مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 13597
دیروز : 42500
افراد آنلاین : 49
همه : 4540561

 

الخطيب وقصص القرآن الكريم (۱)

للقصة تأثيرٌ كبير في النفس البشرية؛ فقارئُها ومستمعها يعيش بكليته مع أحداثها، وتؤثِّر في نفسه إيجابًا أو سلبًا، حسب هدف كاتبها منها، والرسالة التي يريد إيصالها للقارئ أو المستمع عن طريقها؛ ولذلك كثرتِ القصصُ والروايات، وازدهرتْ سوق كُتَّابها، وتنوَّعتْ تنوعًا كبيرًا؛ فقصص للأطفال، وأخرى لمن هم فوقهم، وقصص للمراهقين، وروايات للكبار، ومنها العاطفي، ومنها البوليسي، ومنها المرعب؛ بل منها قصص السحر والشعوذة والخرافة؛ ليسبح قارئها ومستمعها في خيالها، وينبت عن واقعه حال عيشه معها.

ومع الانفتاح الإعلامي عُرِفت كثيرٌ من الروايات الغربيَّة، وأصبح الوصول إليها سهلاً فور إصدارها، ومَن تابَعَ الضجة الإعلامية التي صاحبتْ صدور الأجزاء الأخيرة من رواية (هاري بوتر)، التي كانت مبيعاتها بمئات الملايين من النسخ، وتُرجمتْ إلى ما يقارب سبعين لغةً، أدركَ أثَرَ الرواية والقصة في نفوس البشر، ولو كانت خرافية؛ بل لا يجعل لها مثلَ هذا الصيت إلا كونُها خرافيةً.

ولا غرابة في أن نرى مثل هذه الروايات والقصص، التي أكثرها تعارض ديننا وأخلاقنا وأعرافنا، تتسلَّل إلى بيوتنا، وتفسد دين نسائنا وأولادنا وأخلاقَهم، ومع تطوُّر الصنعة الإعلامية صورت القصص والروايات المكتوبة في أفلام ومسلسلات ورسوم متحركة وغيرها، ولا تَسَلْ عن الإقبال عليها.

وهذا يبرز لنا أهمية القصة وأثرها العظيم، ووجوب العناية بقصص القرآن والسُّنة، وتقديمها للناس، والخطبة من أهم المنابر التي يمكن أن تكون مجالاً لعرض قصص القرآن والسنة؛ للاستفادة منها، والاهتداء بها.

الغرض من القصص في القرآن:
قارئ القرآن الكريم يلحظ كثرةَ القصص فيه، وتنوُّعها في موضوعاتها التي تعالجها، وفي شخصياتها التي تحكي أدوارها وأعمالها، وفي طولها وقصرها، وفي تَكرار بعضها بأساليبَ مختلفةٍ، ولهذه القصص أغراض عدة، منها:
أولاً: التذكرة والاعتبار: وذلك كقصص الظالمين ونهاياتهم، والمستكبرين ومآلاتهم؛ للتحذير من سلوك مسلكهم، ومنها قصص: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون، والنمرود بن كنعان، وبلعام، وصاحب الجنتين.

وجاء في بعض هذه القصص النصُّ على أن من أغراضها التفكُّرَ والاعتبار، كما في قصة بلعام الذي أنعم الله - تعالى - عليه بآياته، فانسلخ منها، واتَّبع هواه؛ إذ ختمها الله - سبحانه - بقوله - عز وجل -: {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]، ولما قص - سبحانه - في "الأعراف" قصص آدمَ ونوحٍ وهود، وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - ذيل ذلك بقوله - عز من قائل -: {تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ} [الأعراف: 101]، وفي قصة حشر بني النضير - حصارهم - قال الله تعالى فيها: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2].

وفي الإشارة إلى غزوة بدر في أوائل آل عمران؛ قال الله - تعالى -: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13].

وختم الله تعالى قصة يوسفَ - عليه السلام - بقوله - عز وجل -: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

ويدخل في ذلك قصةُ إبليسَ اللعينِ مع أبينا آدمَ - عليه السلام - لنحذر من إغوائه لنا، ونعتبر بما حصل لأبينا - عليه السلام - لما أطاع إبليسَ، فلا نطيعه؛ بل نتَّخذه عدوًّا؛ {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].

ثانيًا: التسلية والتثبيت: وهي قصص الابتلاء، كابتلاء الأنبياء وأتباعهم بالمكذِّبين والظالمين، وابتلاء بني إسرائيل بفرعون، وما جرى لهم على يديه من الذلِّ والهوان، وابتلاء يوسف - عليه السلام - وقد ذكر الله - تعالى - قصصَ جملةٍ من رُسُله - عليهم السلام - في سورة هود، ثم ختم ذلك بقوله - عز وجل -: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، وختم - سبحانه وتعالى - قصة نوح وما جرى له مع قومه، بقوله - عز وجل -: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، وقال - عز وجل - في فاتحة قصة يوسف - عليه السلام -: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ} [يوسف: 3]، وختمها بقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

ثالثًا: الاقتداء والتأسي: كقصص الأنبياء والصالحين في ثباتهم على الحق، وصبرِهم على الدعوة، وتحمُّل أذى المؤذين في ذات الله - تبارك وتعالى - وهكذا التأسي بهم في توكُّلهم ويقينهم، وثقتِهم بربِّهم - عز وجل - وكذلك اتِّباع هديهم في عباداتهم ومعاملاتهم، وزهدهم وأخلاقهم، وقد ذَكَرَ الله - تعالى - في الأنعام قصةَ إبراهيمَ - عليه السلام - ومباهلته لقومه، وأعقبها بالثَّناء على جملة من الأنبياء - عليهم السلام - ثم ختمها - عز وجل - بالأمر بالتأسي بهم؛ فقال - سبحانه -: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال - سبحانه - في قصة أهل الكهف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].

رابعًا: رفع الخلاف في مسائل كبيرة اختلف الناس فيها قبل إنزال القرآن: فجلاَّها الربُّ - جل جلاله - لعباده بما يزيل الخلاف، ومن ذلك قصة خلْق عيسى - عليه السلام - وولادته بلا أب، وطهارة أمِّه العذراء - عليها السلام - ورفعه إلى الله - تعالى - حيًّا في الدنيا، ونزوله في آخر الزمان حاكمًا بشريعة أخيه نبيِّنا محمدٍ - عليهما الصلاة والسلام.

وقصة مريم وعيسى - عليهما السلام - مما وقع فيه خلاف كبير بين طائفتي بني إسرائيل: اليهود والنصارى؛ ولذلك ختم الله - تعالى - هذه القصة العظيمة في آل عمران بقوله - سبحانه -: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران: 60 - 62]، وقال - سبحانه - في شأن قصة مريم - عليها السلام -: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].

فمن أكبر أغراض سياق قصة مريم وعيسى - عليهما السلام -: بيان الحق من الباطل فيما نسَجَهُ أهلُ الكتاب حولهما من القصص والأخبار، وقد قال الله - تعالى - في موضع آخر: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76].

ولو تأمَّلنا في أحوال الناس وحاجاتهم، لوجدنا أن الخطيب محتاجٌ إلى كل هذه الأغراض الهادفة من قصص القرآن، وأن من شأنها إصلاحَ أحوال الناس، والخطيبُ إنما يريد من الناس أن يعتبروا ويتَّعظوا، وفي ذكر مآل المكذِّبين وعاقبة الظالمين أبلغُ عظةٍ وعِبرة.

والخطيب محتاج إلى تثبيت الناس على إيمانهم، مع كثرة فتن السراء والضراء التي لا يكاد يَسلَم منها أحد في زمننا هذا، وفي ذكر قصص ثبات الأنبياء وأتباعهم تثبيتٌ لقلوب المؤمنين.

والخطيب يريد هداية من يستمعون إليه، وتأسِّيَهم بالصالحين من البشر، وفي ذِكر قصص الأنبياء وأتباعهم حثٌّ على الاقتداء بهم.

والخطيب لا يعرض في خطبته إلا ما يعتقد أنه صدق وحق، ويجب أن يربِّيَ الناس على تلمُّس الصدق، واتِّباعِ الحق، وقصصُ القرآن قد جلَّت لنا الحقائق، وبيَّنتِ الكذبَ والغبش في قصص السابقين.

تعامُل الخطيب مع قصص القرآن:
المتأمل للقصص القرآني يجد أنها مِن حيث مَن تتناوله القصةُ على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: قصص الأنبياء - عليهم السلام -: ومنها قصص تكررت في أكثر من موضع، وهي غالب قصص الأنبياء - عليهم السلام - مع أقوامهم، إضافة إلى قصة آدم - عليه السلام - مع إبليس، ومنها ما لم يتكرر؛ بل جاء في موضع واحد من القرآن، سواء كانت القصة طويلة، كقصة يوسف - عليه السلام - أم كانت قصيرة، كقصة إلياس - عليه السلام.

القسم الثاني: قصص السابقين من غير الأنبياء - عليهم السلام -: مثل: أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وذي القرنين، وأصحاب الجنة في سورة القلم، وقصة مريم - عليها السلام - في سورتي آل عمران ومريم.

القسم الثالث: قصص للنبي - عليه الصلاة والسلام -: مثل غزواته: بدر في الأنفال، وأُحُد في آل عمران، والخندق وقريظة في الأحزاب، وبني النضير في الحشر، والحديبية في الفتح، وتبوك في التوبة، وإيلائه من نسائه في التحريم، وقصة زواجه من زينب في الأحزاب.

أما من جهة طول هذه القصص وقصرها، فهي على أقسام ثلاثة أيضًا:
القسم الأول: قصص قصيرة:
وهي قليلة، مثل: قصة إلياس - عليه السلام - في سورة الصافات، وقصة يونس - عليه السلام - في سور يونس والأنبياء والصافات، وقصة أيوب - عليه السلام - في سورتي الأنبياء وص، وقصة أصحاب الأخدود في البروج، وقصة الذي انسلخ من آيات الله - تعالى - في الأعراف، فهذه القصص وأمثالها يكفي الواحدة منها خطبة واحدة بدروسها وفوائدها، وإن قصرت عن ذلك، فلا تخلو من حالين:

الأولى: أن يجد الخطيب لها في السنة والآثار ما يزيدها، بحيث تصلح خطبةً كاملة.

الثانية: ألاَّ يجد الخطيب في السنة والآثار شيئًا، وحينئذٍ لا بد أن يضع الخطيب مدخلاً مناسبًا لخطبته يغطي النقصَ الذي عنده.

مثال ذلك: يصدِّر الخطيب خطبته بالحديث عن منزلة الأنبياء عند الله - تعالى - وفضْلِهم على البشرية، وسيجد نصوصًا كثيرة في ذلك، ثم يأتي على قصة النبي الذي اختاره.

فإنْ اختار أن يخطب عن قصة أيوب - عليه السلام - صدَّر خطبته بالحديث عن ابتلاء الله - تعالى - لأنبيائه وعباده الصالحين، أو عن فوائد الأمراض، ويجعل قصة أيوب - عليه السلام - وصبْرَه مع شدة ما أصابه من البلاء مثالاً لذلك.

وهكذا في قصة يونس - عليه السلام - يتكلم عن الابتلاء والصبر، أو الكرب ودعاء المكروب.

وما من قصة إلا سيجد الخطيب لها مدخلاً يناسبها، بحيث لا تقصر عن أن تكون خطبة كاملة.

القسم الثاني: قصص متوسطة:
وهي الأكثر في القرآن؛ مثل قصص هود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - فهي وإن تكررت في الأعراف وهود والشعراء، وغيرها، فإنها ليست طويلة في كل المواضع التي تكررت فيها، بحيث لو جمع الخطيب ما يتعلَّق بها من تفصيلات في كل موضع من القرآن، لناسَبَ أن يجتمع منها خطبة واحدة، فإن طالتْ فخطبتان.

وقريب منها قصص أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وذي القرنين، وأصحاب الجنة في سورة القلم.

القسم الثالث: قصص طويلة جدًّا:
لا يمكن للخطيب أن يعرضها في خطبة واحدة، وإلا لأطال على الناس كثيرًا، وذلك مثل قصص آدم ونوح وإبراهيم ويوسف - عليهم السلام - وأطول منها قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، فقد أبدى فيها القرآن وأعاد، وكرَّرها مطولة في الأعراف، وطه، والشعراء، والقصص، وغافر، وجاءت أقلَّ من ذلك في يونس والنمل، وجاءت مختصرة في هود، والإسراء، والذاريات، والنازعات.

والمتأمِّل في هذه القصة العظيمة، يلاحظ أن تكرارها لا يخلو من فوائدَ وتفصيلاتٍ يكمل بعضُها بعضًا:

ففي سور طه والقصص: تفصيل لولادة موسى - عليه السلام - ونشأته في بيت فرعون، وكيف كان ذلك.

وفي الأعراف ويونس وطه والشعراء: مناظرة موسى - عليه السلام - لفرعون، وقصة السحرة، وانتهاء أمرهم إلى الإيمان، وقيام حُجة موسى - عليه السلام - على فرعون.

وفي سورة غافر: قصة الرجل المؤمن الناصح، الذي آزر موسى - عليه السلام - ودعا فرعون إلى الإيمان، ومناظرته له في ذلك.

وهناك قصص أخرى لموسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل، ومعالجته لعنادهم وعنَتِهم، وصبره - عليه السلام - عليهم، وقد جاء تفصيل ذلك مطولاً في البقرة والأعراف وطه، وأيضًا قصته - عليه السلام - مع الخضر - رحمه الله تعالى - في سورة الكهف.

فهذه القصص المكررة الطويلة لا يحسُن بالخطيب أن يُعْرض عنها كليةً لما فيها من الطول، ولا أن يَعْرضها بطولها فيثقل على الناس، وسيكون ذلك على حساب الدروس والفوائد المستخرجة منها؛ ذلك أن الغرض الأكبر من عرض هذه القصص على الناس استخلاصُ العِبَر والدروس؛ للعبرة والاقتداء.

وقد يعمد بعض الخطباء إلى اختيار موضع واحد من القرآن وردت فيه القصة، فيسوقها كما وردت فيه، مع استخلاص العبر والدروس من ذلك الموضع، وهذا حسن، إلا أنه لا يتأتَّى في المواضع التي جاءتْ فيها القصة مطولة؛ مثل الأعراف وطه والشعراء والقصص، وإلا لأطال على الناس، كما أن فيه إهمالاً لتفصيلاتٍ كاشفة لأمور مهمة من القصة جاءت في مواضعَ أخرى، مع الحاجة إلى ذِكرها.

والذي أراه مناسبًا في مثل هذه القصص الطويلة العظيمة أن يتبع الخطيبُ الخطواتِ التاليةَ:
أولاً: أن يجتهد الخطيب في جمْع كلِّ ما يتعلق بالقصة من آياتٍ، في كل المواضع التي وردت فيها، ولو كانت طويلة جدًّا.

ثانيًا: يضم إليها ما صحَّ من الأحاديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام - مما له تعلُّقٌ بالقصة أو بعض أجزائها.

ثالثًا: يراجع كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب التاريخ، وقصص الأنبياء، فيجمع منها ما زاد على ما وجده في الآيات والأحاديث من كلام الصحابة أو التابعين، مما هو كاشف لبعض المواضع التي فيها غموض، أو فيه جمعٌ لما ظاهِرُه التعارضُ.

رابعًا: عليه أن يجتنب الإسرائيليات في ذلك؛ لأنها ستطيل بحثه بلا طائل، ولأن التفصيلات الموجودة فيها - وإن هفت النفوس إليها - لا دليل عليها، ولا يحلُّ للخطيب أن يفتن العامة بها، فكثيرٌ من الناس لا يفرِّقون بينها وبين ما جاء عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وليس لهم دراية في التعامل مع أخبار بني إسرائيل، وبمجرَّد سماعهم لها من الخطيب سيحملونها على محمل التصديق والتسليم.

وهناك كُتُبٌ حذَّرت من بعض ما جاء في الإسرائيليات من تفصيلات، وبيَّنت ما فيها من معارضة للقرآن والسنة، وكتب أخرى عُنِيَتْ بما صح من تفصيلات هذه القصص، وردِّ ما لم يصحَّ منها، وهذه الكتب مما يعين الخطيبَ في بحثه، ويزيد من عِلمه بقصص القرآن، ويقوِّي مَلَكَةَ النقد لديه.


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۴۳ ] [ مشاوره مديريت ]

 

موافقة قول الخطيب عمله (2)

فِعْل المندوبات واجتِناب المكروهات:

يَحسُن بالخطباء أنْ يكونوا على أكمل حال في أفعالهم وأَقْوالِهم، وأكثر الناس التزامًا بسنَّة النبي - صلى الله عليه وسلَّم - ومحافَظةً على ما استطاعوا من المندوبات، واجتنابًا للمكروهات، وفي ذلك فوائِدُ تعود على الممتَثِلين لا تُحصَى، وهي من بركة مُوافقة القول الفعل، وإتْبَاع العلم العمل، فمن ذلك:

1- ثُبوت العلم ونماؤُه وزيادته؛ ذلك أنَّ الخطيب في خطبته يُلْقِي على الناس علمًا ينفعهم، ومن أسباب زيادة العلم وبرَكَتِه العمل به؛ كما جاء عن أبي الدَّرداء - رضي الله عنه - قال: "مَن عمل بِعُشر ما يعلم علَّمَه الله ما يَجهل"[27]، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "ما عَمِل أحدٌ بما علَّمه الله إلاَّ احتاج الناس إلى ما عنده"[28]، وقال إبراهيم الحربي - رحمه الله تعالى -: "إنَّه ينبغي للرَّجُل إذا سمع شيئًا في آداب النبيِّ أن يتمَسَّك به".

وعلَّل السخاويُّ ذلك، فقال: "ولأنَّ ذلك سببُ ثبوته وحفظه ونموِّه والاحتياج فيه إليه"[29]، وقال الشعبي وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع ووكيع بن الجراح - رحمهم الله تعالى -: "كُنَّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"[30]، وعن سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - قال: "العلم يَهْتف بالعمل فإنْ أجاب وإلاَّ ارتحَل"[31].

2- أنَّ العمل بالعلم زكاة له؛ كما جاء عن بِشْر بن الحارث أنَّه قال: "يا أصحابَ الحديث، أتؤدُّون زكاة الحديث؟ فقيل له: يا أبا نصر، ولِلحديث زكاةٌ؟ قال: نعَم، إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيح، استعملتموه"[32]، وعن أبي قِلاَبة قال: "إذا أحْدَثَ الله لك عِلمًا فأحدِثْ له عبادة، ولا يَكُن هَمّك أن تحدِّث به الناس"[33].

3- أن العمل بالعلم يدلُّ على انتفاع صاحبه به، وظهور آثاره عليه، فيزيده ذلك قربًا من الله - تعالى - وخشية ومحبة، قال الحسَن البصري - رحمه الله تعالى -: "كان الرَّجل يَطْلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخَشُّعه وهَدْيِه وفي لسانه وبصَرِه وبِرِّه"[34]، وقال أبو القاسم بن مَنِيع: "أردتُ الخروج إلى سُوَيد بن سعيد، فقلتُ لأحمد بن حنبل يَكتُب لي إليه، فكتب: وهذا رجلٌ يَكتب الحديث، فقلت: يا أبا عبدالله، ولزومي؟ لو كتبتَ: هذا رجل من أصحاب الحديث، قال: صاحب الحديث عندنا مَن يَستعمل الحديث"[35].

اعمل بالسُّنة ولو مَرَّة:

قد يَدعو الخطيب إلى سُنَّة، سواءٌ كانت السُّنَّة مهجورة، وهذا أعظم أجرًا؛ لما فيه من إحياء السُّنن، وقد تكون السُّنة معمولاً بها، لكن بعض الناس مقصِّرون فيها، وينبغي للخطيب أن يَعمل بالسُّنة التي يدعو الناس إليها ولو مرَّة على الأقلِّ؛ لِيُكتب من العاملين بما يقولون.

عن عمرو بن قيس المُلاَئي أنه قال: "إذا بلَغَك شيء من الخبَر فاعمل به ولو مرَّة تكُنْ من أهله"[36]، وقال النَّوويُّ - رحمه الله تعالى -: "ينبغي لمن بلَغَه شيءٌ من فضائل الأعمال أن يَعمل به ولو مرَّة؛ لِيَكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقًا، بل يأتي بما تيسَّر منه؛ لقوله: ((وإذا أمَرْتُكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم))"[37].

وهذه طريقة السَّلَف الصالح - عليهم رحمة الله تعالى - ومما نُقِل عنهم في ذلك:

1- قول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "ما كتبتُ حديثًا إلاَّ وقد عملتُ به"[38].

2- وقول أبي عبدالله محمَّد بن خفيف - رحمه الله تعالى -: "ما سمعتُ شيئًا من سُنَن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - إلا واستعملْتُه"[39].

3- وعن محمَّد بن أبي جعفر بن حمدان قال: "صلَّى بنا سعيدُ بن إسماعيل ليلةً بمسجده وعليه إِزَار ورداءٌ، فقلتُ لأبي: يا أبتاه، هو محْرِم؟ فقال: لا، ولكنه يَسمع منِّي "المستَخْرَج" الذي خرَّجْتُه على مُسْلم، فإذا مرَّت به سُنَّة لم يكن استعمَلَها فيما مضى أحَبَّ أن يستعملها في يومه وليلته، وأنَّه سَمِع من جملة ما قُرِئ عليَّ: أن النبي - صلى الله عليه وسلَّم - صلى في إزار ورداء، فأحَبَّ أن يستعمل هذه السَّنة قبل أن يُصْبِح"[40].

العوائد وتأثيرها في العبادات:

قد يَعتاد الناسُ في دولة أو مدينة أو قرية أو مسجد عادةَ جهلٍ تسرَّبَتْ إليهم، فلَزِمُوها على أنَّها سُنَّة، وتَرَكوا السُّنَّة، وأهل مكَّة في جاهليتهم ألِفُوا عبادة الأصنام بعد أن جلَبَها لهم عمرُو بن لحي، فما دون عبادة الأصنام من البِدَع، أو هَجْر السُّنَن، أو تبديل غيرها بها قد يتسرَّب للناس عند غلَبَة الجهل، وتصَدُّر ذوي الهوى أو الجهل، وإنما تموت السُّنن، وتنتشر البدَع بذلك.

ومِن ذلك: ما أحدَثَه بعضُ الناس في الخطبة من محْدَثات، أو قراءة سُوَر أو آيات مخصوصة في صلوات لم تَرِد بها السُّنة، أو هَجْر ما ورَدَت به السُّنة، مثل: ترك قراءة سورتي السَّجدة والإنسان فجْرَ الجمعة، أو ترك قراءة الجمعة والمنافقون، أو الجمعة والغاشية، أو الأعلى والغاشية، ونحو ذلك، فواجب على الخُطَباء ألاَّ يُجارُوا النَّاس في أهوائهم، ولا يتَّبِعوهم في أخطائهم، بل ينقلوهم من الخطأ إلى الصَّواب، ومن الجهل إلى العلم، ومن البدعة إلى السُّنة، وهذه مُهِمَّة المصلحين الصادقين أتْبَاع الرسل - عليهم السَّلام - فإن الله - تعالى - إنَّما بَعَث الرُّسل للنَّاس لأجْل هذا، وقد صلَّى رجلٌ ممَّن يَكتب الحديث بجنب ابن مهْدي فلم يَرفع يديه، فلمَّا سلَّمَ قال له: "ألَم تَكتب عن ابن عُيَينة حديثَ الزُّهري عن سالم عن أبيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلَّم - كان يرفع يديه في كلِّ تكبيرة؟ قال: نعم، قال: فماذا تقول لربِّك إذا لَقِيك في ترْكِكَ لهذا العلم وعدَمِ استعماله؟"[41].

إزراء الخطيب على نفسه:

من المُشاهَد أنَّ الخطيب في الغالِب يكون محَلَّ إعجاب النَّاس وثنائهم عليه؛ لأنَّهم يرَوْن فيه المُرْشِد لهم إلى ما يَنفعهم، الصَّادقَ في نُصْحِه لهم، ويَنْقَدِح في أذهانهم أنَّه يَعمل بما يقول لهم، فيكون عندهم محَلَّ توقير واحترام وغِبْطَة؛ لِمَا يظْهر لهم من استقامته، ولا يعلمون شيئًا عن سَرِيرته؛ ولذا يتحَرَّج كثير من الخطباء من مَدْح الناس وتزكيتهم لهم، وإعجابهم بهم، فيبادرون إلى الإزراء بأنفسهم والحطِّ منها، وقد ورَدَ عن السَّلَف نصوصٌ كثيرة في الإزراء على النَّفس، وكَسْرِها عن العلوِّ والكِبْر، والحطِّ مِنْ شأنِها؛ خشيةَ العُجْب والغرور، واستقلالهم العمل الصالح ولو كان كثيرًا؛ لأنه لا يُوازِي نِعَم الله - تعالى - عليهم؛ ولأنَّ استقلاله يحفِّز لمزيد العمل، كما أنَّ استكثاره يؤدِّي إلى العُجْب والكَسَل.

ويَكثر في كُتُب الرِّجال وصْفُ الواحد مِن السَّلف ومَن بعدهم مِن الصالحين: وكان مُزْريًا على نفسه، ومن أمثلة إزراء السَّلَف على أنفسهم:

1- قول أيُّوب السخْتِياني - رحمه الله تعالى -: "إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بِمَعزل"[42].

2- وقول مُطرِّف بن عبدالله - رحمه الله تعالى -: "لو حمَدْتُ نفسي لقَلَيت الناس"[43]؛ أيْ: هجَرْتُهم، وقال أيضًا في دعائه بعرفة: "اللَّهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي"[44].

3- وقول بكر بن عبدالله المُزَني - رحمه الله تعالى -: "لما نظَرْتُ إلى أهل عرفات ظنَنْتُ أنَّه قد غُفِر لهم لولا أنِّي كنتُ فيهم"[45].

قال الذَّهبي بعد أن ساقه: "قلتُ: كذلك ينبغي للعبد أن يُزْرِي على نفسه ويَهْضِمها"[46].

4- وقول يونس بن عبيدٍ - رحمه الله تعالى -: "إنِّي لأَعُدُّ مائة خصلة من خصال البرِّ ما فِيَّ منها خَصْلة واحدة"[47].

5- وقول محمد بن واسع - رحمه الله تعالى -: "لو كان يُوجَد للذنوب رِيحٌ ما قَدرتم أن تَدْنوا منِّي؛ من نتَنِ ريحي"[48].

ولكنْ في إظهار الإزراء على النَّفس مَدْخلٌ للشيطان على العبد؛ فقد يريد به استمالة الناس إليه، ومَدْحَهم به، فرغْمَ ما يَظهر لهم من صلاحه وعبادته، وكونه قدوة للناس يُكثِر من ذَمِّ نفسه فيهم، فيَنال مَدْحَهم بذلك، وجاء عن الحسَن - رحمه الله تعالى - قولُه: "ذَمُّ الرَّجل نفْسَه في العلانية مدْحٌ لها في السِّر"[49]، وكان يُقال: "مَن أظهر عيب نفْسِه فقد زَكَّاها"[50].

وتحقيق القول في ذلك أن يُقال: ينبغي الإزراء على النَّفس وهَضْمها في السِّر لا في العلن؛ لأنَّ ذلك من التواضُع لله - تعالى - والتطامن له، والاعتراف بعظيم حقِّه، وهذه عبادة من أجَلِّ العبادات، والأصل في العبادات إخفاؤها؛ ليتمحَّض الإخلاص، ويَنْأَى العبد بها عن الرِّياء، إلا إذا دعَتْ مصلحة راجحة لإظهار ذلك، مثل:

1- أن يكون له أتْباعٌ يريد تربيتهم على التَّواضع، وعدَمِ الكِبْر بالعلم.

2- أن يَرى إعجاب الناس بعِلْمه وعمَلِه وسَمْتِه، ويَسمع ثناءَهم عليه، فيَخشى من إسرافهم في ذلك، ويَخاف على نفسه، فيحُطَّ منها أمامهم لأجْل ذلك.

ولكن يجب عليه الحذَرُ من الإخبار بمعاصٍ ستَرَها الله - تعالى - عليه؛ لئلاَّ يكون من المُجاهِرين بها، وإنما يتكلَّم بالعمومات كما كان الصِّدِّيق - رضي الله عنه - إذا مُدح يقول: "اللَّهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنُّون، واغفِرْ لي ما لا يَعلمون، ولا تؤاخِذْني بما يقولون"[51]، وقال رجلٌ للإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "الحمد لله الذي رأيْتُك، قال: اقعد، إيش ذا؟ مَن أنا؟"[52].

3- أن يَحُطَّ مِن نفسه؛ لِيَفرَّ من ولاية أو مَنْصب؛ كما فَعَل أبو جعفر الفريابي - رحمه الله تعالى - حين عُرض عليه القضاء فذَمَّ نفسه، وجعل يقول مزريًا عليها: "أُعِيذك بالله أيُّها الأمير، مِثْلي يُولَّى القضاء؟!"[53].

4- أن يُدخِل نَفْسَه مع مجموع الناس، كقول الخطيب في خُطْبته إذا ذَكَر أهل المعاصي أو المقصِّرين في الطَّاعات: "وكلُّنا كذلك، ومَن مِنَّا يَسْلَم من ذلك؟ أدعوكم وأدعو نفسي، أو أوصيكم وأوصي نفسي"، فهذا كلُّه من الإزراء على النَّفس واستنقاصها، لكنه مع مجموع الناس فلا محذور فيه.

بل إنَّ هذا الخطاب يقرِّب الخطيب من الناس، ويحبِّبهم في قوله، وفَرْقٌ بين قول الخطيب للنَّاس: "أنعَمَ الله - تعالى - عليكم فلم تَشْكروه، ودرَأ عنكم الشرَّ فعصيتموه"، وبَيْن قوله: "أنعَمَ الله - تعالى - علينا فلم نَشْكُره، ودَرَأ الشرَّ عنا فعَصَيْناه"، فالصِّيغة الثانية أدخَلَ الخطيب نفسه مع الناس فساواها بهم، وهذا من الإزراء المحمود، وهو أقرب إلى قبول الناس؛ لأنَّهم يحسُّون بمشاركة الخطيب لهم، وقرْبِه منهم، وإحساسه بهم، وعدم استعلائه عليهم.

وجماع ذلك: أن يكون إزراؤه على نَفْسه، والحطِّ من قدره لله - عزَّ وجلَّ - وليس لغرض دنيوي، قال ابن القيِّم - رحمه الله تعالى -: "ومَقْت النَّفْس في ذات الله من صِفَات الصِّدِّيقين، ويَدْنو العبد به من الله - تعالى - في لحْظَة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل... فمِن أنفَعِ ما للقلب النَّظَر في حقِّ الله - تعالى - على العباد؛ فإنَّ ذلك يورثه مَقْتَ نفسه والإزراءَ عليها، ويخلِّصه من العُجْب ورؤية العمل، ويَفتح له بابَ الخضوع والذُّلِّ والانكسار بين يدَيْ ربِّه، واليأس من نفسه، وأنَّ النجاة لا تحصل له إلا بِعَفْو الله ومغفرته ورحمته"[54].

 

[1] جاء ذلك عن السُّدِّي وقتادة - رحمهما الله تعالى - كما في "تفسير الطبري"، 1/258.

[2] "فتح المغيث"، 2/359.

[3] "تفسير القرطبي"، 7/217، و13/11، و15/189، و"تفسير ابن كثير"، 2/221.

[4] "أضواء البيان"، 1/463

[5] رواه البخاري (3094) ومسلم (2989).

[6] رواه ابن أبي شيبة 8/446 وأحمد 3/120وعبد بن حميد (1222) وحسَّنَه البغوي في "شرح السُّنة" (4159)، والألباني في "صحيح الجامع" (129)، وجاء عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله: ((مَنْ دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به، لم يزَلْ في سخط الله حتى يَكُفَّ، أو يعمل بما قال أو دعا إليه))؛ رواه أبو نُعَيم في "الحِلْية"، 2/7، وفي سنده عبدالله بن خراش، ضعيف، وضعَّفَه ابن كثير في "تفسيره"، 1/87، والهيثمي في "مَجْمَع الزَّوائد"، 7/276.

[7] "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب، 3 /447

[8] "لطائف الإشارات"، 2/55، وغالب الذين يتكلمون عن هذه المسألة ينسبون هذا القول للماوَرْدِي وأبي يَعْلَى في "الأحكام السُّلطانية" لكلِّ واحد منهما، وينسبونه لغيرهما ممن بحثوا أحكام الحِسْبة؛ لأنَّهم ذَكَروا في شروطِ المحْتَسِب أن يكونَ عدلاًً، وفي ظنِّي أن هذه النسبة غير دقيقة؛ لأنَّهم - الذين تناولوا الحسبة وشَرَطوا هذا الشرط - أرادوا والي الحسبة الذي يُعيَّن من قِبَل ولي الأمر، كما هو ظاهر كلام الماوردي، 271، وهذا لا يفيد أنَّهم يرون أنَّ من وقع في معصية فلا ينهى عنها، ولا أنَّ من قَصَّر في طاعة لا يأمر بها، وحكَى هذا القولَ ابنُ كثير في "تفسيره"، لكنه لم ينسبه لمعيَّن، فقال: "وذَهَب بعضهم إلى أنَّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف"؛ اهـ 1/86.

[9] رواه البيهقي في "الشُّعَب" (7569) والشجَري في "الأمالي"، 2/320، وابن عساكر في "تاريخه"، 23/73، وهو أثَرٌ لا يصحُّ، في سنَدِه بشر بن الحسين الأصبهاني الهلالي، يرويه عن الزبير بن عدي، قال أبو حاتم: يَكْذِب على الزبير، وقال البخاري: فيه نظَرٌ، وقال الدَّارقطني: متروك؛ يُنظَر: "المغْنِي في الضُّعفاء"، 1/105، رقم (898) و"لسان الميزان"، 2/21.

[10] "تفسير القرطبي"، 18/80، و"المدخل" لابن الحاج، 1/5، ولم أقف عليه مسندًا.

[11] "تفسير القرطبي"، 18/80، ولم أقف عليه مسندًا أو منسوبًا لمعين.

[12] "المحرَّر الوجيز"، 2/224، ويُنظر: "تفسير الرازي"، 12/55، و"تفسير القرطبي"، (6/253 - 254)، و"تفسير أبي حيان"، 3/548.

[13] "أحكام القرآن"، للجصَّاص، 2/320.

[14] "تفسير القرطبي"، 1/366.

[15] "شرح مسلم"، 2/23.

[16] "تفسير ابن كثير"، 1/86.

[17] "فتح الباري"، 13/53.

[18] "أضواء البيان"، 1/463.

[19] رواه ابن أبي شيبة، 7/111، وأبو داود في "الزهد"، 1/320، وأبو نعيم، 1/213.

[20] رواه أبو نعيم، (5/276 - 277).

[21] "تفسير القرطبي"، 1/368، وتفسير ابن كثير، 1/86، ولم أقف عليه مسندًا.

[22] "تفسير القرطبي"، 1/367، ولم أقف عليه مسندًا.

[23] رواه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - البخاري (6232) ومسلم (111).

[24] رواه من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - التِّرمذيُّ، وقال: حسن صحيح (1987).

[25] رواه ابن ماجه (4245) وصحَّحَه البوصيري في "مصباح الزجاجة"، 4/245 246، والألباني في "صحيح الجامع"، (5028)

[26] رواه بحشل في "تاريخ واسط"، 259.

[27] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (34).

[28] رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" (814).

[29] "قواعد التحديث"، ص359.

[30] أثر مجمع بن جارية رواه البيهقي في "الشُّعب" (1798) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (148) ، وأثر الشعبي رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم" (816) ، وأثر وكيع في "أمالي ابن طاهر"، (47).

[31] رواه ابن عبدالبرِّ في "جامع بيان العلم" (813) وجاء مثله عن ابن المنكدر في "اقتضاء العلم العمل" (41).

[32] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (180).

[33] رواه ابن عبدالبر في "الجامع لبيان العلم" (755) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل"، (37).

[34] رواه أحمد في "الزُّهد"، ص261 والبيهقي في "الشعب" (1809)

[35] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (183)

[36] "الباعث الحثيث"، 2/439

[37] "الأذكار" ص6، والحديث الذي ساقه في البخاري (6858) ومسلم (1337).

[38] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"، (184).

[39] رواه ابن عساكر، 52/406.

[40] رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (185).

[41] "فتح المغيث" 2/360.

[42] رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ"، 2/140، وأبو نعيم، 3/5 6.

[43] رواه ابن سعد 7/144، وأبو نعيم 2/210.

[44] "إغاثة اللهفان"، 1/85.

[45] رواه البيهقي في "الشعب" (8252).

[46] "سِيَر أعلام النُّبَلاء"، 4 /534.

[47] رواه أبو نعيم، 3/18، والمِزِّيُّ في "تهذيب الكَمَال"، 32/524

[48] رواه أبو نعيم، 2/349.

[49] "الآداب الشرعية"، 3/446.

[50] "أدب الدُّنيا والدِّين"، 297.

[51] رواه ابن عساكر، 30/332.

[52] "الآداب الشرعية"، لابن مفلح، 3/438.

[53] "ترتيب المَدَارك"، للقاضي عياض، 1/507.

[54] "إغاثة اللَّهفان"، (1/87 - 88).

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/0/25716/


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۴۲ ] [ مشاوره مديريت ]

 

موافقة قول الخطيب عمله (۱)

حين يقفُ خطيب الجمعة أمام النَّاس متَحَدِّثًا، فهو يذكِّرهم ويَعِظهم، ويدلُّهم على ما ينفعهم في الدُّنيا والآخرة، ويحذِّرهم مما يضرُّهم فيهما، والأصْلُ أنه لا يبتغي مِنْ وراء ذلك جزاء دُنيويًّا، ولا شُكورًا مِنَ النَّاس، إنْ هو إلاَّ مُصْلِح يرْتَسِم خُطَى المرْسَلينَ - عليهم السَّلام - في دعواتهم، ويتأسَّى بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - في دعوته، ويَقتبس هدْيِ الصَّالحين من هذه الأمَّة؛ سلَفِها وخلَفِها، في أقوالهم وأفعالهم وسَمْتِهم.

ولَمَّا كانت الحِكْمة من مشروعيَّة الخُطبة نفْعَ الناس بها، كان الأَوْلى أن يَنتفع الخطيب بما ألقاه على الناس قَبل أن يُلقِيه؛ لعِلْمه به وقناعته بِمَضْمونه؛ فإنَّه ما نصَح به الناس إلاَّ وفيه خَيْر لهم، وهو أَولى بهذا الخَيْر مِنْ غَيْره.

ولكن النَّفسَ البشَريَّة مطبوعة على الظُّلم والجهل، إلاَّ أن يتعاهَدَها صاحبُها بالإيمان والتَّقوى والتوبة والاستغفار، ودليل ذلك كَثْرة ما يقع ممن يتصدَّرون للكلام في شؤون الناس الدِّينية والدُّنيوية؛ من مخالَفةِ أفعالهِم أقوالَهم، وليس ذلك حِكْرًا على الخُطَباء والدُّعاة والعلماء فحَسْب، بل حتَّى أهل السياسة والاقتصاد والطِّب والفِكْر والإعلام وغيرهم، يَكْثر فيهم مخالفة أقوالِهم أفعالَهم؛ فيُوصون الناس بأشياءَ لا يفعلونها هم، ويحذِّرونهم من أشياء يَقَعون هم فيها، ولكن هؤلاء لا يُؤاخِذُهم الناس كما يؤاخِذون أهلَ العلم والدَّعوة والخَطابة، ولا يُثرِّبون عليهم مثلهم؛ لأنَّ الناس وضَعوا أهل العلم والدَّعوة والخطابة قُدْوة لهم، وهذا حقٌّ وشرَف ومسؤولية، فكانتْ مخالفةُ العالِم أو الدَّاعية أو الخطيب أقوالهم أفعالَهم أشدَّ على الناس من مُخالفة غيرهم؛ ولهذا فإنَّه يجبُ على العالِم والدَّاعية والخطيب أن يُراعُوا هذه الخصوصيَّة لهم، ويُحافظوا على هذه المَنْزلة التي بوَّأَهم الله - تعالى - إيَّاها، ويحفظوا مكانتهم في قلوب الناس بإتْباع العلمِ العملَ، وعدَمِ مخالفة القول الفعل؛ لِيَصدر النَّاس عنهم، ويَقبل الناسُ منهم، ويكون لخِطابهِم وقْعٌ في القلوب، وتأثير في النفوس.

ذمُّ مُخالفة القول الفعل:

تظاهرَتْ نصوص الكِتَاب والسُّنة على ذمِّ مخالفة قول الإنسان عمَلَه؛ لأنَّ ذلك نوْعٌ من الكذب، ويدلُّ على ضعف الإيمان، وهو طريق إلى النِّفاق، نعوذ بالله - تعالى - من ذلك، والنُّصوص الواردة في ذلك على أنواع:

النوع الأول: نُصوصٌ تُثبِت أنَّ الأنبياء - عليهم السَّلام - وهم رُؤوس المُصْلِحين وأئمَّة الدُّعاة والخطباء تُوافق أقولهُم أفعالَهم، حتَّى إنَّ المكذِّبين بهم من أقوامهم لم يَرْموهم بمخالفة أفعالهِم أقوالَهم مع حاجتهم لمثل هذه التُّهمة في صَرْف النَّاس عن الدَّعوة، لكنهم لم يَفْعلوا ذلك؛ لِعِلمهم أن الناس لا يصدِّقونهم؛ لأنَّه من الكذب الظَّاهر.

ومن الأنبياء مَن صرَّح بذلك كما فعَل شُعَيب - عليه السَّلام - حين وعَظ قومه، فبيَّن لهم أنَّه أوَّل مَن يمتثِلُ ما يدعوهم إليه حين حكَى الله - تعالى - عنه أنه قال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]، فموافقة القَول العمل فيها تأسٍّ بالأنبياء - عليهم السَّلام.

النوع الثاني: نصوص تُفِيد أنَّ الله - تعالى - قد ذَمَّ بني إسرائيل على عدم إتْباع العِلمِ العملَ؛ فقال - سبحانه -: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، فإنَّهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبِتَقواه وهم يَعصُونه، فعَيَّرهم الله - تعالى[1].

وفي آيةٍ أخرى أخْبَر الله عنهم بقَوْله - سبحانه -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187]، قال مالك بن مغول - رحمه الله تعالى -: "تركوا العمل به"[2].

وفي قول الله - تعالى -: ﴿ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الأعراف: 53]، وقوله - سبحانه -: ﴿ نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾ [الأعراف: 51]، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ [الفرقان: 18]، قال المفسِّرون: "ترَكُوا العمل به، فصاروا كالنَّاسين"[3].

النوع الثالث: نصوص تُثْبِت الوعيد الشَّديد المتنوِّع في مُخالفة الإنسان قوله فِعْله:

1- فصاحبه متوعَّدٌ بمقْت الله - تعالى - كما في قوله - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2 - 3].

2- ومُتوعَّدٌ بالعذاب في النَّار، كما في قول الله - تعالى -: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾ [المدثر: 49 - 51].

قال الشنقيطي - رحِمَهُ الله تعالى -: "فيَجب على المذكِّر - بالكسر - والمذكَّر - بالفتح - أن يَعْملا بمُقتضى التَّذكرة، وأن يتحَفَّظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلاَّ يكونا حِمَارين من حمُر جهنم"[4].

3- وعذابه في النَّار يكون بطريقةٍ بَشِعة منفِّرة، جاء تصويرُها في حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلَّم - قال: ((يُجاء بالرَّجل يوْم الْقيامة، فيُلْقى في النار، فتنْدلق أقْتابُه في النار، فيَدُور كما يدور الحمار بِرَحَاه، فيجْتمع أهْل النار عليْه فيقولون: أيْ فلان، ما شأْنُك؟ أليْس كنْتَ تأمُرنا بالمعْروف وتنْهانا عن المنْكر؟ قال: كنْتُ آمركمْ بالمعْروف ولا آتيه، وأنْهاكمْ عن المُنْكَر وآتيه))[5].

النوع الرابع: أنَّ الخُطباء جاء فيهم وعيدٌ خاصٌّ إذا خالفَتْ خُطبُهم أفعالَهم، كما في حديث أنس بْن مالكٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال: ((رأيْتُ ليْلة أُسْري بي رجالاً تُقْرض شفاههمْ بمقاريضَ منْ نارٍ، قلْتُ: مَنْ هؤلاء يا جبْريل؟ قال: هؤلاء خطباء منْ أمَّتك، يأْمرون الناس بالبر، وينْسوْن أنْفسهمْ وهمْ يتْلون الْكتاب، أفلا يعْقلون))[6].

وقد تمَسَّك بهذه النُّصوص مَن يرى أنَّ مَن كان مُقارفًا للمعصية، فلا يَأمر ولا ينهى، وهاهنا ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: اشتِرَاط أن يكونَ الخطيبُ أو الدَّاعية خاليًا من المعاصي، وإلاَّ لا يَعِظ الناس ولا يخطب فيهم، ولم أَقِف على أحدٍ يقول بهذا، ولازِمُ القول به تعطيلُ الأمْرِ والنهي الشَّرعيِّين؛ لاِشْتراط العِصْمة منَ الذُّنوب في صاحبه.

ولهذا يجوز أن يَنصح المفضولُ الفاضلَ، وأنْ يعِظَ الطالبُ العالِمَ؛ لأنه لا أحد منَ البشَر فوق النُّصح والمَوْعِظة مهما كانتْ مَنْزلته، ومهما علاَ كعبُه في العلم والفَضْل، وجاء في النَّصيحة التي وجَّهَها الفقيه الحنبليُّ أبو الفضل إسحاقُ بن أحمد العَلْثِي إلى العلاَّمة ابن الجوزي - رحمة الله تعالى عليهما -: "ولو كان لا يُنكِر مَن قلَّ عِلْمُه على مَن كَثُر علمه، إذًا لتعَطَّل الأمر بالمعروف، وصِرْنا كبني إسرائيل حيثُ قال - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79]، بل ينكر المفضول على الفاضل، وينكر الفاجر على الوليِّ، على تقدير معرفة الولي"[7].

المسألة الثانية: اشتراط موافقةِ قولِه فِعلَه فيما يخطب به، فلا يحلُّ له الكلام إلا ما وافق فيه قولُه فعله، وما خالف فيه قولُه فعلَه فلا يخطب به، وفي هذه المسألة قولان:

القول الأول: يُشترط ذلك؛ لأنَّ ظاهر النُّصوص السابقة تدلُّ على تقبيح من خالف قوله فعله، بمعنى أنَّه لا يَأمر بما لا يفعل، ولا ينهى عمَّا يفعل؛ لئلاَّ يتناوله الوعيد الوارد في النُّصوص السابقة، قال أبو القاسم القُشَيري الصوفي: "فشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمالُ ما تَأْمر به، والانتهاءُ عما تنْهَى عنه"[8]، ويتأيَّد هذا القول بالآثار التالية:

1- عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنه جاءه رجلٌ فقال: "يا ابن عبَّاس، إنِّي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عنِ المنكر، قال: أوَبلَغْتَ؟ قال: أرجو، قال: فإن لم تَخْش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله - عزَّ وجلَّ - فافْعَل، قال: وما هُنَّ؟ قال: قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 44]، أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فالحرف الثَّاني؟ قال: قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2 - 3]، أحكمْتَ هذه الآية؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصَّالح شعيب - عليه السَّلام -: ﴿ مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]، أحكمْتَ هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابْدَأ بنفسك"[9].

2- وقال النَّخَعي - رحِمَه الله تعالى -: "ثلاثُ آيات منَعَتْني أن أَقُصَّ على الناس: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 44]، ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2]"[10].

3- وعن بعض السَّلَف أنه قيل له: "حَدِّثنا، فسَكَت، ثم قيل له: حدِّثْنا، فقال: أتَرَونني أن أقول ما لا أفعل، فأستَعْجِل مقْتَ الله - تعالى"[11].

القول الثاني: لا يُشترط في المتصدِّي للخَطابة ألاَّ يَعِظ الناس إلاَّ بما وافَقَ فيه قولُه فعلَه، بل يعظهم بما يحتاجون ولو كان مخالفًا فيه، وهو قول عامَّة العلماء، ويُستدلُّ له بما يلي:

1- عموم أدلَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله - تعالى - إذْ ليس في شيء منها منْعُ من فرَّط في طاعةٍ من الدَّعوة إليها، ولا منعُ من وقَع في معصية من النهي عنها.

2- قول الله - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 79]، فذَمَّهم الله - تعالى - لأنَّ بعضهم لم ينه بعضًا عما قارفوا من المنكرات.

قال ابنُ عَطيَّة - رحمه الله تعالى -: "وقال حُذَّاق أهل العلم: ليس من شُروط النَّاهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل يَنهى العُصَاةُ بعضهم بعضًا، وقال بعض الأصوليِّين: فرْضٌ على الذين يتعاطون الكؤُوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدلَّ قائل هذه المقالة بقوله - تعالى -: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79]؛ لأنَّ قولَه: "يتناهون" و"فعَلُوه" يقتضي اشتراكهم في الفِعْل، وذمَّهم على تَرْك التَّناهي"[12].

3- أن حُكم الله - تعالى - في عِباده كتابة حسَناتهم وسيِّئاتهم، ومحاسبتهم على أعمالهم، وليس مِن لازم اكتساب السيِّئة بُطلانُ الحسنة، إلاَّ ما كان محبطًا للعمل وهو الشِّرك، ودعوة النَّاس إلى الخير وتحذيرهم من الشرِّ حسنةٌ يُثاب العبد عليها، ووقُوعه في المُنكَر سيِّئة يُحاسَب بها، فالجهة مُنفكَّة بين ميادين اكتساب الحسَنات، وميادين اجتراح السيِّئات.

وهذا القول هو الرَّاجح، وأمَّا الجواب عن النُّصوص المنفِّرة من مخالفة القول الفعل، فإنَّ الذمَّ فيها على المعصية مع العلم بها، وليس على النَّهي عنها، وعلى هذا المعنى اجتمعَتْ كلمة المحقِّقين من العلماء:

قال الجصَّاص - رحِمَهُ الله تعالى -: "من لَم يفعلْ سائر المعروف ولم يَنْتَه عن سائر المناكير، فإنَّ فرْضَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيرُ ساقط عنه"[13].

وقال القُرطبي - رحمه الله تعالى -: "اعْلَم - وفَّقكَ الله تعالى - أنَّ التوبيخ في الآية بسبب ترك فِعْل البِرِّ، لا بسبب الأمر بالبر"[14].

وقال النَّووي - رحمه الله تعالى -: "قال العلماء: ولا يُشترط في الآمر والنَّاهي أن يكون كامِلَ الحال ممتثلاً ما يأمر به، مجتنبًا ما يَنهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخلاًّ بما يَأمر به، والنَّهي وإن كان متلبِّسًا بما ينهى عنه"[15].

وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفِعْله واجبٌ لا يَسقط أحدُهما بترْك الآخَر على أصحِّ قوْلَي العلماء من السَّلف والخَلَف، وذهب بعضُهم إلى أنَّ مُرتكب المعاصي لا يَنهى غيره عنها، وهذا ضعيف... والصَّحيح أن العالِم يأمر بالمعروف وإنْ لم يفعله، ويَنهى عن المنكر وإنِ ارتَكَبَه"[16].

ونقل الحافظُ ابن حجَر عن بعض أهل العلم قولَه: "يجب الأمر بالمعروف لمن قَدر عليه ولم يَخَفْ على نفسه منه ضررًا، ولو كان الآمرُ متلبِّسًا بالمعصية؛ لأنَّه في الجملة يؤْجَر على الأمر بالمعروف، ولا سيِّما إن كان مُطاعًا، وأما إثْمه الخاصُّ به فقد يغفره الله - تعالى - له، وقد يُؤاخِذه به"[17].

وقال الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: "فالحقُّ أنَّ الأمر بالمعروف غيرُ ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنَّه في حدِّ ذاته ليس فيه إلا الخير"[18].

وأما الآثار الواردة عن ابن عبَّاس والنَّخعي وغيرهما فهي غير ثابتة، فإنْ ثبَت شيء منها أو ثبت مِثلها عن بعض السَّلَف، فتُحمَل على التَّشديد في إتْباع العلم العمل، والتَّرهيب من مخالفة القول للفعل، فإنْ ثبَت أنَّ أحدًا عمل بهذه الآثار فهو اجتهاد في مقابل النُّصوص لا يُتابَع عليه صاحبُه؛ إذ يجب على المتلبِّس بالمعصية أن يَنهى الناس عنها، كما يجب على المقصِّر في الطاعة أن يأمر الناس بها، وإلاَّ جمَع إثمَيْن: إثم التلبُّس بالمعصية والتَّقصير في الطَّاعة، مع إثْم تعطيل الأمْر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وقد نُقل عن السَّلَف ما يُقابل الآثار السَّابقة، ومن ذلك:

1- قول أبي الدرداء - رضي الله عنه -: "إنِّي لآمُرُكم بالأمر وما أفعله، ولكنِّي أرجو فيه الأجر"[19].

ويُحمل قوله - رضي الله تعالى عنه - على بعض المندوبات؛ لأنَّ الإنسان مهما بَلَغ فلا يستطيع أن يأتيَ بالسُّنَن كلِّها لا يَفُوته منها شيء، فكان يأمر بأنواعٍ من المندوبات لا يتمكَّن مِن فِعلها.

2- قول عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -: "لو أنَّ المرء لم يَعِظ أخاه حتىَّ يحكم نفسه ويكمل في الذي خُلِق له لعبادة ربِّه، إذًا تواكل الناسُ بالخير، وإذًا يُرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستُحِلَّت المحَارم، وقلَّ الواعظون والسَّاعون لله بالنصيحة في الأرض"[20].

3- قول سعيد بن جبير - رحِمَهُ الله تعالى -: "لو كان المرْءُ لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؛ حتىَّ لا يكون فيه شيء، ما أَمَر أحد بمعروف ولا نهَى عن مُنكر، قال مالك: وصَدَق، مَن ذا الذي ليس فيه شيء؟!"[21].

4 - قول الحسَن لِمُطرف - رحمهما الله تعالى -: "عِظْ أصحابك، فقال: إنِّي أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله، وأيُّنا يَفعل ما يقول؟ ويَوَدُّ الشيطان أنَّه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينْهَ عن منكر"[22].


المسألة الثالثة:
قد يتلَبَّس الخطيب بمعصية مثل: ترْكِ واجب كصِلَة الرَّحِم، أو فِعْل محرَّم كقطيعتها، فهل له أن يُؤجِّل الكلام عنها حتى يَتُوب من معصيته؛ لأنه متلبِّس بها؟ أم يبادر إلى إنكارها ولو لم يَتُب منها

الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنَّ ذلك مَنُوط بحاجة الناس، فإذا احتاجوا إلى العلم بها والتنبيه عليها، فلا يُؤخِّر الحديثَ عنها إلى أن يَتُوب؛ لما يلي:

1- عموم نصوص الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والدَّعوة إلى الله - تعالى - فليس في شيء منها تأجيلُ الأمر والنهي الشَّرعيِّيَن لمخالفة الآمر والناهي ما يقول، وإنما فيها ذمُّ مَن فعل ذلك كما مضى، وذمُّه لعدم انتفاعه بالخير الذي يدعو إليه لا لدعوته.

2- قول النبي - صلى الله عليه وسلَّم - تعليقًا على الذي قتَل نفْسَه في غزوة خيبر: ((لا يدْخل الْجنَّة إلاَّ مؤْمنٌ، وإن الله ليؤيِّد هذا الدِّين بالرجل الفاجر))[23]، ومنه نصْرُ أبي طالب للنبي - صلى الله عليه وسلَّم - مع أنه من أهل النار، فالله - تعالى - إذا كان قد أيَّد الدِّين ببعض الكفار، فتأييده بمسلمين متلبِّسين بالمعاصي أولى.

3- أن الخُطبة شُرِعت لمعالجة ما يَحتاج الناس من موضوعات، فلا يَعْدِل الخطيب عن حِكمة ذلك لعلَّة فيه.

4- أنَّ دعوته إلى طاعة قَصَّر هو فيها، أو نَهْيه عن معصية وقَع هو فيها، طاعة وقُرْبة تُقرِّب إلى الله - تعالى - فلا يؤخِّر الطاعة؛ للأمر بالاستباق إلى الخيرات، ولعلَّها تكون كفَّارة لذنبه، فقد قال الله - تعالى -: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وفي الحديث: ((وأتْبع السيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُها))[24]، أو لعلَّه يُرزق بسببها التوبة من ذنبه؛ لما يقوم في قلبه من الخجَل والحياء من الله - تعالى - أو لِتَأثُّره بما ألقى على الناس من موعظة، أو لتأثُّره بتأثير خطبته في الناس، فيرى فضل الله - تعالى - عليه بانقياد الناس له في هذا الأمر، فتدعوه نفسه لأنْ يكون أول المُمْتثِلين.

وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه على ما يلي:

1- خشية الله - تعالى - بالغيب؛ فإنَّ الخطيب مُذكِّر بكلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلَّم - فأَوْلَى أن يكون أوَّل متَّعِظ به، وقد خاطب الله - تعالى - نبيَّه محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال - سبحانه -: ﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ [يس: 11].

2- الحَذَر من معاصي السِّرِّ، والإصرارِ عليها، فإنها سُلَّم يَهبِط بالعبد إلى نفَقِ النِّفاق المظْلِم، وهي سببٌ لذهاب الحسنات؛ كما في حديث ثَوْبَانَ - رضي الله عنه - عن النبي أنَّهُ قال: ((لأَعْلمن أقْوامًا من أُمَّتي يأْتون يوم الْقيامة بحسناتٍ أمْثال جبال تهامة بيضًا، فيجْعلها الله - عز وجل - هباءً منْثورًا))، قال ثوْبان: يا رسول الله، صِفْهم لنا، جَلِّهمْ لنا؛ أنْ لا نكون منهم ونحْن لا نعْلم، قال: ((أمَا إنَّهمْ إخْوانُكم ومِنْ جِلْدتكم، ويأْخذون من الليْل كما تأْخذون، ولكنهمْ أقْوامٌ إذا خَلَوْا بمحارم الله انْتهَكُوها))[25].

3- اللُّجوء إلى الله - تعالى - بالدُّعاء، والإخبات والاستغفار، وسؤاله الثَّبات على الدِّين، مع الخوف الشديد من عاقبة ذنبه.

4- الإكثار من الأعمال الصالحة المكَفِّرة؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114].

5- وعلى الخطيب أن يَحْذَر من كثرة مخالفة فعله لقوله، وتعدُّد ذنوبه، وإصراره عليها، واستهانته بها؛ لئلاَّ يقع في النِّفاق، أو يُرْدِيه الشيطان إلى الانتكاس.

فِعْل الواجبات والانتهاء عن المحرَّمات:

وهذا واجب على كلِّ مسْلِم، فيُثاب على فِعْل الواجبات، ويستحِقُّ العقاب على تَرْكها، كما يُثاب على اجتناب المحرَّمات ويستحقُّ العقاب على فِعْلها، لكن هذا الواجب يكون على الخُطَباء آكَدَ من عامَّة الناس؛ لأُمُور، منها:

1- ما علَّمَهم الله - تعالى - من حُكم الواجب والمحرَّم، فهُم من أُولِي العلم، وأولو العلم أعلم بالأحكام من غيرهم، ومِنْ شُكرهم لله - تعالى - على ما علَّمَهم من الأحكام العملُ بما علموا، قال الله - تعالى -: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

وأُمرنا أن نَذكر الله - تعالى - ونكبِّره على ما علَّمَنا وهدانا إليه من أحكام دِينه، ونشكره - عزَّ وجلَّ - على ذلك؛ قال الله - تعالى -: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]، وقال - سبحانه -:﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].

2- أنَّهم قُدْوة الناس، وصفوة المُجتمَعات، ويَنظُر إليهم غيرُهم ويقلِّدونهم في أفعالهم، فإذا كانوا يَنتهكون حرمة الشَّرع بتعطيل الواجبات، وفِعْل المحرَّمات كان غيرُهم أولى أن يَنتهكوها، وقد ذمَّ الله - تعالى - أهْلَ الكتاب بذلك، فقال - سبحانه -: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [آل عمران: 70].

3- أنهم يَدْعون الناس إلى فعل الواجب، والانتهاء عن المحرَّم، ولا يَقبل الناس دعوتهم إن رَأَوهم مخالِفِين ما يَدْعون إليه؛ فيكون فِعْلُهم فتنة للنَّاس، وصدًّا لهم عن دين الله - تعالى - والصدِّ عن دين الله - تعالى - يكون بالفعل كما يكون بالقول، ومن الصدِّ بالفعل مخالفةُ الخطيب ما يدعو الناس إليه.

4- أنَّهم بِمُخالفة أقوالهم أفعالهم يشوِّهون سُمْعة الدُّعاة والخُطَباء وأهل الخير عند الناس، ويتسبَّبون في فرْيِ أعراضهم، والكلام السيِّئ فيهم، قال سُفيان بن عُيَينة - رحمه الله تعالى -: "لا ينبغي للواعظ أن يذمَّ نفسه عند الموعوظين، ألم تسمع إلى قول شعيب - عليه السَّلام -: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]؟"[26].


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۴۱ ] [ مشاوره مديريت ]
 

مميزات الخطيب الناجح

الخطابة فنٌّ قديم، نشأ قبل الإسلام، ولها من التأثير ما هو أقوى من تأثير الكلمة المقروءة، وقد كان النَّاس في الجاهليَّة يتجمَّعون في سوق عكاظ، ويتبارى الشعَراء والوعاظ في إلقاء ما عندهم من شعرٍ ونثرٍ، ولَمَّا جاء الإسلام زادَها جمالاً، واشترط لها شروطًا، وأوجب حضورها على كل مسلم مكلَّف، وألزم المسلمين بالإنصات لها، واشترط لها الوقت، إلى غير ذلك من أمور موجودة في كتب الفقه[1].

ولما كانت الخطابة بهذه المثابة والأهمية، فإن ثمَّة ملاحظاتٍ يجب على الواعظ ملاحظتُها في حال خطبتِه؛ ليصل إلى ما يصبو إليه، وهي ما يأتي:
أولاً: الإكثار من الآيات القرآنية؛ ففيها الوعْظ والشِّفاء، ثم الاستدلال بالمأثور من الأحاديث الصحيحة، وتجنُّب الأحاديث المَوْضُوعة، ففي دواوين المسلمين مثل: "صحيح البخاري"، و"مسلم"، و"الترمذي"، و"النسائي"، وغيرهم، المرغِّبة في الجنة، والمخوِّفة من النار - ما يغني عن رواية الأحاديث الموضوعة، ولقول سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - : ((مَن كذب علي متعمدًا، فلْيَتَبَوَّأ مقْعده من النار))[2].

ثانيًا: الاستعانة بالقصص الواردة في القرآن والسنَّة وربطها بالواقع؛ مثل: قصَّة إبراهيم الخليل مع أبيه، وقصَّة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والعظات، وفي الحديث: مثل قصَّة الذي قَتَل مائة نفس في باب التوبة، وغيرها من القصص، ولا بأس من الاستعانة بضرْب الأمثال وتصوير المعاني بأشياء محسوسة من الواقع من أجل تقريب المعاني إلى الأذهان؛ مثل: تمثيل رحمة الله بالعبد، وأنه - سبحانه - أرْحَم منَ الوالدة على ولدها[3]؛ ولذلك دعاه للتوبة وقبلها منه، وأنه لو شاء أخذه بذنبه، وعجَّل له العقوبة في الدنيا، ولكنه - سبحانه - يمهل ولا يهمل.

ثالثًا: عدم إطالة الخطبة؛ لأنها تورِث المَلَل والسآمَة، وإطالة الخطبة في الغالب تنشأ مِن أمرَيْن:
الأول: إعجاب الخطيب بنفسه، وأنه قد أضاف شيئًا إلى معلوماتهم.
والثاني: السهْو والنِّسيان، ولكن يجب أن نذكِّر بأنَّ الأمَّة الإسلامية قد طالتْ مِحنتها، وحاجتها إلى كلام قليل مؤثِّر أعظم من حاجتها إلى الكلام الطَّويل، وليس هناك أعظم مَوْعِظة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أوتيَ جوامع الكلم، ورغْم ذلك فقد ثبت عنْه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((إنَّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه))[4]، وفي الحديث: "وعظنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا بعد صلاة الغداة موعِظة بليغة، ذرفت منها العُيون ووجلت منها القُلوب، فقال رجل: إنَّ هذه موعِظة مودِّع ......."[5].

والبلاغة - كما قال العُلماء -:
هي التوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السَّامعين، بأحسن صورة من الألْفاظ الدالَّة عليْها، وأفصحها وأجلّها لدى الأسماع، وأوْقعها في القلوب، ولكن ترى ما هي الموْعظة البليغة القصيرة التي أثَّرت في قلوب الصَّحابة، فذرفت لها عيونُهم ووجلت لها قلوبهم؟ لقد قال لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُوصيكم بتقْوى الله والسَّمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنَّه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختِلافًا، فعليْكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحْدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعة ضلالة))[6].

لقد دلَّت موْعِظة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على شيءٍ أقره العلم النفسي الحديث، وهي أنَّ الطَّاقة الذهنيَّة للإنسان محْدودة، لا يمكن في العادة أن تُتابع الكلام بانتباه طويل لأكثر من 15 دقيقة، وبعدها تُصاب بالشُّرود والتَّعب، ويتمنَّى المستمع حينئذٍ أن يستريح ذهنُه حتَّى يجد أمرًا، أو مشوقًا آخَر.

فينبغي أن يكون كلام الخطيب جامعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكيرٍ هادئ، وألا يحول بيْنه وبين المستمِعين أي حائل نفسي سوى مراقبة الله والخوف منه؛ ولهذا ينبغي عليه قبل الشُّروع في الخطبة وارْتقاء المنبر تصفية نفسِه ممَّا علق بها من شوائب وأكْدار، وتَهذيبها من العلائق، والدُّعاء بصدقٍ أن يوفِّقه الله في وعْظِه، وأن يسدِّد كلامه، وأن يكون له وقْع طيب في الأسماع والقلوب.

رابعًا: من المستحْسن أن تبدأ الخُطبة بما يجلب انتِباه السَّامعين، من حادثٍ مهمٍّ وخبر ذي فائدة، ثمَّ يرْبطه بمعاني القرآن والسُّنن الكونيَّة، ثمَّ على الخطيب بعد ذلك أن يَمضي مسترْسِلاً في وعْظه، ويقرن بين التَّبشير والإنذار، ويتخيَّر من الحوادث ما يكون محْور وعظِه، ومدار خطبته، ثمَّ يخرج بعد ذلك العرض بحلٍّ شرْعي ممَّا استجدَّ من حوادث، وما حلَّ بالمسلمين من ضِيقٍ وبلاء، ويذكِّرهم دائمًا بأنَّ المخرج من ذلك كلِّه هو طاعة الله وطاعة رسولِه وأولي الأمر، فهو سببٌ لسَعادة الدُّنيا والآخرة.

خامسًا: من المهمِّ جدًّا أن يكون موضوعُ الخُطبة واضحًا في ذهن الخطيب، وأن تكون المادَّة العلميَّة التي يُراد طرْحها وتعْريف النَّاس بها حاضرةً في الذِّهن قبل الشُّروع في الخطبة، ويُمكن اتِّخاذ الوسائل والتَّدابير لذلك، مثل تدْوين رُؤوس المسائل والخطوط العامَّة في "ورقة صغيرة" يرْجع إليْها عند الحاجة؛ حتَّى لا يتحرَّج فيخْلط بعدها في كلامه، أو يستطْرِد في أمرٍ لا علاقةَ له بصلب الموضوع، فيفقد هيْبته في القلوب.

سادسًا: على الخطيب أن يَحذر من ذِكْر ما يُساء فهمه من الآيات والأحاديث، دون أن يُلْقِي عليْها الضَّوء من شرْحٍ أو تعْليق ليزول[7] الإشْكال، مثْل ذِكْر الأحاديث الَّتي فيها أنَّ الله أدْخل الجنَّة مَن سقى الكلْب[8] - وكان صاحب معصية كبيرة - فغفر له، فيظن الظَّانُّ أنَّ مجرَّد هذا العمل يدخِل الجنة دون توبة أو رجوع إلى الله.

سابعًا: هناك أمور ينبغي على الخطيب الانتِباه إليها، وهي إن كانت بسيطة لكنَّها هامَّة تجعل الخطيب يَملك زمام الأمور، ويأخُذ بناصية المواقف، وتَمنحه قوَّة الشَّخصية:
مثل هندسة الصَّوت، فلا يرفع صوته لغير حاجه، ولا يكون بطيئًا فتملّه الأسْماع.

ومنها أيضًا عدَم الإكثار من الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبة المسرح، بل يتمَّ توزيع ذلك باعتِدال تامٍّ أمام الحاضرين.

ومنها الالتفات المعقول، فلا يشير إلى أحد بعينه أو طائفةٍ من النَّاس وهو يتكلَّم مثلاً عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقع في سوء الظَّنّ.

وهناك أمور تتعلَّق بالخطيب نفسه وما ينبغي أن يكون عليه من صفات وأخلاق، نشير إليها بإيجاز، ومنْها:
·أن يدْعو بالحِكْمة والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصِل إلى ما يُنْكِرون من حيث لا يشْعرون، فيشتدّ في مواضع الشدَّة، ويلين في مواضع اللين.
· أن يكون الخطيب عالمًا بسائر الأحكام الشرعيَّة، ومسائل الخلاف ومدارك العلماء، ومن أين أخذوا؛ ليتمكَّن من الإجابة على أسئِلة النَّاس على بيِّنة، خاصَّة في مسائل العبادات والمعاملات.
· أن تكون له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خلق الورَع والخوف من الله كما هو دأب أوْلياء الله الصَّالِحين، فلا يرتكِب كبيرةً أو يصرّ على صغيرة؛ حتَّى تعظِّمه النفوس وتنقاد إلى سماعِه الأبدان.
· أن تكون له معرفة قويَّة باللُّغة العربيَّة، مثل علم الإعراب، وعلم الأساليب (المعاني والبيان والبديع)، وهذا يَحصُل بِممارسة الكلام البليغ ومزاولتِه؛ حتَّى تكون له ملَكة على تأليف الكلام وإنشائه، فيعبِّر عن المعاني العديدة بألْفاظ وجيزة.

لقد كانت عمليَّة الخطابة عند فقهائِنا الأجلاَّء تسدُّ أكثر الثَّغرات في المجتمع المسلم، وتُعالج معظم الانحِرافات العقديَّة والاجتِماعيَّة، بفضل ما كان عليه علماؤُنا من خلُق ودين وورَع، ولما كان الخطيب نفسه يتمتَّع به من شخصيَّة مؤثِّرة في قلوب مَن يُخاطِبهم.

مقترحات وتوصيات:
في بلاد الإسلام - ولله المنُّ والفضل - آلافُ المساجد يَحضُرها كمٌّ هائل من المصلِّين، فلو فكَّرت وزارات الأوْقاف في تلك البلاد في تهْيئة كادر من الخُطباء والوعَّاظ، تتوفَّر فيهم الصِّفات المؤهّلة لشغل تلك الوظيفة الهامَّة، وبعد تفكيرٍ رأيتُ أنَّ أسلم طريق، وأنْجح وسيلة في تكوين الخُطَباء هي اتِّباع ما يلي:
أوَّلاً: أن تقوم تلك الهيْئات الرَّسميَّة بتربية الخطيب، من خِلال حثِّ الخطباء على إتقان القرآن على يدِ مقْرئ متْقن، وبعد تحصيل العلوم الأوَّلية التي تنمِّي الموهبة، وتنشط العقل، وتفتق الذِّهن.

ثانيًا: توجيه الخُطباء إلى قراءة ما يتعلَّق بكتُب الأدَب - وخاصَّةً الشعرَ والنثر - وإجادة الخط العربي؛ لما لذلك من أهمية في شخصيَّة الخطيب وتأثيره على المستمعين.

ثالثًا: الاهتِمام بقواعد اللُّغة العربيَّة من النَّحو مع التَّطبيق العملي لآيات القرآن؛ إذْ لا يحسُن بالخطيب أن تظهَر منه أخطاء لغويَّة وهو يعتلي المنبر ويوجِّه النَّاس.

رابعًا: أن يطلب من الخطيب أن يُكْثِر من تِلاوة القرآن، مع الاستِعانة بفهْم القرآن وتدبُّر معانيه، ومِن خلال قراءة كتُب التَّفسير المعتمَدة، ثمَّ يعوَّد على الاستقلالية في الفهْم والتَّصوُّر المبني على الكِتاب والسنَّة؛ من أجل تقْريب معاني القرآن إلى أذْهان النَّاس وبأسلوب العصر.

خامسًا: على الخطيبِ أن يُضيف إلى رصيدِه المعرفة التَّامَّة بسيرة الرَّسول الأعظم وسنَّته القوليَّة والفعليَّة، وذلك من خِلال قراءة ما يتعلَّق بكتُب السِّيرة، ومِن أعظمِها نفعًا كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم - رحِمه الله تعالى - ودراسة ما يتعلَّق بمصطَلح الحديث؛ ليتمكَّن من معرفة صحَّة الحديث، مع دِراسة فقْه الحديث من كتاب "بلوغ المرام شرح أحاديث الأحكام"؛ ليتمكَّن من الإجابة على الأسئِلة التي تعرض عليه.

سادسًا: دِراسة أحوال البشر، فقد بيَّن الله في كِتابه كثيرًا من أحْوال الخلق وطبائِعهم، والسُّنن الربَّانيَّة في البشَر وتقلُّبات الأحوال، يقول محمَّد رشيد رضا: "فلا بدَّ للنَّاظر في هذا الكتاب – أي: القرآن - من النَّظر في أحوال البشَر في أطوارهم وأدْوارهم، وما ينشأ من اختِلاف أحْوالهم من ضعف وقوَّة، وعزَّة وذُل، وعلم وجهْل، وإيمان وكفر"[9]، كلُّ ذلك من أجل أن يتمكَّن الخطيب من اقْتِلاع الأمراض القلبيَّة والاجتِماعية من نفوس المجتمع، ولا بأس مع ذلك من أن يتعلَّم بعض الظَّواهر الكونيَّة[10]، وذلك بدِراسة العلوم الَّتي تبصِّره بنظام الكوْن وسنته، فيستدلُّ بآيات القرآن على وحدانيَّة الله وربوبيَّته للخلق.

سابعًا: إعداد خُطباء مهمَّتهم تذكير النَّاس في الميادين العامَّة والمتنزهات الجامعة؛ لأنَّ قصر الخطبة على أيَّام الجمع يكون قليلَ الفائدة، وقد كان من هدْي الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن يخطب في غير أيَّام الجمع ما دعت إليْه الحاجة، أو حصول أمرٍ مهمّ يُحب التَّنبيه إليْه أو التَّحذير منْه.

ثامنًا: أن تقومَ تلك الهيْئات بِمتابعة الخُطَباء في مساجِدِهم، والاستِماع إلى شكْواهم، والاستِماع إلى مواعظِهم والتنبُّه لأخطائهم، ويؤمروا ألاَّ يتكلَّموا بِما يعلو أذهان النَّاس، أو لا يناسب مستوياتِهم وواقعهم، فالخُطبة إنَّما شرعتْ لتذكير النَّاس بشؤون المعاد والآخِرة، ولا بأس من التطرُّق إلى مواضيع تخصُّ حياة النَّاس العمليَّة والمعيشيَّة، ومعالجتها على ضوْء القرآن والسنَّة.

نماذج من صناعة الخطب:

بعد هذا العرْض السَّريع، من المهمِّ أن يتعوَّد الخطيب على الأسلوب الأمثل في إعداد الخطبة وصناعتها؛ ليتمكَّن من مواكبة الحدَث، ومُعايشة ما يَجري حوْله من وقائع وأحداث، ولا يكون اعتِماده على خطب روتينيَّة معدَّة سلفًا، لا تناسب حال من يتحدَّث إليهم، وإعداد الخطبة يعتمد على ركيزتَين:

أوَّلاً: اختِيار الموْضوع اختيارًا دقيقًا، وتَحضير مادَّته قبل ارتِقاء المنبر بأيَّام.
ثانيًا: وحْدة الموْضوع، وربْط الكلام بواقِع مَن يتحدَّث إليْهم، ومعْنى ذلِك - بشكلٍ أوْضح -: اختِيار الآيات الواضحة والأحاديث الصَّحيحة التي تلائِم مقْصد الكلام وحال المستمِعين، وأن يكون الكلام مرتبِطًا بعْضه ببعض؛ ولِهذا يستحْسن من الخطيب أن يحدِّد الموْضوع على نقاط أو مسائل معيَّنة، فيقول مثلاً: كلامُنا اليوم يدورُ حول ثلاثة مسائل رئيسة، هي كالتَّالي: أوَّلاً كذا، وثانيًا، ليخرج المستمِع من المسجِد وقد وضح الموضوع في ذهنِه، والهدف من الخُطْبة، بدلاً من أن يخرج مشتّت البال، لا يعرف ماذا يبغي الخطيب من خطبته، فضلاً عن أن يعرف ماذا استفاد وانتفع هو من الخطيب،


ــــــــــــــــ
[1] انظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" جزء 2 ص561، وما بعدها.
[2] صحيح رواه البخاري (1291)، ومسلم (4)، وروي الحديث بغير هذا اللفظ، انظر رقم: 2142 في صحيح الجامع.
[3] المصدر: "مجموع الفتاوى"، الصفحة أو الرقم: 16/ 299، والحديث: صحيح.
[4] الحديث رواه عمار بن ياسر، المحدث: مسلم، المصدر: المسند الصحيح، الصفحة أو الرقم: 869.
[5] الترمذي، المصدر: سنن الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2676 والحديث: حسن صحيح.
[6] المرجع السابق.
[7] استفدت بعض الشيء من كتاب "أصول الدعوة" للدكتور عبدالكريم زيدان، ص471، في النقاط الأخيرة الخامسة والسادسة.
[8] البخاري، المصدر: "الجامع الصحيح"، الصفحة أو الرقم: 3467 الحديث: [صحيح].
[9] تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا:ج 1-ص 23.
[10] مثل قراءة كتاب توحيد الخالق للشيخ الزنداني بأجزائه الثَّلاثة.

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/0/6837/

 


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۹ ] [ مشاوره مديريت ]
  انفعالات الخطيب النفسية في حال خطبته     للخَطابة أسلوبُها الذي يختلف عن أسلوب المحاضرة والدَّرْس، والمناقشة والجدل[1]، وهي تستلزم إثارةَ المشاعر، وإلْهابَ الحماس، واستعمالَ العبارات العاطفية مِن لَدُن الخطيب، وباتجاه مَن يخاطبهم، وبما أنَّ الخطيب يُكلِّم طبقاتٍ مختلفة، وعقليات متفاوتة، لهم مشاعرُ متباينة، وفي ظروف وأحوال ومناسبات مختلفة، فوَجَب عليه أن تكون انفعالاتُه ومشاعره مِن غضب وتألُّم، وتحسُّر وتأسُّف، وحبٍّ - مبنيةً على أساس قويم، ومنهج سليم، تتناسب مع المقامِ والحال، وظروف مَن يخاطبهم، ولا يجعل الأمرَ كلَّه سواءً.   وممَّا دعاني إلى كتابة هذا المقال: أني رأيتُ بعضَ الخطباء ليس لهم درايةٌ بأصول وفنِّ الخطابة، وما ينبغي فعلُه، وما لا ينبغي، مع ضعْف التواصُل مع المستمعين في تبليغ الرِّسالة الدعويَّة، خاصَّة إذا علمنا أنَّ الخطيب يرتقي مقامًا له الأثرُ الهام في علاج معظم الانحرافات التي تُصاب بها الأمَّة، سواء ما يتعلَّق منها بالعقيدة أو السلوك؛ لكونِه تُتاح له الفرصةُ لمخاطبة ألوان من المدعوين، وهذا يستوجب منه الإلمامَ بمقوِّمات الخُطبة الناجِحة، وأن تكون أعصابُه ونفسيتُه مقيدةً بهديِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مجال الدَّعوة، وبحسب ما يقتضيه الحال والموقف.   التفاعل سبب التواصل والتأثير:
الخطيب الذي لا يتفاعل ولا يتحمَّس لِمَا يقول لا يؤثِّر في عقول وقلوب مَن يتحدَّث إليهم؛ لأنَّه يصبح آلةً مجرَّدة من المشاعر والأحاسيس، تُلْقي كلماتٍ مجرَّدةً عن المعاني، ثم تنتهي وظيفتُه ومهنته دون أن ينتفعَ منه الحاضرون، فبينه وبين مَن يدعوهم ويعظهم حجابٌ غليظ، وجدار عازل، ولا شكَّ أنَّ الخطابة مقصودها الأعظم هو تحريكُ العواطف والمشاعر نحوَ مرضاة المولى سبحانه، وفِعْلِ الخير، وصَرْفها عن الشَّرِّ بقدر الإمكان، وهذا يتطلَّب من الخطيب أن تكون له مهاراتٌ معيَّنة في الأداء والأسلوب[2]، واختيارٌ أمثلُ للموضوع في جذْب أنظارِ الحاضرين، وإيقاظ هِمَمِهم، وتحريك عزائمهم، بما يسوقه مِن أمثلة ووقائعَ وأحداث، وأن تتناسب انفعالاتُه مِن حبٍّ وغضب، وتألُّم وفرح، وتوجُّع وتأسُّف، بحسب مقتضى الحال وما يلاءم الظَّرْف، فإذا رأى ممَّن يدعوهم فتورًا في الإصغاء، وضعفًا في الانتباه والإقبال، لجأَ إلى المثيرات والمنبِّهات، وهي عديدة في جعبة الخطيب؛ ومنها:
1- الاستعانةُ بالقَصص الوارد في القرآن والسُّنَّة، ورَبْطه بواقع المسلمين، والاستعانة بضرْب الأمثال، وتصوير المعاني بأشياءَ محسوسة؛ لتقريب المعاني إلى أذهان المستمعين.
2- جَلْب انتباه المستمعين مِن حادِث مهم، وخبر ذي فائدة، وربطه بمعاني القرآن، والسُّنن الكونيَّة، وأن يختارَ من الحوادث ما يكون محورًا للخُطبة، بحيث يخرج بحلٍّ لِمَا يستجد مِن حوادث، وما يَحُلُّ بالمسلمين مِن بلاء وضيق، كلّ ذلك مع التفاعل الصادق، والرغبةِ المفعمة بالحبِّ والشفقة والرحمة؛ لمدِّ يَدِ العون لعباد الله، لإنقاذهم ممَّا هم فيه مِن بلاء وشدَّة. 
3- تذكيرُ المسلمين بالأصْل العظيم، ألاَ وهو طاعة الله ورسوله، فهُمَا سببُ النجاة في الدنيا والآخرة، والسعادةِ الحقَّة، وتذكيرُهم بنعمة الله عليهم في السرَّاء والضرَّاء، وأنَّه لا ينبغي لهم مقابلةُ نِعمه الوفيرة بعصيانه، وجحود النِّعمة. 
4- أن يقرنَ بين التبشير والإنذار، والترغيبِ والترهيب، حسب الحال والمقام، فإذا كان التبشير برضوان الله وجَنَّته لِمَن أطاعه ملائمًا، بسبب أنَّ مَن يدعوهم قد وقعوا في اليأس والقنوط، ركَّز عليه ووضَّحه، وأتى من الآيات والأحاديث الشريفة ما يُجلِّيه، وإن كان الإنذار والتخويف ملائمًا، بسبب أنَّ مَن يدعوهم متمادون في طغيانهم وعصيانهم، سَرَد الآياتِ والأحاديثَ المتعلِّقة بهذا الجانب، وحذَّر من عقوبة الله وغضبه، ولكلِّ مقامٍ مقال. 
5- هندسة الصوت ومناسبته لانفعالات الخطيب أمرٌ هامٌّ جدًّا، فلا يرفع الصوت لغير الحاجة، ولا يخفضه فتملّه الأسماع، بل يكون صوتُه كالرَّسم البياني يخفض ويرفع، حسب الموضوع، وحال المستمع؛ لأنَّ مَن يخاطبهم ليسوا على مستوًى واحد مِن حيثُ التأثُّر، فمنهم مَن تكفيه أدنى إشارة، ومنهم مَن لا يتَّعظ إلاَّ برْفع الصوت والإنذار بالقول، وسيأتي توضيحُ ذلك.   لِمَ كانت خطب الرسول مؤثرة؟
إمامنا في الوعْظ والإرشاد هو رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بل هو إمامُ الأنبياء وخطيبُهم إذا وفدوا، وأوَّل مَن رقي المنبر، فكانتْ كلماته لها وقعٌ وأثر في القلوب والأسماع، كيف لا، وقد أوتي جوامعَ الكلم؟! وهي: "إيصال المعاني المقصودة بأحسنِ صورة من الألفاظ الدالَّة عليها، وأفصحها وأحلاها لدى الأسماع، وأوقعِها في القلوب".[3]   وأيضًا كانت خطبته - صلَّى الله عليه وسلَّم – "بيانًا لأصول الإسلام من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله ولقائه، وذِكْر الجنة، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهلِ طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهلِ معصيته، فيملأ القلوبَ إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفةً بالله، وأيَّامه"[4]، وإنَّما كانت خطبه - صلَّى الله عليه وسلَّم - مؤثرةً؛ لأنَّه كان على قناعة تامَّة، ويقين جازم بما يدعو إليه، وحريصًا على هداية البشرية؛ فقد جاء في الحديث أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لقريش: ((أرأيتُم لو أخبرتُكم أنَّ العدوَّ مُصبِّحُكم أو ممسِّيكم، أكنتم تصدقونني؟))، قالوا: بلى، قال: ((فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد))[5].   وكان لصِدْق انفعالاته وتفاعله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع ما يقول ويتكلَّم، ويُحدِّث ويأمر - أثرٌ وسلطانٌ على القلوب، وحياةٌ وإشراقٌ في النفوس لكلِّ مَن يسمعه، حتى إنَّ كلماتٍ وجيزةً من حضرة مقامِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - جعلتِ الصحابةَ الكرام يذرِفون دموعَهم[6]، وكان لشدَّة تأثُّره بما يقول، وإحساسه بما يحدُث ويقع، يَظهر أثرُ ذلك على وجهه وعينه، بل وكلماته وحركاته، وكان إذا خَطَب ((احمرَّت عيناه،   وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبُه، حتى كأنَّه منذرُ جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بُعثتُ أنا والساعَةَ   كهاتين - ويقرن بين إصبعيه السبابة والوُسْطى))[7].
 يقول الشاعر أحمد شوقي في مدْح الرسول الأعظم[8]: وَإِذَا خَطَبْتَ  فَلِلْمَنَابِرِ  هِزَّةٌ        تَعْرُو النَّدِيَّ  وَلِلْقُلُوبِ  بُكَاءُ
وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ        فَجَمِيعُ  عَهْدِكَ  ذِمَّةٌ  وَوَفَاءُ

بل كان مَن ينظر إلى شخصه، ويتأمَّل في خُلقه، ويتمعَّن في أوصافه وشمائله - يصدِّقه قبل أن يسمع حديثَه، ويؤمن به قبلَ أن يرى شخصه، ورغم أنَّه- صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يعلم مِن حقائق الغَيْب، وأهوال الساعة، وقرب علاماتها، وسرعة زوال الدنيا، ومشاهدته عيانًا للغيب - ما أوصلَه ذلك إلى درجة عين اليقين، ولم يحمله ذلك أبدًا على أن تختلط مشاعرُه، أو يغيب إحساسُه، أو تتمازج عواطفه؛ بل كان متحكِّمًا فيها، مسيطرًا عليها، آمرًا لها؛ لجَلَدِه وحِكمته، وقوَّة بصرِه وبصيرته، وعظمةِ إيمانه ويقينه، ولو كُشِف لأحد جزءٌ ممَّا كشف لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَا استطاع أن يذوق طعْمَ النَّوْم والرُّقاد، ولبقي أبدًا في يقظة وسهاد، ولَمَا قدَر على تصوير ما يعلم ويرى في صورة خِطاب للناس؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((واللهِ، لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتُم بالنِّساء على   الفُرش، ولخرجتُم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله))[9]، وهذا يدلُّ على كمال اليقظة والحضور، وقوَّة اليقين والبصيرة، وشجاعةِ القلْب وقوَّته، وعظيم الشفقة والرَّحمة.

 

الخطيب الناجح مَن يُوظِّف انفعالاته لخدمة الموقف:
 

وعلى هذا الأساس - مما تقدَّم - فالخطيب الناجح مَن لا ينخرط في العواطف والحماس بغير قانون أو ضابط، أو ينجرُّ وراءَ النيَّات الحَسَنة، والعواطف النبيلة، أو يُفاجِئُ الحضور بانفعال نفسيٍّ بسبب حضور شخصٍ صاحب شَرَف ومكانة، أو سماعِه لخبر أو رؤيته لمشهد، بل يكون معتدلاً في غضبِه وبكائه، وابتسامته وتألُّمه، وحزنه وغَيْرته، فلا يذرف الدمعَ بلا سبب، أو يندفع في البكاء فتتحوَّل الخطبة إلى مأْتَم وعزاء، دون أن يخرج المستمع بكبير فائدة؛ بل يتحكَّم في أعصابه، فيُنسِّق حديثَه، ويرتِّب كلامَه، ويَبنِيه على مقدِّمات ونتائج، بحيث يعرف متى يَرْفع صوتَه، ومتى يخفضه، ومتى يسكت لأجْل الْتقاطِ النَّفَس، ومتى يُهيِّج المشاعر، ومتى يُسكِّنها.

 

إنَّ هناك نوعًا من الخطباء يعتقدون أنَّ الوعظ لا يكون مؤثِّرًا إلاَّ إذا صاحبه رفعُ الصوت والصراخ، وأحيانًا العويل، ويستدلُّون بأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم – كان "إذا خَطَب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبُه، كأنَّه منذر جيش"[10]، وهذا الأمر مجانب للصواب، يقول النووي - رحمه الله - في شرْح الحديث: "‏‏يُستدلُّ به على أنَّه يستحبُّ للخطيب أن يُفخِّم أمر الخطبة، ويرفع صوتَه، ويجزل كلامَه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلَّم فيه مِن ترغيب أو ترهيب، ولعلَّ اشتدادَ غضبه كان عندَ إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحديده خطْبًا جسيمًا"[11].

 

‏ولا شكَّ أنَّ الغَيْرة محمودة، وهي أن يغارَ الخطيب حينما يرى محارِمَ الله تُنتهك، فيَرْفع من وتيرة صوتِه حسب ما يقتضي الحال؛ بل لا ينبغي له في تلك الحال أن يكونَ باردَ الأعصاب، ميِّت المشاعر، كأنَّ الأمر لا يعنيه ولا يهمُّه، بل يعتدل في ذلك كلِّه، ووَفْق ميزان دقيق، فالغرضُ هو حمل الناس على طاعة الله، واجتناب نواهيه، والله المستعان.

 

على أنَّ هناك عواملَ عِدَّةً تجعل الخطيبَ مؤثِّرًا في المستمعين، يملك زِمامَ الأمر فيها، متحكِّمًا في أعصابه ومشاعره، موجِّهًا لها نحوَ خدمة الموقف والحال، ومن هذه العوامل ما يلي:
أولاً: الإخلاص والصِّدق لهما أبلغُ الأثر في نفسية الخطيب، وهي التي تضبط انفعالاتِه، بحيث يُوجِّهها التوجيهَ السليم الذي ينفع به الدِّين، ولا شكَّ "أنَّ ظهور أثر الصِّدق في وجه الداعي وصوته يؤثِّر في المخاطَب، ويحمله ذلك على قَبول قولِه واحترامه، إلاَّ إذا كان عَمَى القلْبِ قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا"[12].

والأمر لا يحتاج إلى تصنُّع وتكلُّف؛ بل متى ما وقع الإيمانُ والثِّقة بالله انساب الحديثُ من الخطيب بالفِطرة، ويظهر أثرُ الصِّدق والإخلاص مِن نبرات الصوت، وعلى وجه الخطيب؛ ولهذا ينبغي على الخطيب ألاَّ يتصنَّع البكاء، وألاَّ يدفعَ نفسَه إلى الخشوع دفعًا؛ لِيُريَ الناس أنَّه حريص على هدايتهم، وأنَّه صادق فيما يدعو إليه، فربَّما وقع في الإحراج، بل يترك نفسَه إلى فطرتها، وما يُملي عليه إيمانُه.

وافتعالُ الحالة النفسيَّة – كالبكاء - خطأٌ يقع فيه بعضُ الخطباء؛ لاعتقاده - بسبب سوء فَهْم أو مغالطة - أنَّ الخطبة حتى تكونَ ناجحةً لا بدَّ من اشتمالها على البكاء.

إنَّ الخطيب الناجح مَن يوصِّل الفكرة، ويُرسِّخ المعلومة، ويكشف الشُّبهة؛ من أجل أن يستفيدَ منه المسلمون في حياتهم العملية.

 

ثانيًا: الورع والخوف من الله له الأثرُ في ضبْط الأعصاب، حيث تكون وفقًا لِمَا أمر الله به، فتُعظِّمه النفوس، وتنقاد لكلامه، "والمقصود من الخُطبة حصولُ الخشوع، والرجوع إلى الله، باتِّباع أمرِه، واجتناب نهيه، والخوف منه، والخوف ممَّا أوعد به، وقوَّة الرجاء فيما عنده، وحسن الظنِّ به سبحانه، فإذا كان الخطيبُ مُستعمِلاً في نفسه ما ذُكِر، كان أدعَى إلى قَبول ما يُلقيه على السامعين؛ لاتِّصافِه بما يتَّصف به هو كما مرَّ"[13]، إضافةً إلى ذلك تكون انفعالاته النفسيَّة منضبطة، لا تتلاعب بها الأحوالُ والظروف؛ بل يكون الخوفُ من الله هو الذي يتحكَّم فيها، وهذا الأمر نافِعٌ جدًّا عند حضور شخصية بارزة، أو وُقوع حَدَث طارئ مُفْزِع، فإن لم يكن الخطيب متسلِّحًا بالخوف من الله، وَقَع فريسةً للانفعالات النفسيَّة المتقلِّبة.

 

ثالثًا: التركيز على موضوع مُعيَّن، وهدف محدَّد، يتحمَّس له، وينفعل به الخطيب، يجمع الهِمَّة، ويُوحِّد له الفِكرة والهدف، ويجعل الذِّهن صافيًا، مما له الأثر في ضبْط الانفعالات، فيخرج الكلامُ بِأَرْيَحِيَّة دون تكلُّف، بخلاف مَن يتكلَّم في أمور شتى[14]، لا يجمعها جامِع، تتبعثر انفعالاته، وتتقلَّب أمزجتُه، وتتضارب عباراتُه، ويَخرج المستمعُ وهو كذلك متقلِّب المفاهيم، لا يعرف ماذا أراد الخطيب، فضلاً عمَّا فهمه هو من الخُطبة.

 

رابعًا: من المهمِّ جدًّا أن تكون المادة التي يُراد طرحُها حاضرةً في ذهن الخطيب، تعالِج موضوعًا واقعًا، أو مرضًا اجتماعيًّا منتشرًا، أو حَدَثًا هامًّا؛ لتتحد مشاعرُ الخطيب مع الحَدَث والمتحدَّث إليه، بدلاً من الكلام عن أمور لم تقع، أو لا تناسب حالَ الظرف والوقت، أو الكلام في مواضيعَ لا تناسب حالَ مَن يدعوهم.
فإذا كان يتكلَّم عن الغزو الفكري ومشاكلِ التطوُّر العلمي وهو يخاطب أهلَ البدو والقرى، فهو يُشتِّت أذهان المستمعين في قضايا لا نَاقةَ لهم فيها ولا جَمل، فيُضيع الجهود، ويُبعثِر الطاقاتِ فيما لا قدرةَ لهم عليه، ولا يدخل في نِطاق عملِهم.

 

خامسًا: عدمُ إهمال جانب العاطفة، ودَورِها في التأثير، كالرَّحمة والشفقة، والغضب، والمودَّة والحبّ، والمواساة والسماحة، والعفو والصفْح، والتألُّم والحزن، وجَبْر الخاطر، وغيرها من العواطف والمشاعِر النبيلة؛ لِمَا لها من عظيم الأثر في نجاح الخُطبة، وأن تكونَ تلك العواطف موافقةً لظروف الخُطبة، ثم يتأمَّل في واقع الناس، وأمراض مجتمعِه، ويعالجها - كالطبيب الحاذق البصير - بحكمة وروِيَّة واعتدال من غير أن يهملَ تلك العواطف، مراعيًا بذلك مشاعرَ من يُخاطبهم، فلا يليق بالخطيب أن يُهمل مشاعِر مَن يخاطبهم، ويضرب بها عُرْضَ الحائط، كان يتكلَّم مثلاً في تفاصيل لا يَليق به أن يذكرَها على المِنبر، بل يُشير إذا اقتضى الأمرُ إشارة، أو يتطرَّق إلى ما يُخالِف عاداتِ القوم وتقاليدَهم في الحَضَر والبدو.

 

سادسًا: أن يكون كلامُه جامعًا مانعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكير هادئ، وألاَّ يحولَ بينه وبين المستمعين أيُّ حائل نفسي؛ إلا مراقبةَ الله، وأن يكون نظرُه إلى المستمعين نظرَ المشفِق عليهم، الحريصِ على هدايتهم، فلا يميِّز بين فقير أو غني، ولا حاكم أو محكوم - لكن في حدود الأدب، وانتقاء للألفاظ.

 

ولهذا ينبغي له قبلَ الشُّروع في الخُطبة، وارتقاء المنبر: تصفيةُ النفس من الشوائب والأكدار، وتحليتُها بالأخلاق السامية، والآداب الفاضلة، والدُّعاء بصِدق أن يوفِّقه الله في وعْظه، وأن يُسدِّد كلامَه، وأن يكون لكلامه وقعٌ طيِّبٌ في نفوس السامعين؛ قال تعالى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

 

خلاصة ما تقدم:
إنَّ الخطيب هو رجلٌٌ سياسي[15] حكيم، وطبيبٌ حاذِق، يعرف أمراضَ الناس وعِللها، والأدوية التي تناسبها، يدعو بالحِكمة، والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصلُ إلى ما يكرهون من حيثُ لا يشعرون، فيشتدُّ في موضِع الشِّدَّة، ويلين في موضع اللِّين، وهو رجل داعيةٌ، قادرٌ على أن يعظَ الناس كلَّهم على اختلاف أصنافهم، وتباين مشاربهم، يُرْشِدُهم إلى غاية عظيمة، وهي ابتغاءُ مرضاةِ الله، وتقديم رِضاه على رِضا المخلوقين، ومحابِّه ومحابِّ رسوله على محابِّ الخَلْق أجمعين، ومِن ثَمَّ التطلُّع إلى ما عند الله - سبحانه - من النعيم المقيم.

 

والله أعلم وأحكم، وأجلُّ وأعظم، وصلَّى الله على سيِّدنا وإمامنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ويليه بإذن المولى سبحانه: "المعوِّقات النفسيَّة للخطيب".

 

ومِن الله المعونةُ والسداد.

 

 

ــــــــــــــــــ

[1] هذه أدوات التبليغ، وكلها تدخل تحت مضمون القول، انظر شرح هذه الأدوات بالتفصيل في كتاب "أصول الدعوة"؛ للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 342) وما بعدها.

[2] انظر: بحث "مميزات الخطبة الناجحة، ونماذج من صناعة الخطب"؛ للباحث مرشد الحيالي على موقع (الألوكة). [3] كتاب "جامع العلوم والحكم"؛ للعلاَّمة ابن رجب الحنبلي (ص: 243)، دار المعرفة، ببيروت. [4] "زاد المعاد في هدي خير العباد"؛ للإمام ابن القيم - رحمه الله (1/117). [5] رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عباس (رقم: 4972). [6] حديث العرباض بن سارية: ((وعظَنا رسولُ الله موعظةً بليغة، وَجِلتْ منها العيون، وذرَفت منها العيون..........))؛ رواه الترمذي (رقم: 2676)، وقال: حديث حسن صحيح. [7] رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله (رقم: 867) [8] القصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي، يمدح بها الرسول الأعظم، وهي بعنوان (ولد الهدى). [9] الحديث رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك (رقم: 4621). [10] تقدم رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله (رقم: 867). [11] انظر: شرح الإمام النووي - رحمه الله - لصحيح مسلم (6/222). [12] "أصول الدعوة"؛ للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 256). [13] "المدخل"؛ لابن الحاج (2/270) فصل (فرش السجادة على المنبر).
 وليس معنى ما ذُكِر أن يكون الخطيب علاَّمة زمانه، ووحيدَ أوانه، ولكن المطلوب المقاربة، وأن يتخلَّق بخلق سيِّد الأنبياء، واللهُ لا يُكلِّف نفسًا إلاَّ وسعها. [14] بعض المناسبات كمناسبة العيد، يحتاج الخطيب إلى التنويع في المواضيع، ولكن يربطها بالأصل العام، وهو: تقوى الله وطاعته، حتى تُؤتي الخطبةُ ثمارَها. [15] ليس المقصود من السياسة الدهاء والمكر، بل الحِكمة ومراعاة شؤون الناس، ومعرفة أحوالهم، ومعالجة أمراضهم.   نوشته : مرشدالحيالي   http://www.alukah.net/Sharia/0/8211/  
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۸ ] [ مشاوره مديريت ]

 

دواعي قوة الخطيب

تنقسم دواعي قوة الخطيب إلى قسمين: أساسي، وفرعي.

القسم الأساسي منها كالآتي:

1 – استعداده الفطري: ويمكن له أن يقوي هذا الاستعداد وينمِّيه بالتدريب، وكثرة مزاولة الخطابة.

2 – اللسَن والفصاحة: ومنه حسن المنطق، وصحة إظهار الحروف، ثم قوة التعبير، واختيار الألفاظ.

3 – التزود بالعلوم من شتى الفنون: وهذا يساعده على الذي قبله ويمده في كل موقف وعلاج كل موضوع.

4 – حضور البديهة: وهي الَّتي تعينه على مواجهة الطوارئ حسَب مقتضيات المواقف المختلفة.

5 – معرفة نفسيَّة السَّامعين: ليتجاوب معهم ما أمكن؛ ولهذا العنصر أهمية كبرى؛ لأنه آذان السامعين، والنافذة الَّتي ينفذ منها إلى القلوب.

6 – العواطف الجياشة بمعاني الموضوع الذي تتناوله الخطبة: وإيمان الخطيب بفكرته، وثقته بنجاحه.

والعاطفة خاصة هي الطاقة الَّتي تحركه، والقوة الَّتي تدفعه، كما أن إيمان الخطيب بفكرته هو الأساس الذي يرتكز عليه، والدعامة الَّتي يقوم عليها بين الجماهير، وثقته بالنجاح هي الرابطة بين موضوعه وشعور الجماهير.

أما العوامل الفرعية، فهي عوامل شكلية تكسب الخطيب هيبةً ووقارًا تدعم موقفه منها:

1 – حُسن سَمْتِه: مما يَلفِت الأنظار إليه ويُعلِي قدره قبل تحدثه.

2 – رَوعة إلقائه: وتكييف نبرات صوته، وحُسْن جَرسِه مما يستولي على أسماع الحاضرين.

3 – حسن إشارته: ومجيئها في مواضعها عند الحاجة.

4 – إخلاصه، وسمو أخلاقه، وحسن سيرته: وخاصَّة في الخطابة الدينية، وقد سمع الحسَن البصري - رحمه الله - خطيبًا، ولم يتأثر به فقال: "يا هذا، إن بقلبك لشرًّا أو بقلبي".

وأخيرًا؛ مراعاة كل ما يلزم قبل الإقدام على الخطابة.

 

عيوب الخطابة، وما ينبغي للخطيب تجنُّبه

تنقسم العيوب في الخطابة إلى قسمين:

1 – قسم خَلْقي: في الخطيب يتعلق بالنطق، كاللثغ، والفأفاة، والتأتأة.

أ – واللثغ: هو تغيير بعد الحروف كالراء ينطقها غينًا أو ياء أو بينهما، ويرى كبار العلماء أنه أخفها بل ويستعذبها بعض الناس ويعدها الجاحظ من (محاسن النبلاء والأشراف)، وواصل بن عطاء من كبار الخطباء وكان ألثغ في الراء، فكان يحاول مجانبتها باستعمال كلمات خالية من الراء بدلاً مما هي فيها.

ومن طريف ما ينقل عنه في بشار بن برد يرد عليه قال: "أما لهذا الأعمى الملحد المشنَّف المكنَّى بأبي معاذ مَن يقتله، أما والله، لولا أن الغيلة سجيَّة من سجايا الغالية لبعثت إليه من يَبْعَج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله أو في حفله"، فتراه قد جانب الراء في (بشار)، وفي (المرعث)، وفي (ابن برد) واستبدلها بأوصافه المشنَّف، أبي معاذ، واستعمل (الملحد) بدلاً من (الكافر)، واستعمل (بعثت) بدلاً من (أرسلت)، و(يبعج) بدلاً من (يبقر)، و(مضجعه) بدلاً من (فراشه)، و(منزله) بدلاً من (داره).

ومثل ذلك ما حُكِيَ من أن بعض الناس أراد إحراجه وهو يخطب فناوله ورقةً مكتوب فيها: "أمَرَ أمِيرُ المؤمِنِين بِحفر بئر على قارعة الطريق؛ ليرِدَه الجائي والرائح"، فتناولها وعلم المقصود منها لكثرة الراء فيها، فقال: "حكم الخليفة بشق جب على جانب السبيل ليتزود منه الجائي والغادي"، ومثل ذلك وإن كان لا يخلو من الصنعة إلاَّ أنه يعطي صورة لمحاولة تجنُّب اللثغة في الخطابة.

ب – والفأفأة: كثرة ظهور الفاء في الكلام لثقل في اللسان، ومثلها التأتأة، وبعض الناس يظهر ذلك في نطقه العادي، فإذا أخذ في الخطابة، قل ظهوره في كلامه، إما لحماسة، أو لسرعة إلقائه، أو لشدة عنايته.

2 – وقسم عارض أثناء الخطابة: كالحصر، والإعياء، والاستعانة.

أما الحصر: وهو احتباس اللسان عن الكلام، فقد يطرأ على الخطيب بسبب الدهشة مما يفجأ نظره أو سمعه، أو بالحيرة مما يواجهه أو يتوهمه، قال أبو هلال العسكري: "الحيرة والدهشة، يورثان الحبسة والحصر، وهذا من أخطر المواقف على الخطيب، سرعان ما تظهر آثاره على وجهه، فيشحب لونه، ويتصبَّب عرقه، ويجف ريقه، وربما دارت رأسه، وطنَّت أذنه، وخارت قواه، وقل أن يوجد لهذه الأزمة حلٌّ إلاَّ جَلَدَ الخطيب وقوة شخصيته، وخير وسيلة لتدارك موقفه، إما بالجلوس وتناول شيء من الماء، أو طلبه إن لم يكن موجودًا، ولو لم تكن لديه شدة حاجة، وإما بتناوله كتابًا أو جريدةً أو أوراقًا يقلب صفحاتها، أو قلما يتأمل فيه، أو أي شيء يتشاغل به نسبيًّا، حتى تذهب عنه الدهشة، وهو في أثناء ذلك يعالج بفكره افتتاح الكلام، ولو أن يقرأ فاتحة الكتاب، ومن هنا كانت قوة شخصية الخطيب وإعداده للخطبة أقوَى عدة لنجاح الخطابة.

وقد يسعف الخطيب عبارة موجزة تغطي الموقف فيكتفي بها، وكأنه ما أراد إلاَّ هي فيحسن التخلُّص من المأزق بها.

صور من ذلك:

1 – في أول خلافة عثمان صعد المنبر ليخطب الناس فأرتج ، فقال: "أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن أَعِشْ تأتكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد العسر يسرًا"[1]، هكذا يروي علماء الأدب، وابن كثير يقول: "لم أجد ذلك بسند تسكن النفس إليه"[2].

2 – ما ينقل عن ثابت بن قطنة على منبر سجستان يوم الجمعة، وقد أحصر، فقال: "سيجعل الله بعد عسر يسرًا، وبعد عِيٍّ بيانًا، وأنتم إلى أميرٍ فعالٍ أحوج منكم إلى أميرٍ قوَّال:

فَإنْ لا أكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإنَّنِي        بِسَيْفِي إذَا جَدَّ الْوَغَي لَخَطِيبُ

فكان اعتذاره أبلغ من خطابة غيره، حتى قال خالد بن صفوان لما بلغه خبره: "والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه في كلماته هذه".

3 – وقال المبرد: حُدِّثْتُ أن أبا بكر ولَّى يزيد بن أبي سفيان رَبْعًا من أرباع الشام، فرقي المنبر فتكلم فأُرْتِجَ عليه، فاستأنف فأرتج عليه، فقطع الخطبة، فقال: "سيجعل الله بعد عسر يسرًا، وبعد عي بيانًا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال"، فبلغ كلامه عمرو بن العاص، فقال: "هن مخرجاتي من الشام، استحسانًا لكلامه".

4 – وقد يسعف الخطيب نفسه بحسن تصرفه في مال أو نحوه، كما فعل عبدالله بن عامر بالبصرة، لما أرتج عليه يوم العيد، فقال: "والله، لا أجمع عليكم عيًّا ولؤمًا، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي".

وعلى الخطيب أن يحتال ليخلص نفسه ولا يُرمَى بما يجري على لسانه بدونه أن يزنه، فقد يوقع نفسه في أسوأ مما هو فيه، كما وقع من مصعب بن حيان، دُعي ليخطب في نكاح فأرتج عليه، فقال: "لقنوا موتاكم (لا إله إلاَّ الله)"، فقالت أم الجارية: "عجل الله موتك، ألهذا دعوناك".

وقريب منه ما وقع لعبدالله العشري لما أرتج عليه، وهو على المنبر، فقال: "أطعموني ماء"، فعُيِّر بذلك؛ لاستعماله أطعموني بدل اسقوني.

أما الاستعانة، فهي: ما يتحيَّل به الخطيب لاستجداء فكره وكلامه، وقد يصبح عادة، وهو لا يدري.

من ذلك أن يعبث بأصابعه أو مسبحته أو أنفه أو لحيته أو عمامته... إلخ، أو أن يأتي بعبارات ليست ذات معنى جديد: إما إعادة لعبارات مضت، أو قوله كمثل: "علمتم، أيها الناس، اسمعوا ما أقول، أفهمتم ما مضى؟" قال رجل للعتابي: ما البلاغة؟ فقال: كل ما أفهمك حاجته من غير إعادة، ولا حبسة ولا استعانة، فهو بليغ، قال: قد عرفت الإعادة والحبسة، فما الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا، ويا هيه، واسمع مني، واستمع إلي.

قال المبرد (1/ 19): أما ما ذكرناه من الاستعانة فهو: أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه؛ ليصحح به نظمًا أو وزنًا إن كان في شعر، أو ليتذكر به ما بعده إن كان في كلام منثور، كنحو ما تسمعه في كثير من كلام العامة، مثل قولهم: ألست تسمع؟ أفهمت؟ أين أنت؟ وما أشبه هذا، وربما تشاغل العيِيُّ بفتل أصابعه، ومس لحيته، وغير ذلك من بدنه، وربما تنحنح، وقد قال الشاعر يعيب بعض الخطباء:

مَلِيءٌ  بِبَهْرٍ  وَالْتِفَاتٍ  وَسَعْلَةٍ        وَسَمْحَةِ عَثْنُونٍ وَفَتْلِ الأصَابِعِ

وقال رجل من الخوارج يصف خطيبًا منهم بالجبن، وأنه مجيد لولا أن الرعب أذهله:

نَحْنَحَ  زَيْدٌ   وَسَعَلْ        لَمَّا رَأى وَقْعَ الأسَلْ
وَيْلُمِّهِ  إذَا   ارْتَجَلْ        ثُمَّ  أطَالَ   وَاحْتَفَلْ

قوله (ويلمه)، أي: ويل لأمه، عبارةُ تعجب، أي: إذا ارتجل كان فصيحًا وأطال واحتفل، ولكنه نحنح وسعل لما رأى وقع السلاح.

وقد يتعود الخطيب بعض تلك الأشياء، فتصبح ملازمة له بدون حاجة، فليحذر المتكلم التعود عليها، وأحسن طريق لتجنُّب هذه العيوب، هو حسن التحضير، والإيجاز في التعبير، والتمهُّل في الإلقاء، حتى يكون كلامه بقدر ما يسعفه تفكيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 62)، وضعَّفه مشهور سلمان في كتابه (قصص لا تثبت 2/ 72) بأن في إسناده الواقدي وهو متروك. 

[2]   البداية (7/ 148)، (حاشية في الأصل).

منبع :

كتاب: "أصول الخطابة والإنشاء".

الشيخ عطيه محمد سالم


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۷ ] [ مشاوره مديريت ]

 

تجنب التقعر والتكلف في الكلام

عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((هلك المتنطعون. قالها ثلاثا))[1].
قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86].
قال ابن زيد: أي لا أسألكم على القرآن أجرًا: تعطوني شيئًا، وما أنا من المتكلفين أتَخَرَّص وأتكلف ما لم يأمرني الله به[2].

قال ابن عطية: وما أنا من المتكلفين أي: المتصنعين المتحلين بما ليسوا من أهله، فأنتحل النبوة والقول على الله[3]، لقد كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي في الدعوة والخطابة، والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأمور كلها.
من هديه في الكلام ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلاما فصلاً يفهمه كل من يسمعه"، وقالت: "كان يحدثنا حديثًا لو عده العاد لأحصاه"، وقالت: "إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم"[4].

وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله - عز وجل - يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها))؛ إسناده صحيح[5].

قال في النهاية: "هو الذي يتشدَّقُ في الكلام، ويفخم لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًّا"[6].

وعن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ من أحبكم إلي، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون... )) الحديث"[7].

قال ابن الأثير: الثرثار الذي يكثر الكلام تكلُّفًا وخروجًا عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده، والمتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز، ومثل المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم... والمتفيهق الذي يتوسع في الكلام ويفتح فاه به، مأخوذ من الفهق، وهو الامتلاء والاتساع [8].

وقال في معنى صرْف الكلام: ما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه على قدر الحاجة، وإنما كره لما يدخله من الرياء والتصنُّعِ، ولما يُخَالِطُهُ من الكذب والتزيُّد[9].

قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد العاصمي في حاشيته على "كتاب التوحيد": "أي المتكلفون المتعمقون المتأنقون، الغالون في الكلام، المتكلمون بأقاصي حلوقهم، مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولاً وفعلاً، أو الغالون في عباداتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، أو الذي يدخل الباطل في قالب الحق، لقوة فصاحته، وأما الفصاحة التي توضح الحق، وترد الباطل، وتظهر عظمة العلم والدليل فممدوحة"[10].

إن مما تمجه الأسماع، وتنفر منه القلوب في الخطب التكلف في الكلام، والتنطع فيه، فعلى الخطيب أن يترفع عن هذه الطريقة الكريهة في الخطابة، ومن ذلك قلقلة الحروف إلى حد التكلف والتصنع، وتجويد بعض العبارات وترتيلها كأنه يرتل القرآن العظيم، ومن ذلك التكلف في تقليده لبعض الخطباء المعروفين، وانتحال طريقتهم في الخطاب، وأسلوبهم في تفخيم الكلام أو ترقيقه، أو مد آخر الجمل.

وليترك الكلام يخرج على سجيته، والألفاظ تخرج على السليقة، ولا يستكره الألفاظ ويحشرها في غير مواضعها.

قال الجاحظ: "ومتى كان اللفظ كريمًا في نفسه، متخيرًا في جنسه، وكان سليمًا من الفضول بريئًا من التعقيد، حُبِّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب... ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح ألفاظًا مسخوطة، ولا معانِيَ مدخولة، ولا طبعا رديًا، ولا قولاً مستكرهًا"[11].

ومن التشدق في الخطبة أن تكون الخطبة عبارات مُنَمَّقَة، وجملاً إنشائية فارغة من المحتوى، فليس وراء تلك الكلمات الرنانة موضوع أو طائل يخرج به المستمعون، لا موضوعا تربويًّا، ولا اجتماعيًا، ولا فقهيًا يخرج منه المصلون بفائدة.


[1]   رواه مسلم (العلم 2670) ، وانظر : تفسير ابن جرير (10 / 608) .

[2]   رواه مسلم (العلم 2670) ، وانظر : تفسير ابن جرير (10 / 608) .

[3]   تفسير البحر المحيط (7 / 411) .

[4]   رواه البخاري (المناقب- 3567) ومسلم (فضائل الصحابة- 2493) واللفظ للبخاري .

[5]   رواه أحمد (2 / 165)، وأبو داود (الأدب - 5005)، والترمذي (الأدب - 2852)، بإسناد حسن، وقال الترمذي: حسن غريب.

[6]   النهاية (2 / 73) .

[7]   رواه أحمد (4 / 193) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الحشني ، ورواه الترمذي (البر - 2018) من طريق مبارك بن فضالة حدثني عبد ربه بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن جابر به ، ومبارك بن فضالة صدوق يدلس ، لكن هذا صرح بالسماع ، وقال الترمذي : حسن غريب .

[8]   النهاية (3 / 482).

[9]   النهاية (3 / 24).

[10]   حاشية كتاب التوحيد (ص 152) .

[11]   البيان والتبيين (2 / 3- 4) .

منبع :

كتاب: "خطبة الجمعة ودَوْرها في تربية الأمة"

عبدالغني احمد جبر مزهر


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۶ ] [ مشاوره مديريت ]
الارتجال   1 - إذا كنا قد أوْجَبْنا التحضير والتهيئة؛ فليس معنى ذلك أن الخطيب لا يحتاج إلى الارتجال؛ إذ القدرة على الارتجال أَلْزَم الصفات للخطيب؛ بل لا يُعَدُّ الخطيب - في نظري - في صفِّ الخطباء الممتازين؛ إلا إذا كان من القادرين عليه، الذين لا يفرِّق الإنسان بين أسلوبهم المرتَجَل، وأسلوب خطبهم المحضَّرة.

إن حاجة الخطيب إلى الارتجال لَوَاضحة؛ فقد يحضر الخطيب؛ ثم يرى من وجوه السامعين وحالهم ما يحمله على اتِّجاهٍ آخر، فإن لم تُسْعِفْهُ بديهةٌ حاضرةٌ، وخاطرٌ سريعٌ، ومِرانٌ على الارتجال طويلٌ - ضاع هو وما يدعو إليه، والتقاه الناس بالمُكاء والتَّصْدِيَة، والصَّفير والسُّخرية، والاستهزاء في كل مكان!!

وقد يخطب الخطيب؛ فيعترض عليه بعض الناس في خطبته، فإن لم تكن له بديهةٌ حاضرةٌ تردُّ الاعتراض وتنزعه بالحُجَّة القويَّة - ذهبت الخطبة وآثارها.

يُروَى أن أبا جعفر المنصور كان يخطب مرةً؛ فقال: "اتقوا الله"؛ فقال رجلٌ: "أُذَكِّرُكَ مَنْ ذَكَّرْتَنا به"! فقال أبو جعفر: "سمعًا سمعًا لمَنْ فهم عن الله وذكَّر به، وأعوذ بالله أن أُذكِّر به وأنساه، فتأخذني العِزَّة بالإثم، لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين! وما أنت؟". والتفت إلى الرجل، فقال: "والله، ما الله أردتَ بها، ولكن ليُقال: قام فقال؛ فعوقِبَ فصبر، وأهون بها لو كانت العقوبة، وأنا أنذركم أيها الناس أختها، فإنَّ الموعظة علينا نزلت، وفينا نَبَتَتْ"، ثم رجع إلى موضعه من الخطبة!!
فلو لم تكن قدرة المنصور على الارتجال؛ ما استطاع أن يأتي بذلك النوع من الكلام، وما استطاع حينئذٍ أن ينال من المتهجِّم على مقام الإِمْرَة ذلك التهجُّم.

وقد يعقِّب بعض الخصوم على كلام الخطيب بالنَّقْض - وذلك كثيرٌ في مرافعات المحامين والنيابة - فإذا لم يتقدَّم بكلامٍ قيِّمٍ يسدُّ به الخُلَّة، ويردُّ به الحقَّ إلى نِصابه، ويتدارك من أمره ما هُوجِمَ فيه - ضاع مقصوده، وذهب أدراج الرياح مجهوده، وذلك لا يكون إلا بقوة الارتجال التي تتكوَّن بالمزاولة والمِران.

2 - وقد كان العرب أيام ازدهار الخطابة فيهم من أقوى الناس على الارتجال؛ قال الجاحظ في وصفهم: "وكل شيءٍ للعرب فهو بديهةٌ وارتجالٌ، وكأنه إلهامٌ، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالةُ فكرٍ ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى الرَّجْز يوم الخصام، أو حين أن يَمْتَحَ على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المُناقَلَة، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالاً، وتَنْثالُ عليه الألفاظ انثيالاً، ثم لا يقيِّده على نفسه، ولا يدرِّسه أحدًا من وَلَدِه... وكانوا أمِّيِّين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلَّفون، وكان الكلام الجيِّد عندهم أَظْهَر وأكثر، وهم عليه أَقْدَر وأَقْهَر، وكلُّ واحدٍ في نفسه أَنْطَق، ومكانه من البيان أَرْفَع، وخطباؤهم أَوْجَز، والكلام عليهم أَسْهَل، هو عليهم أَيْسَر من أن يفتقروا إلى تحفُّظٍ، أو يحتاجوا إلى تَدارُسٍ، وليسوا كمَنْ حفظ علم غيره واحتذى كلامَ مَنْ كان قبله، فلم يحفظوا إلاَّ ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتَّصل بعقولهم من غير تكلُّفٍ ولا قصدٍ ولا تحفُّظٍ ولا طَلَبٍ".

3 - والمران على الارتجال يكون والعود أخضر، والعادات لم تتكوَّن، والنفس لم تَجْمُد على نحو خاص من أنحاء القول يخالفها، ولذا قيل: إن القدرة على الارتجال لا تتكوَّن بعد الأربعين، ويصعب أن تتكوَّن بعد الثلاثين؛ بل تتكوَّن في سنٍّ دون هذه السنِّ.

ويتربى الارتجال: 1 - بسماع الخطباء المرتجِلين الممتازين؛ لأنَّ السماع يحفِّز مَنْ عنده استعدادُ الكلام إليه، ولأنَّ فكر البشر يتغذَّى بالتَّقليد والمحاكاة. 2 - وبأن يأخذ نفسه من وقتٍ لآخر بالكلام مرتجِلاً، ويغشى الجماعات ويتقدَّم إلى القول؛ ليفُكَّ عقدةَ لسانه، ويزيل حَبْسَة الحياء. ويرى (موريس آجام) أن تمرين مريد الخطابة على الارتجال: بأن يتكلَّم كل صباحٍ في موضوعٍ من الموضوعات لنفسه ولو ربع ساعة، فيتمرَّن جرسه وصوته.

3 - ومن أَمْثَل الطُّرق: أن يجتهد في ألاَّ يخطب من ورق، وأن يعرف ملخَّص ما يقول بعد تحضيره، فإذا دأب على ذلك، وواتته فطرةٌ قويةٌ واستعدادٌ قويمٌ - قوي على القول على البديهة من غير تحضيرٍ عند الاقتضاء.

4 - وعلى مريد الخطابة أن يستنصِحَ رفيقًا له؛ يدلّه على عيوبه، كما أن عليه أن يراقب نفسه مراقبةً تامةً، ويأخذ نفسه بالإصلاح، ولا يترك عادةً لا تُسْتَحْسَن تثبت وتنمو، وعليه ألاَّ يتقيَّد بعبارات خاصة، وإلا أثار سخرية الناس، ومَكَّن خصومَه من العبث بسُمْعَتِه البيانية.    منبع :   كتاب: "الخطابة - أصولها، تاريخها في أزهر عصورها عند العرب"

--> الشيخ محمد ابوزهره
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۵ ] [ مشاوره مديريت ]

 

كيف تجعل الناس ينصتون إليك؟

 ألا تشعر بالضيق والانزعاج عندما تسترسل في حديث ما لتجد أن من تُحَدِّثه أبعد ما يكون عن ما تقول، لا يسمع ولا يتفاعل؟ لماذا لا ينصت الناس إلينا أحيانًا؟ ماذا نفعل لدفعهم إلى الإنصات المثالي؟ إليك عزيزي القارئ 8 طُرق أساسية تجعل الآخرين ينصتون إليك:

1- وضوح هدف الحديث: قد يؤدي عدم وضوح هدف المتحدِّث من كلامه إلى انصراف المستمعين عن حديثه، بطريقة أو بأخرى، وستكون مهمة المنصت مستحيلة، إذا كان المتحدث نفسه لا يعرف عن ماذا يتحدث، عدم وضوح الهدف ربما يولِّد فَهمًا مغلوطًا لدى المستمع، ومثال ذلك عندما يناديك شخص ما وأنت على وشك القيام من المجلس ويقول: "أريد معرفة رأيك في موضوع معين"، دون أن يوضح ماذا يريد، فإن ذلك يؤدي إلى مللك وشرودك عن حديثه.

2- حركات العين: توزيع النظر أثناء الحديث يشحذ انتباه المستمعين، لذا ينصح بإمعان النظر فيمن تشعر بأنه قد شرد ذهنه قليلاً، فمن شأن ذلك أن يعيده إلى تركيزه عليك، ولقد أثبتت الدراسات العلمية أن حركات العينين الانتقالية للمتحدث هي أكثر وسيلة لإظهار التفاعل مع المستمعين، يقول السيد تشولار في مقال له بعنوان "في رمشة عين" أن "زيادة الرمش بالعين قد يعني أن المستمع يمر في مرحلة ضغط نفسي أو جسماني مثل القلق أو الغضب أو الملل"، أما انخفاض معدل الرمش فإنه "يشير أحيانًا إلى أن المُنصِت في حاجة إلى مزيد من المعلومات أو أنه ينصت إلى شيء يحتاج إلى تركيز عيني أكبر"، وبما أن التجربة خير برهان، لاحظ كيف تتوقف رموش عيني من نمتدحه عن الحركة بطريقة توحي إلينا برغبته بالمزيد من الإطراء والمدح، جرب ولاحظ الفرق.

3- الحديث المقبول والسهل الفهم: التحدث بطريقة مقبولة وسهلة الفهم للآخرين تؤدي إلى إنصاتهم بشكل أفضل، لقد وعد الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - من يتحدثون بالأحاديث الطيبة والرقيقة بمنزلة عظيمة؛ فقال: ((إن في الجنة غرفًا تُرى ظهورهُا من بطونِها، وبطونُها من ظهورِها، فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام))؛ سنن الترمذي، وغالبًا ما تكون الشخصيات التي تتمتع بهذه الصفة محببة إلى الناس.

4- استخدام المستمع كمثال: تخيل لو أنك سمعت اسمك أثناء حديث جانبي لاثنين في طرف المجلس، ماذا ستفعل؟ لا شك أن فضولك سيدفعك إلى الالتفات التلقائي لمعرفة ما يقال عنك، تلك الاستجابة الفطرية عند سماع الاسم يجب أن تُسْتَغَل لشد انتباه من يراد جرهم إلى حديث ما، فاستخدام المستمع كمثال أثناء الحديث هو بمثابة ضوء أحمر لامع لشد انتباهه، ولزيادة الانتباه يُفَضَّل أن يرافِق المناداة بالاسم الإشارة باليد أو الاكتفاء بالنظر المباشر إلى العين بعد إدارة كامل الجسم إلى الشخص المعني، فذلك يزيد التفاعل، تجذب هذه الطريقة شاردي الذهن إلى الحديث، وهي طريقة مُهَذَّبَة لإنهاء الأحاديث الجانبية وتحويل إنصاتهم إلى ما يقوله المتحدث.

5- البدء بذكر الحقائق أو القصص: إن ذكر الحقائق والقصص في بداية الحديث يجذب الانتباه، فعندما تتعالى الأصوات في نقاش حاد عن "سبب الأمية في الدول العربية" مثلاً، تكون أفضل طريقة لجذب الانتباه هي أن تقول: "هل تعلمون أن الأمية انخفضت إلى نسبة كذا في عام كذا حسب آخر تقرير رسمي نشر مؤخرًا؟" وستجد أن الرؤوس اشرأبت إليك لمعرفة المزيد، وهنا يأتي دورك في مدهم بجمل سريعة وقصيرة من الحقائق لضمان المحافظة على انتباه المستمعين ومن ثَم دفعهم إلى الإنصات بجدية أكبر.

6- إعادة الجمل والأفكار: يؤدي إعادة بعض جمل أو أفكار المتحدثين إلى تفاعل أكثر للمستمعين مع ما تقول، مثال ذلك أن تقول: "إنني أتفق مع نقطة محمد..."، أو "أعجبتني فكرة خالد..."، فالجملة الأخيرة لا تشد خالد فقط، بل الآخرين الذين سيكونون أكثر فضولاً لمعرفة ما الذي أعجبك في فكرة خالد، ما تعيده من جمل لا يعني تسليمك أو اتفاقك التام معها، ولكنه أحد الأساليب المعينة على تحقيق الإنصات الإيجابي.

7- تشجيعك الآخرين على المشاركة: إن تشجيع المستمعين على المشاركة في الحديث يجعلهم أكثر تفاعلاً مع ما تقول، يمكن التشجيع بتوجيه أسئلة للمستمعين للتأكد من متابعتهم لحديثك، كأن تقول: "كيف ترى ذلك يا أحمد؟"، أو "هل تتفق معي يا علي أم لا؟"، وحتى لو كانوا غافلين عما تقول، فإن سؤالك سيعيد إليهم أهميتهم، ويوجههم إلى الإنصات إليك، كما يمكن أن تشجع المستمعين على المشاركة عبر طلب أفكار إضافية أو اقتراحات منهم، احرص على أن تعطي المستمع الفرصة الكافية للتعليق؛ فذلك يجعله يقظًا ومتابعًا.

8- استخدام الأيدي: كان استخدام الأيدي وما زال سمة أساسية للمتحدثين المُؤَثِّرين وعلى رأسهم الرسول  - صلى الله عليه وسلم - إذ كان كثيرًا ما يستخدم يديه لشد انتباه المستمعين، على سبيل المثال قوله: ((يقول الله تبارك وتعالى: من تواضع لي هكذا، وظل النبي - عليه الصلاة والسلام - يشير بباطن كفه إلى الأرض، ويهوي به إلى الأرض، يقولون: فظل يخفض يده حتى أدناها إلى الأرض، رفعته هكذا، وقلب ظاهر كفه إلى السماء، حتى جعله في السماء))؛ رواه أحمد، إن استخدام الأيدي بمهارة هو أحد أسباب شد انتباه المستمعين.   نوشته : محمد النغيمش   منبع :   http://www.alukah.net/Sharia/1137/1872/
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۵ ] [ مشاوره مديريت ]

 

النطق

النُّطق الحسن هو الدِّعامة الأولى للإلقاء الجيَّد، وإذا اعترى النُّطق ما يفسده، ضاع الإلقاء، فضاعت معه الخطبة وأثَرُها، وفَقَدَ الخطيب ما يَسْمُو إليه من وراء البَيَانِ، ولا شيء يذهب بالمعنى الجيِّد أكثر من النطق الرديء، وكثيرًا ما يفهم المعنى على غير وجهه؛ لأن النُّطْقَ قَلَبَه، ولم يصوره تصويرًا صادقًا.

والنطق الجيد يحتاج إلى عناصر أربعة لا بُدَّ من توافرها، فإذا فُقِد أحَدُها ذهب أحد أركانه، فاخْتَلَّ بنيانه، وها هي ذي: 1 - تجويد النطق: بأن يُخرج الحروف من مَخارجها الصحيحة، فلا ينطق الثاءَ سينًا، ولا بالذال زايًا، ولا بالجيم كما ينطق العامة، وهكذا كلُّ مخارج الحروف، فيجب أن يُعْنَى الخطيب بأن يكون الحرف خارجًا من ينبوعه، صادرًا من مَخرجه الذي عُرف عن العربي النُّطقُ به منه، وإنَّ العناية بنطق الحروف نطقًا صحيحًا، وإخراجها من مخارجها ليس معناها أنْ يَتَشادق الإنسان ذلك التشادق الذي يقع فيه بعض المتكلمين[1] أو الخطباء فكَسَوُا النُّطق تكلفًا يثير سُخرية السامعين، أو يثقل القول عليهم، بل معناه أن يَنطق بالحرف من مَخرجه من غير تكلُّف، ولا تشادق، ولا توَعُّر، بل في يُسر، ورفق وسهولة؛ لأن ذلك التشادق يوقع أولئك المتكلمين في نقيض ما يرغبون، فينطقون بالحروف من غير مَخارجها الصحيحة، كبعض الخطباء الذين يدفعهم غُلُوُّهم إلى النطق بالجيم بما يقُارب الشين؛ فرارًا من نطق العامة، فيدفعهم فرارُهم هذا من عَيْبِ العامِّيَّة إلى عَيْب آخر، لا يَقِل عن الأول خروجًا عن جادَّة الفصحى، وقد قال بعض الأدباء: إن التشادق من غير أهل البادية عَيبٌ؛ لأنَّ أهل البادية في الزَّمن الأول كان نطقهم هو الصورة الصحيحة للنطق العربي القويم

2 - مُجانبة اللحن وتحري عدم الوقوع فيه: يجب أن يُعنَى الخطيب بتصحيح الكلام الذي ينطِق به، وملاحظته في مفرداته وعباراته، فيلاحظ بِنْيَة الكلمات ملاحظةً تامة، فلا ينطق مثلاً بكلمة "سُوقَة" بفتحتين كبعض الخطباء، فيذهب ذلك بروعة القول وبَهائه، ولا ينطق بغير ما توجبه قواعد النحو في آخر الكلمات؛ فإنَّ ذلك يفسد المعنى، وقد يقْلِبه، وليعتبر الخطيب بما روى من أن خارجًا من الخوارج قال في قصيدةٍ هذا البيت: وَمِنَّا يَزِيدٌ وَالْبَطِينُ وَقَعْنَبٌ        وَمِنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ
برفع أمير المؤمنين، فَلَمَّا وصل البيت إلى علم عبدالملك بن مروان، طلب قائله وسأله: أنت القائل: ومِنَّا أميرُ المؤمنين شبيب؟ فقال: لم أقل هكذا، ولكني قلت: ومنا أميرَ المؤمنين شبيبُ، وفتح أمير – أي: منا شبيب يا أمير المؤمنين - فأعجب عبدالملك بفطنته، وأخْلَى سبيله، فانظر: كيف كان اختلاف الحركة في آخر الكلمة قالِبًا للمعنى، مُغيِّرًا للمقصد، فالخطيب الذي يقع فيه قد يفسد المعْنَى، بل قد ينقلب المدلول اللفظي لكلامه إلى نقيض المطلوب وعكس المراد، والنُّطْق والخطأ في آخر الكلمات فوق أنَّه قد يُفسد المعنى، يَذْهب برونق الخطبة، وحسن وقْعِها، وجمال تأثيرها، ولا يَظُنَّنَّ الخطيب أن جَوْدة المعنى وإحكامه قد يذهبان ببعض الأخطاء، فإن الهَنَات الصغيرة إذا كثُرت أحدثت تأثيرًا سلبيًّا للخُطبة، وأفسدت تأثير المعنى المحكمة، وإن جمهرة النظارة الآن في مصر ممن لهم إلمام بقواعد النحو، ولهم قُدرة على ملاحظة الأخطاء، وإن لم تكن لبعضهم قدرة على مُجانبتها في خطبهم، بل في كتابتهم أحيانًا، فإن المستمع يلاحظ ما لا يلاحظه الخطيب، ونَظَرَاته إلى المتكلم وكلامِه نظراتٌ فاحصة كاشفة، وإذا أدركوا كثيرًا من الأخطاء ضاع أثرُ الخطبة في نفوسهم.

3 - تصوير النطق للمعاني تصويرًا صادقًا: بأن يُعطي كلَّ كلمة وكل عبارة حقَّها، ويظهرها بشكل تتميز به عن سواها، فالجملة المؤكَّدَة ينطقها بشكل يَدُلُّ على التوكيد في النغم، والجمل الاستفهاميَّة ينطق بها بشكل يتبيَّن منه الاستفهام، والمراد منه في طريق النُّطق، كما دَلَّ عليه بالأداة الدالة على الاستفهام، وسنتكلم عن هذا بشكل وافٍ عند الكلام عن الصوت.

4 - التمهل في الإلقاء: وهو ألزم الأمور للخطيب، وليس بصحيح ما يزعمُه بعض الناس من أن الخطيب اللبق هو من يتدفَّق بيانه تدفُّقًا، وتَتَحَدَّرُ عباراته في سرعة، من غير تَمَهُّل؛ فإن ذلك - فيما أرى - عيبٌ يَجِبُ التخلِّي عنه والاحتراز منه: أ - إذ النطق السريع المتعجل - حيث تجب الأناة - ينتج منه تشويه المخارج، وخلط الحروف بعضها ببعض؛ لأن عَضَلات الفم واللسان لا تأخذ الوقت الكافي للانتقال من لفظ إلى لفظ. ب - والإسراع المُفْرِط يجعل الخطيب يُهمِل الوقوف عند المقاطع الحسنة، والمقاطع لها حسن الأثر كما علمت فيما مضى. ج - والخطيب السريع في نطقه لا يعطي السامعَ الفرصة الكافية لفهم ما يسمع، وتَذَوُّق ما فيه من صقل اللفظ وجودة المعنى، وحسن الخيال، فإذا قرعت أذنَه عبارةٌ قبل أن يذَوقَ ما في الأول من جمال، يعْرُوه التعب، ويسكن قلبه السَّأم، وينصرف عن الإصغاء. د - والتمهل فوق ذلك يجعل الصوت يسري إلى السامعين جميعًا بأيسر مجهود مُتناسب مع المكان والعدد، بينما الإسراع يجعل الكلمات تَحتاجُ إلى مَجهود صوتِي أكبر؛ ليصل الكلام إلى الآذان.

وقد كان النقاد الأقدمون يَعدُّون بحقٍّ من أمارات رباطة جأش الخطيب - التَّمهل في النطق؛ فقد قال أبو هلال العسكري في الصناعتين: "وعلامة سكون الخطيب ورباطة جأشه هدوؤه في كلامه، وتمهلُّه في منطقه، وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق؛ قد جمع الهدوء والتَّمهُّل، والجزالة والحلاوة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني عن الإشارة لكانه"؛ وقبل أن نترك الكلام في هذا المقام نشير إلى نقطتين: إحداهما: أنَّ الكلام يَجب أن يسودَه التمهل في الجملة لما بيَّنَّا، ولكن يصحُّ أن يتفاوت في الجمل بعضها عن بعض، فالجمل الدَّالة على الفرح والسرور يستحسن أن ينطق بها الخطيب بسرعة نسبيَّة، وكذلك الجمل الدالة على الغَضَب؛ ليكون النطق مصورًا للمعنى الروحي لهاتين الحالتين تمام التصوير. ثانيتهما: ألاَّ يظن ظانٌّ أنَّ التَّمهُّل معناه أنْ يكون النطق هادئًا هدوءًا تامًّا؛ فتعدم الخطبة الحياة والقوَّة، بل يَجب أن يكون في نغمات الصوت ورنَّاته، وملامح الخطيب ونظراته، والتغيير النسبي في التمهُّل والسرعة يعطي الخطبة الحرارة والقوَّة والحياة.
[1]    كأولئك الذين يعلكون ألسنتهم بالقاف مفخمين النطق بها فيبدو التكلف واضحًا. 

منبع :

"الخطابة: أصولها - تاريخها في أزهر عصورها"
الشيخ محمد ابوزهره


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۴ ] [ مشاوره مديريت ]
  نبرة الصوت والحركة في الخطابه   إن من الأمور التي تساعد على قوة لغة الخطيب، ووضوح موضوعه، وجلاء عرضه لفكرته - نبرة صوته وحركة يده؛ فعلى الخطيب أن يراعي لذلك الأمور التالية بالنسبة للصوت:
1- وضوح الصوت، وعلوه في اعتدال؛ عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: ((صبَّحكُمْ ومسَّاكم))، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين...)) الحديث[1]. فعلى الخطيب مراعاة الاعتدال في علو صوته، ومراعاة حاجة المكان والجمع مع عدم الإسراع في إلقائه. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب: ((أنذركم النار، أنذركم النار... )) الحديث، وفي رواية: ((سمع أهل السوق صوته))[2].
2- تغيير نبرة الصوت من وقت لآخر فإنَّ في هذا تنشيطًا لنفسه ولسامعيه، وإعطاء للجمل حقها من الاهتمام، ولا شك أن إلقاء الخطبة على نبرة واحدة طوال الوقت يحمل المستمعين على الملل والكسل، فعلى الخطيب أن ينوع من نبرة صوته حسب المعاني والجمل ونوعها.
3- أن يتهيأ قبل الخطبة فيبعد عما يؤثر على صوته، فلا يأكل طعامًا أو يشرب شرابًا يُذهب بقوة صوته، أو يجعله يُحَشرِج إذا تكلم.
4- الإقلال من التنحنُحِ في أثناء الخطبة، أو بَلْعِ الريق، أو انقطاع النفس؛ فإنها تشغل المتكلم والسامع معا.
5- حسن الوقوف في موطن الوقوف والبدء في موقع البدء، ولا يحسن بالخطيب أن يتوقف في وسط الجملة التي لم تتم، أو يجعل جزءًا منها في صفحة، والجزء الآخر في الصفحة الأخرى، فحسن الوقوف والابتداء يدل على فصاحة الخطيب وفهمه لما يلقي.
6- تجنب عيوب اللسان ما استطاع كالفأفأة، واللثغة، والصفير، والتعتعة، ونحو ذلك مما يوجه الأسماع إلى متابعة هذه العيوب ويصرفها عن تَدَبُّر المعاني والأفكار، فإذا لمس من نفسه شيئًا من ذلك فليتجنب الألفاظ، والكلمات التي توقعه فيه.
7- ثبات الصوت بحيث لا يبدو للأسماع مُرتَجًّا مُتَلَجلِجًا شأن الخائف أو القَلِق والمضطرب، أو يبدو عليه الارتباك والخجل. 8- التسليم على المُصلين إذا صعد المنبر، وهذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان إذا صعد على المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم[3].
  • أما بالنسبة لحركة الخطيب على المنبر، فيراعى فيها الأمور التالية:
1- أن يكون وقوف الخطيب ثابتًا، يظهر عليه الرزانة والمهابة، والوقار، والشعور بالثقة، والجد، فلا يحسن أن يبدو بمظهر الهازل على المنبر، ويكون رابط الجأش وقور الحركة.
2- ألا يكثر من الالتفات أو حركة اليد، أو الرأس، أو الجسم. 3- تناسب حركة اليد، والإشارة مع الألفاظ والكلمات، قال الحجَّاج لأعرابيٍّ: أخطيبٌ أنا؟ قال: نعم، لولا أنك تُكثِرُ الرد، وتشير باليد، أي: تكثر من ذلك.
قال الجاحظ: وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان
[4]. وأما القول بأن الخطيب يقف ساكنًا لا يحرك يديه، ولا منكبيه، ولا يقلب عينيه، ولا يحرك رأسه، فهذا غير سديد، وإنما يناسب بين الحركة والنطق، والإشارة والعبارة، ويراعى أن لا يشعر المتحدث أنه ملزم بالجمود في بقعة محددة، أو أن أعضاء جسمه ممنوعة من الحركة، فالمهم أن لا ننفر من استخدام الإيماءات ونوظّفها بنجاح[5].
4- إذا كان الخطيب يقرأ الخطبة فينبغي أن يحسن الانتقال ببصره بين الورقة والمستمعين، فلا يطيل النظر في الورقة بحيث لا يرفع بصره منها، ولا يطيل الابتعاد عنها، بحيث يصعب عليه وصل الكلام بعضه ببعض، أو يذهل نظره عن +الموضع الذي انتهى إليه، فيرتبك أو يطيل السكوت.
5- تجنب اشتغال يده في طرف عباءته، أو (غترته)، أو العبث في لحيته، أو في تقليب الأوراق التي أمامه، أو في ضرب السماعة، أو تحريكها، أو في غير ذلك من الحركات التي تشغل المصلين، ولا تليق بهذا المقام.
6- أن يخطب واقفًا متوكئًا على عصا أو قوس، فإن ذلك من السنة، ولعل الحكمة من ذلك إضفاء المهابة على الخطيب، والتقليل من حركة يده. عن الحكم بن حَزْنٍ - رضي الله عنه - قال: "شهدنا الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام متوكئًا على عصا أو قوس"[6].
[1]   رواه مسلم (الجمعة 867). [2]   رواه الدارمي في سننه بإسناد صحيح (2 / 786). [3]   رواه ابن ماجه ( 1 / 352) والأثرم كما في تنقيح التحقيق (2 / 1212) من طريق عبد الله ابن لهيعة، وهو ضعيف، ورواه ابن عدي في الكامل (2 / 212) والضياء في المختارة من طريق الوليد بن مسلم، ثنا عيسى بن عبد الله الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث موضوع (العلل 1 / 205) ورواه الأثرم عن الشعبي مرسلا، وفي إسناده مجالد وهو ضعيف. التلخيص (3 / 62)، لكن له طرق أخرى تعضده. [4]   البيان والتبيين (1/45). [5]   دليل التدريب القيادي (ص / 156). [6]   رواه أبو داود (الصلاة- 1096) وابن خزيمة (الجمعة- 1778) من حديث عبد الرحمن +ابن خالد العدواني عن أبيه، وفي إسناد أبي داود شهاب بن خراش، صدوق يخطئ، وحسنه الحافظ بن حجر في التخليص (2 / 65) وله شاهد من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم +أعطي يوم العيد قوسا فخطب عليه، ورواه أبو الشيخ كتاب أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - (ص 121) من حديث ابن عباس، وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك (التقريب 1264) بلفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة في السفر متوكّئًا على قَوْسٍ قائِمًا، ورواه من حديث البراء بن عازب: خطبهم يوم العيد وهو معتمد على قوس أو عصا.   منبع :   كتاب: "خطبة الجمعة ودَوْرها في تربية الأمة"   احمد جبر مزهر
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۳ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الإشارة في الخطابة

تُعتبر الإشارةُ باليد مِن الوسائل الهامَّة النافِعة في تدعيم الفِكرة، وترسيخ المعلومة في الذِّهن، وتدخُل ضمنَ ما يُسمَّى بلُغة الجسد، ومعنى لغة الجسد: تلك "الحَرَكات التي يستخدِمها بعضُ الأفراد إراديًّا، أو غير ذلك؛ مثل الإشارة باليَد، ونبرة الصَّوْت، وهز الكَتِف أو الرأس، أو نفض اليد"[1].

ونحو ذلك مِن أجْلِ تفهيمِ المخاطَب أو المدعو بشكلٍ آكد، ولها وسائلُ عِدَّة ليس الغرَضُ هنا بسطَها، أو تفصيل الكلام فيها، ولما كان لها مِن التأثيرِ في إيضاح المعنى جاءتِ السُّنة المطهَّرة بالاهتمام بها في بيانِ معاني الإسلام، واهتمَّ الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - باستخدامها كثيرًا في خُطَبه ومواعظه؛ للتعبيرِ عن مشاعرِه، وعن معاني الدِّين، كما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يفهمون ما يَرْمي إليه الرسولُ مِن رسائلَ من خلال إشاراته، ويُدركون معانيَها ودلالتها العظيمة، وحسبُنا أن نذكر بعضًا من النصوص النبوية التي استخَدَم فيها الإشارة باليدِ؛ لكونها ممَّا لها صلة بموضوعنا، وبعدَها نتكلَّم حولَ الضوابط العامة في الموضوع، ومِن الله التوفيق والإعانة.

1- الدَّلالة على الوَحْدة والائتلاف: وقد صحَّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيانِ، يشُدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك بيْن أصابعه))[2].

2- التحذير من بعضِ المحرَّمات: كحديثِ معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قلتُ: يا رسولَ الله، أخبِرْني بعملٍ يُدخلني الجنة، ويُباعِدني من النار، قال: ((لقدَ سألتَ عن عظيم، وإنَّه ليسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه، تعبُد الله لا تُشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُّ البيت، ثم قال: ألاَ أدلُّك على أبوابِ الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تُطفِئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل مِن جوف الليل، ثم تلا ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة : 17]، ثم قال: ألاَ أُخبرك برأسِ الأمر، وعموده، وذِروة سنامه؟)) قلت: بلى يا رسولَ الله، قال: ((رأسُ الأمرِ الإسلام، وعموده الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألاَ أخبرك بمِلاك ذلك كله؟)) قلت: بلى يا رسولَ الله، فأخَذ بلسانه، قال: ((كُفَّ عليك هذا))، قلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: ((ثكلتك أمُّك، وهل يَكبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح[3].

3- بيان معنًى مِن معاني العقيدة الإسلامية؛ حيث خطَب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أمَّتِه يومَ عرفة، فقال لهم: ((ألاَ هل بلغت؟)) قالوا: نعم، فرفَع إصبعَه إلى السماء يقول: ((اللهمَّ اشهد))، فهذا الفعْل منه - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدلُّ على علوِّ الله - عزَّ وجلَّ[4].

4- بيان أشراطِ الساعة وما يَسبِقها مِن أحداث وفِتن: عن ابن عمر  - رضي الله عنهما – قال: ذكَر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ باركْ لنا في يمننا))، قالوا: يا رسولَ الله! وفي نجْدِنا؟! قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في يمننا))، قالوا: يا رسولَ الله، وفي نجدنا؟! - فأظنُّه قال في الثالثة -: ((هنالك الزلازل والفتن، وبها يَطلُع قرْنُ الشيطان))؛ لفظ البخاري، في لفظ لمسلم: ((إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قام عندَ باب حفصةَ، فقال بيده نحوَ المشرِق: الفِتنة ها هنا من حيثُ يطلع قرْنُ الشيطان)) قالها مرَّتين أو ثلاثًا[5].

ولَمَّا كانتِ الإشارة باليد ممَّا يكثر استعمالُه للتعبيرِ عن المعاني، وخاصَّة مِن لدن الخطيب الذي يرْتَقي المِنبر، أو الواعِظ الذي يُلقي درسًا أو محاضرة؛ وجَب التنبيهُ على بعضِ الأمور، تجعَل الخطيب متوازنًا معتدلاً في تصرُّفاته وحركاته، كما هو مطلوبٌ منه أن يكون متوازنًا معتدلاً في كلامِه وطرْحه وأسلوبه، ومِن ذلك:

أولاً: عدَم الإكثار مِن الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبةِ المسرَح، بل يتمَّ توزيعُ ذلك باعتِدال تامٍّ أمامَ الحاضرين، والحرَكة الكثيرة هي مِن عادة بعضِ الخطباء ممَّا يجلب انطباعًا غير محمود، ولو كانتْ خطبته رنانة.

[8] من بحث بعنوان "نبرة الصوت والحركة" للأخ الفاضل عبدالغني مزهر، تجده على موقع (ملتقى الخطباء)، وموقع (الألوكة).

[9] من موقع سماحة الشيخ عبدالله بن جبرين - رحمه الله.

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/1127/24348/


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۲ ] [ مشاوره مديريت ]

 

عناية الإسلام بالخطابة

جاء الإسلام؛ فكانت عنايته بها أشدَّ واهتمامه بها أقوى، كيف لا ورسالته كلها مبناها على وحي يوحى وقرآن يتلى وقراءته عبادة، وكانت كبرى المعجزات إنَّما هي فصاحة وبلاغة، تحدث الفصحاء والبلغاء في صميم لغتهم وفي عقر ديارهم، فتراجع أمامها فرسان البلاغة، وتراجع دونها أئمَّة البيان، واستسلموا لسلطانها وسجدوا لسحر بيانها: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].

وقد نوه القرآن الكريم عن مدى عظم الخطابة والبيان وصلتهما بالرسالات والدعاة في غير ما موطن؛ فعن أصل الرسالة يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، أي: البيان الذي يصحبه الإقناع ويثمر الاستجابة كما عاب العجز عن الإبانة في مقام الخصومة يصحبه الإقناع ويثمر الاستجابة كما عاب العجز عن الإبانة في مقام الخصومة وإثبات الحجة في قوله تعالى عن النساء: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18]، أي: لعجزهن عن مواجهة الخصم وإقامة الحجة.

ونوَّه عن مساندتها للرسالة في قصة بَعثَة مُوسَى - عليه السلام - ومساندته بأخيه هارون كما في قوله تعالى عن موسى - عليه السلام -: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 34، 35]، فكانت فصاحة أخيه من عوامل ترشيحه للرسالة وشد عضد أخيه.

وفي مقدم وفد بني تميم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - صورةٌ واضحةٌ لعِظم أثر الخطابة في الدعوة الإسلامية، وقد ساقها المفسرون والمؤرخون: أنهم قدموا عام الوفود واجتمع الناس في المسجد، ونادَوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرج إليهم وهم المعنيون بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4].

فلما خرج إليهم قالوا: جئنا نفاخرُك ونشاعرُك بخطيبنا وشاعرنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بالشعر بُعِثْت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا)).

فقال الزبرقان بن بدر لشاب: "افخر واذكر فضل قومك"، فقال: "الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عددًا ومالاً وسلاحًا، فمن أنكر علينا فليأتِ بقولٍ هو أحسن من قولنا، وفعلٍ هو أحسن من فعلنا".

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن شماس - وكان خطيبه -: ((قم فأجبه))، فقال: "الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمِّه أحسن الناس وجوهًا وأعظمهم أحلامًا فأجابوه، والحمد لله الذي جعلنا أنصارَ دينه، ووزراء رسوله، وعِزًا لدينه؛ فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمَن قالها منع نفسه وماله، ومن أباها قتلناه، وكان غرمه علينا هينًا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات".

ثم قام شاعرهم فأنشد، ثم أجابه حسان - رضي عنه - فقال الأقرع بن حابس - رئيس الوفد -: "والله، ما أدري: ما هذا الأمر؟ تكلم خطيبنا فكان خطيبُهم أحسنَ قولاً، وتكلم شاعرنا فكان شاعرُهم أشعرَ وأحسَنَ قولاً"، ثم دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنك رسول الله[1].

ففي تلك الواقعة بالذات ومثيلاتها، تسجيل لأهمية الخطابة ودورها الفعال في خصوص الدعوة، حيث نلمس النقاط الآتية: 1 - تخصيص الخطيب للرسول - صلى الله عليه وسلم - من قوله: فقال - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس - وكان خطيبه - مع أنه - صلى الله عليه وسلم - أُعطِي جوامعَ الكلِم، وأفصَحُ العربِ والعجم.

2 - كون الخطابة سلاحًا للدفاع عن الدعوة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لثابت: ((فأجبه))، ومعلوم أن الإجابة دفاعٌ كما قال حسان لأبي سفيان في أول الأمر: "هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ"[2]، فالإجابة دفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

3 - أن قوة الخطابة مدعاةٌ للإقناع والاستمالة، ومن ثم الاستجابة للدعوة؛ لقول الأقرع بن حابس بعد سماعه خطابة ثابت بن قيسٍ وتأثره بها: "والله، ما أدري: ما هذا الأمر؟" إلى أن قال: "فكان خطيبهم أحسنَ قولاً، وكان شاعرهم أشعر وأحسن قولاً"، ثم دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونطق بالشهادتين وأعلن إسلامه، فكان للخطابة أعظم الأثر في الدفاع عن الإسلام، وفي الدعوة إليه.

وكذلك كان لها الحظ الأوفى في قتال الأعداء؛ كما روي ابن إسحاق في غزوة بدرٍ: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحرَّضهم على القتال، وقال: ((والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر؛ إلاَّ أدخله الله الجنة))، فكان لكلماته - صلى الله عليه وسلم - أقوى تأثير على نفوسهم، جعل أحد المقاتلين - عمير بن الحمام - يستعجل الموت، ويستطيل الحياة، فيقول: "بخ، بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلاَّ أن يقتلني هؤلاء"، وكان بيده تمرات يأكلهن، فقذف بهن وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل"[3]، وبهذه الروح اندفع المؤمنون إلى قتال العدو ونصرهم الله تعالى، وهكذا كان في عهد الخلفاء والفتوحات الإسلامية، كانت الخطابة تسبق القتال، وكذلك في السلم؛ فقد عُنِي بها كل العناية حتى أصبحت جزءًا من العبادة، فنصبت لها المنابر في المساجد، وجعلت في مقدمة الجُمَع والأعياد، واختص بها أفاضل الناس وأئمتهم في مهام الأمور، للأمر والنهي، والتوجيه والبيان.

وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد بيان أمر أو جد جديد يحتاج إلى بيان صَعِدَ المنبر.

وخطب الناس، كما في قصة بُرَيْرَة لما اشترط أهلها على عائشة - - رضي الله عنها - أن تعتقها ويكون الولاء لهم، خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل: ((الولاء لمن أعتق))[4].

وقد كانت خطبته في حجة الوداع خلاصةً عامةً، جامعةً شاملةً لمهام الدين، وأسسِ التعامل، منها: ((أي يوم هذا؟ في أي شهر هذا؟ في أي بلد هذا))، وفي كلها يجيبون بأنها "أوقات وأماكن محرمة"، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذه))[5]، انظر إلى قوة التأكيد في التحريم، ثم يوصي بالنساء خيرًا، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه من البيان والبلاغ في أعظم جمعٍ للمسلمين.

وكذلك خطبته بعد صلاة الصبح إلى الظهر، ومن بعد صلاة الظهر إلى العصر، ومن بعد صلاة العصر إلى المغرب[6]، ما ترك شيئًا إلاَّ وعرض له في مقامه ذلك، حفظ من حفظ ونسي من نسِي[7].

ثم من بعده خلفاؤه الراشدون - - رضي الله عنهم - وفي أحرج المواقف وأخطرها كيوم وفاته - صلى الله عليه وسلم - فذهب الكثيرون وأخذ الناس يدوكون، وعمر يهدد من يقول: مات محمدٌ.

وما كشف عن وجه الحقيقة المذهلة إلاَّ أبو بكر - رضي الله عنه - بخطبته على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد حمد الله والثناء عليه: "أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت"، ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، فهدأت عاصفتهم وثاب إليهم رشدهم حتى قال عمر: "والله، لكأني لم أسمعها إلاَّ الآن، وكأنها الآن أنزلت"[8].

ومثل ذلك يوم السقيفة، لما تنازع الناس أمرَ الخلافة، والتبس عليهم الموقف، وما أزال اللبس، ومهَّد الطريق، وثبت الحق وجمع الشمل، إلاَّ أبو بكر - رضي الله عنه - بخطبته حين قدم عليهم ومعه عمر - رضي الله عنه - وقد زوَّر كلماتٍ يلقيها، قال عمر: "والله، لقد أتى عليهن كلِّهن أبو بكر - رضي الله عنه".

وما أنهى أبو بكر - رضي الله عنه - خطبته، حتى بويع بالخلافة، بدأه بها عمر، وتتابع عليه الحاضرون، وتمت له البيعة خليفةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم[9].

وهكذا كل مَن جاء بعده من الخلفاء والأمراء والولاة، إلى أواخر العصر العباسي، ظلت الخطابة موضع العناية وأداة التوجيه إلى أن أصيب العالم الإسلامي بما يسمى (الانحطاط الأدبي)، فأهملت الخطابة، واقتصرت على الجمع والأعياد، وفي شكليات وتقاليد حتى أصبحت خطبة الجمعة تعاد وتكرر في كل جمعة من موعدها في السنة الَّتي تليها، ووضعت دواوين لهذا الغرض، وصارت مهمة الخطيب أن يتلو ما كتب غيره، فضعفت الملكات الخطابية وماتت القدرة الإنشائية.

إلى أن وجدت دعوات التحرر في كثير من البلاد الإسلامية ودعاة الإصلاح، فحرروا الأفكار وهذبوا العقائد، وتنشطت الأذهان بالدعوة أو مناقشتها، فنَشطت وانتعشت الحركة العلمية والأدبية، ونهضت الخطابة حين تنبَّهَت الملكات.

والذي نشاهده اليوم، من الحركات الكلامية والمساجلات الخطابية، إنَّما هو أثر من آثار تلك النهضة وإن اختلفت مجالاتها.

والذي يهمنا كمسلمين أولاً، وقبل كل شيء في مشارق الأرض ومغاربها، ودعاة إلى الله بوجه خاص، أن نُعنَى بالخطابة عناية فائقة، ولا سيما الخطابة الدينية على سعة مدلولها، من وعظ وإرشاد، وتوجيه وتثقيف وبيان لتعاليم الإسلام، في أصول الدين وفروعه ومحاسنه، في العبادات والمعاملات الاجتماعيات وكافة نظمه العامة والخاصة للأفراد والجماعات.

ولئن كانت هذه مهمَّة طلاب العلم في كل بلد وفي كل مدرسة أو جامعة، فإن مهمة طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة أعظم، وهي بهم ألصق، لما تتاح لهم فرصة اجتماع بكافة أبناء العالم الإسلامي في مواسم الحج، سواء في مكة أم المدينة.

ولهذا وجب أن يُعْنى بالخطابة والإنشاء والبحث والتوسع في هذا المجال فوق ما يتخيل للبعض؛ لأننا في أمسِّ الحاجة إلى دعاة خطباء بلغاء؛ ولأننا نجزِم بحاجة كل داعية إلى قوة الخطابة بالقدر الذي يقنع من يدعوهم أو يتخذ خطيبًا لبعض المواقف، وكذلك القائد مع جنده بالقدر الذي يبث فيه روح الحماسة والشجاعة والتضحية.

ولا يتم ذلك لمن شاء النجاح فيها، والوصول إلى غايته عن طريقها؛ إلاَّ عن طريق أسس الخطابة وعوامل قوتها ونجاحها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]   قال السيوطي في "الجامع الكبير" (كنز العمال: 30316) [رواه] الروياني وابن منده وأبو نعيم وقال: غريب تفرد به المعلى بن عبدالرحمن بن الحكيم الواسطي، قال الدارقطني: هو كذاب؛ [ورواه] ابن عساكر.  [2]   أخرجه مسلم (2490).  [3]   ذكره ابن إسحاق في السيرة (سيرة ابن هشام 2/ 627) بدون إسناد، وأخرجه مسلم (1901) من حديث أنس بن مالك.  [4]   أخرجه البخاري (2563)، ومسلم (1504).  [5]   أخرجه البخاري (1741)، ومسلم (1679)، من حديث أبي بكرة. وأخرجه البخاري (1739)، من حديث ابن عباس. وأخرجه البخاري (1742) من حديث ابن عمر. وأخرجه مسلم (1218) من حديث ابن عمر.  [6]   أخرجه مسلم (2892).  [7]   أخرجه البخاري (6604)، ومسلم (2891).  [8]   أخرجه البخاري (4454).  [9]   أخرجه البخاري (3668).    منبع :   كتاب: "أصول الخطابة والإنشاء".   الشيخ عطية محمد سالم

امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۱ ] [ مشاوره مديريت ]
[ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸ ][ ۱۴۹ ][ ۱۵۰ ][ ۱۵۱ ][ ۱۵۲ ][ ۱۵۳ ][ ۱۵۴ ][ ۱۵۵ ][ ۱۵۶ ][ ۱۵۷ ][ ۱۵۸ ][ ۱۵۹ ][ ۱۶۰ ][ ۱۶۱ ][ ۱۶۲ ][ ۱۶۳ ][ ۱۶۴ ][ ۱۶۵ ][ ۱۶۶ ][ ۱۶۷ ][ ۱۶۸ ][ ۱۶۹ ][ ۱۷۰ ][ ۱۷۱ ][ ۱۷۲ ][ ۱۷۳ ][ ۱۷۴ ][ ۱۷۵ ][ ۱۷۶ ][ ۱۷۷ ][ ۱۷۸ ][ ۱۷۹ ][ ۱۸۰ ][ ۱۸۱ ][ ۱۸۲ ][ ۱۸۳ ][ ۱۸۴ ][ ۱۸۵ ][ ۱۸۶ ][ ۱۸۷ ][ ۱۸۸ ][ ۱۸۹ ][ ۱۹۰ ][ ۱۹۱ ][ ۱۹۲ ][ ۱۹۳ ][ ۱۹۴ ][ ۱۹۵ ][ ۱۹۶ ][ ۱۹۷ ][ ۱۹۸ ][ ۱۹۹ ][ ۲۰۰ ][ ۲۰۱ ][ ۲۰۲ ][ ۲۰۳ ][ ۲۰۴ ][ ۲۰۵ ][ ۲۰۶ ][ ۲۰۷ ][ ۲۰۸ ][ ۲۰۹ ][ ۲۱۰ ][ ۲۱۱ ][ ۲۱۲ ][ ۲۱۳ ][ ۲۱۴ ][ ۲۱۵ ][ ۲۱۶ ][ ۲۱۷ ][ ۲۱۸ ][ ۲۱۹ ][ ۲۲۰ ][ ۲۲۱ ][ ۲۲۲ ][ ۲۲۳ ][ ۲۲۴ ][ ۲۲۵ ][ ۲۲۶ ][ ۲۲۷ ][ ۲۲۸ ][ ۲۲۹ ][ ۲۳۰ ][ ۲۳۱ ][ ۲۳۲ ][ ۲۳۳ ][ ۲۳۴ ][ ۲۳۵ ][ ۲۳۶ ][ ۲۳۷ ][ ۲۳۸ ][ ۲۳۹ ][ ۲۴۰ ][ ۲۴۱ ][ ۲۴۲ ][ ۲۴۳ ][ ۲۴۴ ][ ۲۴۵ ][ ۲۴۶ ][ ۲۴۷ ][ ۲۴۸ ][ ۲۴۹ ][ ۲۵۰ ][ ۲۵۱ ][ ۲۵۲ ][ ۲۵۳ ][ ۲۵۴ ][ ۲۵۵ ][ ۲۵۶ ][ ۲۵۷ ][ ۲۵۸ ][ ۲۵۹ ][ ۲۶۰ ][ ۲۶۱ ][ ۲۶۲ ][ ۲۶۳ ][ ۲۶۴ ][ ۲۶۵ ][ ۲۶۶ ][ ۲۶۷ ][ ۲۶۸ ][ ۲۶۹ ][ ۲۷۰ ][ ۲۷۱ ][ ۲۷۲ ][ ۲۷۳ ][ ۲۷۴ ][ ۲۷۵ ][ ۲۷۶ ][ ۲۷۷ ][ ۲۷۸ ][ ۲۷۹ ][ ۲۸۰ ][ ۲۸۱ ][ ۲۸۲ ][ ۲۸۳ ][ ۲۸۴ ][ ۲۸۵ ][ ۲۸۶ ][ ۲۸۷ ][ ۲۸۸ ][ ۲۸۹ ][ ۲۹۰ ][ ۲۹۱ ][ ۲۹۲ ][ ۲۹۳ ][ ۲۹۴ ][ ۲۹۵ ][ ۲۹۶ ][ ۲۹۷ ][ ۲۹۸ ][ ۲۹۹ ][ ۳۰۰ ][ ۳۰۱ ][ ۳۰۲ ][ ۳۰۳ ][ ۳۰۴ ][ ۳۰۵ ][ ۳۰۶ ][ ۳۰۷ ][ ۳۰۸ ][ ۳۰۹ ][ ۳۱۰ ][ ۳۱۱ ][ ۳۱۲ ][ ۳۱۳ ][ ۳۱۴ ][ ۳۱۵ ][ ۳۱۶ ][ ۳۱۷ ][ ۳۱۸ ][ ۳۱۹ ][ ۳۲۰ ][ ۳۲۱ ][ ۳۲۲ ][ ۳۲۳ ][ ۳۲۴ ][ ۳۲۵ ][ ۳۲۶ ][ ۳۲۷ ][ ۳۲۸ ][ ۳۲۹ ][ ۳۳۰ ][ ۳۳۱ ][ ۳۳۲ ][ ۳۳۳ ][ ۳۳۴ ][ ۳۳۵ ][ ۳۳۶ ][ ۳۳۷ ][ ۳۳۸ ][ ۳۳۹ ][ ۳۴۰ ][ ۳۴۱ ][ ۳۴۲ ][ ۳۴۳ ][ ۳۴۴ ][ ۳۴۵ ][ ۳۴۶ ][ ۳۴۷ ][ ۳۴۸ ][ ۳۴۹ ][ ۳۵۰ ][ ۳۵۱ ][ ۳۵۲ ][ ۳۵۳ ][ ۳۵۴ ][ ۳۵۵ ][ ۳۵۶ ][ ۳۵۷ ][ ۳۵۸ ][ ۳۵۹ ][ ۳۶۰ ][ ۳۶۱ ][ ۳۶۲ ][ ۳۶۳ ][ ۳۶۴ ][ ۳۶۵ ][ ۳۶۶ ][ ۳۶۷ ][ ۳۶۸ ][ ۳۶۹ ][ ۳۷۰ ][ ۳۷۱ ][ ۳۷۲ ][ ۳۷۳ ][ ۳۷۴ ][ ۳۷۵ ][ ۳۷۶ ][ ۳۷۷ ][ ۳۷۸ ][ ۳۷۹ ][ ۳۸۰ ][ ۳۸۱ ][ ۳۸۲ ][ ۳۸۳ ][ ۳۸۴ ][ ۳۸۵ ][ ۳۸۶ ][ ۳۸۷ ][ ۳۸۸ ][ ۳۸۹ ][ ۳۹۰ ][ ۳۹۱ ][ ۳۹۲ ][ ۳۹۳ ][ ۳۹۴ ][ ۳۹۵ ][ ۳۹۶ ][ ۳۹۷ ][ ۳۹۸ ][ ۳۹۹ ][ ۴۰۰ ][ ۴۰۱ ][ ۴۰۲ ][ ۴۰۳ ][ ۴۰۴ ][ ۴۰۵ ][ ۴۰۶ ][ ۴۰۷ ][ ۴۰۸ ][ ۴۰۹ ][ ۴۱۰ ][ ۴۱۱ ][ ۴۱۲ ][ ۴۱۳ ][ ۴۱۴ ][ ۴۱۵ ][ ۴۱۶ ][ ۴۱۷ ][ ۴۱۸ ][ ۴۱۹ ][ ۴۲۰ ][ ۴۲۱ ][ ۴۲۲ ][ ۴۲۳ ][ ۴۲۴ ][ ۴۲۵ ][ ۴۲۶ ][ ۴۲۷ ][ ۴۲۸ ][ ۴۲۹ ][ ۴۳۰ ][ ۴۳۱ ][ ۴۳۲ ][ ۴۳۳ ][ ۴۳۴ ][ ۴۳۵ ][ ۴۳۶ ][ ۴۳۷ ][ ۴۳۸ ][ ۴۳۹ ][ ۴۴۰ ][ ۴۴۱ ][ ۴۴۲ ][ ۴۴۳ ][ ۴۴۴ ][ ۴۴۵ ][ ۴۴۶ ][ ۴۴۷ ][ ۴۴۸ ][ ۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶۹ ][ ۴۷۰ ][ ۴۷۱ ][ ۴۷۲ ][ ۴۷۳ ][ ۴۷۴ ][ ۴۷۵ ][ ۴۷۶ ][ ۴۷۷ ][ ۴۷۸ ][ ۴۷۹ ][ ۴۸۰ ][ ۴۸۱ ][ ۴۸۲ ][ ۴۸۳ ][ ۴۸۴ ][ ۴۸۵ ][ ۴۸۶ ][ ۴۸۷ ][ ۴۸۸ ][ ۴۸۹ ][ ۴۹۰ ][ ۴۹۱ ][ ۴۹۲ ][ ۴۹۳ ][ ۴۹۴ ][ ۴۹۵ ][ ۴۹۶ ][ ۴۹۷ ][ ۴۹۸ ][ ۴۹۹ ][ ۵۰۰ ][ ۵۰۱ ][ ۵۰۲ ][ ۵۰۳ ][ ۵۰۴ ][ ۵۰۵ ][ ۵۰۶ ][ ۵۰۷ ][ ۵۰۸ ][ ۵۰۹ ][ ۵۱۰ ][ ۵۱۱ ][ ۵۱۲ ][ ۵۱۳ ][ ۵۱۴ ][ ۵۱۵ ][ ۵۱۶ ][ ۵۱۷ ][ ۵۱۸ ][ ۵۱۹ ][ ۵۲۰ ][ ۵۲۱ ][ ۵۲۲ ][ ۵۲۳ ][ ۵۲۴ ][ ۵۲۵ ][ ۵۲۶ ][ ۵۲۷ ][ ۵۲۸ ][ ۵۲۹ ][ ۵۳۰ ][ ۵۳۱ ][ ۵۳۲ ][ ۵۳۳ ][ ۵۳۴ ][ ۵۳۵ ][ ۵۳۶ ][ ۵۳۷ ][ ۵۳۸ ][ ۵۳۹ ][ ۵۴۰ ][ ۵۴۱ ][ ۵۴۲ ][ ۵۴۳ ][ ۵۴۴ ][ ۵۴۵ ][ ۵۴۶ ][ ۵۴۷ ][ ۵۴۸ ][ ۵۴۹ ][ ۵۵۰ ][ ۵۵۱ ][ ۵۵۲ ][ ۵۵۳ ][ ۵۵۴ ][ ۵۵۵ ][ ۵۵۶ ][ ۵۵۷ ][ ۵۵۸ ][ ۵۵۹ ][ ۵۶۰ ][ ۵۶۱ ][ ۵۶۲ ][ ۵۶۳ ][ ۵۶۴ ][ ۵۶۵ ][ ۵۶۶ ][ ۵۶۷ ][ ۵۶۸ ][ ۵۶۹ ][ ۵۷۰ ][ ۵۷۱ ][ ۵۷۲ ][ ۵۷۳ ][ ۵۷۴ ][ ۵۷۵ ][ ۵۷۶ ][ ۵۷۷ ][ ۵۷۸ ][ ۵۷۹ ][ ۵۸۰ ][ ۵۸۱ ][ ۵۸۲ ][ ۵۸۳ ][ ۵۸۴ ][ ۵۸۵ ][ ۵۸۶ ][ ۵۸۷ ][ ۵۸۸ ][ ۵۸۹ ][ ۵۹۰ ][ ۵۹۱ ][ ۵۹۲ ][ ۵۹۳ ][ ۵۹۴ ][ ۵۹۵ ][ ۵۹۶ ][ ۵۹۷ ][ ۵۹۸ ][ ۵۹۹ ][ ۶۰۰ ][ ۶۰۱ ][ ۶۰۲ ][ ۶۰۳ ][ ۶۰۴ ][ ۶۰۵ ][ ۶۰۶ ][ ۶۰۷ ][ ۶۰۸ ][ ۶۰۹ ][ ۶۱۰ ][ ۶۱۱ ][ ۶۱۲ ][ ۶۱۳ ][ ۶۱۴ ][ ۶۱۵ ][ ۶۱۶ ][ ۶۱۷ ][ ۶۱۸ ][ ۶۱۹ ][ ۶۲۰ ][ ۶۲۱ ][ ۶۲۲ ][ ۶۲۳ ][ ۶۲۴ ][ ۶۲۵ ][ ۶۲۶ ][ ۶۲۷ ][ ۶۲۸ ][ ۶۲۹ ][ ۶۳۰ ][ ۶۳۱ ][ ۶۳۲ ][ ۶۳۳ ][ ۶۳۴ ][ ۶۳۵ ][ ۶۳۶ ][ ۶۳۷ ][ ۶۳۸ ][ ۶۳۹ ][ ۶۴۰ ][ ۶۴۱ ][ ۶۴۲ ][ ۶۴۳ ][ ۶۴۴ ][ ۶۴۵ ][ ۶۴۶ ][ ۶۴۷ ][ ۶۴۸ ][ ۶۴۹ ][ ۶۵۰ ][ ۶۵۱ ][ ۶۵۲ ][ ۶۵۳ ][ ۶۵۴ ][ ۶۵۵ ][ ۶۵۶ ][ ۶۵۷ ][ ۶۵۸ ][ ۶۵۹ ][ ۶۶۰ ][ ۶۶۱ ][ ۶۶۲ ][ ۶۶۳ ][ ۶۶۴ ][ ۶۶۵ ][ ۶۶۶ ][ ۶۶۷ ][ ۶۶۸ ][ ۶۶۹ ][ ۶۷۰ ][ ۶۷۱ ][ ۶۷۲ ][ ۶۷۳ ][ ۶۷۴ ][ ۶۷۵ ][ ۶۷۶ ][ ۶۷۷ ][ ۶۷۸ ][ ۶۷۹ ][ ۶۸۰ ][ ۶۸۱ ][ ۶۸۲ ][ ۶۸۳ ][ ۶۸۴ ][ ۶۸۵ ][ ۶۸۶ ][ ۶۸۷ ][ ۶۸۸ ][ ۶۸۹ ][ ۶۹۰ ][ ۶۹۱ ][ ۶۹۲ ][ ۶۹۳ ][ ۶۹۴ ][ ۶۹۵ ][ ۶۹۶ ][ ۶۹۷ ][ ۶۹۸ ][ ۶۹۹ ][ ۷۰۰ ][ ۷۰۱ ][ ۷۰۲ ][ ۷۰۳ ][ ۷۰۴ ][ ۷۰۵ ][ ۷۰۶ ][ ۷۰۷ ][ ۷۰۸ ][ ۷۰۹ ][ ۷۱۰ ][ ۷۱۱ ][ ۷۱۲ ][ ۷۱۳ ][ ۷۱۴ ][ ۷۱۵ ][ ۷۱۶ ][ ۷۱۷ ][ ۷۱۸ ][ ۷۱۹ ][ ۷۲۰ ][ ۷۲۱ ][ ۷۲۲ ][ ۷۲۳ ][ ۷۲۴ ][ ۷۲۵ ][ ۷۲۶ ][ ۷۲۷ ][ ۷۲۸ ][ ۷۲۹ ][ ۷۳۰ ][ ۷۳۱ ][ ۷۳۲ ][ ۷۳۳ ][ ۷۳۴ ][ ۷۳۵ ][ ۷۳۶ ][ ۷۳۷ ][ ۷۳۸ ][ ۷۳۹ ][ ۷۴۰ ][ ۷۴۱ ][ ۷۴۲ ][ ۷۴۳ ][ ۷۴۴ ][ ۷۴۵ ][ ۷۴۶ ][ ۷۴۷ ][ ۷۴۸ ][ ۷۴۹ ][ ۷۵۰ ][ ۷۵۱ ][ ۷۵۲ ][ ۷۵۳ ][ ۷۵۴ ][ ۷۵۵ ][ ۷۵۶ ][ ۷۵۷ ][ ۷۵۸ ][ ۷۵۹ ][ ۷۶۰ ][ ۷۶۱ ][ ۷۶۲ ][ ۷۶۳ ][ ۷۶۴ ][ ۷۶۵ ][ ۷۶۶ ][ ۷۶۷ ][ ۷۶۸ ][ ۷۶۹ ][ ۷۷۰ ][ ۷۷۱ ][ ۷۷۲ ][ ۷۷۳ ][ ۷۷۴ ][ ۷۷۵ ][ ۷۷۶ ][ ۷۷۷ ][ ۷۷۸ ][ ۷۷۹ ][ ۷۸۰ ][ ۷۸۱ ][ ۷۸۲ ][ ۷۸۳ ][ ۷۸۴ ][ ۷۸۵ ][ ۷۸۶ ][ ۷۸۷ ][ ۷۸۸ ][ ۷۸۹ ][ ۷۹۰ ][ ۷۹۱ ][ ۷۹۲ ][ ۷۹۳ ][ ۷۹۴ ][ ۷۹۵ ][ ۷۹۶ ][ ۷۹۷ ][ ۷۹۸ ][ ۷۹۹ ][ ۸۰۰ ][ ۸۰۱ ][ ۸۰۲ ][ ۸۰۳ ][ ۸۰۴ ][ ۸۰۵ ][ ۸۰۶ ][ ۸۰۷ ][ ۸۰۸ ][ ۸۰۹ ][ ۸۱۰ ][ ۸۱۱ ][ ۸۱۲ ][ ۸۱۳ ][ ۸۱۴ ][ ۸۱۵ ][ ۸۱۶ ][ ۸۱۷ ][ ۸۱۸ ][ ۸۱۹ ][ ۸۲۰ ][ ۸۲۱ ][ ۸۲۲ ][ ۸۲۳ ][ ۸۲۴ ][ ۸۲۵ ][ ۸۲۶ ][ ۸۲۷ ][ ۸۲۸ ][ ۸۲۹ ][ ۸۳۰ ][ ۸۳۱ ][ ۸۳۲ ][ ۸۳۳ ][ ۸۳۴ ][ ۸۳۵ ][ ۸۳۶ ][ ۸۳۷ ][ ۸۳۸ ][ ۸۳۹ ][ ۸۴۰ ][ ۸۴۱ ][ ۸۴۲ ][ ۸۴۳ ][ ۸۴۴ ][ ۸۴۵ ][ ۸۴۶ ][ ۸۴۷ ][ ۸۴۸ ][ ۸۴۹ ][ ۸۵۰ ][ ۸۵۱ ][ ۸۵۲ ][ ۸۵۳ ][ ۸۵۴ ][ ۸۵۵ ][ ۸۵۶ ][ ۸۵۷ ][ ۸۵۸ ][ ۸۵۹ ][ ۸۶۰ ][ ۸۶۱ ][ ۸۶۲ ][ ۸۶۳ ][ ۸۶۴ ][ ۸۶۵ ][ ۸۶۶ ][ ۸۶۷ ][ ۸۶۸ ][ ۸۶۹ ][ ۸۷۰ ][ ۸۷۱ ][ ۸۷۲ ][ ۸۷۳ ][ ۸۷۴ ][ ۸۷۵ ][ ۸۷۶ ][ ۸۷۷ ][ ۸۷۸ ][ ۸۷۹ ][ ۸۸۰ ][ ۸۸۱ ][ ۸۸۲ ][ ۸۸۳ ][ ۸۸۴ ][ ۸۸۵ ][ ۸۸۶ ][ ۸۸۷ ][ ۸۸۸ ][ ۸۸۹ ][ ۸۹۰ ][ ۸۹۱ ][ ۸۹۲ ][ ۸۹۳ ][ ۸۹۴ ][ ۸۹۵ ][ ۸۹۶ ][ ۸۹۷ ][ ۸۹۸ ][ ۸۹۹ ][ ۹۰۰ ][ ۹۰۱ ][ ۹۰۲ ][ ۹۰۳ ][ ۹۰۴ ][ ۹۰۵ ][ ۹۰۶ ][ ۹۰۷ ][ ۹۰۸ ][ ۹۰۹ ][ ۹۱۰ ][ ۹۱۱ ][ ۹۱۲ ][ ۹۱۳ ][ ۹۱۴ ][ ۹۱۵ ][ ۹۱۶ ][ ۹۱۷ ][ ۹۱۸ ][ ۹۱۹ ][ ۹۲۰ ][ ۹۲۱ ][ ۹۲۲ ][ ۹۲۳ ][ ۹۲۴ ][ ۹۲۵ ][ ۹۲۶ ][ ۹۲۷ ][ ۹۲۸ ][ ۹۲۹ ][ ۹۳۰ ][ ۹۳۱ ][ ۹۳۲ ][ ۹۳۳ ][ ۹۳۴ ][ ۹۳۵ ][ ۹۳۶ ][ ۹۳۷ ][ ۹۳۸ ][ ۹۳۹ ][ ۹۴۰ ][ ۹۴۱ ][ ۹۴۲ ][ ۹۴۳ ][ ۹۴۴ ][ ۹۴۵ ][ ۹۴۶ ][ ۹۴۷ ][ ۹۴۸ ][ ۹۴۹ ][ ۹۵۰ ][ ۹۵۱ ][ ۹۵۲ ][ ۹۵۳ ][ ۹۵۴ ][ ۹۵۵ ][ ۹۵۶ ][ ۹۵۷ ][ ۹۵۸ ][ ۹۵۹ ][ ۹۶۰ ][ ۹۶۱ ][ ۹۶۲ ][ ۹۶۳ ][ ۹۶۴ ][ ۹۶۵ ][ ۹۶۶ ][ ۹۶۷ ][ ۹۶۸ ][ ۹۶۹ ][ ۹۷۰ ][ ۹۷۱ ][ ۹۷۲ ][ ۹۷۳ ][ ۹۷۴ ][ ۹۷۵ ][ ۹۷۶ ][ ۹۷۷ ][ ۹۷۸ ][ ۹۷۹ ][ ۹۸۰ ][ ۹۸۱ ][ ۹۸۲ ][ ۹۸۳ ][ ۹۸۴ ][ ۹۸۵ ][ ۹۸۶ ][ ۹۸۷ ][ ۹۸۸ ][ ۹۸۹ ][ ۹۹۰ ][ ۹۹۱ ][ ۹۹۲ ][ ۹۹۳ ][ ۹۹۴ ][ ۹۹۵ ][ ۹۹۶ ][ ۹۹۷ ][ ۹۹۸ ][ ۹۹۹ ][ ۱۰۰۰ ][ ۱۰۰۱ ][ ۱۰۰۲ ][ ۱۰۰۳ ][ ۱۰۰۴ ][ ۱۰۰۵ ][ ۱۰۰۶ ][ ۱۰۰۷ ][ ۱۰۰۸ ][ ۱۰۰۹ ][ ۱۰۱۰ ][ ۱۰۱۱ ][ ۱۰۱۲ ][ ۱۰۱۳ ][ ۱۰۱۴ ][ ۱۰۱۵ ][ ۱۰۱۶ ][ ۱۰۱۷ ][ ۱۰۱۸ ][ ۱۰۱۹ ][ ۱۰۲۰ ][ ۱۰۲۱ ][ ۱۰۲۲ ][ ۱۰۲۳ ][ ۱۰۲۴ ][ ۱۰۲۵ ][ ۱۰۲۶ ][ ۱۰۲۷ ][ ۱۰۲۸ ][ ۱۰۲۹ ][ ۱۰۳۰ ][ ۱۰۳۱ ][ ۱۰۳۲ ][ ۱۰۳۳ ][ ۱۰۳۴ ][ ۱۰۳۵ ][ ۱۰۳۶ ][ ۱۰۳۷ ][ ۱۰۳۸ ][ ۱۰۳۹ ][ ۱۰۴۰ ][ ۱۰۴۱ ][ ۱۰۴۲ ][ ۱۰۴۳ ][ ۱۰۴۴ ][ ۱۰۴۵ ][ ۱۰۴۶ ][ ۱۰۴۷ ][ ۱۰۴۸ ][ ۱۰۴۹ ][ ۱۰۵۰ ][ ۱۰۵۱ ][ ۱۰۵۲ ][ ۱۰۵۳ ][ ۱۰۵۴ ][ ۱۰۵۵ ][ ۱۰۵۶ ][ ۱۰۵۷ ][ ۱۰۵۸ ][ ۱۰۵۹ ][ ۱۰۶۰ ][ ۱۰۶۱ ][ ۱۰۶۲ ][ ۱۰۶۳ ][ ۱۰۶۴ ][ ۱۰۶۵ ][ ۱۰۶۶ ][ ۱۰۶۷ ][ ۱۰۶۸ ][ ۱۰۶۹ ][ ۱۰۷۰ ][ ۱۰۷۱ ][ ۱۰۷۲ ][ ۱۰۷۳ ][ ۱۰۷۴ ][ ۱۰۷۵ ][ ۱۰۷۶ ][ ۱۰۷۷ ][ ۱۰۷۸ ][ ۱۰۷۹ ][ ۱۰۸۰ ][ ۱۰۸۱ ][ ۱۰۸۲ ][ ۱۰۸۳ ][ ۱۰۸۴ ][ ۱۰۸۵ ][ ۱۰۸۶ ][ ۱۰۸۷ ][ ۱۰۸۸ ][ ۱۰۸۹ ][ ۱۰۹۰ ][ ۱۰۹۱ ][ ۱۰۹۲ ][ ۱۰۹۳ ][ ۱۰۹۴ ][ ۱۰۹۵ ][ ۱۰۹۶ ][ ۱۰۹۷ ]
.: Weblog Themes By iranblag :.

درباره وبلاگ

تيم مشاوران مديريت ايران IranMCT ----------------- http://iranmct.com ---------------- Iran Management Consultants Team
موضom">آموزش مدیریت MBAدلایل ترک تحقیقات بازاریابی تحقیقات مدیریت شرایط سخت بازارکارت امتیازی متوازنارزیابی عملکرد . نمونه مطالعات موردی.برند برندینگانواع برند معرفی 21 نوع متفاوت از برندبرندسازی branding marketing . برندسازی.تحقیقات بازاریابی انگیزه بخش http://marketingbranding.ir سبک مدیریت است مدیریت بازاربازاریابیتحقیقات بازاریابی ویژگی های .حرفه ای مشاوره اموزش مدیریت.شناسایی مشتریان .تحقیقات بازاریابی استفاده از تحقیقات بازار و بازاریابی http://marketingsales.irmarketing مدیریت برندینگ . Business Management ConsultantIran Business Management ConsultantManagement . بازاریابیانواع بازاریابی 127 نوع بازاریابیبازاریابی. بازاریابی MarketingMix آمیختهآمیزه بازاريابیمدیریت بازاریابی. اخبار مدیریت و تجارتمدیریت.مشاوره بازاریابی مدیریت آموزش تکنیک‌های فروشندگی حرفه‌ای فروشندگی. اخبار مدیریت و تجارتبازاریابی برندینگ. http://iranmct.com/news/page/12مدیریت. مدیریت مشاوره بازاریابیآموزش. بیزینس پلن طرح توجیهی طرح business plan. برنامه بازاریابی Marketing Planبازاریابی. مشاوره تبلیغات مشاور تبلیغات مشاور مدیریت management مشاوره مدیریت انواع بازاریابی بازاریابی. Business Planبیرینس پلن طرح توجیهیمدیریت. کلینیک کاشت موی طبیعی آسمان