مشاوره مديريت - آموزش مديريت - آموزش فروشندگي حرفه‌اي
 
نويسندگان
عضویت
نام کاربری :
پسورد :
تکرار پسورد:
ایمیل :
نام اصلی :
آمار
امروز : 3134
دیروز : 4574
افراد آنلاین : 22
همه : 5164097
 

مميزات الخطيب الناجح

الخطابة فنٌّ قديم، نشأ قبل الإسلام، ولها من التأثير ما هو أقوى من تأثير الكلمة المقروءة، وقد كان النَّاس في الجاهليَّة يتجمَّعون في سوق عكاظ، ويتبارى الشعَراء والوعاظ في إلقاء ما عندهم من شعرٍ ونثرٍ، ولَمَّا جاء الإسلام زادَها جمالاً، واشترط لها شروطًا، وأوجب حضورها على كل مسلم مكلَّف، وألزم المسلمين بالإنصات لها، واشترط لها الوقت، إلى غير ذلك من أمور موجودة في كتب الفقه[1].

ولما كانت الخطابة بهذه المثابة والأهمية، فإن ثمَّة ملاحظاتٍ يجب على الواعظ ملاحظتُها في حال خطبتِه؛ ليصل إلى ما يصبو إليه، وهي ما يأتي:
أولاً: الإكثار من الآيات القرآنية؛ ففيها الوعْظ والشِّفاء، ثم الاستدلال بالمأثور من الأحاديث الصحيحة، وتجنُّب الأحاديث المَوْضُوعة، ففي دواوين المسلمين مثل: "صحيح البخاري"، و"مسلم"، و"الترمذي"، و"النسائي"، وغيرهم، المرغِّبة في الجنة، والمخوِّفة من النار - ما يغني عن رواية الأحاديث الموضوعة، ولقول سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - : ((مَن كذب علي متعمدًا، فلْيَتَبَوَّأ مقْعده من النار))[2].

ثانيًا: الاستعانة بالقصص الواردة في القرآن والسنَّة وربطها بالواقع؛ مثل: قصَّة إبراهيم الخليل مع أبيه، وقصَّة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والعظات، وفي الحديث: مثل قصَّة الذي قَتَل مائة نفس في باب التوبة، وغيرها من القصص، ولا بأس من الاستعانة بضرْب الأمثال وتصوير المعاني بأشياء محسوسة من الواقع من أجل تقريب المعاني إلى الأذهان؛ مثل: تمثيل رحمة الله بالعبد، وأنه - سبحانه - أرْحَم منَ الوالدة على ولدها[3]؛ ولذلك دعاه للتوبة وقبلها منه، وأنه لو شاء أخذه بذنبه، وعجَّل له العقوبة في الدنيا، ولكنه - سبحانه - يمهل ولا يهمل.

ثالثًا: عدم إطالة الخطبة؛ لأنها تورِث المَلَل والسآمَة، وإطالة الخطبة في الغالب تنشأ مِن أمرَيْن:
الأول: إعجاب الخطيب بنفسه، وأنه قد أضاف شيئًا إلى معلوماتهم.
والثاني: السهْو والنِّسيان، ولكن يجب أن نذكِّر بأنَّ الأمَّة الإسلامية قد طالتْ مِحنتها، وحاجتها إلى كلام قليل مؤثِّر أعظم من حاجتها إلى الكلام الطَّويل، وليس هناك أعظم مَوْعِظة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أوتيَ جوامع الكلم، ورغْم ذلك فقد ثبت عنْه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((إنَّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه))[4]، وفي الحديث: "وعظنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا بعد صلاة الغداة موعِظة بليغة، ذرفت منها العُيون ووجلت منها القُلوب، فقال رجل: إنَّ هذه موعِظة مودِّع ......."[5].

والبلاغة - كما قال العُلماء -:
هي التوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السَّامعين، بأحسن صورة من الألْفاظ الدالَّة عليْها، وأفصحها وأجلّها لدى الأسماع، وأوْقعها في القلوب، ولكن ترى ما هي الموْعظة البليغة القصيرة التي أثَّرت في قلوب الصَّحابة، فذرفت لها عيونُهم ووجلت لها قلوبهم؟ لقد قال لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُوصيكم بتقْوى الله والسَّمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنَّه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختِلافًا، فعليْكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحْدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعة ضلالة))[6].

لقد دلَّت موْعِظة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على شيءٍ أقره العلم النفسي الحديث، وهي أنَّ الطَّاقة الذهنيَّة للإنسان محْدودة، لا يمكن في العادة أن تُتابع الكلام بانتباه طويل لأكثر من 15 دقيقة، وبعدها تُصاب بالشُّرود والتَّعب، ويتمنَّى المستمع حينئذٍ أن يستريح ذهنُه حتَّى يجد أمرًا، أو مشوقًا آخَر.

فينبغي أن يكون كلام الخطيب جامعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكيرٍ هادئ، وألا يحول بيْنه وبين المستمِعين أي حائل نفسي سوى مراقبة الله والخوف منه؛ ولهذا ينبغي عليه قبل الشُّروع في الخطبة وارْتقاء المنبر تصفية نفسِه ممَّا علق بها من شوائب وأكْدار، وتَهذيبها من العلائق، والدُّعاء بصدقٍ أن يوفِّقه الله في وعْظِه، وأن يسدِّد كلامه، وأن يكون له وقْع طيب في الأسماع والقلوب.

رابعًا: من المستحْسن أن تبدأ الخُطبة بما يجلب انتِباه السَّامعين، من حادثٍ مهمٍّ وخبر ذي فائدة، ثمَّ يرْبطه بمعاني القرآن والسُّنن الكونيَّة، ثمَّ على الخطيب بعد ذلك أن يَمضي مسترْسِلاً في وعْظه، ويقرن بين التَّبشير والإنذار، ويتخيَّر من الحوادث ما يكون محْور وعظِه، ومدار خطبته، ثمَّ يخرج بعد ذلك العرض بحلٍّ شرْعي ممَّا استجدَّ من حوادث، وما حلَّ بالمسلمين من ضِيقٍ وبلاء، ويذكِّرهم دائمًا بأنَّ المخرج من ذلك كلِّه هو طاعة الله وطاعة رسولِه وأولي الأمر، فهو سببٌ لسَعادة الدُّنيا والآخرة.

خامسًا: من المهمِّ جدًّا أن يكون موضوعُ الخُطبة واضحًا في ذهن الخطيب، وأن تكون المادَّة العلميَّة التي يُراد طرْحها وتعْريف النَّاس بها حاضرةً في الذِّهن قبل الشُّروع في الخطبة، ويُمكن اتِّخاذ الوسائل والتَّدابير لذلك، مثل تدْوين رُؤوس المسائل والخطوط العامَّة في "ورقة صغيرة" يرْجع إليْها عند الحاجة؛ حتَّى لا يتحرَّج فيخْلط بعدها في كلامه، أو يستطْرِد في أمرٍ لا علاقةَ له بصلب الموضوع، فيفقد هيْبته في القلوب.

سادسًا: على الخطيب أن يَحذر من ذِكْر ما يُساء فهمه من الآيات والأحاديث، دون أن يُلْقِي عليْها الضَّوء من شرْحٍ أو تعْليق ليزول[7] الإشْكال، مثْل ذِكْر الأحاديث الَّتي فيها أنَّ الله أدْخل الجنَّة مَن سقى الكلْب[8] - وكان صاحب معصية كبيرة - فغفر له، فيظن الظَّانُّ أنَّ مجرَّد هذا العمل يدخِل الجنة دون توبة أو رجوع إلى الله.

سابعًا: هناك أمور ينبغي على الخطيب الانتِباه إليها، وهي إن كانت بسيطة لكنَّها هامَّة تجعل الخطيب يَملك زمام الأمور، ويأخُذ بناصية المواقف، وتَمنحه قوَّة الشَّخصية:
مثل هندسة الصَّوت، فلا يرفع صوته لغير حاجه، ولا يكون بطيئًا فتملّه الأسْماع.

ومنها أيضًا عدَم الإكثار من الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبة المسرح، بل يتمَّ توزيع ذلك باعتِدال تامٍّ أمام الحاضرين.

ومنها الالتفات المعقول، فلا يشير إلى أحد بعينه أو طائفةٍ من النَّاس وهو يتكلَّم مثلاً عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقع في سوء الظَّنّ.

وهناك أمور تتعلَّق بالخطيب نفسه وما ينبغي أن يكون عليه من صفات وأخلاق، نشير إليها بإيجاز، ومنْها:
·أن يدْعو بالحِكْمة والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصِل إلى ما يُنْكِرون من حيث لا يشْعرون، فيشتدّ في مواضع الشدَّة، ويلين في مواضع اللين.
· أن يكون الخطيب عالمًا بسائر الأحكام الشرعيَّة، ومسائل الخلاف ومدارك العلماء، ومن أين أخذوا؛ ليتمكَّن من الإجابة على أسئِلة النَّاس على بيِّنة، خاصَّة في مسائل العبادات والمعاملات.
· أن تكون له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خلق الورَع والخوف من الله كما هو دأب أوْلياء الله الصَّالِحين، فلا يرتكِب كبيرةً أو يصرّ على صغيرة؛ حتَّى تعظِّمه النفوس وتنقاد إلى سماعِه الأبدان.
· أن تكون له معرفة قويَّة باللُّغة العربيَّة، مثل علم الإعراب، وعلم الأساليب (المعاني والبيان والبديع)، وهذا يَحصُل بِممارسة الكلام البليغ ومزاولتِه؛ حتَّى تكون له ملَكة على تأليف الكلام وإنشائه، فيعبِّر عن المعاني العديدة بألْفاظ وجيزة.

لقد كانت عمليَّة الخطابة عند فقهائِنا الأجلاَّء تسدُّ أكثر الثَّغرات في المجتمع المسلم، وتُعالج معظم الانحِرافات العقديَّة والاجتِماعيَّة، بفضل ما كان عليه علماؤُنا من خلُق ودين وورَع، ولما كان الخطيب نفسه يتمتَّع به من شخصيَّة مؤثِّرة في قلوب مَن يُخاطِبهم.

مقترحات وتوصيات:
في بلاد الإسلام - ولله المنُّ والفضل - آلافُ المساجد يَحضُرها كمٌّ هائل من المصلِّين، فلو فكَّرت وزارات الأوْقاف في تلك البلاد في تهْيئة كادر من الخُطباء والوعَّاظ، تتوفَّر فيهم الصِّفات المؤهّلة لشغل تلك الوظيفة الهامَّة، وبعد تفكيرٍ رأيتُ أنَّ أسلم طريق، وأنْجح وسيلة في تكوين الخُطَباء هي اتِّباع ما يلي:
أوَّلاً: أن تقوم تلك الهيْئات الرَّسميَّة بتربية الخطيب، من خِلال حثِّ الخطباء على إتقان القرآن على يدِ مقْرئ متْقن، وبعد تحصيل العلوم الأوَّلية التي تنمِّي الموهبة، وتنشط العقل، وتفتق الذِّهن.

ثانيًا: توجيه الخُطباء إلى قراءة ما يتعلَّق بكتُب الأدَب - وخاصَّةً الشعرَ والنثر - وإجادة الخط العربي؛ لما لذلك من أهمية في شخصيَّة الخطيب وتأثيره على المستمعين.

ثالثًا: الاهتِمام بقواعد اللُّغة العربيَّة من النَّحو مع التَّطبيق العملي لآيات القرآن؛ إذْ لا يحسُن بالخطيب أن تظهَر منه أخطاء لغويَّة وهو يعتلي المنبر ويوجِّه النَّاس.

رابعًا: أن يطلب من الخطيب أن يُكْثِر من تِلاوة القرآن، مع الاستِعانة بفهْم القرآن وتدبُّر معانيه، ومِن خلال قراءة كتُب التَّفسير المعتمَدة، ثمَّ يعوَّد على الاستقلالية في الفهْم والتَّصوُّر المبني على الكِتاب والسنَّة؛ من أجل تقْريب معاني القرآن إلى أذْهان النَّاس وبأسلوب العصر.

خامسًا: على الخطيبِ أن يُضيف إلى رصيدِه المعرفة التَّامَّة بسيرة الرَّسول الأعظم وسنَّته القوليَّة والفعليَّة، وذلك من خِلال قراءة ما يتعلَّق بكتُب السِّيرة، ومِن أعظمِها نفعًا كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم - رحِمه الله تعالى - ودراسة ما يتعلَّق بمصطَلح الحديث؛ ليتمكَّن من معرفة صحَّة الحديث، مع دِراسة فقْه الحديث من كتاب "بلوغ المرام شرح أحاديث الأحكام"؛ ليتمكَّن من الإجابة على الأسئِلة التي تعرض عليه.

سادسًا: دِراسة أحوال البشر، فقد بيَّن الله في كِتابه كثيرًا من أحْوال الخلق وطبائِعهم، والسُّنن الربَّانيَّة في البشَر وتقلُّبات الأحوال، يقول محمَّد رشيد رضا: "فلا بدَّ للنَّاظر في هذا الكتاب – أي: القرآن - من النَّظر في أحوال البشَر في أطوارهم وأدْوارهم، وما ينشأ من اختِلاف أحْوالهم من ضعف وقوَّة، وعزَّة وذُل، وعلم وجهْل، وإيمان وكفر"[9]، كلُّ ذلك من أجل أن يتمكَّن الخطيب من اقْتِلاع الأمراض القلبيَّة والاجتِماعية من نفوس المجتمع، ولا بأس مع ذلك من أن يتعلَّم بعض الظَّواهر الكونيَّة[10]، وذلك بدِراسة العلوم الَّتي تبصِّره بنظام الكوْن وسنته، فيستدلُّ بآيات القرآن على وحدانيَّة الله وربوبيَّته للخلق.

سابعًا: إعداد خُطباء مهمَّتهم تذكير النَّاس في الميادين العامَّة والمتنزهات الجامعة؛ لأنَّ قصر الخطبة على أيَّام الجمع يكون قليلَ الفائدة، وقد كان من هدْي الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن يخطب في غير أيَّام الجمع ما دعت إليْه الحاجة، أو حصول أمرٍ مهمّ يُحب التَّنبيه إليْه أو التَّحذير منْه.

ثامنًا: أن تقومَ تلك الهيْئات بِمتابعة الخُطَباء في مساجِدِهم، والاستِماع إلى شكْواهم، والاستِماع إلى مواعظِهم والتنبُّه لأخطائهم، ويؤمروا ألاَّ يتكلَّموا بِما يعلو أذهان النَّاس، أو لا يناسب مستوياتِهم وواقعهم، فالخُطبة إنَّما شرعتْ لتذكير النَّاس بشؤون المعاد والآخِرة، ولا بأس من التطرُّق إلى مواضيع تخصُّ حياة النَّاس العمليَّة والمعيشيَّة، ومعالجتها على ضوْء القرآن والسنَّة.

نماذج من صناعة الخطب:

بعد هذا العرْض السَّريع، من المهمِّ أن يتعوَّد الخطيب على الأسلوب الأمثل في إعداد الخطبة وصناعتها؛ ليتمكَّن من مواكبة الحدَث، ومُعايشة ما يَجري حوْله من وقائع وأحداث، ولا يكون اعتِماده على خطب روتينيَّة معدَّة سلفًا، لا تناسب حال من يتحدَّث إليهم، وإعداد الخطبة يعتمد على ركيزتَين:

أوَّلاً: اختِيار الموْضوع اختيارًا دقيقًا، وتَحضير مادَّته قبل ارتِقاء المنبر بأيَّام.
ثانيًا: وحْدة الموْضوع، وربْط الكلام بواقِع مَن يتحدَّث إليْهم، ومعْنى ذلِك - بشكلٍ أوْضح -: اختِيار الآيات الواضحة والأحاديث الصَّحيحة التي تلائِم مقْصد الكلام وحال المستمِعين، وأن يكون الكلام مرتبِطًا بعْضه ببعض؛ ولِهذا يستحْسن من الخطيب أن يحدِّد الموْضوع على نقاط أو مسائل معيَّنة، فيقول مثلاً: كلامُنا اليوم يدورُ حول ثلاثة مسائل رئيسة، هي كالتَّالي: أوَّلاً كذا، وثانيًا، ليخرج المستمِع من المسجِد وقد وضح الموضوع في ذهنِه، والهدف من الخُطْبة، بدلاً من أن يخرج مشتّت البال، لا يعرف ماذا يبغي الخطيب من خطبته، فضلاً عن أن يعرف ماذا استفاد وانتفع هو من الخطيب،


ــــــــــــــــ
[1] انظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" جزء 2 ص561، وما بعدها.
[2] صحيح رواه البخاري (1291)، ومسلم (4)، وروي الحديث بغير هذا اللفظ، انظر رقم: 2142 في صحيح الجامع.
[3] المصدر: "مجموع الفتاوى"، الصفحة أو الرقم: 16/ 299، والحديث: صحيح.
[4] الحديث رواه عمار بن ياسر، المحدث: مسلم، المصدر: المسند الصحيح، الصفحة أو الرقم: 869.
[5] الترمذي، المصدر: سنن الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2676 والحديث: حسن صحيح.
[6] المرجع السابق.
[7] استفدت بعض الشيء من كتاب "أصول الدعوة" للدكتور عبدالكريم زيدان، ص471، في النقاط الأخيرة الخامسة والسادسة.
[8] البخاري، المصدر: "الجامع الصحيح"، الصفحة أو الرقم: 3467 الحديث: [صحيح].
[9] تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا:ج 1-ص 23.
[10] مثل قراءة كتاب توحيد الخالق للشيخ الزنداني بأجزائه الثَّلاثة.

منبع :

http://www.alukah.net/Sharia/0/6837/

 


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۳۹ ] [ مشاوره مديريت ]
  انفعالات الخطيب النفسية في حال خطبته     للخَطابة أسلوبُها الذي يختلف عن أسلوب المحاضرة والدَّرْس، والمناقشة والجدل[1]، وهي تستلزم إثارةَ المشاعر، وإلْهابَ الحماس، واستعمالَ العبارات العاطفية مِن لَدُن الخطيب، وباتجاه مَن يخاطبهم، وبما أنَّ الخطيب يُكلِّم طبقاتٍ مختلفة، وعقليات متفاوتة، لهم مشاعرُ متباينة، وفي ظروف وأحوال ومناسبات مختلفة، فوَجَب عليه أن تكون انفعالاتُه ومشاعره مِن غضب وتألُّم، وتحسُّر وتأسُّف، وحبٍّ - مبنيةً على أساس قويم، ومنهج سليم، تتناسب مع المقامِ والحال، وظروف مَن يخاطبهم، ولا يجعل الأمرَ كلَّه سواءً.   وممَّا دعاني إلى كتابة هذا المقال: أني رأيتُ بعضَ الخطباء ليس لهم درايةٌ بأصول وفنِّ الخطابة، وما ينبغي فعلُه، وما لا ينبغي، مع ضعْف التواصُل مع المستمعين في تبليغ الرِّسالة الدعويَّة، خاصَّة إذا علمنا أنَّ الخطيب يرتقي مقامًا له الأثرُ الهام في علاج معظم الانحرافات التي تُصاب بها الأمَّة، سواء ما يتعلَّق منها بالعقيدة أو السلوك؛ لكونِه تُتاح له الفرصةُ لمخاطبة ألوان من المدعوين، وهذا يستوجب منه الإلمامَ بمقوِّمات الخُطبة الناجِحة، وأن تكون أعصابُه ونفسيتُه مقيدةً بهديِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مجال الدَّعوة، وبحسب ما يقتضيه الحال والموقف.   التفاعل سبب التواصل والتأثير:
الخطيب الذي لا يتفاعل ولا يتحمَّس لِمَا يقول لا يؤثِّر في عقول وقلوب مَن يتحدَّث إليهم؛ لأنَّه يصبح آلةً مجرَّدة من المشاعر والأحاسيس، تُلْقي كلماتٍ مجرَّدةً عن المعاني، ثم تنتهي وظيفتُه ومهنته دون أن ينتفعَ منه الحاضرون، فبينه وبين مَن يدعوهم ويعظهم حجابٌ غليظ، وجدار عازل، ولا شكَّ أنَّ الخطابة مقصودها الأعظم هو تحريكُ العواطف والمشاعر نحوَ مرضاة المولى سبحانه، وفِعْلِ الخير، وصَرْفها عن الشَّرِّ بقدر الإمكان، وهذا يتطلَّب من الخطيب أن تكون له مهاراتٌ معيَّنة في الأداء والأسلوب[2]، واختيارٌ أمثلُ للموضوع في جذْب أنظارِ الحاضرين، وإيقاظ هِمَمِهم، وتحريك عزائمهم، بما يسوقه مِن أمثلة ووقائعَ وأحداث، وأن تتناسب انفعالاتُه مِن حبٍّ وغضب، وتألُّم وفرح، وتوجُّع وتأسُّف، بحسب مقتضى الحال وما يلاءم الظَّرْف، فإذا رأى ممَّن يدعوهم فتورًا في الإصغاء، وضعفًا في الانتباه والإقبال، لجأَ إلى المثيرات والمنبِّهات، وهي عديدة في جعبة الخطيب؛ ومنها:
1- الاستعانةُ بالقَصص الوارد في القرآن والسُّنَّة، ورَبْطه بواقع المسلمين، والاستعانة بضرْب الأمثال، وتصوير المعاني بأشياءَ محسوسة؛ لتقريب المعاني إلى أذهان المستمعين.
2- جَلْب انتباه المستمعين مِن حادِث مهم، وخبر ذي فائدة، وربطه بمعاني القرآن، والسُّنن الكونيَّة، وأن يختارَ من الحوادث ما يكون محورًا للخُطبة، بحيث يخرج بحلٍّ لِمَا يستجد مِن حوادث، وما يَحُلُّ بالمسلمين مِن بلاء وضيق، كلّ ذلك مع التفاعل الصادق، والرغبةِ المفعمة بالحبِّ والشفقة والرحمة؛ لمدِّ يَدِ العون لعباد الله، لإنقاذهم ممَّا هم فيه مِن بلاء وشدَّة. 
3- تذكيرُ المسلمين بالأصْل العظيم، ألاَ وهو طاعة الله ورسوله، فهُمَا سببُ النجاة في الدنيا والآخرة، والسعادةِ الحقَّة، وتذكيرُهم بنعمة الله عليهم في السرَّاء والضرَّاء، وأنَّه لا ينبغي لهم مقابلةُ نِعمه الوفيرة بعصيانه، وجحود النِّعمة. 
4- أن يقرنَ بين التبشير والإنذار، والترغيبِ والترهيب، حسب الحال والمقام، فإذا كان التبشير برضوان الله وجَنَّته لِمَن أطاعه ملائمًا، بسبب أنَّ مَن يدعوهم قد وقعوا في اليأس والقنوط، ركَّز عليه ووضَّحه، وأتى من الآيات والأحاديث الشريفة ما يُجلِّيه، وإن كان الإنذار والتخويف ملائمًا، بسبب أنَّ مَن يدعوهم متمادون في طغيانهم وعصيانهم، سَرَد الآياتِ والأحاديثَ المتعلِّقة بهذا الجانب، وحذَّر من عقوبة الله وغضبه، ولكلِّ مقامٍ مقال. 
[10]، وهذا الأمر مجانب للصواب، يقول النووي - رحمه الله - في شرْح الحديث: "‏‏يُستدلُّ به على أنَّه يستحبُّ للخطيب أن يُفخِّم أمر الخطبة، ويرفع صوتَه، ويجزل كلامَه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلَّم فيه مِن ترغيب أو ترهيب، ولعلَّ اشتدادَ غضبه كان عندَ إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحديده خطْبًا جسيمًا"[11].

 

‏ولا شكَّ أنَّ الغَيْرة محمودة، وهي أن يغارَ الخطيب حينما يرى محارِمَ الله تُنتهك، فيَرْفع من وتيرة صوتِه حسب ما يقتضي الحال؛ بل لا ينبغي له في تلك الحال أن يكونَ باردَ الأعصاب، ميِّت المشاعر، كأنَّ الأمر لا يعنيه ولا يهمُّه، بل يعتدل في ذلك كلِّه، ووَفْق ميزان دقيق، فالغرضُ هو حمل الناس على طاعة الله، واجتناب نواهيه، والله المستعان.

 

على أنَّ هناك عواملَ عِدَّةً تجعل الخطيبَ مؤثِّرًا في المستمعين، يملك زِمامَ الأمر فيها، متحكِّمًا في أعصابه ومشاعره، موجِّهًا لها نحوَ خدمة الموقف والحال، ومن هذه العوامل ما يلي:
أولاً: الإخلاص والصِّدق لهما أبلغُ الأثر في نفسية الخطيب، وهي التي تضبط انفعالاتِه، بحيث يُوجِّهها التوجيهَ السليم الذي ينفع به الدِّين، ولا شكَّ "أنَّ ظهور أثر الصِّدق في وجه الداعي وصوته يؤثِّر في المخاطَب، ويحمله ذلك على قَبول قولِه واحترامه، إلاَّ إذا كان عَمَى القلْبِ قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا"[12].

والأمر لا يحتاج إلى تصنُّع وتكلُّف؛ بل متى ما وقع الإيمانُ والثِّقة بالله انساب الحديثُ من الخطيب بالفِطرة، ويظهر أثرُ الصِّدق والإخلاص مِن نبرات الصوت، وعلى وجه الخطيب؛ ولهذا ينبغي على الخطيب ألاَّ يتصنَّع البكاء، وألاَّ يدفعَ نفسَه إلى الخشوع دفعًا؛ لِيُريَ الناس أنَّه حريص على هدايتهم، وأنَّه صادق فيما يدعو إليه، فربَّما وقع في الإحراج، بل يترك نفسَه إلى فطرتها، وما يُملي عليه إيمانُه.

وافتعالُ الحالة النفسيَّة – كالبكاء - خطأٌ يقع فيه بعضُ الخطباء؛ لاعتقاده - بسبب سوء فَهْم أو مغالطة - أنَّ الخطبة حتى تكونَ ناجحةً لا بدَّ من اشتمالها على البكاء.

إنَّ الخطيب الناجح مَن يوصِّل الفكرة، ويُرسِّخ المعلومة، ويكشف الشُّبهة؛ من أجل أن يستفيدَ منه المسلمون في حياتهم العملية.

 

ثانيًا: الورع والخوف من الله له الأثرُ في ضبْط الأعصاب، حيث تكون وفقًا لِمَا أمر الله به، فتُعظِّمه النفوس، وتنقاد لكلامه، "والمقصود من الخُطبة حصولُ الخشوع، والرجوع إلى الله، باتِّباع أمرِه، واجتناب نهيه، والخوف منه، والخوف ممَّا أوعد به، وقوَّة الرجاء فيما عنده، وحسن الظنِّ به سبحانه، فإذا كان الخطيبُ مُستعمِلاً في نفسه ما ذُكِر، كان أدعَى إلى قَبول ما يُلقيه على السامعين؛ لاتِّصافِه بما يتَّصف به هو كما مرَّ"[13]، إضافةً إلى ذلك تكون انفعالاته النفسيَّة منضبطة، لا تتلاعب بها الأحوالُ والظروف؛ بل يكون الخوفُ من الله هو الذي يتحكَّم فيها، وهذا الأمر نافِعٌ جدًّا عند حضور شخصية بارزة، أو وُقوع حَدَث طارئ مُفْزِع، فإن لم يكن الخطيب متسلِّحًا بالخوف من الله، وَقَع فريسةً للانفعالات النفسيَّة المتقلِّبة.

 

ثالثًا: التركيز على موضوع مُعيَّن، وهدف محدَّد، يتحمَّس له، وينفعل به الخطيب، يجمع الهِمَّة، ويُوحِّد له الفِكرة والهدف، ويجعل الذِّهن صافيًا، مما له الأثر في ضبْط الانفعالات، فيخرج الكلامُ بِأَرْيَحِيَّة دون تكلُّف، بخلاف مَن يتكلَّم في أمور شتى[14]، لا يجمعها جامِع، تتبعثر انفعالاته، وتتقلَّب أمزجتُه، وتتضارب عباراتُه، ويَخرج المستمعُ وهو كذلك متقلِّب المفاهيم، لا يعرف ماذا أراد الخطيب، فضلاً عمَّا فهمه هو من الخُطبة.

 

رابعًا: من المهمِّ جدًّا أن تكون المادة التي يُراد طرحُها حاضرةً في ذهن الخطيب، تعالِج موضوعًا واقعًا، أو مرضًا اجتماعيًّا منتشرًا، أو حَدَثًا هامًّا؛ لتتحد مشاعرُ الخطيب مع الحَدَث والمتحدَّث إليه، بدلاً من الكلام عن أمور لم تقع، أو لا تناسب حالَ الظرف والوقت، أو الكلام في مواضيعَ لا تناسب حالَ مَن يدعوهم.
فإذا كان يتكلَّم عن الغزو الفكري ومشاكلِ التطوُّر العلمي وهو يخاطب أهلَ البدو والقرى، فهو يُشتِّت أذهان المستمعين في قضايا لا نَاقةَ لهم فيها ولا جَمل، فيُضيع الجهود، ويُبعثِر الطاقاتِ فيما لا قدرةَ لهم عليه، ولا يدخل في نِطاق عملِهم.

 

خامسًا: عدمُ إهمال جانب العاطفة، ودَورِها في التأثير، كالرَّحمة والشفقة، والغضب، والمودَّة والحبّ، والمواساة والسماحة، والعفو والصفْح، والتألُّم والحزن، وجَبْر الخاطر، وغيرها من العواطف والمشاعِر النبيلة؛ لِمَا لها من عظيم الأثر في نجاح الخُطبة، وأن تكونَ تلك العواطف موافقةً لظروف الخُطبة، ثم يتأمَّل في واقع الناس، وأمراض مجتمعِه، ويعالجها - كالطبيب الحاذق البصير - بحكمة وروِيَّة واعتدال من غير أن يهملَ تلك العواطف، مراعيًا بذلك مشاعرَ من يُخاطبهم، فلا يليق بالخطيب أن يُهمل مشاعِر مَن يخاطبهم، ويضرب بها عُرْضَ الحائط، كان يتكلَّم مثلاً في تفاصيل لا يَليق به أن يذكرَها على المِنبر، بل يُشير إذا اقتضى الأمرُ إشارة، أو يتطرَّق إلى ما يُخالِف عاداتِ القوم وتقاليدَهم في الحَضَر والبدو.

 

سادسًا: أن يكون كلامُه جامعًا مانعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكير هادئ، وألاَّ يحولَ بينه وبين المستمعين أيُّ حائل نفسي؛ إلا مراقبةَ الله، وأن يكون نظرُه إلى المستمعين نظرَ المشفِق عليهم، الحريصِ على هدايتهم، فلا يميِّز بين فقير أو غني، ولا حاكم أو محكوم - لكن في حدود الأدب، وانتقاء للألفاظ.

 

ولهذا ينبغي له قبلَ الشُّروع في الخُطبة، وارتقاء المنبر: تصفيةُ النفس من الشوائب والأكدار، وتحليتُها بالأخلاق السامية، والآداب الفاضلة، والدُّعاء بصِدق أن يوفِّقه الله في وعْظه، وأن يُسدِّد كلامَه، وأن يكون لكلامه وقعٌ طيِّبٌ في نفوس السامعين؛ قال تعالى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

 

خلاصة ما تقدم:
إنَّ الخطيب هو رجلٌٌ سياسي[15] حكيم، وطبيبٌ حاذِق، يعرف أمراضَ الناس وعِللها، والأدوية التي تناسبها، يدعو بالحِكمة، والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصلُ إلى ما يكرهون من حيثُ لا يشعرون، فيشتدُّ في موضِع الشِّدَّة، ويلين في موضع اللِّين، وهو رجل داعيةٌ، قادرٌ على أن يعظَ الناس كلَّهم على اختلاف أصنافهم، وتباين مشاربهم، يُرْشِدُهم إلى غاية عظيمة، وهي ابتغاءُ مرضاةِ الله، وتقديم رِضاه على رِضا المخلوقين، ومحابِّه ومحابِّ رسوله على محابِّ الخَلْق أجمعين، ومِن ثَمَّ التطلُّع إلى ما عند الله - سبحانه - من النعيم المقيم.

 

والله أعلم وأحكم، وأجلُّ وأعظم، وصلَّى الله على سيِّدنا وإمامنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ويليه بإذن المولى سبحانه: "المعوِّقات النفسيَّة للخطيب".

 

ومِن الله المعونةُ والسداد.

 

 

ــــــــــــــــــ

[1] هذه أدوات التبليغ، وكلها تدخل تحت مضمون القول، انظر شرح هذه الأدوات بالتفصيل في كتاب "أصول الدعوة"؛ للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 342) وما بعدها.

[2] انظر: بحث "مميزات الخطبة الناجحة، ونماذج من صناعة الخطب"؛ للباحث مرشد الحيالي على موقع (الألوكة). [3] كتاب "جامع العلوم والحكم"؛ للعلاَّمة ابن رجب الحنبلي (ص: 243)، دار المعرفة، ببيروت. [4] "زاد المعاد في هدي خير العباد"؛ للإمام ابن القيم - رحمه الله (1/117). [5] رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عباس (رقم: 4972). [6] حديث العرباض بن سارية: ((وعظَنا رسولُ الله موعظةً بليغة، وَجِلتْ منها العيون، وذرَفت منها العيون..........))؛ رواه الترمذي (رقم: 2676)، وقال: حديث حسن صحيح. [7] رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله (رقم: 867) [8] القصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي، يمدح بها الرسول الأعظم، وهي بعنوان (ولد الهدى). [9] الحديث رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك (رقم: 4621). [10] تقدم رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله (رقم: 867). [11] انظر: شرح الإمام النووي - رحمه الله - لصحيح مسلم (6/222). [12] "أصول الدعوة"؛ للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 256). [13] "المدخل"؛ لابن الحاج (2/270) فصل (فرش السجادة على المنبر).
 وليس معنى ما ذُكِر أن يكون الخطيب علاَّمة زمانه، ووحيدَ أوانه، ولكن المطلوب المقاربة، وأن يتخلَّق بخلق سيِّد الأنبياء، واللهُ لا يُكلِّف نفسًا إلاَّ وسعها. [14] بعض المناسبات كمناسبة العيد، يحتاج الخطيب إلى التنويع في المواضيع، ولكن يربطها بالأصل العام، وهو: تقوى الله وطاعته، حتى تُؤتي الخطبةُ ثمارَها. [15] ليس المقصود من السياسة الدهاء والمكر، بل الحِكمة ومراعاة شؤون الناس، ومعرفة أحوالهم، ومعالجة أمراضهم.   نوشته : مرشدالحيالي   http://www.alukah.net/Sharia/0/8211/  
امتیاز:
 
بازدید:
امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۲۹ ] [ مشاوره مديريت ]

 

الخطبة من الورقة، وكيف تكون مؤثرة؟

لَم يُعهَدْ عن الأوائل - خُلفاء أم خُطباء - أنَّهم كانوا يَعِظون الناس من خلال الورقة؛ لأنَّهم أهل فصاحة وبيان، وأنَّ البلاغة تجرِي على لسانهم جريانَ الماء في السَّيْل، فيعبِّرون بسُهولة عمَّا يجول في نفوسهم، ويَجيش في صدورهم، ويدور ويَحدُث في واقعهم بدون أدنى كُلْفة أو تصنُّع، ولم أسمع - حسب علمي - أنَّ أحدًا من الخُطباء ارْتقى المنبر وألْقى خُطْبته من خلال الورقة، وإنَّما حدَث ذلك في عهود متأخِّرة، حين انحسرتِ الخطب في دواوين - خُطب جاهزة - بعد أن كانتْ قائمةً على الارتجال والبديهة، وما كان يتمتَّع به الخطباء مِن أسلوب بياني رائِق مِن خلال بيانهم لأصول الدِّين، وقواعد الشريعة.

ولا يَعْني استغناءُ الأوائل عن الخُطبة من الورقة عدمَ استعدادهم وإعدادهم للموضوع ومعالِمه الرئيسة، بل الأدلَّة تُشيرُ إلى اهتمامهم بتحضيرها، ولو قُبَيل ارتقائهم المنبر، ومِن ذلك: قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "وقد كنت قد زورتُ في نفسي مقالة"[1]، وهذا الاهتمام ينبُع مِن حبِّهم للدِّين، وشعورهم بالمسؤولية أمامَ ربهم، وقد دوَّن التاريخُ الإسلامي عن خلفائنا وعلمائنا وقادتنا روائعَ الخُطب المِنْبريَّة، وما تضمنتْه من أسلوب بيانيٍّ مؤثِّر يستنهض الهِمم، ويقوِّي العزائم، ويبعث على الرُّوح والقوَّة المعنويَّة، والالْتزام بمعاني الدِّين الإسلامي، ومِن ذلك: الخُطُب التي يُلقيها قادةُ الفتح الإسلامي، وما لها من التأثير في شَحْذ الهِمم، والاستبسال في سبيل الدِّفاع عن الإسلام وحِياضه.

الحاجة إلى الخطبة من الورقة:

في رأيي أنَّ الحاجة دَعتْ للخُطبة من الورقة في زماننا لأسباب؛ منها:

1- الدَّواعي الاحترازية في بعض البلدان؛ وذلك لئلاَّ يخرجَ الخطيب عن مضمون الخُطبة، وإطارها العام، فينخرط الخطيبُ في الكلام عن السياسة، وما لا فائدة فيه، مما يجرُّ الفرْد والمجتمع إلى ما لا يُحمد عُقباه، وهو مما يتوجَّب على الخطيب الالْتزام به مِن باب طاعةِ أولي الأمْر، أو الإطالة غير المحمودة، والاستطراد في مواضيع لا صلةَ لها بصُلب الحَدَث، وعلى الرَّغْم من ذلك، فالخُطب المكتوبة الموجَّهة والمعدَّة مِن وزارة الأوقاف في تِلْكم البلاد فيها خيرٌ كثير، ويستطيع الخطيبُ الحريص على دِينه وهدايةِ الناس التأثير والتوجيه، ومِن خلال الورقة، وسيأتي بيانه - إنْ شاء الله.

2- إيثار بعضِ الخُطباء الخُطبة من الورقة عَلَى الارتجال، والمعلوم أنَّ الخُطباء يتفاوتون مِن ناحية الاستعداد والتحضير والتأثير؛ فالبعضُ منهم كالسيل الجارِف في أسلوبه وبيانه، ووضوح مقْصدِه، وقوَّة حافظته[2]، وله قوَّةٌ عجيبة في استحضار المعاني في قوالبَ من الألفاظ البلاغية والبيانية، دون أن يتلعثم أو يتردَّد، وهو بالكاد يَبْلع رِيقَه؛ ليستمرَّ في وعْظه وإرْشاده، والبعض الآخَر يحتاج للورقة؛ لضبط ألفاظ الخُطبة، ولتكون على قواعدِ اللغة؛ حتى لا يشطح ويَقَع في الخطأ، ولا يخرج عن مضمون ما يرْمي إليه، وينْسَى موضوعَ الخطبة، أو يُطيل في وعْظه، وقد رأينا علماءَ ومفكِّرين لا يُحبِّذون الارتجالية في الخُطبة، رغمَ علمهم الواسع، ورسوخِهم في الدِّين[3]، وليس ذلك بعيبٍ ما دام المقصودُ هو إيصالَ الفِكرة الحسنة إلى الناس، ودعوتهم إلى الاستقامة على المنهج السليم.

كيف تكون الخُطبة من الورقة مؤثِّرة؟

في مِثْل تلك الأحوال التي تُفرَض الخُطبة الورقية المعدَّة سلفًا على الخُطباء، فالبعض منهم يتشاءم منها، ويَعدُّ ذلك نقصًا في علمه وقدرته البيانية، وقد يكون ذلك صحيحًا إذا كانت مواضيعها لا تُلائم حالَ العصر، وهو يرَى أنَّ مرضًا ما أو حالةً اجتماعيَّة تنتشر في محيطه ومجتمعه، فلا يُمكنه - والحال تلك - أن يعبِّر عما يجول في خاطِره، ولكنَّ هناك أساليبَ في مثل تلك الأحوال يُمكن للخطيب الماهِر الناجح أن يستغلَّها في صالحه، ويجعل خُطبتَه مؤثِّرة، ويوجه الحاضرين لِمَا يريد من المعاني السامية، ويملك بها ناصيةَ الموقف، ومنها:

أولاً: الإخلاص، ولا شكَّ أنَّ الإخلاص له دورٌ عظيم في التأثير، وحمْل المستمعين على الالْتزام بمعاني الإسلام، ولو كان المتلوُّ هو آيةً من كتاب الله - تعالى - وقد كانتْ بعض خُطبُ ومواعظ الخلفاء ما هي إلا آياتٌ من كتاب الله تعالى، لكن اقترنَ بها الإخلاصُ والصِّدق، والعمل بالمضمون، فأثمرَتْ وأينعت خُطبُهم ومواعظُهم.

ثانيًا: قراءة الخُطبة بشكل جيِّد، وضبط ألفاظها من ناحية الشَّكْل؛ لتتميز كلُّ كلمة عن الأخرى؛ لتكونَ اللغة سليمة من الأخطاء، والتأكيد على تلاوة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بما يوافِق قواعدَ اللغة، وأحكام التجويد، ممَّا له أبلغ الأثَر في انتفاع المدعوين، وينبغي على الخَطيب الصادق ألاَّ يَستهينَ بذلك، فرُبَّ آيةٍ من كتاب الله أوجبتْ هدايةَ خلْق من الناس.

ثالثًا: هندسة الصَّوْت؛ أي: تكون نبراتُ صوته وَفقَ معاني الخُطبة، فيرفع من نبرة صوته عندما يُريد أن يحذِّر من عقوبة الله ومقْته، ويخفض عندَ الحاجة، فيكون إيقاعُ صوته كالرَّسم البياني؛ لأجْل أن يستوعبَ الحاضرون بيانه، وهم بالطبع ليسوا على مستوى واحدٍ من الاستيعاب والفَهْم، بخلاف ما لو كانت نبرةُ صوته على وتيرةٍ واحدة، فستملُّه الأسماع، وتمجُّ خُطبته النفوس، ويكون حاله كمَن يقرأ جريدة، أو مقالاً دون أن يحرِّك شعورًا، أو يلهب حماسًا.

رابعًا: توزيع النظر ما بيْن الورقة والجمهور، ويتمُّ ذلك باعتدال وتوازُن، ويعتمد ذلك على الإعداد الجيِّد، والقراءة للخطبة قبلَ ارْتقاء المنبر، ومِن الخطأ أن يُديمَ الخطيب نظرَه في الورقة[4]، وينسى أنَّه يخاطب بشرًا لهم أحاسيسُ ومشاعر، فلا يليق به أن يُعطيَهم ظهرَه، ويولِّيَهم دُبرَه، وهو يعظهم ويوجههم، وكذلك التفاعُل مع معاني الخُطبة له الأثرُ البالغ في جعْل الخطبة مؤثرةً في النفوس.

خامسًا: التمهُّل في قراءة الخُطبة، وعدم الإسراع في تلاوتها؛ مِن أجل أن يستوعبَ الحاضرون معانيَها، وليتجنَّبِ الخطيب كذلك الوقوعَ في الخطأ في ألفاظها، ولو كانتْ من الورقة.

والمقصود: أنَّ الخطيب والواعظ داعٍ إلى الله، يحمل في قلْبه همَّ الدعوة، وهو حريصٌ على استغلال كلِّ فرصة سانِحة من أجْل الإصلاح والهِداية، حتى ولو كانتْ كلمة واحدة، فكيف إذا كانت خُطبة مكتوبة، تتضمن آياتٍ كريمة، وأحاديثَ شريفة، قُصارى ما فيها أنها قد لا تتلاءم مع الظَّرف؟![5]، فليكن فَطِنًا ماهرًا في اقتناصِ الفُرص، ولو كان التركيزُ على تلاوة الآيات والأحاديث فحسبُ، وبشكل مؤثِّر وإيماني.

وهذا نموذجٌ من خُطبة مكتوبة، وتوجيهات هامَّة للخطيب في كيفية إلْقائها وتلاوتها، وليس المقصودُ هو التقييد بها، وإنَّما لينسجَ الخطيبُ على منوالها، ويتعلَّم الطريقة الصحيحة في إلْقائها.

المقدمة:

الحمدُ لله الذي لم يتَّخذْ ولدًا، ولم يكن له شريكٌ في المُلْك، المستحقِّ لأنواع العبادة دون غيره، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ هو وحْده لا شريكَ له، جبَّارُ السموات والأرض.

وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كلِّ مَن سار على نهْجه، واستنَّ بسُنَّته، واقتفى أثرَه إلى يوم الدِّين[6].

أما بعدُ:

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ [مريم: 72][7].

أيها المسلمون:

إنَّ يومَ القيامة هَولُه على الناس شَديد، فمِنهم شقيٌّ وسعيد؛ أمَّا الشقي فإلى نارٍ حرُّها شديد، وقعرُها بعيد، ومقامِعها حديد، يومَ يقوم الناس لربِّ العالمين، قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَطوي الله - عزَّ وجلَّ - السمواتِ يومَ القِيامة، ثم يأخذهنَّ بيده اليُمنى، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟ ثم يَطوي الأرْض بشِماله، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟))، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾  [الرحمن: 27] يُفني الخَلْق جميعًا، فينادي قائلاً: لِمَن الملك اليوم؟ فيُجيب نفسَه المقدَّسة بقوله: ﴿ لِلَّهِ الوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]))[8]، ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [ الزمر: 68].

يقِف الجميعُ في خشوع تامٍّ، وذلٍّ وخضوع، لا يتكلَّمون إلا مَن أذِن له الرحمن وقال صوابًا، يقِف الكلُّ في خشوع، يقف الجميع في ذلٍّ وخضوع، وتُدنَى الشمس يوم القيامة من رؤوس العِباد، فيبلغ الناس من الغمِّ والكَرْب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، وبعد شفاعة نبيِّنا محمَّد صاحب الشفاعة العُظْمى يقضي الله بيْن الخلائق، ثم يأمر الله أن يُؤتَى بجهنمَ، قال رسول الله  - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُؤتَى بجهنمَ يوم القيامة لها سبعون ألْف زِمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملَك يجرُّونها))، يؤتَى بها تتغيَّظ، يؤتى بها تتلظَّى، يؤتَى بها تتقطع من الغيْظ على العُصاة والمشركين، تأتي وهي تنطِق، وهَلْ كل نار الدنيا مجتمعة إلا وهي جزءٌ منها، الله أكبر! اللهمَّ إنَّا نستجير بك من النار[9].

لقد أُوقِد عليها ألف عام حتى احمرَّت، وأُوقد عليها ألف عام حتَّى ابيضَّتْ، وألف عام حتى اسودتْ، فهي سوداءُ مظلِمة، وكان ابن عمر يقول: "أكثِروا ذِكْرَ النار، أكثروا ذِكْرَ النار، فإنَّ قعرها بعيد، وإنَّ حرَّها شديد، وإنَّ مقامعها حديد".

أكْثِروا ذِكْر النار، يا مَن اشتغلتم بالمسلسلات والأفلام، يا مَن انغمستم في معصية الله - عزَّ وجلَّ.

أكْثروا ذِكْرَ النار، يا مَن ظلمتم خلْقَ الله، يا مَن جعلتم مناصبَكم وقوَّتَكم لظلم العباد، يا من تحدَّيْتم الله - جلَّ وعلاَ - يا مَن بارزتم الله بالمعاصِي[10].

وفي الحديث الصحيح الذي أخْرَجه مسلم من حديث النُّعمان بن بشير: أنَّ النبي   - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ أهونَ أهْل النار عذابًا يومَ القيامة: رجلٌ يَوضَع في أخمص قدميه حَجران، يَغلِي منهما دماغُه، كما يغلي المِرْجل، ما يرَى أنَّ أحدًا أشدُّ منه عذابًا، وإنَّه لأهونُهم عذابًا)).

أيها المسلمون:

اتَّقوا النار، فإنَّ قعرَها بعيد، قال الله - تعالى - في طعام أهل النار: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل: 13]، وقال رسولُ الله  - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لو أنَّ قطرةً من الزقُّوم قُطرَت في دار الدنيا لأفسدتْ على أهل الدنيا معايشَهم، فكيف بمَن يكون طعامه؟!)).

وقال - تعالى - عن شراب أهل النار: ﴿ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم: 17]؛ أي: يُسقَى من ماء صديد، شديد النتانة والكثافة، فيتجرعه ولا يكاد يبتلِعُه من شدَّة نتانته وكثافته.

وعن عذاب أهْل النار، يقول محمَّد بن كعب: لأهلِ النار خمسُ دعوات يُجيبهم الله - عزَّ وجلَّ - في أربعة، فإذا كانتِ الخامسة لم يتكلَّموا بعدَها أبدًا، يقولون: ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾  [غافر: 11]، فيقول الله - تعالى - مجيبًا لهم: ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ [غافر: 12]، ثم يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا ﴾ [السجدة: 12]، فيُجيبهم الله - تعالى -: ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ﴾ [إبراهيم: 44]، فيقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَل ﴾ [فاطر: 37]، فيُجيبهم الله - تعالى -: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ [فاطر: 37]، ثم يقولون: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ [المؤمنون:107]، فيُجيبهم الله - تعالى -: ﴿ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ﴾ [المؤمنون: 108]، فلا يتكلَّمون فيها بعدَها أبدًا، وذلك غاية شدَّة العذاب، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُؤتَى بالموْت يومَ القِيامة كأنَّه كبشٌ أملح، فيُذبح بيْن الجنة والنار، ويُقال: يأهل الجَنَّة خلودٌ بلا موْت، ويا أهلَ النار خلودٌ بلا موت))، وعن عبدالله بن قيس - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله  - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ أهل النار ليبكون حتى لو أُجريتِ السفن في دموعهم لجَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم - يعني: مكان الدُّموع))، فكما أنَّ الجنة تَشْتاق لأهلها مِن المؤمنين الصادقين، فإنَّ النار تَشْتاق، بل تطلب المزيدَ من أهلها من المجرِمين والظالمين والكافرين، اللهمَّ أجِرْنا من النار، اللهمَّ أجِرْنا من النار، وأدخِلْنا الجنة يا غفَّار.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله  - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما استجار عبدٌ من النار سبعَ مرَّات إلا قالت النار: يا ربِّ، إنَّ عبدك فلانًا استجار منِّي فأجِرْه، ولا سأل عبدٌ الجنةَ سبعَ مرَّات إلا قالتِ الجنة: يا ربِّ إن عبدَك فلانًا سألني فأدْخِلْه الجنة)).

فيا أيُّها اللاهي، ويا أيها الساهي، يا مَن غرتْك المعاصي، وشغَلك الشيطان عن طاعة الله، احذرْ، فإنَّها نار تلظَّى:

دَعْ عَنْكَ مَا قَدْ فَاتَ فِي زَمَنِ الصِّبَا وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَابْكِهَا يَا مُذْنِبُ [11]

قال ابن عيينة: قال إبراهيمُ التيمي: مثلتُ نفسي في الجنة، آكُل مِن ثِمارها، وأُعانِق أبكارَها، ثم مثلتُ نفسي في النار، آكُل من زقُّومها، وأشرَب من صديدها، وأعالج سلاسلَها وأغلالَها، فقلت لنفسي: أيَّ شيءٍ تريدين؟ قالت: أريد أن أرْجِعَ إلى الدنيا، فأعمل صالحًا، قال: فأنت في الأُمنية فاعْمَلي، ونحن واللهِ في الأمنية، فيا مَن قصَّرْتَ في طاعة الله - عزَّ وجلَّ - اعملْ للآخِرة قبل أن تطلبَ العودة، ولن تستطيعَ، فكلُّ مَن قصَّر في طاعة الله - عزَّ وجلَّ - في الدنيا يطلُب العودة إليها، كلَّما عاين أمورَ الآخرة، وترَك دار العمل إلى دار الحِساب، أسأل الله العظيم أن يختمَ لنا بالإيمان، وأن يُبعِدَنا عن النِّيران، وأن يُدخِلَنا جنَّةَ الرحيم الرحمن، إنَّه وليُّ ذلك، والقادر عليه[12].

وصلَّى الله على محمَّد، وآله وصحْبه أجمعين[13].

------------------------------------

[1] صحيح البخاري رقم (6830).

[2] ومنهم على سبيل المثال: الداعية علي القَرني، وعائض القرني - حفظهما الله جميعًا.

[3] كان المفكِّر والداعية الإسلامي إبراهيم النعمة يُحافظ على الالتزام بالورقة والخُطبة مِن خلالها رغمَ علمه وفقهه.

[4] بإمكان الخطيب أن يتخذَ بعض التدابير في ذلك، كأنْ يُمسك الورقة باليَسار، ويُشير - يعبِّر بالإشارة عن المعاني - باليمين، أو يضع الخُطبة على موضع ثابِت ويُقلِّبها بيده.

[5] من المعلوم أنَّ الخُطبة المعدَّة مِن قِبل وزارة الأوقاف يُشرِف عليها علماء أكْفَاء، وفي بعض البلاد الإسلامية يتمُّ اختيار الموضوع على خطباء المساجد، وتُعطَى الحرية للخطيب في التعبير والأسلوب المناسِب.

[6] عادةً ما يكون الدخول إلى الموضوع من خلال مقدِّمة يتمُّ عرْضها وتلاوتها بشكل تدريجي وهادئ، وهو أفضل من الدخول إلى الموضوع بشكلٍ مفاجِئ، ونبرة قوية.

[7] يُستحسَن تلاوة الآية بتمهُّل وإعادة قراءتِها مرتين إن تطلَّب الأمر؛ لتذكير المستمِع بالموضوع الذي سيتمُّ طرحُه ومعالجته مِن خلال الآية.

[8] يُستحسن في مِثل تلك العبارات رفْعُ الصوت للتعبير عن معاني الحديث الشريف، وبيان أنَّ المُلْك زائل وفانٍ، إلا مُلْك الله - عزَّ وجلَّ - ولو صَدق الخطيب، لكان له من التأثير ما يفوق تأثيرَ المدافِع والدبَّابات، ولكن نجد بعضَ الخطباء - سامحهم الله - يقولها؛ ولكنَّ قلبَه وحبَّه لملذَّات الدنيا، وحِرْصه أعظم من حِرْص مَن يَعِظهم!

[9] في الأدعية يُستحسن أن تكونَ نبرة الخطيب فيها تذلُّلٌ، وطلب وشكْوى للخالق، ومِن أعماق القلب، وألا يكون مرورُه على الدعاء مرورَ السَّاهي الغافل.

[10] يَستحضر الواعظ قبل كل شيء نفسَه التي بين جنبيه؛ لأنها أوْلى بالتأنيب، ثم مَن يدعوهم، ويُستحسن في تلك المواضع رفْعُ الصوت، فبعض النفوس والقلوب لا ينفع معها إلا الماءُ الحار لغَسْل أدرانها، وإزالة أوساخها، إضافةً إلى حمْل المدعوِّ على الخُشوع والتوبة والإنابة.

[11] ابتداء من عبارة: "أيها المسلمون، اتَّقوا النار، فإنَّ قعْرها بعيد" إلى قُبَيل خاتمة الخطبة تكون نبراتُ الصوت كالخطِّ البياني، مرةً يرفع ومرَّة يخفض حسبَ الحال والمعنى.

[12] هذا آخِر الكلام في الخُطبة، وينبغي على الخطيب أن يُحسِن وضْع الدواء على الجرْح قبل أن يغادر المنبر، فتكون عباراتُه لطيفةً، تحمل في مضمونها الدِّفْء والحنان والعطف لِمَن يدعوهم، لا التشفِّي والانتقام، فهو طبيبٌ للقلوب؛ يداوي جَرْحاهم بحِكمة ورحمة.

[13] الخُطبة مُقتبَسة من خُطبة الشيخ محمد حسان في وصْف النار، وقد قمتُ باختصارها لطولها، والشيخ خيرُ مَن يمثِّل الخطيبَ الناجح في أسلوبه وبيانه وعلْمه - وفَّقه الله لنفع الأمَّة.


امتیاز:
 
بازدید:
[ ۵ اسفند ۱۳۹۳ ] [ ۰۳:۴۳:۲۹ ] [ مشاوره مديريت ]
[ ۱ ][ ۲ ][ ۳ ][ ۴ ][ ۵ ][ ۶ ][ ۷ ][ ۸ ][ ۹ ][ ۱۰ ][ ۱۱ ][ ۱۲ ][ ۱۳ ][ ۱۴ ][ ۱۵ ][ ۱۶ ][ ۱۷ ][ ۱۸ ][ ۱۹ ][ ۲۰ ][ ۲۱ ][ ۲۲ ][ ۲۳ ][ ۲۴ ][ ۲۵ ][ ۲۶ ][ ۲۷ ][ ۲۸ ][ ۲۹ ][ ۳۰ ][ ۳۱ ][ ۳۲ ][ ۳۳ ][ ۳۴ ][ ۳۵ ][ ۳۶ ][ ۳۷ ][ ۳۸ ][ ۳۹ ][ ۴۰ ][ ۴۱ ][ ۴۲ ][ ۴۳ ][ ۴۴ ][ ۴۵ ][ ۴۶ ][ ۴۷ ][ ۴۸ ][ ۴۹ ][ ۵۰ ][ ۵۱ ][ ۵۲ ][ ۵۳ ][ ۵۴ ][ ۵۵ ][ ۵۶ ][ ۵۷ ][ ۵۸ ][ ۵۹ ][ ۶۰ ][ ۶۱ ][ ۶۲ ][ ۶۳ ][ ۶۴ ][ ۶۵ ][ ۶۶ ][ ۶۷ ][ ۶۸ ][ ۶۹ ][ ۷۰ ][ ۷۱ ][ ۷۲ ][ ۷۳ ][ ۷۴ ][ ۷۵ ][ ۷۶ ][ ۷۷ ][ ۷۸ ][ ۷۹ ][ ۸۰ ][ ۸۱ ][ ۸۲ ][ ۸۳ ][ ۸۴ ][ ۸۵ ][ ۸۶ ][ ۸۷ ][ ۸۸ ][ ۸۹ ][ ۹۰ ][ ۹۱ ][ ۹۲ ][ ۹۳ ][ ۹۴ ][ ۹۵ ][ ۹۶ ][ ۹۷ ][ ۹۸ ][ ۹۹ ][ ۱۰۰ ][ ۱۰۱ ][ ۱۰۲ ][ ۱۰۳ ][ ۱۰۴ ][ ۱۰۵ ][ ۱۰۶ ][ ۱۰۷ ][ ۱۰۸ ][ ۱۰۹ ][ ۱۱۰ ][ ۱۱۱ ][ ۱۱۲ ][ ۱۱۳ ][ ۱۱۴ ][ ۱۱۵ ][ ۱۱۶ ][ ۱۱۷ ][ ۱۱۸ ][ ۱۱۹ ][ ۱۲۰ ][ ۱۲۱ ][ ۱۲۲ ][ ۱۲۳ ][ ۱۲۴ ][ ۱۲۵ ][ ۱۲۶ ][ ۱۲۷ ][ ۱۲۸ ][ ۱۲۹ ][ ۱۳۰ ][ ۱۳۱ ][ ۱۳۲ ][ ۱۳۳ ][ ۱۳۴ ][ ۱۳۵ ][ ۱۳۶ ][ ۱۳۷ ][ ۱۳۸ ][ ۱۳۹ ][ ۱۴۰ ][ ۱۴۱ ][ ۱۴۲ ][ ۱۴۳ ][ ۱۴۴ ][ ۱۴۵ ][ ۱۴۶ ][ ۱۴۷ ][ ۱۴۸ ][ ۱۴۹ ][ ۱۵۰ ][ ۱۵۱ ][ ۱۵۲ ][ ۱۵۳ ][ ۱۵۴ ][ ۱۵۵ ][ ۱۵۶ ][ ۱۵۷ ][ ۱۵۸ ][ ۱۵۹ ][ ۱۶۰ ][ ۱۶۱ ][ ۱۶۲ ][ ۱۶۳ ][ ۱۶۴ ][ ۱۶۵ ][ ۱۶۶ ][ ۱۶۷ ][ ۱۶۸ ][ ۱۶۹ ][ ۱۷۰ ][ ۱۷۱ ][ ۱۷۲ ][ ۱۷۳ ][ ۱۷۴ ][ ۱۷۵ ][ ۱۷۶ ][ ۱۷۷ ][ ۱۷۸ ][ ۱۷۹ ][ ۱۸۰ ][ ۱۸۱ ][ ۱۸۲ ][ ۱۸۳ ][ ۱۸۴ ][ ۱۸۵ ][ ۱۸۶ ][ ۱۸۷ ][ ۱۸۸ ][ ۱۸۹ ][ ۱۹۰ ][ ۱۹۱ ][ ۱۹۲ ][ ۱۹۳ ][ ۱۹۴ ][ ۱۹۵ ][ ۱۹۶ ][ ۱۹۷ ][ ۱۹۸ ][ ۱۹۹ ][ ۲۰۰ ][ ۲۰۱ ][ ۲۰۲ ][ ۲۰۳ ][ ۲۰۴ ][ ۲۰۵ ][ ۲۰۶ ][ ۲۰۷ ][ ۲۰۸ ][ ۲۰۹ ][ ۲۱۰ ][ ۳۶۳ ][ ۳۶۴ ][ ۳۶۵ ][ ۳۶۶ ][ ۳۶۷ ][ ۳۶۸ ][ ۳۶۹ ][ ۳۷۰ ][ ۳۷۱ ][ ۳۷۲ ][ ۳۷۳ ][ ۳۷۴ ][ ۳۷۵ ][ ۳۷۶ ][ ۳۷۷ ][ ۳۷۸ ][ ۳۷۹ ][ ۳۸۰ ][ ۳۸۱ ][ ۳۸۲ ][ ۳۸۳ ][ ۳۸۴ ][ ۳۸۵ ][ ۳۸۶ ][ ۳۸۷ ][ ۳۸۸ ][ ۳۸۹ ][ ۳۹۰ ][ ۳۹۱ ][ ۳۹۲ ][ ۳۹۳ ][ ۳۹۴ ][ ۳۹۵ ][ ۳۹۶ ][ ۳۹۷ ][ ۳۹۸ ][ ۳۹۹ ][ ۴۰۰ ][ ۴۰۱ ][ ۴۰۲ ][ ۴۰۳ ][ ۴۰۴ ][ ۴۰۵ ][ ۴۰۶ ][ ۴۰۷ ][ ۴۰۸ ][ ۴۰۹ ][ ۴۱۰ ][ ۴۱۱ ][ ۴۱۲ ][ ۴۱۳ ][ ۴۱۴ ][ ۴۱۵ ][ ۴۱۶ ][ ۴۱۷ ][ ۴۱۸ ][ ۴۱۹ ][ ۴۲۰ ][ ۴۲۱ ][ ۴۲۲ ][ ۴۲۳ ][ ۴۲۴ ][ ۴۲۵ ][ ۴۲۶ ][ ۴۲۷ ][ ۴۲۸ ][ ۴۲۹ ][ ۴۳۰ ][ ۴۳۱ ][ ۴۳۲ ][ ۴۳۳ ][ ۴۳۴ ][ ۴۳۵ ][ ۴۳۶ ][ ۴۳۷ ][ ۴۳۸ ][ ۴۳۹ ][ ۴۴۰ ][ ۴۴۱ ][ ۴۴۲ ][ ۴۴۳ ][ ۴۴۴ ][ ۴۴۵ ][ ۴۴۶ ][ ۴۴۷ ][ ۴۴۸ ][ ۴۴۹ ][ ۴۵۰ ][ ۴۵۱ ][ ۴۵۲ ][ ۴۵۳ ][ ۴۵۴ ][ ۴۵۵ ][ ۴۵۶ ][ ۴۵۷ ][ ۴۵۸ ][ ۴۵۹ ][ ۴۶۰ ][ ۴۶۱ ][ ۴۶۲ ][ ۴۶۳ ][ ۴۶۴ ][ ۴۶۵ ][ ۴۶۶ ][ ۴۶۷ ][ ۴۶۸ ][ ۴۶۹ ][ ۴۷۰ ][ ۴۷۱ ][ ۴۷۲ ][ ۴۷۳ ][ ۴۷۴ ][ ۴۷۵ ][ ۴۷۶ ][ ۴۷۷ ][ ۴۷۸ ][ ۴۷۹ ][ ۴۸۰ ][ ۴۸۱ ][ ۴۸۲ ][ ۴۸۳ ][ ۴۸۴ ][ ۴۸۵ ][ ۴۸۶ ][ ۴۸۷ ][ ۴۸۸ ][ ۴۸۹ ][ ۴۹۰ ][ ۴۹۱ ][ ۴۹۲ ][ ۴۹۳ ][ ۴۹۴ ][ ۴۹۵ ][ ۴۹۶ ][ ۴۹۷ ][ ۴۹۸ ][ ۴۹۹ ][ ۵۰۰ ][ ۵۰۱ ][ ۵۰۲ ][ ۵۰۳ ][ ۵۰۴ ][ ۵۰۵ ][ ۵۰۶ ][ ۵۰۷ ][ ۵۰۸ ][ ۵۰۹ ][ ۵۱۰ ][ ۵۱۱ ][ ۵۱۲ ][ ۵۱۳ ][ arget="_blank">۶۶۶ ][ ۶۶۷ ][ ۶۶۸ ][ ۶۶۹ ][ ۶۷۰ ][ ۶۷۱ ][ ۶۷۲ ][ ۶۷۳ ][ ۶۷۴ ][ ۶۷۵ ][ ۶۷۶ ][ ۶۷۷ ][ ۶۷۸ ][ ۶۷۹ ][ ۶۸۰ ][ ۶۸۱ ][ ۶۸۲ ][ ۶۸۳ ][ ۶۸۴ ][ ۶۸۵ ][ ۶۸۶ ][ ۶۸۷ ][ ۶۸۸ ][ ۶۸۹ ][ ۶۹۰ ][ ۶۹۱ ][ ۶۹۲ ][ ۶۹۳ ][ ۶۹۴ ][ ۶۹۵ ][ ۶۹۶ ][ ۶۹۷ ][ ۶۹۸ ][ ۶۹۹ ][ ۷۰۰ ][ ۷۰۱ ][ ۷۰۲ ][ ۷۰۳ ][ ۷۰۴ ][ ۷۰۵ ][ ۷۰۶ ][ ۷۰۷ ][ ۷۰۸ ][ ۷۰۹ ][ ۷۱۰ ][ ۷۱۱ ][ ۷۱۲ ][ ۷۱۳ ][ ۷۱۴ ][ ۷۱۵ ][ ۷۱۶ ][ ۷۱۷ ][ ۷۱۸ ][ ۷۱۹ ][ ۷۲۰ ][ ۷۲۱ ][ ۷۲۲ ][ ۷۲۳ ][ ۷۲۴ ][ ۷۲۵ ][ ۷۲۶ ][ ۷۲۷ ][ ۷۲۸ ][ ۷۲۹ ][ ۷۳۰ ][ ۷۳۱ ][ ۷۳۲ ][ ۷۳۳ ][ ۷۳۴ ][ ۷۳۵ ][ ۷۳۶ ][ ۷۳۷ ][ ۷۳۸ ][ ۷۳۹ ][ ۷۴۰ ][ ۷۴۱ ][ ۷۴۲ ][ ۷۴۳ ][ ۷۴۴ ][ ۷۴۵ ][ ۷۴۶ ][ ۷۴۷ ][ ۷۴۸ ][ ۷۴۹ ][ ۷۵۰ ][ ۷۵۱ ][ ۷۵۲ ][ ۷۵۳ ][ ۷۵۴ ][ ۷۵۵ ][ ۷۵۶ ][ ۷۵۷ ][ ۷۵۸ ][ ۷۵۹ ][ ۷۶۰ ][ ۷۶۱ ][ ۷۶۲ ][ ۷۶۳ ][ ۷۶۴ ][ ۷۶۵ ][ ۷۶۶ ][ ۷۶۷ ][ ۷۶۸ ][ ۷۶۹ ][ ۷۷۰ ][ ۷۷۱ ][ ۷۷۲ ][ ۷۷۳ ][ ۷۷۴ ][ ۷۷۵ ][ ۷۷۶ ][ ۷۷۷ ][ ۷۷۸ ][ ۷۷۹ ][ ۷۸۰ ][ ۷۸۱ ][ ۷۸۲ ][ ۷۸۳ ][ ۷۸۴ ][ ۷۸۵ ][ ۷۸۶ ][ ۷۸۷ ][ ۷۸۸ ][ ۷۸۹ ][ ۷۹۰ ][ ۷۹۱ ][ ۷۹۲ ][ ۷۹۳ ][ ۷۹۴ ][ ۷۹۵ ][ ۷۹۶ ][ ۷۹۷ ][ ۷۹۸ ][ ۷۹۹ ][ ۸۰۰ ][ ۸۰۱ ][ ۸۰۲ ][ ۸۰۳ ][ ۸۰۴ ][ ۸۰۵ ][ ۸۰۶ ][ ۸۰۷ ][ ۸۰۸ ][ ۸۰۹ ][ ۸۱۰ ][ ۸۱۱ ][ ۸۱۲ ][ ۸۱۳ ][ ۸۱۴ ][ ۸۱۵ ][ ۸۱۶ ][ ۸۱۷ ][ ۹۷۰ ][ ۹۷۱ ][ ۹۷۲ ][ ۹۷۳ ][ ۹۷۴ ][ ۹۷۵ ][ ۹۷۶ ][ ۹۷۷ ][ ۹۷۸ ][ ۹۷۹ ][ ۹۸۰ ][ ۹۸۱ ][ ۹۸۲ ][ ۹۸۳ ][ ۹۸۴ ][ ۹۸۵ ][ ۹۸۶ ][ ۹۸۷ ][ ۹۸۸ ][ ۹۸۹ ][ ۹۹۰ ][ ۹۹۱ ][ ۹۹۲ ][ ۹۹۳ ][ ۹۹۴ ][ ۹۹۵ ][ ۹۹۶ ][ ۹۹۷ ][ ۹۹۸ ][ ۹۹۹ ][ ۱۰۰۰ ][ ۱۰۰۱ ][ ۱۰۰۲ ][ ۱۰۰۳ ][ ۱۰۰۴ ][ ۱۰۰۵ ][ ۱۰۰۶ ][ ۱۰۰۷ ][ ۱۰۰۸ ][ ۱۰۰۹ ][ ۱۰۱۰ ][ ۱۰۱۱ ][ ۱۰۱۲ ][ ۱۰۱۳ ][ ۱۰۱۴ ][ ۱۰۱۵ ][ ۱۰۱۶ ][ ۱۰۱۷ ][ ۱۰۱۸ ][ ۱۰۱۹ ][ ۱۰۲۰ ][ ۱۰۲۱ ][ ۱۰۲۲ ][ ۱۰۲۳ ][ ۱۰۲۴ ][ ۱۰۲۵ ][ ۱۰۲۶ ][ ۱۰۲۷ ][ ۱۰۲۸ ][ ۱۰۲۹ ][ ۱۰۳۰ ][ ۱۰۳۱ ][ ۱۰۳۲ ][ ۱۰۳۳ ][ ۱۰۳۴ ][ ۱۰۳۵ ][ ۱۰۳۶ ][ ۱۰۳۷ ][ ۱۰۳۸ ][ ۱۰۳۹ ][ ۱۰۴۰ ][ ۱۰۴۱ ][ ۱۰۴۲ ][ ۱۰۴۳ ][ ۱۰۴۴ ][ ۱۰۴۵ ][ ۱۰۴۶ ][ ۱۰۴۷ ][ ۱۰۴۸ ][ ۱۰۴۹ ][ ۱۰۵۰ ][ ۱۰۵۱ ][ ۱۰۵۲ ][ ۱۰۵۳ ][ ۱۰۵۴ ][ ۱۰۵۵ ][ ۱۰۵۶ ][ ۱۰۵۷ ][ ۱۰۵۸ ][ ۱۰۵۹ ][ ۱۰۶۰ ][ ۱۰۶۱ ][ ۱۰۶۲ ][ ۱۰۶۳ ][ ۱۰۶۴ ][ ۱۰۶۵ ][ ۱۰۶۶ ][ ۱۰۶۷ ][ ۱۰۶۸ ][ ۱۰۶۹ ][ ۱۰۷۰ ][ ۱۰۷۱ ][ ۱۰۷۲ ][ ۱۰۷۳ ][ ۱۰۷۴ ][ ۱۰۷۵ ][ ۱۰۷۶ ][ ۱۰۷۷ ][ ۱۰۷۸ ][ ۱۰۷۹ ][ ۱۰۸۰ ][ ۱۰۸۱ ][ ۱۰۸۲ ][ ۱۰۸۳ ][ ۱۰۸۴ ][ ۱۰۸۵ ][ ۱۰۸۶ ][ ۱۰۸۷ ][ ۱۰۸۸ ][ ۱۰۸۹ ][ ۱۰۹۰ ][ ۱۰۹۱ ][ ۱۰۹۲ ][ ۱۰۹۳ ][ ۱۰۹۴ ][ ۱۰۹۵ ][ ۱۰۹۶ ][ ۱۰۹۷ ][ ۱۰۹۸ ]
درباره وبلاگ

تيم مشاوران مديريت ايران IranMCT ----------------- http://iranmct.com ---------------- Iran Management Consultants Team
پنل کاربری
نام کاربری :
پسورد :
لینک های تبادلی
فاقد لینک
تبادل لینک اتوماتیک
لینک :
خبرنامه
عضویت   لغو عضویت
امکانات وب
شمارنده
شرکت مشاوره مدیریتبازارسازی مدیریت بازاریابی. بازدید تحقیقات بازاریابیآموزش مدیریت MBAدلایل ترک تحقیقات بازاریابی تحقیقات مدیریت شرایط سخت بازارکارت امتیازی متوازنارزیابی عملکرد . نمونه مطالعات موردی.برند برندینگانواع برند معرفی 21 نوع متفاوت از برندبرندسازی branding marketing . برندسازی.تحقیقات بازاریابی انگیزه بخش http://marketingbranding.ir سبک مدیریت است مدیریت بازاربازاریابیتحقیقات بازاریابی ویژگی های .حرفه ای مشاوره اموزش مدیریت.شناسایی مشتریان .تحقیقات بازاریابی استفاده از تحقیقات بازار و بازاریابی http://marketingsales.irmarketing مدیریت برندینگ . Business Management ConsultantIran Business Management ConsultantManagement . بازاریابیانواع بازاریابی 127 نوع بازاریابیبازاریابی. بازاریابی MarketingMix آمیختهآمیزه بازاريابیمدیریت بازاریابی. اخبار مدیریت و تجارتمدیریت.مشاوره بازاریابی مدیریت آموزش تکنیک‌های فروشندگی حرفه‌ای فروشندگی. اخبار مدیریت و تجارتبازاریابی برندینگ. مدیریت مشاوره بازاریابیآموزش. بیزینس پلن طرح توجیهی طرح business plan. برنامه بازاریابی Marketing Planبازاریابی. مشاوره تبلیغات مشاور تبلیغات مشاور مدیریت management مشاوره مدیریت انواع بازاریابی بازاریابی. طرح توجیهیمدیریت.