشخصًا، ويبقى الغرض منَ الخطبة هو إصلاح دنيا الناس بدين الله، ومعالجة المشاكل قدر الاستطاعة.

وإليك نماذجَ من خُطَب الجاهليين: خطبة أبي طالب في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - منَ السيدة خديجة - رضي الله تعالى عنها -: الحمدُ لله الذي جَعَلَنَا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوبًا، وجعلنا الحكَّام على الناس، وإنَّ محمد بن عبدالله ابن أخي لا يوزن به فتى من قريش، إلا رجح به بركة وفضلاً وعدلاً ومجدًا ونُبلاً، وإن كان في المال مقلاًّ، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعليَّ.

خطبة أكثم بن صيفي في قومه، عندما جاءه نبأ النبي - صلى الله عليه وسلم -: روي في "مجمع الأمثال" عن ابن سلام الجمحي، قال: لما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم -بمكة المكرمة، ودعا الناس، بعث أكثم بن صيفي ابنه حبشيًّا، فأتاه بخير، فجمع بني تميم، وقال: يا بني تميم، لا تحضروني سفيهًا، فإنه مَن يسمع يخل أنَّ السفيه يوهن من فوقه، ويثبت من دونه، لا خير فيمن لا عقل له، كبرتْ سني، ودخلتني زلة، فإن رأيتم مني حسنًا، فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك، فقوِّموني أستقم، إن ابني شافه هذا الرجل مشافهة، وأتاني بخبره، وكتابه يأمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسِن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عرف ذو الرأي منكم أنَّ الفضْل فيما يدعو إليه، وأن الرأي ترك ما ينهى عنه.

إن أحق الناس بمعونة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومساعدته على أمره - أنتم، فإن يكنِ الذي يدعو إليه حقًّا، فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً، كنتم أحق الناس بالكفِّ عنه، وبالستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله، وسمى ابنه محمدًا، فكونوا في أمره أولاً، ولا تكونوا آخرًا، ائتوا طائعين، قبل أن تأتوا كارهين، إن الذي يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن دينًا، لكان في أخلاق الناس حسنًا، أطيعوني واتَّبعوا أمري، أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدًا، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عددًا، وأوسعهم دارًا، فإنِّي أرى أمرًا لا يجتنبه عزيز إلاَّ ذلَّ، ولا يلزمه ذليل إلاَّ عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئًا، وهذا أمر له ما بعده، من سبق إليه غمر المعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاختلاف عجز.

فقال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم، فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي، وا لهفي على أمر لم أشهده، ولم يسبقني!

خطبة لقَطَرِي بن الفُجاءة الخارجي[1]: أما بعدُ: فإني أحذركم من الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينتْ بالغرور، لا تدوم نضرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافذة بائدة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله - عز وجل -: {كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45].

مع أن أمرًا لم يكنْ منها في حبرة[2]، إلاَّ أعقبتْه بعدها عبرة، ولم يلقَ من سرَّائها بطنًا، إلاَّ منحته من ضرَّائها ظهرًا، ولم تصله منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحَرِيَّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة.

وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعمًا، أرهقتْه من نوائبها غمًّا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها في قوادم[3] خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية فانٍ مَن عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التَّقوى، مَن أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومَن استكثر منها استكثر مما يوبقه[4]، كم واثقٍ بها قد فجعته! وذي طمأنينة إليها قد صرعته! وكم من مختال بها قد خدعته! وكم ذي أبهة قد صيرته حقيرًا! وذي نخوة قد ردته ذليلاً! وذي تاج قد كبته[5] لليدين والفم! سلطانها دول، وعيشتها رنق، وعذبها أجاج[6]، وحلوها مُر، وغذاؤها سمام[7]، وأسبابها زحام، وقطافها سَلع[8]، حيُّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وضعيفها وسليمها منكوب، وجامعها محروب[9].

مع أنَّ وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل؛ {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31].

ألستم في مساكن مَن كان قبلكم أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا، وأعد عديدًا، وأكتف جنودًا، وأعتد عتادًا، وأطول عمادًا؟! تَعَبَّدوها أيَّ تعبُّد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار.

فهل بلغكم أن الدنيا سمحتْ لهم نفسًا بفدية، وأغنتْ عنهم مما قد أملتهم به؟ بل أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، وأعانتْ عليهم ريب المَنُون، وقد رأيتُم تنكرها لمن دان لها وآثرها، وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر الأمد، هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة؟!

أفهذه تؤثرون، أو على هذه تحرضون، أو إليها تطمئنون؟! يقول الله - تبارك وتعالى -: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16].

فبئست الدار لمن يتهمها، ولم يكن فيها على وَجَل منها.

فاعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لا بُدَّ، فإنما هي كما نعت الله - عز وجل -: {لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} [الحديد: 20].

واتَّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريعٍ آية، وبالذين قالوا: مَن أشد منا قوة، واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم، كيف حُملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانًا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانًا، وجُعل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيًا، ولا يمنعون ضيمًا، يُزارُون ولا يستزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى أضغانهم، وهم كمن لم يكن؛ قال الله تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ} [القصص: 58].

استبدلوا بظهر الأرض بطنًا، وبالسعة ضيقًا، وبالآل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها حفاة عراة فرادى، وظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد؛ يقول الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].

فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.
------------------------ [1]   أحد خطباء الخوارج. [2]   أثر نعمته وحسن. [3]   قوادم الطير: الريش الذي في مقدمة، والمراد هنا: مظاهر الخوف. [4]   يوبقه: يهلكه. [5]   كبه: صرعه أو رماه في هوة. [6]   الماء الأجاج: الملح المر. [7]   السمام: جمع سم. [8]   للقطاف: اسم لما يقطف من عنب أو نحوه، والسلع - بفتح اللام -: شجر مُر أو الصبر أو سم. [9]   المحروب: المسلوب.   منبع :   كتاب : "كيف تكون خطيبًا؟".
الشيخ سعيد عبدالعظيم
امتیاز:
 
بازدید: